Ибн Ашур · Тафсир · на арабском
Аль-Маида 5:14–17
5:14Страница 110
وَمِنَ ٱلَّذِينَ قَالُوٓاْ إِنَّا نَصَٰرَىٰٓ أَخَذۡنَا مِيثَٰقَهُمۡ فَنَسُواْ حَظّٗا مِّمَّا ذُكِّرُواْ بِهِۦ فَأَغۡرَيۡنَا بَيۡنَهُمُ ٱلۡعَدَاوَةَ وَٱلۡبَغۡضَآءَ إِلَىٰ يَوۡمِ ٱلۡقِيَٰمَةِۚ وَسَوۡفَ يُنَبِّئُهُمُ ٱللَّهُ بِمَا كَانُواْ يَصۡنَعُونَ ١٤
Мы также взяли завет с тех, которые сказали: «Мы - христиане». Они забыли долю из того, что им напомнили, и тогда Мы возбудили между ними вражду и ненависть до Дня воскресения. Аллах поведает им о том, что они творили.
﴿ومِنَ الَّذِينَ قالُوا إنّا نَصارى أخَذْنا مِيثاقَهم فَنَسُوا حَظًّا مِمّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأغْرَيْنا بَيْنَهُمُ العَداوَةَ والبَغْضاءَ إلى يَوْمِ القِيامَةِ وسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِما كانُوا يَصْنَعُونَ﴾ .
ذُكِرَ بَعْدَ مِيثاقِ اليَهُودِ مِيثاقُ النَّصارى. وجاءَتِ الجُمْلَةُ عَلى شِبْهِ اشْتِغالِ العامِلِ عَنِ المَعْمُولِ بِضَمِيرِهِ حَيْثُ قُدِّمَ مُتَعَلِّقٌ ﴿أخَذْنا مِيثاقَهُمْ﴾ وفِيهِ اسْمٌ ظاهِرٌ، وجِيءَ بِضَمِيرِهِ مَعَ العامِلِ لِلنُّكْتَةِ الدّاعِيَةِ لِلِاشْتِغالِ مِن تَقْرِيرِ المُتَعَلِّقِ وتَثْبِيتِهِ في الذِّهْنِ إذْ يَتَعَلَّقُ الحُكْمُ بِاسْمِهِ الظّاهِرِ وبِضَمِيرِهِ، فالتَّقْدِيرُ: وأخَذْنا مِنَ الَّذِينَ قالُوا: إنّا نَصارى مِيثاقَهم، ولَيْسَ تَقْدِيمُ المَجْرُورِ بِالحَرْفِ لِقَصْدِ الحَصْرِ. وقِيلَ: ضَمِيرُ مِيثاقِهِمْ عائِدٌ إلى اليَهُودِ، والإضافَةُ عَلى مَعْنى التَّشْبِيهِ، أيْ مِنَ النَّصارى أخَذْنا مِيثاقَ اليَهُودِ، أيْ مِثْلَهُ، فَهو تَشْبِيهٌ بَلِيغٌ حُذِفَتِ الأداةُ
صفحة ١٤٦
فانْتَصَبَ المُشَبَّهُ بِهِ. وهَذا بَعِيدٌ، لِأنَّ مِيثاقَ اليَهُودِ لَمْ يُفَصَّلْ في الآيَةِ السّابِقَةِ حَتّى يُشَبَّهَ بِهِ مِيثاقُ النَّصارى.
وعُبِّرَ عَنِ النَّصارى بِـ ﴿الَّذِينَ قالُوا إنّا نَصارى﴾ هُنا وفي قَوْلِهِ: الآتِي ﴿ولَتَجِدَنَّ أقْرَبَهم مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قالُوا إنّا نَصارى﴾ [المائدة: ٨٢] تَسْجِيلًا عَلَيْهِمْ بِأنَّ اسْمَ دِينِهِمْ مُشِيرٌ إلى أصْلٍ مِن أُصُولِهِ، وهو أنْ يَكُونَ أتْباعُهُ أنْصارًا لِما يَأْمُرُ بِهِ اللَّهُ، ﴿كَما قالَ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوارِيِّينَ مَن أنْصارِي إلى اللَّهِ قالَ الحَوارِيُّونَ نَحْنُ أنْصارُ اللَّهِ﴾ [الصف: ١٤] . ومِن جُمْلَةِ ذَلِكَ أنْ يَنْصُرُوا القائِمَ بِالدِّينِ بَعْدَ عِيسى مِن أتْباعِهِ، مِثْلَ بُولُسَ وبُطْرُسَ وغَيْرِهِما مِن دُعاةِ الهُدى؛ وأعْظَمُ مِن ذَلِكَ كُلِّهِ أنْ يَنْصُرُوا النَّبِيءَ المُبَشَّرَ بِهِ في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ الَّذِي يَجِيءُ بَعْدَ عِيسى قَبْلَ مُنْتَهى العالَمِ ويُخَلِّصَ النّاسَ مِنَ الضَّلالِ ﴿وإذْ أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيئِينَ لَما آتَيْتُكم مِن كِتابٍ وحِكْمَةٍ ثُمَّ جاءَكم رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكم لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ ولَتَنْصُرُنَّهُ﴾ [آل عمران: ٨١] الآيَةَ. فَجَمِيعُ أتْباعِ الرُّسُلِ قَدْ لَزِمَهم ما التَزَمَهُ أنْبِياؤُهم وبِخاصَّةٍ النَّصارى، فَهَذا اللَّقَبُ، وهو النَّصارى، حُجَّةٌ عَلَيْهِمْ قائِمَةٌ بِهِمْ مُتَلَبِّسَةٌ بِجَماعَتِهِمْ كُلِّها.
