Ибн АшурАш‑Шура · 42:52–53

Ибн Ашур · Тафсир · на арабском

Аш-Шура 42:52–53

42:52Страница 489

وَكَذَٰلِكَ أَوۡحَيۡنَآ إِلَيۡكَ رُوحٗا مِّنۡ أَمۡرِنَاۚ مَا كُنتَ تَدۡرِي مَا ٱلۡكِتَٰبُ وَلَا ٱلۡإِيمَٰنُ وَلَٰكِن جَعَلۡنَٰهُ نُورٗا نَّهۡدِي بِهِۦ مَن نَّشَآءُ مِنۡ عِبَادِنَاۚ وَإِنَّكَ لَتَهۡدِيٓ إِلَىٰ صِرَٰطٖ مُّسۡتَقِيمٖ ٥٢

Таким же образом Мы внушили тебе в откровении дух (Коран) из Нашего повеления. Ты не знал, что такое Писание и что такое вера. Но Мы сделали его светом, посредством которого Мы ведем прямым путем того из Наших рабов, кого пожелаем. Воистину, ты указываешь на прямой путь -

﴿وكَذَلِكَ أوْحَيْنا إلَيْكَ رُوحًا مِن أمْرِنا ما كُنْتَ تَدْرِي ما الكِتابُ ولا الإيمانُ ولَكِنْ جَعَلْناهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَن نَشاءُ مِن عِبادِنا﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿وما كانَ لِبَشَرٍ أنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إلّا وحْيًا﴾ [الشورى: ٥١] الآيَةَ، وهَذا دَلِيلٌ عَلَيْهِمْ أنَّ القُرْآنَ أُنْزِلَ مِن عِنْدِ اللَّهِ أعْقَبَ بِهِ إبْطالَ شُبْهَتِهِمُ الَّتِي تَقَدَّمَ لِإبْطالِها قَوْلُهُ: ﴿وما كانَ لِبَشَرٍ أنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إلّا وحْيًا﴾ [الشورى: ٥١] الآيَةَ، أيْ كانَ وحْيُنا إلَيْكَ مِثْلَ كَلامِنا الَّذِي كَلَّمْنا بِهِ مَن قَبْلِكَ عَلى ما صَرَّحَ بِهِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنّا أوْحَيْنا إلَيْكَ كَما أوْحَيْنا إلى نُوحٍ والنَّبِيِّينَ مِن بَعْدِهِ﴾ [النساء: ١٦٣] . والمَقْصُودُ مِن هَذا هو قَوْلُهُ: ﴿ما كُنْتَ تَدْرِي ما الكِتابُ ولا الإيمانُ﴾ .

صفحة ١٥١

والإشارَةُ إلى سابِقٍ في الكَلامِ وهو المَذْكُورُ آنِفًا في قَوْلِهِ: ﴿وما كانَ لِبَشَرٍ أنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إلّا وحْيًا﴾ [الشورى: ٥١] الآيَةَ، أيْ ومِثْلَ الَّذِي ذُكِرَ مِن تَكْلِيمِ اللَّهِ وحْيُنا إلَيْكَ رُوحًا مِن أمْرِنا، فَيَكُونُ عَلى حَدِّ قَوْلِ الحارِثِ بْنِ حِلِّزَةَ:

مِثْلَها تَخْرُجُ النَّصِيحَةُ لِلْقَوْمِ فَلاةً مِن دُونِهَـا أفْـلاءُ

أيْ مِثْلَ نَصِيحَتِنا الَّتِي نَصَحْناها لِلْمَلِكِ عَمْرِو بْنِ هِنْدٍ تَكُونُ نَصِيحَةُ الأقْوامِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ لِأنَّها نَصِيحَةُ قَرابَةِ ذَوِي أرْحامٍ.

ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الإشارَةُ إلى ما يَأْتِي مِن بَعْدُ وهو الإيحاءُ المَأْخُوذُ مَن (أوْحَيْنا إلَيْكَ) أيْ مِثْلَ إيحائِنا إلَيْكَ أوْحَيْنا إلَيْكَ، أيْ لَوْ أُرِيدَ تَشْبِيهُ إيحائِنا إلَيْكَ في رِفْعَةِ القَدْرِ والهُدى ما وُجِدَ لَهُ شَبِيهٌ إلّا نَفْسُهُ عَلى طَرِيقَةِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا﴾ [البقرة: ١٤٣] كَما تَقَدَّمَ في سُورَةِ البَقَرَةِ. والمَعْنى: إنَّ ما أوْحَيْنا إلَيْكَ هو أعَزُّ وأشْرَفُ وحْيٍ بِحَيْثُ لا يُماثِلُهُ غَيْرُهُ.