ويُفِيدُ لَفْظُ ”قالُوا“ بِطَرِيقِ التَّعْرِيضِ الكِنائِيِّ أنَّ هَذا القَوْلَ مُوَفًّى بِهِ وأنَّهُ يَجِبُ أنْ يُوَفّى بِهِ. هَذا إذا كانَ النَّصارى جَمْعًا لِناصِرِيٍّ أوْ نَصْرانِيٍّ عَلى مَعْنى النِّسْبَةِ إلى النَّصْرِ مُبالَغَةً، كَقَوْلِهِمْ: شَعْرانِيٌّ، ولِحْيانِيٌّ، أيِ النّاصِرُ الشَّدِيدُ النَّصْرِ؛ فَإنْ كانَ النَّصارى اسْمَ جَمْعِ ناصِرِيٍّ، بِمَعْنى المَنسُوبِ إلى النّاصِرِيِّ، والنّاصِرِيُّ عِيسى، لِأنَّهُ ظَهَرَ مِن مَدِينَةِ النّاصِرَةِ. فالنّاصِرِيُّ صِفَةٌ عُرِفَ بِها المَسِيحُ عَلَيْهِ السَّلامُ في كُتُبِ اليَهُودِ لِأنَّهُ ظَهَرَ بِدَعْوَةِ الرِّسالَةِ مِن بَلَدِ النّاصِرَةِ في فِلَسْطِينَ؛ فَلِذَلِكَ كانَ مَعْنى النِّسْبَةِ إلَيْهِ النِّسْبَةَ إلى طَرِيقَتِهِ وشَرْعِهِ؛ فَكُلُّ مَن حادَ عَنْ شَرْعِهِ لَمْ يَكُنْ حَقِيقًا بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ إلّا بِدَعْوى كاذِبَةٍ، فَلِذَلِكَ قالَ ﴿قالُوا إنّا نَصارى﴾ . وقِيلَ: إنَّ النَّصارى جَمْعُ نَصْرانِيٍّ، مَنسُوبٌ إلى النَّصْرِ: كَما قالُوا: شَعْرانِيٌّ، ولِحْيانِيٌّ، لِأنَّهم قالُوا: نَحْنُ أنْصارَ اللَّهِ. وعَلَيْهِ فَمَعْنى ﴿قالُوا إنّا نَصارى﴾ أنَّهم زَعَمُوا ذَلِكَ بِقَوْلِهِمْ ولَمْ يُؤَيِّدُوهُ بِفِعْلِهِمْ.
صفحة ١٤٧
وقَدْ أخَذَ اللَّهُ عَلى النَّصارى مِيثاقًا عَلى لِسانِ المَسِيحِ عَلَيْهِ السَّلامُ. وبَعْضُهُ مَذْكُورٌ في مَواضِعَ مِنَ الأناجِيلِ.
وقَوْلُهُ: ﴿فَأغْرَيْنا بَيْنَهُمُ العَداوَةَ﴾ حَقِيقَةُ الإغْراءِ حَثُّ أحَدٍ عَلى فِعْلٍ وتَحْسِينُهُ إلَيْهِ حَتّى لا يَتَوانى في تَحْصِيلِهِ؛ فاسْتُعِيرَ الإغْراءُ لِتَكْوِينِ مُلازَمَةِ العَداوَةِ والبَغْضاءِ في نُفُوسِهِمْ أيْ لُزُومِهِما لَهم فِيما بَيْنَهم، شُبِّهَ تَكْوِينُ العَداوَةِ والبَغْضاءِ مَعَ اسْتِمْرارِهِما فِيهِمْ بِإغْراءِ أحَدٍ أحَدًا بِعَمَلٍ يَعْمَلُهُ تَشْبِيهَ مَعْقُولٍ بِمَحْسُوسٍ. ولَمّا دَلَّ الظَّرْفُ، وهو ”بَيْنَهم“، عَلى أنَّهُما أُغْرِيَتا بِهِمُ اسْتُغْنِيَ عَنْ ذِكْرِ مُتَعَلِّقِ ”أغْرَيْنا“ . وتَقْدِيرُ الكَلامِ: فَأغْرَيْنا العَداوَةَ والبَغْضاءَ بِهِمْ كائِنَتَيْنِ بَيْنَهم. ويُشْبِهُ أنْ يَكُونَ العُدُولُ عَلى تَعْدِيَةِ ”أغْرَيْنا“ بِحَرْفِ الجَرِّ إلى تَعْلِيقِهِ بِالظَّرْفِ قَرِينَةً أوْ تَجْرِيدًا لِبَيانِ أنَّ المُرادَ بِـ ”أغْرَيْنا“ ألْقَيْنا.
وما وقَعَ في الكَشّافِ مِن تَفْسِيرِ ”أغْرَيْنا“ بِمَعْنى ألْصَقْنا، تَطَوُّحٌ عَنِ المَقْصُودِ إلى رائِحَةِ الِاشْتِقاقِ مِنِ الغِراءِ، وهو الدُّهْنُ الَّذِي يُلْصَقُ الخَشَبُ بِهِ، وقَدْ تُنُوسِيَ هَذا المَعْنى في الِاسْتِعْمالِ. والعَداوَةُ والضَّمِيرُ المَجْرُورُ بِإضافَةِ بَيْنَ إلَيْهِ يَعُودُ إلى النَّصارى لِتَنْتَسِقَ الضَّمائِرُ.
والعَداوَةُ والبَغْضاءُ اسْمانِ لِمَعْنَيَيْنِ مِن جِنْسِ الكَراهِيَةِ الشَّدِيدَةِ، فَهُما ضِدّانِ لِلْمَحَبَّةِ.
وظاهِرُ عَطْفِ أحَدِ الِاسْمَيْنِ عَلى الآخَرِ في مَواضِعَ مِنَ القُرْآنِ، في هَذِهِ الآيَةِ وفي الآيَتَيْنِ بَعْدَها في هَذِهِ السُّورَةِ وفي آيَةِ سُورَةِ المُمْتَحِنَةِ، أنَّهُما لَيْسا مِنَ الأسْماءِ المُتَرادِفَةِ؛ لِأنَّ التِزامَ العَطْفِ بِهَذا التَّرْتِيبِ يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ لِمُجَرَّدِ التَّأْكِيدِ، فَلَيْسَ عَطْفُ أحَدِهِما عَلى الآخَرِ مِن قَبِيلِ عَطْفِ المُرادِفِ لِمُجَرَّدِ التَّأْكِيدِ كَقَوْلِ عَدِيٍّ:
وألْفى قَوْلَها كَذِبًا ومَيْنًا
صفحة ١٤٨
وقَدْ تَرَكَ عُلَماءُ اللُّغَةِ بَيانَ التَّفْرِقَةِ بَيْنَ العَداوَةِ والبَغْضاءِ، وتابَعَهُمُ المُفَسِّرُونَ عَلى ذَلِكَ؛ فَلا تَجِدُ مَن تَصَدّى لِلْفَرْقِ بَيْنَهُما سِوى الشَّيْخِ ابْنِ عَرَفَةَ التُّونِسِيِّ، فَقالَ في تَفْسِيرِهِ: ”العَداوَةُ أعَمُّ مِنَ البَغْضاءِ لِأنَّ العَداوَةَ سَبَبٌ في البَغْضاءِ؛ فَقَدْ يَتَعادى الأخُ مَعَ أخِيهِ ولا يَتَمادى عَلى ذَلِكَ حَتّى تَنْشَأ عَنْهُ المُباغَضَةُ، وقَدْ يَتَمادى عَلى ذَلِكَ“ اهـ.
ووَقَعَ لِأبِي البَقاءِ الكَفَوِيِّ في كِتابِ الكُلِّيّاتِ أنَّهُ قالَ: " العَداوَةُ أخَصُّ مِنَ البَغْضاءِ لِأنَّ كُلَّ عَدُوٍّ مُبْغِضٌ، وقَدْ يُبْغِضُ مَن لَيْسَ بِعَدُوٍّ. وهو يُخالِفُ كَلامَ ابْنِ عَرَفَةَ. وفي تَعْلِيلِيهِما مُصادَرَةٌ واضِحَةٌ، فَإنْ كانَتِ العَداوَةُ أعَمَّ مِنَ البَغْضاءِ زادَتْ فائِدَةُ العَطْفِ لِأنَّهُ يَصِيرُ في مَعْنى الِاحْتِراسِ، وإنْ كانَتِ العَداوَةُ أخَصَّ مِنَ البَغْضاءِ لَمْ يَكُنِ العَطْفُ إلّا لِلتَّأْكِيدِ، لِأنَّ التَّأْكِيدَ يَحْصُلُ بِذِكْرِ لَفْظٍ يَدُلُّ عَلى بَعْضٍ مُطْلَقٍ مِن مَعْنى المُوَكَّدِ، فَيَتَقَرَّرُ المَعْنى ولَوْ بِوَجْهٍ أعَمَّ أوْ أخَصَّ، وذَلِكَ يَحْصُلُ بِهِ مَعْنى التَّأْكِيدِ.
وعِنْدِي: أنَّ كِلا الوَجْهَيْنِ غَيْرُ ظاهِرٍ، والَّذِي أرى أنَّ بَيْنَ مَعْنَيَيِ العَداوَةِ والبَغْضاءِ التَّضادَّ والتَّبايُنَ؛ فالعَداوَةُ كَراهِيَةٌ تَصْدُرُ عَنْ صاحِبِها: مُعامَلَةٌ بِجَفاءٍ، أوْ قَطِيعَةٌ، أوْ إضْرارٌ، لِأنَّ العَداوَةَ مُشْتَقَّةٌ مِنَ العَدْوِ وهو التَّجاوُزُ والتَّباعُدُ، فَإنَّ مُشْتَقّاتِ مادَّةِ (ع د و) كُلَّها تَحُومُ حَوْلَ التَّفَرُّقِ وعَدَمِ الوِئامِ. وأمّا البَغْضاءُ فَهي شِدَّةُ البُغْضِ، ولَيْسَ في مادَّةِ (ب غ ض) إلّا مَعْنى جِنْسِ الكَراهِيَةِ فَلا سَبِيلَ إلى مَعْرِفَةِ اشْتِقاقِ لَفْظِها مِن مادَّتِها. نَعَمْ يُمْكِنُ أنْ يُرْجَعَ فِيهِ إلى طَرِيقَةِ القَلْبِ، وهو مِن عَلاماتِ الِاشْتِقاقِ، فَإنَّ مَقْلُوبَ بَغِضَ يَكُونُ غَضِبَ لا غَيْرُ، فالبَغْضاءُ شِدَّةُ الكَراهِيَةِ غَيْرُ مَصْحُوبَةٍ بِعَدْوٍ، فَهي مُضْمَرَةٌ في النَّفْسِ. فَإذا كانَ كَذَلِكَ لَمْ يَصِحَّ اجْتِماعُ مَعْنَيَيِ العَداوَةِ والبَغْضاءِ في مَوْصُوفٍ واحِدٍ في وقْتٍ واحِدٍ فَيَتَعَيَّنُ أنْ يَكُونَ إلْقاؤُهُما بَيْنَهم عَلى مَعْنى التَّوْزِيعِ، أيْ أغْرَيْنا العَداوَةَ بَيْنَ بَعْضٍ مِنهم والبَغْضاءَ بَيْنَ بَعْضٍ آخَرَ.
فَوَقَعَ في هَذا النَّظْمِ إيجازٌ بَدِيعٌ، لِأنَّهُ يَرْجِعُ إلى الِاعْتِمادِ عَلى عِلْمِ المُخاطَبِينَ بِعَدَمِ اسْتِقامَةِ اجْتِماعِ المَعْنَيَيْنِ في مَوْصُوفٍ واحِدٍ.
صفحة ١٤٩
ومِنَ اللَّطائِفِ ما ذَكَرَهُ ابْنُ هِشامٍ، في شَرْحِ قَصِيدَةِ كَعْبِ بْنِ زُهَيْرٍ عِنْدَ قَوْلِ كَعْبٍ:
لَكِنَّها خُلَّةٌ قَدْ سِيطَ مِن دَمِها ∗∗∗ فَجْعٌ ووَلْعٌ وإخْلافٌ وتَبْدِيلُ
أنَّ الزَّمَخْشَرِيَّ قالَ: إنَّهُ رَأى نَفْسَهُ في النَّوْمِ يَقُولُ: العَداوَةُ مُشْتَقَّةٌ مِن عُدْوَةِ الوادِي، أيْ جانِبِهِ، لِأنَّ المُتَعادِيَيْنِ يَكُونُ أحَدُهُما مُفارِقًا لِلْآخَرِ فَكَأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما عَلى عَداوَةٍ اهـ. فَيَكُونُ مُشْتَقًّا مِنَ الِاسْمِ الجامِدِ وهو بَعِيدٌ.
وإلْقاءُ العَداوَةِ والبَغْضاءِ بَيْنَهم كانَ عِقابًا في الدُّنْيا لِقَوْلِهِ: ﴿إلى يَوْمِ القِيامَةِ وسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِما كانُوا يَصْنَعُونَ﴾ جَزاءً عَلى نَكْثِهِمُ العَهْدَ.