وكِلا المَعْنَيَيْنِ صالِحٌ هُنا فَيَنْبَغِي أنْ يَكُونَ كِلاهُما مَحْمَلًا لِلْآيَةِ عَلى نَحْوِ ما ابْتَكَرْناهُ في المُقَدِّمَةِ التّاسِعَةِ مِن هَذا التَّفْسِيرِ. ويُؤْخَذُ مِن هَذِهِ الآيَةِ أنَّ النَّبِيءَ مُحَمَّدًا ﷺ قَدْ أُعْطِي أنْواعَ الوَحْيِ الثَّلاثَةَ، وهو أيْضًا مُقْتَضى الغَرَضِ مِن مَساقِ هَذِهِ الآياتِ.

والرُّوحُ: ما بِهِ حَياةُ الإنْسانِ، وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ويَسْألُونَكَ عَنِ الرُّوحِ﴾ [الإسراء: ٨٥] في سُورَةِ الإسْراءِ. وأطْلَقَ الرُّوحَ هُنا مَجازًا عَلى الشَّرِيعَةِ الَّتِي بِها اهْتِداءُ النُّفُوسِ إلى ما يَعُودُ عَلَيْهِمْ بِالخَيْرِ في حَياتِهِمُ الأُولى وحَياتِهِمُ الثّانِيَةِ، شُبِّهَتْ هِدايَةُ عُقُولِهِمْ بَعْدَ الضَّلالَةِ بِحُلُولِ الرُّوحِ في الجَسَدِ فَيَصِيرُ حَيًّا بَعْدَ أنْ كانَ جُثَّةً.

ومَعْنى (مِن أمْرِنا) مِمّا اسْتَأْثَرْنا بِخَلْقِهِ وحَجَبْناهُ عَنِ النّاسِ فالأمْرُ المُضافُ إلى

صفحة ١٥٢

اللَّهِ بِمَعْنى الشَّأْنِ العَظِيمِ، كَقَوْلِهِمْ: أمِرَ أمْرُ فُلانٍ، أيْ شَأْنُهُ، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿بِإذْنِ رَبِّهِمْ مِن كُلِّ أمْرٍ﴾ [القدر: ٤] .

والمُرادُ بِالرُّوحِ مِن أمْرِ اللَّهِ: ما أُوحِيَ بِهِ إلى النَّبِيءِ ﷺ مِنَ الإرْشادِ والهِدايَةِ سَواءٌ كانَ بِتَلْقِينِ كَلامٍ مُعَيَّنٍ مَأْمُورٍ بِإبْلاغِهِ إلى النّاسِ بِلَفْظِهِ دُونَ تَغَيُّرٍ وهو الوَحْيُ القُرْآنِيُّ المَقْصُودُ مِنهُ أمْرانِ: الهِدايَةُ والإعْجازُ، أمْ كانَ غَيْرَ مُقَيَّدٍ بِذَلِكَ بَلِ الرَّسُولُ مَأْمُورٌ بِتَبْلِيغِ المَعْنى دُونَ اللَّفْظِ وهو ما يَكُونُ بِكَلامٍ غَيْرِ مَقْصُودٍ بِهِ الإعْجازُ، أوْ بِإلْقاءِ المَعْنى إلى الرَّسُولِ بِمُشافَهَةِ المَلَكِ، ولِلرَّسُولِ في هَذا أنْ يَتَصَرَّفَ مِن ألْفاظِ ما أُوحِيَ إلَيْهِ بِما يُرِيدُ التَّعْبِيرَ بِهِ أوْ بِرُؤْيا المَنامِ أوْ بِالإلْقاءِ في النَّفْسِ كَما تَقَدَّمَ.

واخْتِتامُ هَذِهِ السُّورَةِ بِهَذِهِ الآيَةِ مَعَ افْتِتاحِها بَقَوْلِهِ: ﴿كَذَلِكَ يُوحِي إلَيْكَ﴾ [الشورى: ٣] الآيَةَ فِيهِ مُحَسِّنُ رَدِّ العَجُزِ عَلى الصَّدْرِ.