وأسْبابُ العَداوَةِ والبَغْضاءِ شِدَّةُ الِاخْتِلافِ: فَتَكُونُ مِنِ اخْتِلافِهِمْ في نِحَلِ الدِّينِ بَيْنَ يَعاقِبَةٍ، ومَلْكانِيَّةٍ، ونُسْطُورِيَّةٍ، وهَراتِقَةٍ (بُرُوتِسْتانْتَ)، وتَكُونُ مِنَ التَّحاسُدِ عَلى السُّلْطانِ ومَتاعِ الدُّنْيا، كَما كانَ بَيْنَ مُلُوكِ النَّصْرانِيَّةِ، وبَيْنَهم وبَيْنَ رُؤَساءَ دِيانَتِهِمْ.
فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ أُغْرِيَتْ بَيْنَهُمُ العَداوَةُ وهم لَمْ يَزالُوا إلْبًا عَلى المُسْلِمِينَ ؟ فَجَوابُهُ: أنَّ العَداوَةَ ثابِتَةٌ بَيْنَهم في الدِّينِ بِانْقِسامِهِمْ فِرَقًا، كَما قَدَّمْناهُ في سُورَةِ النِّساءِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وكَلِمَتُهُ ألْقاها إلى مَرْيَمَ ورُوحٌ مِنهُ﴾ [النساء: ١٧١]، وذَلِكَ الِانْقِسامُ يَجُرُّ إلَيْهِمُ العَداوَةَ وخَذَلَ بَعْضُهم بَعْضًا. ثُمَّ إنَّ دُوَلَهم كانَتْ مُنْقَسِمَةً ومُتَحارِبَةً، ولَمْ تَزَلْ كَذَلِكَ، وإنَّما تَألَّبُوا في الحُرُوبِ الصَّلِيبِيَّةِ عَلى المُسْلِمِينَ ثُمَّ لَمْ يَلْبَثُوا أنْ تَخاذَلُوا وتَحارَبُوا، ولا يَزالُ الأمْرُ بَيْنَهم كَذَلِكَ إلى الآنَ. وكَمْ ضاعَتْ مَساعِي السّاعِينَ في جَمْعِهِمْ عَلى كَلِمَةٍ واحِدَةٍ وتَأْلِيفِ اتِّحادٍ بَيْنَهم، وكانَ اخْتِلافُهم لُطْفًا بِالمُسْلِمِينَ في مُخْتَلِفِ عُصُورِ التّارِيخِ الإسْلامِيِّ، عَلى أنَّ اتِّفاقَهم عَلى أُمَّةٍ أُخْرى لا يُنافِي تَمَكُّنَ العَداوَةِ فِيما بَيْنَهم، وكَفى بِذَلِكَ عِقابًا لَهم عَلى نِسْيانِهِمْ ما ذُكِّرُوا بِهِ.
صفحة ١٥٠
وقِيلَ: الضَّمِيرُ عائِدٌ عَلى الفَرِيقَيْنِ، أيْ بَيْنَ اليَهُودِ والنَّصارى، ولا إشْكالَ في تَجَسُّمِ العَداوَةِ بَيْنَ المِلَّتَيْنِ.
وقَوْلُهُ: ﴿وسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ﴾ تَهْدِيدٌ لِأنَّ المُرادَ بِالإنْباءِ إنْباءُ المُؤاخَذَةِ بِصَنِيعِهِمْ كَقَوْلِهِ: ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ [الأنعام: ١٣٥] . وهَذا يُحْتَمَلُ أنْ يَحْصُلَ في الآخِرَةِ فالإنْباءُ عَلى حَقِيقَتِهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَحْصُلَ في الدُّنْيا، فالإنْباءُ مَجازٌ في تَقْدِيرِ اللَّهِ لَهم حَوادِثَ يَعْرِفُونَ بِها سُوءَ صَنِيعَتِهِمْ.
5:15–16Страница 110
يَٰٓأَهۡلَ ٱلۡكِتَٰبِ قَدۡ جَآءَكُمۡ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمۡ كَثِيرٗا مِّمَّا كُنتُمۡ تُخۡفُونَ مِنَ ٱلۡكِتَٰبِ وَيَعۡفُواْ عَن كَثِيرٖۚ قَدۡ جَآءَكُم مِّنَ ٱللَّهِ نُورٞ وَكِتَٰبٞ مُّبِينٞ ١٥
О люди Писания! К вам явился Наш Посланник, который разъясняет вам многое из того, что вы скрываете из Писания, и воздерживается от многого. Явились к вам от Аллаха свет (Мухаммад) и ясное Писание.
يَهۡدِي بِهِ ٱللَّهُ مَنِ ٱتَّبَعَ رِضۡوَٰنَهُۥ سُبُلَ ٱلسَّلَٰمِ وَيُخۡرِجُهُم مِّنَ ٱلظُّلُمَٰتِ إِلَى ٱلنُّورِ بِإِذۡنِهِۦ وَيَهۡدِيهِمۡ إِلَىٰ صِرَٰطٖ مُّسۡتَقِيمٖ ١٦
Посредством его Аллах ведет по путям мира тех, кто стремится снискать Его довольство. По Своему соизволению Он выводит их из мраков к свету и наставляет их на прямой путь.
﴿يا أهْلَ الكِتابِ قَدْ جاءَكم رَسُولُنا يُبَيِّنُ لَكم كَثِيرًا مِمّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنِ الكِتابِ ويَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جاءَكم مِنَ اللَّهِ نُورٌ وكِتابٌ مُبِينٌ﴾ ﴿يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَهُ سُبُلَ السَّلامِ ويُخْرِجُهم مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ بِإذْنِهِ ويَهْدِيهِمْ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ .
بَعْدَ أنْ ذَكَرَ مِن أحْوالِ فَرِيقَيْ أهْلِ الكِتابِ وأنْبائِهِمْ ما لا يَعْرِفُهُ غَيْرُ عُلَمائِهِمْ وما لا يَسْتَطِيعُونَ إنْكارَهُ أقْبَلَ عَلَيْهِمْ بِالخِطابِ بِالمَوْعِظَةِ؛ إذْ قَدْ تَهَيَّأ مِن ظُهُورِ صِدْقِ الرَّسُولِ ﷺ ما يُسَهِّلُ إقامَةَ الحُجَّةِ عَلَيْهِمْ، ولِذَلِكَ ابْتُدِئَ وصْفُ الرَّسُولِ بِأنَّهُ يُبَيِّنُ لَهم كَثِيرًا مِمّا كانُوا يُخْفُونَ مِنَ الكِتابِ، ثُمَّ أعْقَبَهُ بِأنَّهُ يَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ.
ومَعْنى ”يَعْفُو“: يُعْرِضُ ولا يُظْهِرُ، وهو أصْلُ مادَّةِ العَفْوِ. يُقالُ: عَفا الرَّسْمُ بِمَعْنى لَمْ يَظْهَرْ، وعَفّاهُ: أزالَ ظُهُورَهُ. ثُمَّ قالُوا: عَفا عَنِ الذَّنْبِ، بِمَعْنى أعْرَضَ، ثُمَّ قالُوا: عَفا عَنِ المُذْنِبِ، بِمَعْنى سَتَرَ عَنْهُ ذَنْبَهُ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ هُنا مَعْنى الصَّفْحِ والمَغْفِرَةِ، أيْ ويَصْفَحُ عَنْ ذُنُوبٍ كَثِيرَةٍ، أيْ يُبَيِّنُ لَكم دِينَكم ويَعْفُو عَنْ جَهْلِكم.
صفحة ١٥١
وجُمْلَةُ ﴿قَدْ جاءَكم مِنَ اللَّهِ نُورٌ﴾ بَدَلٌ مِن جُمْلَةِ ﴿قَدْ جاءَكم رَسُولُنا﴾ بَدَلُ اشْتِمالٍ، لِأنَّ مَجِيءَ الرَّسُولِ اشْتَمَلَ عَلى مَجِيءِ الهُدى والقُرْآنِ، فَوِزانُها وِزانَ (عِلْمُهُ) مِن قَوْلِهِمْ: نَفَعَنِي زَيْدٌ عِلْمُهُ، ولِذَلِكَ فُصِلَتْ عَنْها، وأُعِيدَ حَرْفُ (قَدْ) الدّاخِلِ عَلى الجُمْلَةِ المُبَدَلِ مِنها زِيادَةً في تَحْقِيقِ مَضْمُونِ جُمْلَةِ البَدَلِ، لِأنَّ تَعَلُّقَ بَدَلِ الِاشْتِمالِ بِالمُبْدَلِ مِنهُ أضْعَفُ مِن تَعَلُّقِ البَدَلِ المُطابِقِ.
وضَمِيرُ ”بِهِ“ راجِعٌ إلى الرَّسُولِ أوْ إلى الكِتابِ المُبِينِ.
وسُبُلُ السَّلامِ: طُرُقُ السَّلامَةِ الَّتِي لا خَوْفَ عَلى السّائِرِ فِيها. ولِلْعَرَبِ طُرُقٌ مَعْرُوفَةٌ بِالأمْنِ وطُرُقٌ مَعْرُوفَةٌ بِالمَخافَةِ، مِثْلَ وادِي السِّباعِ، الَّذِي قالَ فِيهِ سُحَيْمُ بْنُ وثِيلٍ الرِّياحَيُّ:
ومَرَرْتُ عَلى وادِي السِّباعِ ولا أرى كَوادِي السِّباعِ حِـينَ يُظْـلِـمُ وادِيًا
أقَـلَّ بـِهِ رَكْـبٌ أتَـوْهُ تَـئِــيَّةً ∗∗∗ وأخْوَفَ إلّا ما وقى اللَّهُ سـارِيًا
فَسَبِيلُ السَّلامِ اسْتِعارَةٌ لِطُرُقِ الحَقِّ. والظُّلُماتُ والنُّورُ اسْتِعارَةٌ لِلضَّلالِ والهُدى. والصِّراطُ المُسْتَقِيمُ مُسْتَعارٌ لِلْإيمانِ.
5:17Страница 110
لَّقَدۡ كَفَرَ ٱلَّذِينَ قَالُوٓاْ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلۡمَسِيحُ ٱبۡنُ مَرۡيَمَۚ قُلۡ فَمَن يَمۡلِكُ مِنَ ٱللَّهِ شَيۡـًٔا إِنۡ أَرَادَ أَن يُهۡلِكَ ٱلۡمَسِيحَ ٱبۡنَ مَرۡيَمَ وَأُمَّهُۥ وَمَن فِي ٱلۡأَرۡضِ جَمِيعٗاۗ وَلِلَّهِ مُلۡكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَمَا بَيۡنَهُمَاۚ يَخۡلُقُ مَا يَشَآءُۚ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ ١٧
Не уверовали те, которые сказали: «Воистину, Аллах - это Мессия, сын Марьям (Марии)». Скажи: «Кто может хотя бы немного помешать Аллаху, если Он пожелает погубить Мессию, сына Марьям (Марии), его мать и всех, кто на земле?». Аллаху принадлежит власть над небесами, землей и тем, что между ними. Он создает, что пожелает. Аллах способен на всякую вещь.
﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إنَّ اللَّهَ هو المَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ قُلْ فَمَن يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إنْ أرادَ أنْ يُهْلِكَ المَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وأُمَّهُ ومَن في الأرْضِ جَمِيعًا ولِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما يَخْلُقُ ما يَشاءُ واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ .
هَذا مِن ضُرُوبِ عَدَمِ الوَفاءِ بِمِيثاقِ اللَّهِ تَعالى.
كانَ أعْظَمَ ضَلالِ النَّصارى ادِّعاؤُهم إلَهِيَّةَ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ، فَإبْطالُ زَعْمِهِمْ ذَلِكَ هو أهَمُّ أحْوالِ إخْراجِهِمْ مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ وهَدْيِهِمْ إلى الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ، فاسْتَأْنَفَ هَذِهِ الجُمْلَةَ ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إنَّ اللَّهَ هو المَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ اسْتِئْنافَ البَيانِ. وتَعَيَّنَ ذِكْرُ المَوْصُولِ هُنا لِأنَّ المَقْصُودَ بَيانُ ما في هَذِهِ
صفحة ١٥٢
المَقالَةِ مِنَ الكُفْرِ لا بَيانَ ما عَلَيْهِ النَّصارى مِنَ الضَّلالِ، لِأنَّ ضَلالَهم حاصِلٌ لا مَحالَةَ إذا كانَتْ هَذِهِ المَقالَةُ كُفْرًا.