وجُمْلَةُ ﴿ما كُنْتَ تَدْرِي ما الكِتابُ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ (أوْحَيْنا) أيْ أوْحَيْنا إلَيْكَ في حالَ انْتِفاءِ عِلْمِكَ بِالكِتابِ والإيمانِ، أيْ أفَضْنا عَلَيْكَ مَوْهِبَةَ الوَحْيِ في حالِ خُلُوِّكَ عَنْ عِلْمِ الكِتابِ وعِلْمِ الإيمانِ. وهَذا تَحَدٍّ لِلْمُعانِدِينَ لِيَتَأمَّلُوا في حالِ الرَّسُولِ ﷺ فَيَعْلَمُوا أنَّ ما أُوتِيَهُ مِنَ الشَّرِيعَةِ والآدابِ الخُلُقِيَّةِ هو مِن مَواهِبِ اللَّهِ تَعالى الَّتِي لَمْ تَسْبِقْ لَهُ مُزاوَلَتُها، ويَتَضَمَّنُ امْتِنانًا عَلَيْهِ وعَلى أُمَّتِهِ المُسْلِمِينَ.

ومَعْنى عَدَمِ دِرايَةِ الكِتابِ: عَدَمُ تَعَلُّقِ عِلْمِهِ بِقِراءَةِ كِتابٍ أوْ فَهْمِهِ.

ومَعْنى انْتِفاءِ دِرايَةِ الإيمانِ: عَدَمُ تَعَلُّقِ عِلْمِهِ بِما تَحْتَوِي عَلَيْهِ حَقِيقَةُ الإيمانِ الشَّرْعِيِّ مِن صِفاتِ اللَّهِ وأُصُولِ الدِّينِ وقَدْ يُطْلَقُ الإيمانُ عَلى ما يُرادِفُ الإسْلامَ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إيمانَكُمْ﴾ [البقرة: ١٤٣] وهو الإيمانُ الَّذِي يَزِيدُ ويَنْقُصُ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ويَزْدادَ الَّذِينَ آمَنُوا إيمانًا﴾ [المدثر: ٣١]، فَيُزادُ في مَعْنى عَدَمِ دِرايَةِ الإيمانِ انْتِفاءُ تَعَلُّقِ عِلْمِ الرَّسُولِ ﷺ بِشَرائِعِ الإسْلامِ. فانْتِفاءُ دِرايَتِهِ بِالإيمانِ مِثْلُ انْتِفاءِ دِرايَتِهِ بِالكِتابِ، أيِ انْتِفاءِ العِلْمِ بِحَقائِقِهِ ولِذَلِكَ قالَ ما كُنْتَ تَدْرِي ولَمْ يَقُلْ: ما كُنْتَ مُؤْمِنًا.

صفحة ١٥٣

وكِلا الِاحْتِمالَيْنِ لا يَقْتَضِي أنَّ الرَّسُولَ ﷺ لَمْ يَكُنْ مُؤْمِنًا بِوُجُودِ اللَّهِ ووَحْدانِيَّةِ إلَهِيَّتِهِ قَبْلَ نُزُولِ الوَحْيِ عَلَيْهِ إذِ الأنْبِياءُ والرُّسُلُ مَعْصُومُونَ مِنَ الشِّرْكِ قَبْلَ النُّبُوءَةِ فَهم مُوَحِّدُونَ لِلَّهِ ونابِذُونَ لِعِبادَةِ الأصْنامِ، ولَكِنَّهم لا يَعْلَمُونَ تَفاصِيلَ الإيمانِ، وكانَ نَبِيُّنا ﷺ في عَهْدِ جاهِلِيَّةِ قَوْمِهِ يَعْلَمُ بُطْلانَ عِبادَةِ الأصْنامِ، وإذْ قَدْ كانَ قَوْمُهُ يُشْرِكُونَ مَعَ اللَّهِ غَيْرَهُ في الإلَهِيَّةِ فَبُطْلانُ إلَهِيَّةِ الأصْنامِ عِنْدَهُ تُمَحِّضُهُ لِإفْرادِ اللَّهِ بِالإلَهِيَّةِ لا مَحالَةَ.

وقَدْ أخْبَرَ بِذَلِكَ عَنْ نَفْسِهِ فِيما رَواهُ أبُو نُعَيْمٍ في دَلائِلِ النُّبُوءَةِ عَنْ شَدّادِ بْنِ أوْسٍ وذَكَرَهُ عِياضٌ في الشِّفاءِ غَيْرَ مَعْزُوٍّ: «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ لَمّا نَشَأْتُ - أيْ عَقَلْتُ - بُغِّضَتْ إلَيَّ الأوْثانُ وبُغِّضَ إلَيَّ الشِّعْرُ، ولَمْ أهُمَّ بِشَيْءٍ مِمّا كانَتِ الجاهِلِيَّةُ تَفْعَلُهُ إلّا مَرَّتَيْنِ فَعَصَمَنِي اللَّهُ مِنهُما ثُمَّ لَمْ أعُدْ» .

وعَلى شِدَّةِ مُنازَعَةِ قُرَيْشٍ إيّاهُ في أمْرِ التَّوْحِيدِ فَإنَّهم لَمْ يُحاجُّوهُ بِأنَّهُ كانَ يَعْبُدُ الأصْنامَ مَعَهم.

وفِي هَذِهِ الآيَةِ حُجَّةٌ لِلْقائِلِينَ بِأنَّ رَسُولَ ﷺ لَمْ يَكُنْ مُتَعَبِّدًا قَبْلَ نُبُوءَتِهِ بِشَرْعٍ.

وإدْخالُ (لا) النّافِيَةِ في قَوْلِهِ ولا الإيمانُ تَأْكِيدٌ لِنَفْيِ دِرايَتِهِ إيّاهُ، أيْ ما كُنْتَ تَدْرِي الكِتابَ ولا الإيمانَ، لِلتَّنْصِيصِ عَلى أنَّ المَنفِيَّ دِرايَةُ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما.

وقَوْلُهُ: ﴿ولَكِنْ جَعَلْناهُ نُورًا﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿ما كُنْتَ تَدْرِي ما الكِتابُ﴾ . وضَمِيرُ جَعَلْناهُ عائِدٌ إلى الكِتابِ في قَوْلِهِ: ﴿ما كُنْتَ تَدْرِي ما الكِتابُ﴾ . والتَّقْدِيرُ: وجَعَلَنا الكِتابَ نُورًا. وأُقْحِمَ في الجُمْلَةِ المَعْطُوفَةِ حَرْفُ الِاسْتِدْراكِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ مَضْمُونَ هَذِهِ الجُمْلَةِ عَكْسُ مَضْمُونِ جُمْلَةِ ﴿ما كُنْتَ تَدْرِي ما الكِتابُ﴾ .

والِاسْتِدْراكُ ناشِئٌ عَلى ما تَضَمَّنَتْهُ جُمْلَةُ ﴿ما كُنْتَ تَدْرِي ما الكِتابُ﴾ لِأنَّ ظاهِرَ نَفْيِ دِرايَةِ الكِتابِ أنَّ انْتِفاءَها مُسْتَمِرٌّ فاسْتَدْرَكَ بِأنَّ اللَّهَ هَداهُ، بِالكِتابِ وهَدى بِهِ أُمَّتَهُ، فالِاسْتِدْراكُ واقِعٌ في المَحَزِّ. والتَّقْدِيرُ: ما كُنْتَ تَدْرِي ما الكِتابُ ولا الإيمانُ ثُمَّ هَدَيْناكَ بِالكِتابِ ابْتِداءً وعَرَّفْناكَ بِهِ الإيمانَ وهَدَيْتَ بِهِ النّاسَ ثانِيًا

صفحة ١٥٤

فاهْتَدى بِهِ مَن شِئْنا هِدايَتَهُ، أيْ وبَقِيَ عَلى الضَّلالِ مَن لَمْ نَشَأْ لَهُ الِاهْتِداءَ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا ويَهْدِي بِهِ كَثِيرًا﴾ [البقرة: ٢٦] .