وحُكِيَ قَوْلُهم بِما تُؤَدِّيهِ في اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ جُمْلَةُ ﴿إنَّ اللَّهَ هو المَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾، وهو تَرْكِيبٌ دَقِيقُ المَعْنى لَمْ يُعْطِهِ المُفَسِّرُونَ حَقَّهُ مِن بَيانِ انْتِزاعِ المَعْنى المُرادِ بِهِ، مِن تَرْكِيبِهِ، مِنَ الدَّلالَةِ عَلى اتِّحادِ مُسَمّى هَذَيْنِ الِاسْمَيْنِ بِطَرِيقِ تَعْرِيفِ كُلٍّ مِنَ المُسْنَدِ إلَيْهِ والمُسْنَدِ بِالعَلَمِيَّةِ بِقَرِينَةِ السِّياقِ الدّالَّةِ عَلى أنَّ الكَلامَ لَيْسَ مَقْصُودًا لِلْإخْبارِ بِأحْداثٍ لِذَواتٍ، المُسَمّى في الِاصْطِلاحِ: حَمْلُ اشْتِقاقٍ بَلْ هو حَمْلُ مُواطَأةٍ، وهو ما يُسَمّى في المَنطِقِ: حَمْلَ (هو هو)، وذَلِكَ حِينَ يَكُونُ كُلٌّ مِنَ المُسْنَدِ إلَيْهِ والمُسْنَدِ مَعْلُومًا لِلْمُخاطَبِ ويُرادُ بَيانُ أنَّها شَيْءٌ واحِدٌ، كَقَوْلِكَ حِينَ تَقُولُ: قالَ زِيادٌ، فَيَقُولُ سامِعُكَ: مَن هو زِيادٌ، فَتَقُولُ: زِيادٌ هو النّابِغَةُ، ومِثْلُهُ قَوْلُكَ: مَيْمُونٌ هو الأعْشى، وابْنُ أبِي السِّمْطِ هو مَرْوانُ بْنُ أبِي حَفْصَةَ، والمُرَعَّثُ هو بَشّارٌ، وأمْثالُ ذَلِكَ. فَمُجَرَّدُ تَعْرِيفِ جُزْأيِ الإسْنادِ كافٍ في إفادَةِ الِاتِّحادِ، وإقْحامُ ضَمِيرِ الفَصْلِ بَيْنَ المُسْنَدِ إلَيْهِ والمُسْنَدِ في مِثْلِ هَذِهِ الأمْثِلَةِ اسْتِعْمالٌ مَعْرُوفٌ لا يَكادُ يَتَخَلَّفُ قَصْدًا لِتَأْكِيدِ الِاتِّحادِ، فَلَيْسَ في مِثْلِ هَذا التَّرْكِيبِ إفادَةُ قَصْرِ أحَدِ الجُزْأيْنِ عَلى الآخَرِ، ولَيْسَ ضَمِيرُ الفَصْلِ فِيهِ بِمُفِيدٍ شَيْئًا سِوى التَّأْكِيدِ. وكَذَلِكَ وُجُودُ حَرْفِ (إنَّ) لِزِيادَةِ التَّأْكِيدِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُ: رُوَيْشِدِ بْنِ كَثِيرٍ الطّائِيِّ مِن شُعَراءِ الحَماسَةِ:
وقُلْ لَهم بادِرُوا بِالعُذْرِ والتَمِسُوا قَوْلًا يُبَرِّئُكم إنِّي أنا الـمَـوْتُ
فَلا يَأْتِي في هَذا ما لِعُلَماءِ المَعانِي مِنَ الخِلافِ في أنَّ ضَمِيرَ الفَصْلِ هَلْ يُفِيدُ قَصْرَ المُسْنَدِ إلَيْهِ، وهو الأصَحُّ؛ أوِ العَكْسَ، وهو قَلِيلٌ؛ لِأنَّ مَقامَ اتِّحادِ المُسَمَّيَيْنِ يُسَوِّي الِاحْتِمالَيْنِ ويَصْرِفُ عَنْ إرادَةِ القَصْرِ. وقَدْ أشارَ إلى هَذا المَعْنى إشارَةً خَفِيَّةً قَوْلُ صاحِبِ الكَشّافِ عَقِبَ قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ قالُوا إنَّ اللَّهَ هو المَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ مَعْناهُ بَتُّ القَوْلِ عَلى أنَّ حَقِيقَةَ اللَّهِ هو المَسِيحُ لا غَيْرُ. ومَحَلُّ الشّاهِدِ مِن كَلامِ الكَشّافِ ما عَدا قَوْلِهِ: (لا غَيْرُ)، لِأنَّ الظّاهِرَ أنَّ (لا غَيْرُ) يُشِيرُ إلى اسْتِفادَةِ مَعْنى القَصْرِ مِن مِثْلِ هَذا التَّرْكِيبِ، وهو بَعِيدٌ. وقَدْ يُقالُ: إنَّهُ أرادَ أنَّ مَعْنى الِانْحِصارِ لازِمٌ بِمَعْنى الِاتِّحادِ ولَيْسَ ناشِئًا عَنْ صِيغَةِ قَصْرٍ.
صفحة ١٥٣
ويُفِيدُ قَوْلُهم هَذا أنَّهم جَعَلُوا حَقِيقَةَ الإلَهِ الحَقِّ المَعْلُومِ مُتَّحِدَةً بِحَقِيقَةِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِمَنزِلَةِ اتِّحادِ الِاسْمَيْنِ لِلْمُسَمّى الواحِدِ، ومُرادُهُمُ امْتِزاجُ الحَقِيقَةِ الإلَهِيَّةِ في ذاتِ عِيسى. ولَمّا كانَتِ الحَقِيقَةُ الإلَهِيَّةُ مُعَنْوَنَةً عِنْدَ جَمِيعِ المُتَدَيِّنِينَ بِاسْمِ الجَلالَةِ جَعَلَ القائِلُونَ اسْمَ الجَلالَةِ المُسْنَدَ إلَيْهِ، واسْمَ عِيسى المُسْنَدَ لِيَدُلُّوا عَلى أنَّ اللَّهَ اتَّحَدَ بِذاتِ المَسِيحِ.
وحِكايَةُ القَوْلِ عَنْهم ظاهِرَةٌ في أنَّ هَذا قالُوهُ صَراحَةً عَنِ اعْتِقادٍ، إذْ سَرى لَهُمُ القَوْلُ بِاتِّحادِ اللّاهُوتِ بِناسُوتِ عِيسى إلى حَدِّ أنِ اعْتَقَدُوا أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ قَدِ اتَّحَدَ بِعِيسى وامْتَزَجَ وُجُودُ اللَّهِ بِوُجُودِ عِيسى. وهَذا مُبالَغَةٌ في اعْتِقادِ الحُلُولِ. ولِلنَّصارى في تَصْوِيرِ هَذا الحُلُولِ أوِ الِاتِّحادِ أصْلٌ، وهو أنَّ اللَّهَ - تَعالى - جَوْهَرٌ واحِدٌ، هو مَجْمُوعُ ثَلاثَةِ أقانِيمَ - جَمْعُ أُقْنُومٍ بِضَمِّ الهَمْزَةِ وسُكُونِ القافِ وهو كَلِمَةٌ رُومِيَّةٌ مَعْناها: الأصْلُ، كَما في القامُوسِ - وهَذِهِ الثَّلاثَةُ هي أُقْنُومُ الذّاتِ، وأُقْنُومُ العِلْمِ، وأُقْنُومُ الحَياةِ، وانْقَسَمُوا في بَيانِ اتِّحادِ هَذِهِ الأقانِيمِ بِذاتِ عِيسى إلى ثَلاثَةِ مَذاهِبَ: مَذْهَبُ المَلْكانِيَّةِ وهُمُ الجاثِلِقِيَّةُ (الكاثُولِيكُ)، ومَذْهَبُ النُّسْطُورِيَّةِ، ومَذْهَبُ اليَعْقُوبِيَّةِ. وتَفْصِيلُهُ في كِتابِ المَقاصِدِ. وتَقَدَّمَ مُفَصَّلًا عِنْدَ تَفْسِيرِ قَوْلِهِ - تَعالى -: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ ورُسُلِهِ ولا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ﴾ [النساء: ١٧١] في سُورَةِ النِّساءِ. وهَذا قَوْلُ اليَعاقِبَةِ مِنَ النَّصارى، وهم أتْباعُ يَعْقُوبَ البَرْذَعانِيِّ، وكانَ راهِبًا بِالقُسْطَنْطِينِيَّةِ، وقَدْ حَدَثَتْ مَقالَتُهُ هَذِهِ بَعْدَ مَقالَةِ المَلْكانِيَّةِ، ويُقالُ لِلْيَعاقِبَةِ: أصْحابُ الطَّبِيعَةِ الواحِدَةِ، وعَلَيْها دَرَجَ نَصارى الحَبَشَةِ كُلُّهم. ولا شَكَّ أنَّ نَصارى نَجْرانَ كانُوا عَلى هَذِهِ الطَّرِيقَةِ.
ولِقُرْبِ أصْحابِها الحَبَشَةِ مِن بِلادِ العَرَبِ تَصَدّى القُرْآنُ لِبَيانِ رَدِّها هُنا وفي الآيَةِ الآتِيَةِ في هَذِهِ السُّورَةِ. وقَدْ بَيَّنّا حَقِيقَةَ مُعْتَقَدِ النَّصارى في اتِّحادِ اللّاهُوتِ بِالنّاسُوتِ وفي اجْتِماعِ الأقانِيمِ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى -: ﴿وكَلِمَتُهُ ألْقاها إلى مَرْيَمَ ورُوحٌ مِنهُ﴾ [النساء: ١٧١] في سُورَةِ النِّساءِ.
وبَيَّنَ اللَّهُ لِرَسُولِهِ الحُجَّةَ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ فَمَن يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ الآيَةَ،
صفحة ١٥٤
فالفاءُ عاطِفَةٌ لِلِاسْتِفْهامِ الإنْكارِيِّ عَلى قَوْلِهِمْ: إنَّ اللَّهَ هو المَسِيحُ، لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ الإنْكارَ تَرَتَّبَ عَلى هَذا القَوْلِ الشَّنِيعِ، فَهي لِلتَّعْقِيبِ الذِّكْرِيِّ. وهَذا اسْتِعْمالٌ كَثِيرٌ في كَلامِهِمْ، فَلا حاجَةَ إلى ما قِيلَ: إنَّ الفاءَ عاطِفَةٌ عَلى مَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ السِّياقُ، أيْ لَيْسَ الأمْرُ كَما زَعَمْتُمْ، ولا أنَّها جَوابُ شَرْطٍ مُقَدَّرٍ، أيْ إنْ كانَ ما تَقُولُونَ فَمَن يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إلَخْ.
ومَعْنى يَمْلِكُ شَيْئًا هُنا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ، فالمُرَكَّبُ مُسْتَعْمَلٌ في لازِمِ مَعْناهُ عَلى طَرِيقَةِ الكِنايَةِ، وهَذا اللّازِمُ مُتَعَدِّدٌ وهو المِلْكُ، فاسْتِطاعَةُ التَّحْوِيلِ، وهو اسْتِعْمالٌ كَثِيرٌ ومِنهُ قَوْلُهُ - تَعالى -: ﴿قُلْ فَمَن يَمْلِكُ لَكم مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إنْ أرادَ بِكم ضَرًّا﴾ [الفتح: ١١] الآيَةَ في سُورَةِ الفَتْحِ. وفي الحَدِيثِ «قالَ رَسُولُ اللَّهِ لِعُيَيْنَةَ بْنِ حِصْنٍ أفَأمْلِكُ لَكَ أنْ نَزَعَ اللَّهُ مِن قَلْبِكَ الرَّحْمَةَ» لِأنَّ الَّذِي يَمْلِكُ يَتَصَرَّفُ في مَمْلُوكِهِ كَيْفَ شاءَ.