وشُبِّهَ الكِتابُ بِالنُّورِ لِمُناسَبَةِ الهَدْيِ بِهِ لِأنَّ الإيمانَ والهُدى والعِلْمَ تُشَبَّهُ بِالنُّورِ، والضَّلالَ والجَهْلَ والكُفْرَ تُشَبَّهُ بِالظُّلْمَةِ، قالَ تَعالى: ﴿يُخْرِجُهم مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ﴾ [البقرة: ٢٥٧] . وإذا كانَ السّائِرُ في الطَّرِيقِ في ظُلْمَةٍ ضَلَّ عَنِ الطَّرِيقِ فَإذا اسْتَنارَ لَهُ اهْتَدى إلى الطَّرِيقِ، فالنُّورُ وسِيلَةُ الِاهْتِداءِ ولَكِنْ إنَّما يَهْتَدِي بِهِ مَن لا يَكُونُ لَهُ حائِلٌ دُونَ الِاهْتِداءِ وإلّا لَمْ تَنْفَعْهُ وسِيلَةُ الِاهْتِداءِ ولِذَلِكَ قالَ تَعالى: ﴿نَهْدِي بِهِ مَن نَشاءُ مِن عِبادِنا﴾، أيْ نَخْلُقُ بِسَبَبِهِ الهِدايَةَ في نُفُوسِ الَّذِينَ أعَدَدْناهم لِلْهُدى مِن عِبادِنا.

فالهِدايَةُ هُنا هِدايَةٌ خاصَّةٌ وهي خَلْقُ الإيمانِ في القَلْبِ.

* * *

﴿وإنَّكَ لَتَهْدِي إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ ﴿صِراطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ [الشورى: ٥٣]

أيْ نَهْدِي بِهِ مَن نَشاءُ بِدَعْوَتِكَ وواسِطَتِكَ فَلَمّا أثْبَتَ الهَدْيَ إلى اللَّهِ وجَعَلَ الكِتابَ سَبَبًا لِتَحْصِيلِ الهِدايَةِ عَطَفَ وساطَةَ الرَّسُولِ في إيصالِ ذَلِكَ الهَدْيِ تَنْوِيهًا بِشَأْنِ الرَّسُولِ ﷺ .

فَجُمْلَةُ وإنَّكَ لَتَهْدِي عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿نَهْدِي بِهِ مَن نَشاءُ مِن عِبادِنا﴾ . وفي الكَلامِ تَعْرِيضٌ بِالمُشْرِكِينَ إذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ وإذْ كَبُرَ عَلَيْهِمْ ما يَدْعُوهم إلَيْهِ مَعَ أنَّهُ يَهْدِيهِمْ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ.

والهِدايَةُ في قَوْلِهِ وإنَّكَ لَتَهْدِي هِدايَةٌ عامَّةٌ. وهي: إرْشادُ النّاسِ إلى طَرِيقِ الخَيْرِ فَهي تُخالِفُ الهِدايَةَ في قَوْلِهِ: ﴿نَهْدِي بِهِ مَن نَشاءُ﴾ .

وحَذَفَ مَفْعُولَ لَتَهْدِي لِلْعُمُومِ، أيْ لَتَهْدِي جَمِيعَ النّاسِ، أيْ تُرْشِدُهم إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ، وهَذا كَقَوْلِهِ: ﴿وهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [البلد: ١٠] ﴿فَلا اقْتَحَمَ العَقَبَةَ﴾ [البلد: ١١] .

صفحة ١٥٥

وتَأْكِيدُ الخَبَرِ بِـ (إنَّ) لِلِاهْتِمامِ بِهِ؛ لِأنَّ الخَبَرَ مُسْتَعْمَلٌ في تَثْبِيتِ قَلْبِ النَّبِيءِ ﷺ بِالشَّهادَةِ لَهُ بِهَذا المَقامِ العَظِيمِ فالخَبَرُ مُسْتَعْمَلٌ في لازِمِ مَعْناهُ، عَلى أنَّهُ مُسْتَعْمَلٌ أيْضًا لِلتَّعْرِيضِ بِالمُنْكِرِينَ لِهَدْيِهِ فَيَكُونُ في التَّأْكِيدِ مُلاحَظَةُ تَحْقِيقِهِ وإبْطالُ إنْكارِهِمْ.

فَكَما أنَّ الخَبَرَ مُسْتَعْمَلٌ في لازِمَيْنِ مِن لَوازِمِ مَعْناهُ فَكَذَلِكَ التَّأْكِيدُ بِـ (إنَّ) مُسْتَعْمَلٌ في غَرَضَيْنِ مِن أغْراضِهِ، وكِلا الأمْرَيْنِ مِمّا أُلْحِقَ بِاسْتِعْمالِ المُشْتَرَكِ في مَعْنَيَيْهِ.

وتَنْكِيرُ (صِراطٍ) لِلتَّعْظِيمِ مِثْلُ تَنْكِيرِ عَظْمٍ في قَوْلِ أبِي خِراشٍ:

فَلا وأبِي الطَّيْرِ المُرِبَّةِ في الضُّحى عَلى خالِدٍ لَقَدْ وقَعْنَ عَلى عَـظْـمِ

ولِأنَّ التَّنْكِيرَ أنْسَبُ بِمَقامِ التَّعْرِيضِ بِالَّذِينِ لَمْ يَأْبَهُوا بِهِدايَتِهِ.

وعَدَلَ عَنْ إضافَةِ (صِراطٍ) إلى اسْمِ الجَلالَةِ ابْتِداءً لِقَصْدِ الإجْمالِ الَّذِي يَعْقُبُهُ التَّفْصِيلُ بِأنْ يُبْدِلَ مِنهُ بَعْدَ ذَلِكَ (صِراطَ اللَّهِ) لِيَتَمَكَّنَ بِهَذا الأُسْلُوبِ المَعْنى المَقْصُودُ فَضْلَ تَمَكُّنٍ عَلى نَحْوِ قَوْلِهِ: ﴿اهْدِنا الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة: ٦] ﴿صِراطَ الَّذِينَ أنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة: ٧] .

وإجْراءُ وصْفِ اسْمِ الجَلالَةِ بِاسْمِ المَوْصُولِ وصِلَتِهِ لِلْإيماءِ أنَّ سَبَبَ اسْتِقامَةِ الصِّراطِ الَّذِي يَهْدِي إلَيْهِ النَّبِيءُ بِأنَّهُ صِراطُ الَّذِي يَمْلِكُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ فَلا يَعْزُبُ عَنْهُ شَيْءٌ مِمّا يَلِيقُ بِعِبادِهِ، فَلَمّا أرْسَلَ إلَيْهِمْ رَسُولًا بِكِتابٍ لا يُرْتابُ في أنَّ ما أرْسَلَ لَهم فِيهِ صَلاحُهم.

42:53Страница 489

صِرَٰطِ ٱللَّهِ ٱلَّذِي لَهُۥ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِۗ أَلَآ إِلَى ٱللَّهِ تَصِيرُ ٱلۡأُمُورُ ٥٣

путь Аллаха, Которому принадлежит то, что на небесах, и то, что на земле. Воистину, к Аллаху возвращаются дела.

﴿ألا إلى اللَّهِ تَصِيرُ الأُمُورُ﴾ تَذْيِيلٌ وتَنْهِيَةٌ لِلسُّورَةِ بِخِتامِ ما احْتَوَتْ عَلَيْهِ مِنَ المُجادَلَةِ والِاحْتِجاجِ بِكَلامٍ قاطِعٍ جامِعٍ مُنْذِرٍ بِوَعِيدٍ لِلْمُعْرِضِينَ فاجِعٍ ومُبَشِّرٍ بِالوَعْدِ لِكُلِّ خاشِعٍ.

وافْتُتِحَتِ الجُمْلَةُ بِحَرْفِ التَّنْبِيهِ لِاسْتِرْعاءِ أسْماعِ النّاسِ.

صفحة ١٥٦

وتَقْدِيمُ المَجْرُورِ لِإفادَةِ الِاخْتِصاصِ؛ أيْ إلى اللَّهِ لا إلى غَيْرِهِ.

والمَصِيرُ: الرُّجُوعُ والِانْتِهاءُ، واسْتُعِيرَ هُنا لِظُهُورِ الحَقائِقِ كَما هي يَوْمَ القِيامَةِ فَيَذْهَبُ تَلْبِيسُ المُلَبِّسِينَ، ويَهِنُ جَبَرُوتُ المُتَجَبِّرِينَ، ويُقِرُّ بِالحَقِّ مَن كانَ فِيهِ مِنَ المُعانِدِينَ، وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإلى اللَّهِ عاقِبَةُ الأُمُورِ﴾ [لقمان: ٢٢] وقَوْلِهِ: ﴿وإلَيْهِ يُرْجَعُ الأمْرُ كُلُّهُ﴾ [هود: ١٢٣] . والأُمُورُ: الشُّئُونُ والأحْوالُ والحَقائِقُ وكُلُّ مَوْجُودٍ مِنَ الذَّواتِ والمَعانِي.

وقَدْ أخَذَ هَذا المَعْنى الكُمَيْتُ في قَوْلِهِ:

فالآنَ صِرْتُ إلى أُمَيَّـ ـيةَ والأُمُورُ إلى مَصائِرْ

وفِي تَنْهِيَةِ السُّورَةِ بِهَذِهِ الآيَةِ مُحَسِّنُ حُسْنِ الخِتامِ.

* * *

صفحة ١٥٧

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

سُورَةُ الزُّخْرُفِ

سُمِّيَتْ في المَصاحِفِ العَتِيقَةِ والحَدِيثَةِ (سُورَةَ الزُّخْرُفِ) وكَذَلِكَ وجَدْتُها في جَوْءٍ عَتِيقٍ مِن مُصْحَفٍ كُوفِيِّ الخَطِّ مِمّا كُتِبَ في أواخِرِ القَرْنِ الخامِسِ، وبِذَلِكَ تَرْجَمَ لَها التِّرْمِذِيُّ في كِتابِ التَّفْسِيرِ مِن جامِعِهِ، وسُمِّيَتْ كَذَلِكَ في كُتُبِ التَّفْسِيرِ.

وسَمّاها البُخارِيُّ في كِتابِ التَّفْسِيرِ مِن صَحِيحِهِ (سُورَةَ حم الزُّخْرُفِ) وإضافَةُ كَلِمَةِ (حم) إلى الزُّخْرُفِ عَلى نَحْوِ ما بَيَّنّاهُ في تَسْمِيَةِ سُورَةِ (حم المُؤْمِنِ) رَوى الطَّبَرْسِيُّ عَنِ الباقِرِ أنَّهُ سَمّاها كَذَلِكَ.

ووَجْهُ التَّسْمِيَةِ أنَّ كَلِمَةَ (وزُخْرُفًا) وقَعَتْ فِيها ولَمْ تَقَعْ في غَيْرِها مِن سُوَرِ القُرْآنِ فَعَرَّفُوها بِهَذِهِ الكَلِمَةِ.

وهِيَ مَكِّيَّةٌ: وحَكى ابْنُ عَطِيَّةَ الِاتِّفاقَ عَلى أنَّها مَكِّيَّةٌ، وأمّا ما رُوِيَ عَنْ قَتادَةَ وعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ أنَّ آيَةَ ﴿واسْألْ مَن أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ مِن رُسُلِنا أجَعَلْنا مِن دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾ [الزخرف: ٤٥] نَزَلَتْ بِالمَسْجِدِ الأقْصى فَإذا صَحَّ لَمْ يَكُنْ مُنافِيًا لِهَذا لِأنَّ المُرادَ بِالمَكِّيِّ ما أُنْزِلَ قَبْلَ الهِجْرَةِ.

وهِيَ مَعْدُودَةٌ السُّورَةَ الثّانِيَةَ والسِتِّينَ في تَرْتِيبِ نُزُولِ السُّوَرِ، نَزَلَتْ بَعْدَ سُورَةِ فُصِّلَتْ وقَبْلَ سُورَةِ الدُّخانِ.

وعُدَّتْ آيُها عِنْدَ العادِّينَ مِن مُعْظَمِ الأمْصارِ تِسْعًا وثَمانِينَ، وعَدَّها أهْلُ الشّامِ ثَمانِيًا وثَمانِينَ.

* * *

صفحة ١٥٨

أغْراضُها

أعْظَمُ ما اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ هَذِهِ السُّورَةُ مِنَ الأغْراضِ: التَّحَدِّي بِإعْجازِ القُرْآنِ لِأنَّهُ آيَةُ صِدْقِ الرَّسُولِ ﷺ فِيما جاءَ بِهِ والتَّنْوِيهُ بِهِ عِدَّةَ مَرّاتٍ وأنَّهُ أوْحى اللَّهُ بِهِ لِتَذْكِيرِهِمْ وتَكْرِيرِ تَذْكِيرِهِمْ وإنْ أعْرَضُوا كَما أعْرَضَ مَن قَبْلَهم عَنْ رُسُلِهِمْ.

وإذْ قَدْ كانَ باعِثُهم عَلى الطَّعْنِ في القُرْآنِ تَعَلُّقَهم بِعِبادَةِ الأصْنامِ الَّتِي نَهاهُمُ القُرْآنُ عَنْها كانَ مِن أهَمِّ أغْراضِ السُّورَةِ، التَّعْجِيبُ مِن حالِهِمْ إذْ جَمَعُوا بَيْنَ الِاعْتِرافِ بِأنَّ اللَّهَ خالِقُهم والمُنْعِمُ عَلَيْهِمْ وخالِقُ المَخْلُوقاتِ كُلِّها. وبَيْنَ اتِّخاذِهِمْ آلِهَةً يَعْبُدُونَها شُرَكاءَ لِلَّهِ، حَتّى إذا انْتَقَضَ أساسُ عِنادِهِمُ اتَّضَحَ لَهم ولِغَيْرِهِمْ باطِلُهم.

وجَعَلُوا بَناتٍ لِلَّهِ مَعَ اعْتِقادِهِمْ أنَّ البَناتِ أحَطُّ قَدْرًا مِنَ الذُّكُورِ فَجَمَعُوا بِذَلِكَ بَيْنَ الإشْراكِ والتَّنْقِيصِ.

وإبْطالُ عِبادَةِ كُلِّ ما دُونَ اللَّهِ عَلى تَفاوُتِ دَرَجاتِ المَعْبُودِينَ في الشَّرَفِ فَإنَّهم سَواءٌ في عَدَمِ الإلَهِيَّةِ لِلْأُلُوهِيَّةِ ولِبُنُوَّةِ اللَّهِ تَعالى.

وعَرَّجَ عَلى إبْطالِ حُجَجِهِمْ ومَعاذِيرِهِمْ، وسَفَّهَ تَخْيِيلاتِهِمْ وتُرَّهاتِهِمْ.

وذَكَّرَهم بِأحْوالِ الأُمَمِ السّابِقِينَ مَعَ رُسُلِهِمْ، وأنْذَرَهم بِمِثْلِ عَواقِبِهِمْ، وحَذَّرَهم مِن الِاغْتِرارِ بِإمْهالِ اللَّهِ وخَصَّ بِالذِّكْرِ رِسالَةَ إبْراهِيمَ ومُوسى وعِيسى عَلَيْهِمُ السَّلامُ. وخَصَّ إبْراهِيمَ بِأنَّهُ جَعَلَ كَلِمَةَ التَّوْحِيدِ باقِيَةً في جَمْعٍ مِن عَقِبِهِ وتَوَعَّدَ المُشْرِكِينَ وأنْذَرَهم بِعَذابِ الآخِرَةِ بَعْدَ البَعْثِ الَّذِي كانَ إنْكارُهم وُقُوعَهُ مِن مُغَذِّياتِ كُفْرِهِمْ وإعْراضِهِمْ لِاعْتِقادِهِمْ أنَّهم في مَأْمَنٍ بَعْدَ المَوْتِ.

وقَدْ رُتِّبَتْ هَذِهِ الأغْراضُ وتَفارِيعُها عَلى نَسْجٍ بَدِيعٍ وأُسْلُوبٍ رائِعٍ في التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ والأصالَةِ والِاسْتِطْرادِ عَلى حَسَبِ دَواعِي المُناسَباتِ الَّتِي اقْتَضَتْها البَلاغَةُ، وتَجْدِيدُ نَشاطِ السّامِعِ لِقَبُولِ ما يُلْقى إلَيْهِ. وتَخَلَّلَ في خِلالِهِ مِنَ الحُجَجِ والأمْثالِ

صفحة ١٥٩

والمَثَلِ والقَوارِعِ والتَّرْغِيبِ والتَّرْهِيبِ، شَيْءٌ عَجِيبٌ، مَعَ دَحْضِ شُبَهِ المُعانِدِينَ بِأفانِينِ الإقْناعِ بِانْحِطاطِ مِلَّةِ كُفْرِهِمْ وعَسْفِ مُعْوَجِّ سُلُوكِهِمْ.

وأُدْمِجَ في خِلالِ ذَلِكَ ما في دَلائِلِ الوَحْدانِيَّةِ مِنَ النِّعَمِ عَلى النّاسِ والإنْذارِ والتَّبْشِيرِ.

وقَدْ جَرَتْ آياتُ هَذِهِ السُّورَةِ عَلى أُسْلُوبِ نِسْبَةِ الكَلامِ إلى اللَّهِ تَعالى عَدا ما قامَتِ القَرِينَةُ عَلى الإسْنادِ إلى غَيْرِهِ.

Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии

Содержание

Аят аль-Курси36Аль-Кахфстр. 42джуз 15Бухари 1Муслим 2999

Вид

Тема
Размер текста
Вид

Read in English