فالتَّنْكِيرُ في قَوْلِهِ: ”شَيْئًا“ لِلتَّقْلِيلِ والتَّحْقِيرِ. ولَمّا كانَ الِاسْتِفْهامُ هُنا بِمَعْنى النَّفْيِ كانَ نَفْيُ الشَّيْءِ القَلِيلِ مُقْتَضِيًا نَفْيَ الكَثِيرِ بِطَرِيقِ الأوْلى، فالمَعْنى: فَمَن يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ مِنَ اللَّهِ، أيْ مِن فِعْلِهِ وتَصَرُّفِهِ أنْ يُحَوِّلَهُ عَنْهُ، ونَظِيرُهُ ﴿وما أُغْنِي عَنْكم مِنَ اللَّهِ مِن شَيْءٍ﴾ [يوسف: ٦٧] . وسَيَأْتِي لِمَعْنى ”يَمْلِكُ“ اسْتِعْمالٌ آخَرُ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى -: ﴿قُلْ أتَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ ما لا يَمْلِكُ لَكم ضَرًّا ولا نَفْعًا﴾ [المائدة: ٧٦] في هَذِهِ السُّورَةِ، وسَيَأْتِي قَرِيبٌ مِن هَذا الِاسْتِعْمالِ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى -: ﴿ومَن يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ [المائدة: ٤١] في هَذِهِ السُّورَةِ.
وحَرْفُ الشَّرْطِ مِن قَوْلِهِ: إنْ أرادَ مُسْتَعْمَلٌ في مُجَرَّدِ التَّعْلِيقِ مِن غَيْرِ دَلالَةٍ عَلى الِاسْتِقْبالِ، لِأنَّ إهْلاكَ أُمِّ المَسِيحِ قَدْ وقَعَ بِلا خِلافٍ، ولِأنَّ إهْلاكَ المَسِيحِ، أيْ مَوْتُهُ واقِعٌ عِنْدِ المُجادِلِينَ بِهَذا الكَلامِ، فَيَنْبَغِي إرْخاءُ العِنانِ لَهم في ذَلِكَ لِإقامَةِ الحُجَّةِ، وهو أيْضًا واقِعٌ في قَوْلٍ عِنْدَ جَمْعٍ مِن عُلَماءِ الإسْلامِ الَّذِينَ قالُوا: إنَّ اللَّهَ أماتَهُ ورَفَعَهُ دُونَ أنْ يُمَكِّنَ اليَهُودَ مِنهُ، كَما تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى -: ﴿وما قَتَلُوهُ وما صَلَبُوهُ﴾ [النساء: ١٥٧] وقَوْلِهِ: ﴿إنِّي مُتَوَفِّيكَ ورافِعُكَ إلَيَّ﴾ [آل عمران: ٥٥] . وعَلَيْهِ فَلَيْسَ في
صفحة ١٥٥
تَعْلِيقِ هَذا الشَّرْطِ إشْعارٌ بِالِاسْتِقْبالِ. والمُضارِعُ المُقْتَرِنُ بِـ ”أنْ“ وهو أنْ يُهْلِكَ مُسْتَعْمَلٌ في مُجَرَّدِ المَصْدَرِيَّةِ. والمُرادُ بِـ مَن في الأرْضِ حِينَئِذٍ مَن كانَ في زَمَنِ المَسِيحِ وأُمِّهِ مِن أهْلِ الأرْضِ فَقَدْ هَلَكُوا كُلُّهم بِالضَّرُورَةِ. والتَّقْدِيرُ: مَن يَمْلِكُ أنْ يَصُدَّ اللَّهَ إذْ أرادَ إهْلاكَ المَسِيحِ وأُمِّهِ ومَن في الأرْضِ يَوْمَئِذٍ.
ولَكَ أنْ تَلْتَزِمَ كَوْنَ الشَّرْطِ لِلِاسْتِقْبالِ بِاعْتِبارِ جَعْلِ ﴿ومَن في الأرْضِ جَمِيعًا﴾ بِمَعْنى نَوْعِ الإنْسانِ، فَتَعْلِيقُ الشَّرْطِ بِاعْتِبارِ مَجْمُوعِ مَفاعِيلِ (يُهْلِكُ) عَلى طَرِيقَةِ التَّغْلِيبِ؛ فَإنَّ بَعْضَها وقَعَ هَلَكُهُ وهو أُمُّ المَسِيحِ، وبَعْضَها لَمْ يَقَعْ وسَيَقَعُ وهو إهْلاكُ مَن في الأرْضِ جَمِيعًا، أيْ إهْلاكُ جَمِيعِ النَّوْعِ، لِأنَّ ذَلِكَ أمْرٌ غَيْرُ واقِعٍ ولَكِنَّهُ مُمْكِنُ الوُقُوعِ.
والحاصِلُ أنَّ اسْتِعْمالَ هَذا الشَّرْطِ مِن غَرائِبِ اسْتِعْمالِ الشُّرُوطِ في العَرَبِيَّةِ، ومَرْجِعُهُ إلى اسْتِعْمالِ صِيغَةِ الشَّرْطِ في مَعْنًى حَقِيقِيٍّ ومَعْنًى مَجازِيٍّ تَغْلِيبًا لِلْمَعْنى الحَقِيقِيِّ، لِأنَّ مَن في الأرْضِ يَعُمُّ الجَمِيعَ وهو الأكْثَرُ. ولَمْ يُعْطِهِ المُفَسِّرُونَ حَقَّهُ مِنَ البَيانِ. وقَدْ هَلَكَتْ مَرْيَمُ أُمُّ المَسِيحِ عَلَيْهِما السَّلامُ في زَمَنٍ غَيْرِ مَضْبُوطٍ بَعْدَ رَفْعِ المَسِيحِ.
والتَّذْيِيلُ بِقَوْلِهِ: ﴿ولِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما يخْلُقُ ما يَشاءُ﴾ فِيهِ تَعْظِيمُ شَأْنِ اللَّهِ تَعالى. ورَدٌّ آخَرُ عَلَيْهِمْ بِأنَّ اللَّهَ هو الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ ومَلَكَ ما فِيها مِن قَبْلِ أنْ يَظْهَرَ المَسِيحُ، فاللَّهُ هو الإلَهُ حَقًّا، وأنَّهُ يَخْلُقُ ما يَشاءُ، فَهو الَّذِي خَلَقَ المَسِيحَ خَلْقًا غَيْرَ مُعْتادٍ، فَكانَ مُوجِبَ ضَلالِ مَن نَسَبَ لَهُ الأُلُوهِيَّةَ. وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ .
Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии