Ибн Ашур · Тафсир · на арабском
Аль-Маида 5:46–50
5:46–47Страница 116
وَقَفَّيۡنَا عَلَىٰٓ ءَاثَٰرِهِم بِعِيسَى ٱبۡنِ مَرۡيَمَ مُصَدِّقٗا لِّمَا بَيۡنَ يَدَيۡهِ مِنَ ٱلتَّوۡرَىٰةِۖ وَءَاتَيۡنَٰهُ ٱلۡإِنجِيلَ فِيهِ هُدٗى وَنُورٞ وَمُصَدِّقٗا لِّمَا بَيۡنَ يَدَيۡهِ مِنَ ٱلتَّوۡرَىٰةِ وَهُدٗى وَمَوۡعِظَةٗ لِّلۡمُتَّقِينَ ٤٦
Вслед за ними Мы отправили Ису (Иисуса), сына Марьям (Марии), с подтверждением истинности того, что было прежде ниспослано в Таурате (Торе). Мы даровали ему Инджил (Евангелие), в котором было верное руководство и свет, которое подтверждало то, что прежде было ниспослано в Таурате (Торе). Он был верным руководством и увещеванием для богобоязненных.
وَلۡيَحۡكُمۡ أَهۡلُ ٱلۡإِنجِيلِ بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فِيهِۚ وَمَن لَّمۡ يَحۡكُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡفَٰسِقُونَ ٤٧
Пусть люди Инджила (Евангелия) судят согласно тому, что Аллах ниспослал в нем. Те же, которые не принимают решений в соответствии с тем, что ниспослал Аллах, являются нечестивцами.
﴿وقَفَّيْنا عَلى آثارِهِمْ بِعِيسى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْراةِ وآتَيْناهُ الإنْجِيلَ فِيهِ هُدًى ونُورٌ ومُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْراةِ وهُدًى ومَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾ ﴿ولْيَحْكم أهْلُ الإنْجِيلِ بِما أنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ ومَن لَمْ يَحْكم بِما أنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الفاسِقُونَ﴾ .
صفحة ٢١٨
عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿إنّا أنْزَلْنا التَّوْراةَ فِيها هُدًى ونُورٌ﴾ [المائدة: ٤٤] انْتِقالًا إلى أحْوالِ النَّصارى لِقَوْلِهِ: ﴿ولْيَحْكم أهْلُ الإنْجِيلِ بِما أنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ ومَن لَمْ يَحْكم بِما أنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الفاسِقُونَ﴾ ولِبَيانِ نَوْعٍ آخَرَ مِن أنْواعِ إعْراضِ اليَهُودِ عَنِ الأحْكامِ الَّتِي كَتَبَها اللَّهُ عَلَيْهِمْ، فَبَعْدَ أنْ ذَكَرَ نَوْعَيْنِ راجِعَيْنِ إلى تَحْرِيفِهِمْ أحْكامَ التَّوْراةِ: أحَدُهُما ما حَرَّفُوهُ وتَرَدَّدُوا فِيهِ بَعْدَ أنْ حَرَّفُوهُ فَشَكُّوا في آخِرِ الأمْرِ والتَجَئُوا إلى تَحْكِيمِ الرَّسُولِ؛ وثانِيهِما ما حَرَّفُوهُ وأعْرَضُوا عَنْ حُكْمِهِ ولَمْ يَتَحَرَّجُوا مِنهُ وهو إبْطالُ أحْكامِ القِصاصِ.
وهَذا نَوْعٌ ثالِثٌ وهو إعْراضُهم عَنْ حُكْمِ اللَّهِ بِالكُلِّيَّةِ، وذَلِكَ بِتَكْذِيبِهِمْ لِما جاءَ بِهِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ.
والتَّقْفِيَةُ مَصْدَرُ قَفّاهُ إذا جَعَلَهُ يَقْفُوهُ، أيْ يَأْتِي بَعْدَهُ. وفِعْلُهُ المُجَرَّدُ ”قَفا“ بِتَخْفِيفِ الفاءِ ومَعْنى قَفاهُ سارَ نَحْوَ قَفاهُ، والقَفا الظَّهْرُ، أيْ سارَ وراءَهُ. فالتَّقْفِيَةُ الإتْباعُ مُشْتَقَّةٌ مِنَ القَفا، ونَظِيرُهُ: تَوَجَّهَ مُشْتَقٌّ مِنَ الوَجْهِ، وتَعَقَّبَ مِنَ العَقِبِ.
وفِعْلُ ”قَفّا“ المُشَدَّدُ مُضاعَفُ ”قَفا“ المُخَفَّفِ، والأصْلُ في التَّضْعِيفِ أنْ يُفِيدَ تَعْدِيَةَ الفِعْلِ إلى مَفْعُولٍ لَمْ يَكُنْ مُتَعَدِّيًا إلَيْهِ، فَإذا جُعِلَ تَضْعِيفُ ”قَفَّيْنا“ هُنا مُعَدِّيًا لِلْفِعْلِ اقْتَضى مَفْعُولَيْنِ: أوَّلُهُما الَّذِي كانَ مَفْعُولًا قَبْلَ التَّضْعِيفِ، وثانِيهِما الَّذِي عُدِّيَ إلَيْهِ الفِعْلُ، وذَلِكَ عَلى طَرِيقَةِ بابِ كَسا؛ فَيَكُونُ حَقُّ التَّرْكِيبِ: وقَفَّيْناهم عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ. ويَكُونُ إدْخالُ الباءِ في بِعِيسى لِلتَّأْكِيدِ، مِثْلَ ﴿وامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ [المائدة: ٦]، وإذا جُعِلَ التَّضْعِيفُ لِغَيْرِ التَّعْدِيَةِ بَلْ لِمُجَرَّدِ تَكْرِيرِ وُقُوعِ الفِعْلِ، مِثْلَ جَوَّلْتُ وطَوَّفْتُ كانَ حَقُّ التَّرْكِيبِ: وقَفَّيْناهم بِعِيسى ابْنِ مَرْيَمَ. وعَلى الوَجْهِ الثّانِي جَرى كَلامُ الكَشّافِ فَجَعَلَ باءَ بِعِيسى لِلتَّعْدِيَةِ. وعَلى كِلا الوَجْهَيْنِ يَكُونُ مَفْعُولُ ”قَفَّيْنا“ مَحْذُوفًا يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿عَلى آثارِهِمْ﴾ لِأنَّ فِيهِ ضَمِيرَ المَفْعُولِ المَحْذُوفِ، هَذا تَحْقِيقُ كَلامِهِ وسَلَّمَهُ أصْحابُ حَواشِيهِ.
وقَوْلُهُ: عَلى آثارِهِمْ تَأْكِيدٌ لِمَدْلُولِ فِعْلِ ”قَفَّيْنا“ وإفادَةُ سُرْعَةِ التَّقْفِيَةِ.
صفحة ٢١٩
وضَمِيرُ ”آثارِهِمْ“ لِلنَّبِيئِينَ والرَّبّانِيِّينَ والأحْبارِ. وقَدْ أُرْسِلَ عِيسى عَلى عَقِبِ زَكَرِيّا كافِلِ أُمِّهِ مَرْيَمَ ووالِدِ يَحْيى. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْنى عَلى آثارِهِمْ عَلى طَرِيقَتِهِمْ وهَدْيِهِمْ. والمُصَدِّقُ: المُخْبِرُ بِتَصْدِيقِ مُخْبِرٍ، وأُرِيدَ بِهِ هُنا المُؤَيِّدُ المُقَرِّرُ لِلتَّوْراةِ.
وجَعَلَها بَيْنَ يَدَيْهِ لِأنَّها تَقَدَّمَتْهُ، والمُتَقَدِّمُ يُقالُ: هو بَيْنَ يَدَيْ مَن تَقَدَّمَ. و”مِنَ التَّوْراةِ“ بَيانٌ ”لِما“ . وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى مَعْنى التَّوْراةِ والإنْجِيلِ في أوَّلِ سُورَةِ آلِ عِمْرانَ.
وجُمْلَةُ ﴿فِيهِ هُدًى ونُورٌ﴾ حالٌ. وتَقَدَّمَ مَعْنى الهُدى والنُّورِ.
”ومُصَدِّقًا“ حالٌ أيْضًا مِنَ الإنْجِيلِ فَلا تَكْرِيرَ بَيْنَها وبَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿بِعِيسى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا﴾ لِاخْتِلافِ صاحِبِ الحالِ ولِاخْتِلافِ كَيْفِيَّةِ التَّصْدِيقِ؛ فَتَصْدِيقُ عِيسى التَّوْراةَ أمْرُهُ بِإحْياءِ أحْكامِها، وهو تَصْدِيقٌ حَقِيقِيٌّ؛ وتَصْدِيقُ الإنْجِيلِ التَّوْراةَ اشْتِمالُهُ عَلى ما وافَقَ أحْكامَها فَهو تَصْدِيقٌ مَجازِيٌّ. وهَذا التَّصْدِيقُ لا يُنافِي أنَّهُ نَسَخَ بَعْضَ أحْكامِ التَّوْراةِ كَما حَكى اللَّهُ عَنْهُ ﴿ولِأُحِلَّ لَكم بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ﴾ [آل عمران: ٥٠]، لِأنَّ الفِعْلَ المُثْبَتَ لا عُمُومَ لَهُ.
والمَوْعِظَةُ: الكَلامُ الَّذِي يُلَيِّنُ القَلْبَ ويَزْجُرُ عَنْ فِعْلِ المَنهِيّاتِ.
وجُمْلَةُ ”ولْيَحْكم“ مَعْطُوفَةٌ عَلى ”آتَيْناهُ“ . وقَرَأ الجُمْهُورُ ”ولْيَحْكم“ بِسُكُونِ اللّامِ وبِجَزْمِ الفِعْلِ عَلى أنَّ اللّامَ لامُ الأمْرِ. ولا شَكَّ أنَّ هَذا الأمْرَ سابِقٌ عَلى مَجِيءِ الإسْلامِ، فَهو مِمّا أمَرَ اللَّهُ بِهِ الَّذِينَ أرْسَلَ إلَيْهِمْ عِيسى مِنَ اليَهُودِ والنَّصارى، فَعُلِمَ أنَّ في الجُمْلَةِ قَوْلًا مُقَدَّرًا هو المَعْطُوفُ عَلى جُمْلَةِ ﴿وآتَيْناهُ الإنْجِيلَ﴾ أيْ وآتَيْناهُ الإنْجِيلَ المَوْصُوفَ بِتِلْكَ الصِّفاتِ العَظِيمَةِ، وقُلْنا: لِيَحْكم أهْلُ الإنْجِيلِ، فَيَتِمُّ التَّمْهِيدُ لِقَوْلِهِ بَعْدَهُ ﴿ومَن لَمْ يَحْكم بِما أنْزَلَ اللَّهُ﴾، فَقَرائِنُ تَقْدِيرِ القَوْلِ مُتَظافِرَةٌ مِن أُمُورٍ عِدَّةٍ.
وقَرَأ حَمْزَةُ بِكَسْرِ لامِ ”لِيَحْكُمَ“ ونَصْبِ المِيمِ عَلى أنَّ اللّامَ لامُ كَيْ لِلتَّعْلِيلِ، فَجُمْلَةُ ”لِيَحْكُمَ“ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ مَعْطُوفَةٌ عَلى قَوْلِهِ: فِيهِ هُدًى إلَخْ، الَّذِي هو حالٌ، عُطِفَتِ العِلَّةُ عَلى الحالِ عَطْفًا ذِكْرِيًّا لا يُشَرِّكُ في الحُكْمِ لِأنَّ التَّصْرِيحَ
صفحة ٢٢٠
بِلامِ التَّعْلِيلِ قَرِينَةٌ عَلى عَدَمِ اسْتِقامَةِ تَشْرِيكِ الحُكْمِ بِالعَطْفِ فَيَكُونُ عَطْفُهُ كَعَطْفِ الجُمَلِ المُخْتَلِفَةِ المَعْنى. وصاحِبُ الكَشّافِ قَدَّرَ في هَذِهِ القِراءَةِ فِعْلًا مَحْذُوفًا بَعْدَ الواوِ، أيْ وآتَيْناهُ الإنْجِيلَ، دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ قَبْلَهُ ﴿وآتَيْناهُ الإنْجِيلَ﴾، وهو تَقْدِيرُ مَعْنًى ولَيْسَ تَقْدِيرَ نَظْمِ الكَلامِ.
والمُرادُ بِالفاسِقِينَ: الكافِرُونَ، إذِ الفِسْقُ يُطْلَقُ عَلى الكُفْرِ، فَتَكُونُ عَلى نَحْوِ ما في الآيَةِ الأُولى. ويُحْتَمَلُ أنَّ المُرادَ بِهِ الخُرُوجُ عَنْ أحْكامِ شَرْعِهِمْ سَواءٌ كانُوا كافِرِينَ بِهِ أمْ كانُوا مُعْتَقِدِينَ ولَكِنَّهم يُخالِفُونَهُ فَيَكُونُ ذَمًّا لِلنَّصارى في التَّهاوُنِ بِأحْكامِ كِتابِهِمْ أضْعَفَ مِن ذَمِّ اليَهُودِ.
5:48Страница 116
وَأَنزَلۡنَآ إِلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَ بِٱلۡحَقِّ مُصَدِّقٗا لِّمَا بَيۡنَ يَدَيۡهِ مِنَ ٱلۡكِتَٰبِ وَمُهَيۡمِنًا عَلَيۡهِۖ فَٱحۡكُم بَيۡنَهُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُۖ وَلَا تَتَّبِعۡ أَهۡوَآءَهُمۡ عَمَّا جَآءَكَ مِنَ ٱلۡحَقِّۚ لِكُلّٖ جَعَلۡنَا مِنكُمۡ شِرۡعَةٗ وَمِنۡهَاجٗاۚ وَلَوۡ شَآءَ ٱللَّهُ لَجَعَلَكُمۡ أُمَّةٗ وَٰحِدَةٗ وَلَٰكِن لِّيَبۡلُوَكُمۡ فِي مَآ ءَاتَىٰكُمۡۖ فَٱسۡتَبِقُواْ ٱلۡخَيۡرَٰتِۚ إِلَى ٱللَّهِ مَرۡجِعُكُمۡ جَمِيعٗا فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمۡ فِيهِ تَخۡتَلِفُونَ ٤٨
Мы ниспослали тебе Писание с истиной в подтверждение прежних Писаний, и для того, чтобы оно предохраняло их (или свидетельствовало о них; или возвысилось над ними). Суди же их согласно тому, что ниспослал Аллах, и не потакай их желаниям, уклоняясь от явившейся к тебе истины. Каждому из вас Мы установили закон и путь. Если бы Аллах пожелал, то сделал бы вас одной общиной, однако Он разделил вас, чтобы испытать вас тем, что Он даровал вам. Состязайтесь же в добрых делах. Всем вам предстоит вернуться к Аллаху, и Он поведает вам о том, в чем вы расходились во мнениях.
﴿وأنْزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ بِالحَقِّ مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الكِتابِ ومُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فاحْكم بَيْنَهم بِما أنْزَلَ اللَّهُ ولا تَتَّبِعْ أهْواءَهم عَمّا جاءَكَ مِنَ الحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنكم شِرْعَةً ومِنهاجًا ولَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكم أُمَّةً واحِدَةً ولَكِنْ لِيَبْلُوَكم في ما أتاكم فاسْتَبِقُوا الخَيْراتِ إلى اللَّهِ مَرْجِعُكم جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكم بِما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ .
جالَتِ الآياتُ المُتَقَدِّمَةُ جَوْلَةً في ذِكْرِ إنْزالِ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ وآبَتْ مِنها إلى المَقْصُودِ وهو إنْزالُ القُرْآنِ؛ فَكانَ كَرَدِّ العَجُزِ عَلى الصَّدْرِ لِقَوْلِهِ: ﴿يا أيُّها الرَّسُولُ لا يُحْزِنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ في الكُفْرِ﴾ [المائدة: ٤١] لِيُبَيِّنَ أنَّ القُرْآنَ جاءَ ناسِخًا لِما قَبْلَهُ، وأنَّ مُؤاخَذَةَ اليَهُودِ عَلى تَرْكِ العَمَلِ بِالتَّوْراةِ والإنْجِيلِ مُؤاخَذَةٌ لَهم بِعَمَلِهِمْ قَبْلَ مَجِيءِ الإسْلامِ، ولِيُعْلِمَهم أنَّهم لا يَطْمَعُونَ مِن مُحَمَّدٍ ﷺ بِأنْ يَحْكُمَ بَيْنَهم بِغَيْرِ ما شَرَعَهُ اللَّهُ في الإسْلامِ، فَوَقَعَ قَوْلُهُ: ﴿وأنْزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ بِالحَقِّ﴾ لِتَرْتِيبِ نُزُولِ الكُتُبِ السَّماوِيَّةِ، وتَمْهِيدًا لِقَوْلِهِ: ﴿فاحْكم بَيْنَهم بِما أنْزَلَ اللَّهُ﴾
صفحة ٢٢١
ووَقَعَ قَوْلُهُ: ﴿فاحْكم بَيْنَهم بِما أنْزَلَ اللَّهُ﴾ مَوْقِعَ التَّخَلُّصِ المَقْصُودِ، فَجاءَتِ الآياتُ كُلُّها مُنْتَظِمَةً مُتَناسِقَةً عَلى أبْدَعِ وجْهٍ.
والكِتابُ الأوَّلُ القُرْآنُ، فَتَعْرِيفُهُ لِلْعَهْدِ. والكِتابُ الثّانِي جِنْسٌ يَشْمَلُ الكُتُبَ المُتَقَدِّمَةَ، فَتَعْرِيفُهُ لِلْجِنْسِ. والمُصَدِّقُ تَقَدَّمَ بَيانُهُ.
والمُهَيْمِنُ الأظْهَرُ أنَّ هاءَهُ أصْلِيَّةٌ وأنَّ فِعْلَهُ بِوَزْنِ فَيْعَلَ كَسَيْطَرَ، ولَكِنْ لَمْ يُسْمَعْ لَهُ فِعْلٌ مُجَرَّدٌ فَلَمْ يُسْمَعْ هَمَنَ. قالَ أهْلُ اللُّغَةِ: لا نَظِيرَ لِهَذا الفِعْلِ إلّا هَيْنَمَ إذا دَعا أوْ قَرَأ، وبَيْقَرَ إذا خَرَجَ مِنَ الحِجازِ إلى الشّامِ، وسَيْطَرَ إذا قَهَرَ. ولَيْسَ لَهُ نَظِيرٌ في وزْنِ مُفَيْعِلٍ إلّا اسْمُ فاعِلِ هَذِهِ الأفْعالِ، وزادُوا: مُبَيْطِرٌ اسْمُ طَبِيبِ الدَّوابِّ، ولَمْ يُسْمَعْ بَيْطَرَ ولَكِنْ بَطَرَ، ومُجَيْمِرٌ اسْمُ جَبَلٍ، ذَكَرَهُ امْرُؤُ القَيْسِ في قَوْلِهِ::
كَأنَّ ذُرى رَأْسِ المُجَيْمِرِ غَدْوَةً مِنَ السَّيْلِ والغُثاءِ فَلْكَةُ مِغْزَلِ
وفُسِّرَ المُهَيْمِنُ بِالعالِي والرَّقِيبِ، ومِن أسْمائِهِ تَعالى المُهَيْمِنُ.
وقِيلَ: المُهَيْمِنُ مُشْتَقٌّ مِن أمِنَ، وأصْلُهُ اسْمُ فاعِلٍ مِن آمَنَهُ عَلَيْهِ بِمَعْنى اسْتَحْفَظَهُ بِهِ، فَهو مَجازٌ في لازِمِ المَعْنى وهو الرَّقابَةُ، فَأصْلُهُ مُؤَأْمِنٌ، فَكَأنَّهم رامُوا أنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَهُ وبَيْنَ اسْمِ الفاعِلِ مِن آمَنَ بِمَعْنى اعْتَقَدَ وبِمَعْنى آمَنُهُ، لِأنَّ هَذا المَعْنى المَجازِيَّ صارَ حَقِيقَةً مُسْتَقِلَّةً فَقَلَبُوا الهَمْزَةَ الثّانِيَةَ ياءً وقَلَبُوا الهَمْزَةَ الأُولى هاءً، كَما قالُوا في أراقَ هَراقَ، فَقالُوا: هَيْمَنَ.
وقَدْ أشارَتِ الآيَةُ إلى حالَتَيِ القُرْآنِ بِالنِّسْبَةِ لِما قَبْلَهُ مِنَ الكُتُبِ، فَهو مُؤَيِّدٌ لِبَعْضِ ما في الشَّرائِعِ مُقَرِّرٌ لَهُ مِن كُلِّ حُكْمٍ كانَتْ مَصْلَحَتُهُ كُلِّيَّةً لَمْ تَخْتَلِفْ مَصْلَحَتُهُ بِاخْتِلافِ الأُمَمِ والأزْمانِ، وهو بِهَذا الوَصْفِ مُصَدِّقٌ، أيْ مُحَقِّقٌ ومُقَرِّرٌ، وهو أيْضًا مُبْطِلٌ لِبَعْضِ ما في الشَّرائِعِ السّالِفَةِ وناسِخٌ لِأحْكامٍ كَثِيرَةٍ مِن كُلِّ ما كانَتْ مَصالِحُهُ جُزْئِيَّةً مُؤَقَّتَةً مُراعًى فِيها أحْوالُ أقْوامٍ خاصَّةٍ.
صفحة ٢٢٢
وقَوْلُهُ: ﴿فاحْكم بَيْنَهم بِما أنْزَلَ اللَّهُ﴾ أيْ بِما أنْزَلَ اللَّهُ إلَيْكَ في القُرْآنِ، أوْ بِما أوْحاهُ إلَيْكَ، أوِ احْكم بَيْنَهم بِما أنْزَلَ اللَّهُ في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ ما لَمْ يَنْسَخْهُ اللَّهُ بِحُكْمٍ جَدِيدٍ، لِأنَّ شَرْعَ مَن قَبْلَنا شَرْعٌ لَنا إذا أثْبَتَ اللَّهُ شَرْعَهُ لِمَن قَبْلَنا. فَحُكْمُ النَّبِيءِ عَلى اليَهُودِيَّيْنِ بِالرَّجْمِ حُكْمٌ بِما في التَّوْراةِ، فَيُحْتَمَلُ أنَّهُ كانَ مُؤَيَّدًا بِالقُرْآنِ إذا كانَ حِينَئِذٍ قَدْ جاءَ قَوْلُهُ: الشَّيْخُ والشَّيْخَةُ إذا زَنَيا فارْجُمُوهُما. ويُحْتَمَلُ أنَّهُ لَمْ يُؤَيِّدْ ولَكِنَّ اللَّهَ أوْحى إلى رَسُولِهِ أنَّ حُكْمَ التَّوْراةِ في مِثْلِهِما الرَّجْمُ، فَحَكَمَ بِهِ، وأطْلَعَ اليَهُودَ عَلى كِتْمانِهِمْ هَذا الحُكْمَ. وقَدِ اتَّصَلَ مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿فاحْكم بَيْنَهم بِما أنْزَلَ اللَّهُ﴾ بِمَعْنى قَوْلِهِ: ﴿وإنْ حَكَمْتَ فاحْكم بَيْنَهم بِالقِسْطِ﴾ [المائدة: ٤٢]؛ فَلَيْسَ في هَذِهِ الآيَةِ ما يَقْتَضِي نَسْخَ الحُكْمِ المُفادِ مِن قَوْلِهِ: ﴿فَإنْ جاءُوكَ فاحْكم بَيْنَهم أوْ أعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ [المائدة: ٤٢]، ولَكِنَّهُ بَيانٌ سَمّاهُ بَعْضُ السَّلَفِ بِاسْمِ النَّسْخِ قَبْلَ أنْ تَنْضَبِطَ حُدُودُ الأسْماءِ الِاصْطِلاحِيَّةِ.
والنَّهْيُ عَنِ اتِّباعِ أهْوائِهِمْ، أيْ أهْواءِ اليَهُودِ حِينَ حَكَّمُوهُ طامِعِينَ أنْ يَحْكُمَ عَلَيْهِمْ بِما تَقَرَّرَ مِن عَوائِدِهِمْ، مَقْصُودٌ مِنهُ النَّهْيُ عَنِ الحُكْمِ بِغَيْرِ حُكْمِ اللَّهِ إذا تَحاكَمُوا إلَيْهِ، إذْ لا يَجُوزُ الحُكْمُ بِغَيْرِهِ ولَوْ كانَ شَرِيعَةً سابِقَةً، لِأنَّ نُزُولَ القُرْآنِ مُهَيْمِنًا أبْطَلَ ما خالَفَهُ، ونُزُولَهُ مُصَدِّقًا أيَّدَ ما وافَقَهُ وزَكّى ما لَمْ يُخالِفْهُ.
والرَّسُولُ لا يَجُوزُ عَلَيْهِ أنْ يَحْكُمَ بِغَيْرِ شَرْعِ اللَّهِ، فالمَقْصُودُ مِن هَذا النَّهْيِ: إمّا إعْلانُ ذَلِكَ لِيَعْلَمَهُ النّاسُ ويَيْأسَ الطّامِعُونَ أنْ يَحْكُمَ لَهم بِما يَشْتَهُونَ، فَخِطابُ النَّبِيءِ ﷺ بِقَوْلِهِ: ﴿ولا تَتَّبِعْ أهْواءَهُمْ﴾ مُرادٌ بِهِ أنْ يَتَقَرَّرَ ذَلِكَ في عِلْمِ النّاسِ، مِثْلَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿لَئِنْ أشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر: ٦٥] . وإمّا تَبْيِينُ اللَّهِ لِرَسُولِهِ وجْهَ تَرْجِيحِ أحَدِ الدَّلِيلَيْنِ عِنْدَ تَعارُضِ الأدِلَّةِ بِأنْ لا تَكُونَ أهْواءُ الخُصُومِ طُرُقًا لِلتَّرْجِيحِ، وذَلِكَ أنَّ الرَّسُولَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِشِدَّةِ رَغْبَتِهِ في هُدى النّاسِ قَدْ يَتَوَقَّفُ في فَصْلِ هَذا التَّحْكِيمِ، لِأنَّهم وعَدُوا أنَّهُ إنْ حَكَمَ عَلَيْهِمْ بِما تَقَرَّرَ مِن عَوائِدِهِمْ يُؤْمِنُونَ بِهِ. فَقَدْ يُقالُ: إنَّهم لَمّا تَراضَوْا عَلَيْهِ لِمَ لا يُحْمَلُونَ عَلَيْهِ مَعَ ظُهُورِ فائِدَةِ ذَلِكَ وهو دُخُولُهم في الإسْلامِ، فَبَيَّنَ اللَّهُ لَهُ أنَّ أُمُورَ الشَّرِيعَةِ لا تَهاوُنَ بِها، وأنَّ مَصْلَحَةَ احْتِرامِ الشَّرِيعَةِ بَيْنَ أهْلِها أرْجَحُ مِن مَصْلَحَةِ
صفحة ٢٢٣
دُخُولِ فَرِيقٍ في الإسْلامِ، لِأنَّ الإسْلامَ لا يَلِيقُ بِهِ أنْ يَكُونَ ضَعِيفًا لِمُرِيدِيهِ، قالَ تَعالى ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أنْ أسْلَمُوا قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إسْلامَكم بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكم أنْ هَداكم لِلْإيمانِ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ [الحجرات: ١٧] .
وقَوْلُهُ: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنكم شِرْعَةً ومِنهاجًا﴾ كالتَّعْلِيلِ لِلنَّهْيِ، أيْ إذا كانَتْ أهْواؤُهم في مُتابَعَةِ شَرِيعَتِهِمْ أوْ عَوائِدِهِمْ فَدَعْهم وما اعْتادُوهُ وتَمَسَّكُوا بِشَرْعِكم.
والشِّرْعَةُ والشَّرِيعَةُ: الماءُ الكَثِيرُ مِن نَهْرٍ أوْ وادٍ. يُقالُ: شَرِيعَةُ الفُراتِ. وسُمِّيَتِ الدِّيانَةُ شَرِيعَةً عَلى التَّشْبِيهِ، لِأنَّ فِيها شِفاءَ النُّفُوسِ وطَهارَتَها. والعَرَبُ تُشَبِّهُ بِالماءِ وأحْوالِهِ كَثِيرًا، كَما قَدَّمْناهُ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنهُمْ﴾ [النساء: ٨٣] في سُورَةِ النِّساءِ.
والمِنهاجُ: الطَّرِيقُ الواسِعُ، وهو هُنا تَخْيِيلٌ أُرِيدَ بِهِ طَرِيقُ القَوْمِ إلى الماءِ، كَقَوْلِ قَيْسِ بْنِ الخَطِيمِ:
وأتْبَعْتُ دَلْوِي في السَّماحِ رِشاءَها
فَذِكْرُ الرِّشاءِ مُجَرَّدُ تَخْيِيلٍ. ويَصِحُّ أنْ يُجْعَلَ لَهُ رَدِيفٌ في المُشَبَّهِ بِأنْ تُشَبَّهَ العَوائِدُ المُنْتَزَعَةُ مِنَ الشَّرِيعَةِ أوْ دَلائِلُ التَّفْرِيعِ عَنِ الشَّرِيعَةِ أوْ طُرُقُ فَهْمِها، بِالمِنهاجِ المُوَصِّلِ إلى الماءِ. فَمِنهاجُ المُسْلِمِينَ لا يُخالِفُ الِاتِّصالَ بِالإسْلامِ، فَهو كَمِنهاجِ المُهْتَدِينَ إلى الماءِ، ومِنهاجُ غَيْرِهِمْ مُنْحَرِفٌ عَنْ دِينِهِمْ، كَما كانَتِ اليَهُودُ قَدْ جَعَلَتْ عَوائِدَ مُخالِفَةً لِشَرِيعَتِهِمْ، فَذَلِكَ كالمِنهاجِ المُوَصِّلِ إلى غَيْرِ المَوْرُودِ. وفي هَذا الكَلامِ إبْهامٌ أُرِيدَ بِهِ تَنْبِيهُ الفَرِيقَيْنِ إلى الفَرْقِ بَيْنَ حالَيْهِما وبِالتَّأمُّلِ يَظْهَرُ لَهم.
وقَوْلُهُ: ﴿ولَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكم أُمَّةً واحِدَةً﴾ . الجَعْلُ: التَّقْدِيرُ، وإلّا فَإنَّ اللَّهَ أمَرَ النّاسَ أنْ يَكُونُوا أُمَّةً واحِدَةً عَلى دِينِ الإسْلامِ، ولَكِنَّهُ رَتَّبَ نَوامِيسَ وجِبِلّاتٍ،
صفحة ٢٢٤
وسَبَّبَ اهْتِداءَ فَرِيقٍ وضَلالَ فَرِيقٍ، وعَلِمَ ذَلِكَ بِحَسَبِ ما خَلَقَ فِيهِمْ مِنَ الِاسْتِعْدادِ المُعَبَّرِ عَنْهُ بِالتَّوْفِيقِ أوِ الخِذْلانِ، والمَيْلِ أوِ الِانْصِرافِ، والعَزْمِ أوِ المُكابَرَةِ. ولا عُذْرَ لِأحَدٍ في ذَلِكَ، لِأنَّ عِلْمَ اللَّهِ غَيْرُ مَعْرُوفٍ عِنْدَنا وإنَّما يَنْكَشِفُ لَنا بِما يَظْهَرُ في الحادِثاتِ.
والأُمَّةُ: الجَماعَةُ العَظِيمَةُ الَّذِينَ دِينُهم ومُعْتَقَدُهم واحِدٌ، هَذا بِحَسَبِ اصْطِلاحِ الشَّرِيعَةِ. وأصْلُ الأُمَّةِ في كَلامِ العَرَبِ: القَوْمُ الكَثِيرُونَ الَّذِينَ يَرْجِعُونَ إلى نَسَبٍ واحِدٍ ويَتَكَلَّمُونَ بِلِسانٍ واحِدٍ، أيْ لَوْ شاءَ لَخَلَقَكم عَلى تَقْدِيرٍ واحِدٍ، كَما خَلَقَ أنْواعَ الحَيَوانِ غَيْرَ قابِلَةٍ لِلزِّيادَةِ ولا لِلتَّطَوُّرِ مِن أنْفُسِها.
ومَعْنى ﴿لِيَبْلُوَكم في ما آتاكُمْ﴾ هو ما أشَرْنا إلَيْهِ مِن خَلْقِ الِاسْتِعْدادِ ونَحْوِهِ. والبَلاءُ: الخِبْرَةُ. والمُرادُ هُنا لِيَظْهَرَ أثَرُ ذَلِكَ لِلنّاسِ، والمُرادُ لازِمُ المَعْنى عَلى طَرِيقِ الكِنايَةِ، كَقَوْلِ إياسِ بْنِ قَبِيصَةَ الطّائِيِّ:
وأقْبَلْتُ والخَطِيُّ يَخْطِرُ بَيْنَنَـا ∗∗∗ لِأعْلَمَ مَن جَبانُها مِن شُجاعِها
لَمْ يُرِدْ لِأعْلَمَ فَقَطْ ولَكِنْ أرادَ لِيَظْهَرَ لِي ولِلنّاسِ. ومَعْناهُ أنَّ اللَّهَ وكَلَ اخْتِيارَ طُرُقِ الخَيْرِ وأضْدادِها إلى عُقُولِ النّاسِ وكَسْبِهِمْ حِكْمَةً مِنهُ تَعالى لِيَتَسابَقَ النّاسُ إلى إعْمالِ مَواهِبِهِمُ العَقْلِيَّةِ فَتَظْهَرُ آثارُ العِلْمِ ويَزْدادُ أهْلُ العِلْمِ عِلْمًا وتُقامُ الأدِلَّةُ عَلى الِاعْتِقادِ الصَّحِيحِ. وكُلُّ ذَلِكَ يُظْهِرُ ما أوْدَعَهُ اللَّهُ في جِبِلَّةِ البَشَرِ مِنَ الصَّلاحِيَةِ لِلْخَيْرِ والإرْشادِ عَلى حَسَبِ الِاسْتِعْدادِ، وذَلِكَ مِنَ الِاخْتِبارِ. ولِذَلِكَ قالَ ﴿لِيَبْلُوَكم في ما آتاكُمْ﴾، أيْ في جَمِيعِ ما آتاكم مِنَ العَقْلِ والنَّظَرِ. فَيَظْهَرُ التَّفاضُلُ بَيْنَ أفْرادِ نَوْعِ الإنْسانِ حَتّى يَبْلُغَ بَعْضُها دَرَجاتٍ عالِيَةً، ومِنَ الشَّرائِعِ الَّتِي آتاكُمُوها فَيَظْهَرُ مِقْدارُ عَمَلِكم بِها فَيَحْصُلُ الجَزاءُ بِمِقْدارِ العَمَلِ.
وفَرَّعَ عَلى ”لِيَبْلُوَكم“ قَوْلَهُ: فاسْتَبِقُوا الخَيْراتِ لِأنَّ بِذَلِكَ الِاسْتِباقِ يَكُونُ ظُهُورُ أثَرِ التَّوْفِيقِ أوْضَحَ وأجْلى.
والِاسْتِباقُ: التَّسابُقُ، وهو هُنا مَجازٌ في المُنافَسَةِ، لِأنَّ الفاعِلَ لِلْخَيْرِ لا يَمْنَعُ
صفحة ٢٢٥
غَيْرَهُ مِن أنْ يَفْعَلَ مِثْلَ فِعْلِهِ أوْ أكْثَرَ، فَشابَهَ التَّسابُقَ. ولِتَضْمِينِ فِعْلِ ”اسْتَبِقُوا“ بِمَعْنى خُذُوا، أوِ ابْتَدِرُوا، عُدِّيَ الفِعْلُ إلى الخَيْراتِ بِنَفْسِهِ وحَقُّهُ أنْ يُعَدّى بِـ ”إلى“ كَقَوْلِهِ: ﴿سابِقُوا إلى مَغْفِرَةٍ مِن رَبِّكُمْ﴾ [الحديد: ٢١] .
وقَوْلُهُ: ﴿فَيُنَبِّئُكم بِما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ أيْ مِنَ الِاخْتِلافِ في قَبُولِ الدِّينِ.
5:49Страница 116
وَأَنِ ٱحۡكُم بَيۡنَهُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ وَلَا تَتَّبِعۡ أَهۡوَآءَهُمۡ وَٱحۡذَرۡهُمۡ أَن يَفۡتِنُوكَ عَنۢ بَعۡضِ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ إِلَيۡكَۖ فَإِن تَوَلَّوۡاْ فَٱعۡلَمۡ أَنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُصِيبَهُم بِبَعۡضِ ذُنُوبِهِمۡۗ وَإِنَّ كَثِيرٗا مِّنَ ٱلنَّاسِ لَفَٰسِقُونَ ٤٩
Суди между ними согласно тому, что ниспослал Аллах, не потакай их желаниям и остерегайся их, дабы они не отвратили тебя от части того, что ниспослал тебе Аллах. Если же они отвернутся, то знай, что Аллах желает покарать их за некоторые из их грехов. Воистину, многие люди являются нечестивцами.
﴿وأنُ احْكم بَيْنَهم بِما أنْزَلَ اللَّهُ ولا تَتَّبِعْ أهْواءَهم واحْذَرْهم أنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ ما أنْزَلَ اللَّهُ إلَيْكَ فَإنْ تَوَلَّوْا فاعْلَمْ أنَّما يُرِيدُ اللَّهُ أنْ يُصِيبَهم بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وإنَّ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ لَفاسِقُونَ﴾ .
يَجُوزُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: وأنِ احْكم مَعْطُوفًا عَطْفَ جُمْلَةٍ عَلى جُمْلَةٍ، بِأنْ يُجْعَلَ مَعْطُوفًا عَلى جُمْلَةِ ﴿فاحْكم بَيْنَهم بِما أنْزَلَ اللَّهُ ولا تَتَّبِعْ أهْواءَهُمْ﴾ [المائدة: ٤٨]، فَيَكُونُ رُجُوعًا إلى ذَلِكَ الأمْرِ لِتَأْكِيدِهِ، ولِيُبْنى عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿واحْذَرْهم أنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ ما أنْزَلَ اللَّهُ إلَيْكَ﴾ كَما بُنِيَ عَلى نَظِيرِهِ قَوْلُهُ: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنكم شِرْعَةً ومِنهاجًا﴾ [المائدة: ٤٨] وتَكُونُ (أنْ) تَفْسِيرِيَّةً. و(أنْ) التَّفْسِيرِيَّةُ تُفِيدُ تَقْوِيَةَ ارْتِباطِ التَّفْسِيرِ بِالمُفَسَّرِ، لِأنَّها يُمْكِنُ الِاسْتِغْناءُ عَنْها، لِصِحَّةِ أنْ تَقُولَ: أرْسَلْتُ إلَيْهِ افْعَلْ كَذا، كَما تَقُولُ: أرْسَلْتُ إلَيْهِ أنِ افْعَلْ كَذا. فَلَمّا ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى أنَّهُ أنْزَلَ الكِتابَ إلى رَسُولِهِ رَتَّبَ عَلَيْهِ الأمْرَ بِالحُكْمِ بِما أنْزَلَ بِهِ بِواسِطَةِ الفاءِ، فَقالَ فاحْكم بَيْنَهم، فَدَلَّ عَلى أنَّ الحُكْمَ بِما فِيهِ هو مِن آثارِ تَنْزِيلِهِ. وعَطَفَ عَلَيْهِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّ الكِتابَ يَأْمُرُ بِالحُكْمِ بِما فِيهِ بِما دَلَّتْ عَلَيْهِ (أنْ) التَّفْسِيرِيَّةُ في قَوْلِهِ: ﴿وأنُ احْكم بَيْنَهم بِما أنْزَلَ اللَّهُ﴾، فَتَأكَّدَ الغَرَضُ بِذِكْرِهِ مَرَّتَيْنِ مَعَ تَفَنُّنِ الأُسْلُوبِ وبَداعَتِهِ، فَصارَ التَّقْدِيرُ: وأنْزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ بِالحَقِّ أنِ احْكم بَيْنَهم بِما أنْزَلَ اللَّهُ فاحْكم بَيْنَهم بِهِ. ومِمّا حَسَّنَ عَطْفَ التَّفْسِيرِ هُنا طُولُ الكَلامِ الفاصِلِ بَيْنَ الفِعْلِ المُفَسِّرِ وبَيْنَ تَفْسِيرِهِ. وجَعَلَهُ صاحِبُ الكَشّافِ مِن عَطْفِ المُفْرَداتِ. فَقالَ: عُطِفَ أنِ احْكم عَلى الكِتابِ في قَوْلِهِ: وأنْزَلْنا إلَيْكَ
صفحة ٢٢٦
الكِتابَ كَأنَّهُ قِيلَ: وأنْزَلْنا إلَيْكَ أنِ احْكم. فَجَعَلَ (أنْ) مَصْدَرِيَّةً داخِلَةً عَلى فِعْلِ الأمْرِ، أيْ فَيَكُونُ المَعْنى: وأنْزَلْنا إلَيْكَ الأمْرَ بِالحُكْمِ بِما أنْزَلَ اللَّهُ كَما قالَ في قَوْلِهِ: ﴿إنّا أرْسَلْنا نُوحًا إلى قَوْمِهِ أنْ أنْذِرْ قَوْمَكَ﴾ [نوح: ١]، أيْ أرْسَلْناهُ بِالأمْرِ بِالإنْذارِ، وبَيَّنَ في سُورَةِ يُونُسَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وأنْ أقِمْ وجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا﴾ [يونس: ١٠٥] أنَّ هَذا قَوْلُ سِيبَوَيْهِ إذْ سَوَّغَ أنْ تُوصَلَ (أنْ) المَصْدَرِيَّةُ بِفِعْلِ الأمْرِ والنَّهْيِ لِأنَّ الغَرَضَ وصْلُها بِما يَكُونُ مَعَهُ مَعْنى المَصْدَرِ، والأمْرُ والنَّهْيُ يَدُلّانِ عَلى مَعْنى المَصْدَرِ، وعَلَّلَهُ هُنا بِقَوْلِهِ: لِأنَّ الأمْرَ فِعْلٌ كَسائِرِ الأفْعالِ. والحَمْلُ عَلى التَّفْسِيرِيَّةِ أوْلى وأعْرَبُ، وتَكُونُ (أنْ) مُقْحَمَةً بَيْنَ الجُمْلَتَيْنِ مُفَسِّرَةً لِفِعْلِ أنْزَلَ مِن قَوْلِهِ: ﴿فاحْكم بَيْنَهم بِما أنْزَلَ اللَّهُ﴾ [المائدة: ٤٨]؛ فَإنَّ ”أنْزَلَ“ يَتَضَمَّنُ مَعْنى القَوْلِ فَكانَ لِحَرْفِ التَّفْسِيرِ مَوْقِعٌ.
وقَوْلُهُ: ﴿ولا تَتَّبِعْ أهْواءَهُمْ﴾ [المائدة: ٤٨] هو كَقَوْلِهِ قَبْلَهُ ﴿ولا تَتَّبِعْ أهْواءَهم عَمّا جاءَكَ مِنَ الحَقِّ﴾ [المائدة: ٤٨] .
وقَوْلُهُ: ﴿واحْذَرْهم أنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ ما أنْزَلَ اللَّهُ إلَيْكَ﴾ المَقْصُودُ مِنهُ افْتِضاحُ مَكْرِهِمْ وتَأْيِيسُهم مِمّا أمَّلُوهُ، لِأنَّ حَذَرَ النَّبِيءِ ﷺ مِن ذَلِكَ لا يُحْتاجُ فِيهِ إلى الأمْرِ لِعِصْمَتِهِ مِن أنْ يُخالِفَ حُكْمَ اللَّهِ.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَقْصُودُ مِنهُ دَحْضَ ما يَتَراءى مِنَ المَصْلَحَةِ في الحُكْمِ بَيْنَ المُتَحاكِمِينَ إلَيْهِ مِنَ اليَهُودِ بِعَوائِدِهِمْ إنْ صَحَّ ما رُوِيَ مِن أنَّ بَعْضَ أحْبارِهِمْ وعَدُوا النَّبِيءَ بِأنَّهُ إنْ حَكَمَ لَهم بِذَلِكَ آمَنُوا بِهِ واتَّبَعَتْهُمُ اليَهُودُ اقْتِداءً بِهِمْ، فَأراهُ اللَّهُ أنَّ مَصْلَحَةَ حُرْمَةِ أحْكامِ الدِّينِ ولَوْ بَيْنَ غَيْرِ أتْباعِهِ مُقَدَّمَةٌ عَلى مَصْلَحَةِ إيمانِ فَرِيقٍ مِنَ اليَهُودِ، لِأجْلِ ذَلِكَ فَإنَّ شَأْنَ الإيمانِ أنْ لا يُقاوِلَ النّاسَ عَلى اتِّباعِهِ كَما قَدَّمْناهُ آنِفًا. والمَقْصُودُ مَعَ ذَلِكَ تَحْذِيرُ المُسْلِمِينَ مِن تَوَهُّمِ ذَلِكَ.
ولِذَلِكَ فَرَّعَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿فَإنْ تَوَلَّوْا﴾، أيْ فَإنْ حَكَمْتَ بَيْنَهم بِما أنْزَلَ اللَّهُ ولَمْ تَتَّبِعْ أهْواءَهم وتَوَلَّوْا فاعْلَمْ، أيْ فَتِلْكَ أمارَةٌ أنَّ اللَّهَ أرادَ بِهِمُ الشَّقاءَ والعَذابَ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ ولَيْسَ عَلَيْكَ في تَوَلِّيهِمْ حَرَجٌ. وأرادَ بِبَعْضِ الذُّنُوبِ
صفحة ٢٢٧
بَعْضًا غَيْرَ مُعَيَّنٍ، أيْ أنَّ بَعْضَ ذُنُوبِهِمْ كافِيَةٌ في إصابَتِهِمْ وأنَّ تَوَلِّيَهم عَنْ حُكْمِكَ أمارَةُ خِذْلانِ اللَّهِ إيّاهم.
وقَدْ ذَيَّلَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وإنَّ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ لَفاسِقُونَ﴾ لِيَهُونَ عِنْدَهُ بَقاؤُهم عَلى ضَلالِهِمْ إذْ هو شَنْشَنَةُ أكْثَرِ النّاسِ، أيْ وهَؤُلاءِ مِنهم. فالكَلامُ كِنايَةٌ عَنْ كَوْنِهِمْ فاسِقِينَ.
5:50Страница 116
أَفَحُكۡمَ ٱلۡجَٰهِلِيَّةِ يَبۡغُونَۚ وَمَنۡ أَحۡسَنُ مِنَ ٱللَّهِ حُكۡمٗا لِّقَوۡمٖ يُوقِنُونَ ٥٠
Неужели они ищут суда времен невежества? Чьи решения могут быть лучше решений Аллаха для людей убежденных?
﴿أفَحُكْمَ الجاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ ومَن أحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ .
فَرَّعَتِ الفاءُ عَلى مَضْمُونِ قَوْلِهِ: ﴿فَإنْ تَوَلَّوْا فاعْلَمْ﴾ [المائدة: ٤٩] إلَخِ اسْتِفْهامًا عَنْ مُرادِهِمْ مِن ذَلِكَ التَّوَلِّي، والِاسْتِفْهامُ إنْكارِيٌّ، لِأنَّهم طَلَبُوا حُكْمَ الجاهِلِيَّةِ. وحُكْمُ الجاهِلِيَّةِ هو ما تَقَرَّرَ بَيْنَ اليَهُودِ مِن تَكايُلِ الدِّماءِ الَّذِي سَرى إلَيْهِمْ مِن أحْكامِ أهْلِ يَثْرِبَ، وهم أهْلُ جاهِلِيَّةٍ، فَإنَّ بَنِي النَّضِيرِ لَمْ يَرْضَوْا بِالتَّساوِي مَعَ قُرَيْظَةَ كَما تَقَدَّمَ؛ وما وضَعُوهُ مِنَ الأحْكامِ بَيْنَ أهْلِ الجاهِلِيَّةِ، وهو العُدُولُ عَنِ الرَّجْمِ الَّذِي هو حُكْمُ التَّوْراةِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ ”يَبْغُونَ“ بِياءِ الغائِبِ، والضَّمِيرُ عائِدٌ لِـ (مَن) في قَوْلِهِ: ﴿ومَن لَمْ يَحْكم بِما أنْزَلَ اللَّهُ﴾ [المائدة: ٤٧] . وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ بِتاءِ الخِطابِ عَلى أنَّهُ خِطابٌ لِلْيَهُودِ عَلى طَرِيقَةِ الِالتِفاتِ.
والواوُ في قَوْلِهِ: ﴿ومَن أحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا﴾ واوُ الحالِ، وهو اعْتِراضٌ، والِاسْتِفْهامُ إنْكارِيٌّ في مَعْنى النَّفْيِ، أيْ لا أحْسَنَ مِنهُ حُكْمًا. وهو خِطابٌ لِلْمُسْلِمِينَ، إذْ لا فائِدَةَ في خِطابِ اليَهُودِ بِهَذا.
وقَوْلُهُ: لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ اللّامُ فِيهِ لَيْسَتْ مُتَعَلِّقَةً بِـ ”حُكْمًا“ إذْ لَيْسَ المُرادُ بِمَدْخُولِها المَحْكُومَ لَهم، ولا هي لامُ التَّقْوِيَةِ لِأنَّ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ لَيْسَ مَفْعُولًا لِـ ”حُكْمًا“ في المَعْنى. فَهَذِهِ اللّامُ تُسَمّى لامَ البَيانِ ولامَ التَّبْيِينِ، وهي الَّتِي تَدْخُلُ عَلى المَقْصُودِ مِنَ الكَلامِ سَواءٌ كانَ خَبَرًا أمْ إنْشاءً، وهي الواقِعَةُ في نَحْوِ قَوْلِهِمْ: سَقْيًا لَكَ،
صفحة ٢٢٨
وجَدْعًا لَهُ، وفي الحَدِيثِ «تَبًّا وسُحْقًا لِمَن بَدَّلَ بَعْدِي»، وقَوْلِهِ تَعالى ﴿هَيْهاتَ هَيْهاتَ لِما تُوعَدُونَ﴾ [المؤمنون: ٣٦] وحاشَ لِلَّهِ. وذَلِكَ أنَّ المَقْصُودَ التَّنْبِيهُ عَلى المُرادِ مِنَ الكَلامِ. ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى عَنْ زُلَيْخا ﴿وقالَتْ هَيْتَ لَكَ﴾ [يوسف: ٢٣] لِأنَّ تَهَيُّؤَها لَهُ غَرِيبٌ لا يَخْطُرُ بِبالِ يُوسُفَ فَلا يَدْرِي ما أرادَتْ فَقالَتْ لَهُ ﴿هَيْتَ لَكَ﴾ [يوسف: ٢٣]، إذا كانَ (هيْتَ) اسْمَ فِعْلِ مُضِيٍّ بِمَعْنى تَهَيَّأْتُ، ومِثْلُ قَوْلِهِ تَعالى هُنا ﴿ومَن أحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ . وقَدْ يَكُونُ المَقْصُودُ مَعْلُومًا فَيُخْشى خَفاؤُهُ فَيُؤْتى بِاللّامِ لِزِيادَةِ البَيانِ نَحْوَ حاشَ لِلَّهِ، وهي حِينَئِذٍ جَدِيرَةٌ بِاسْمِ لامِ التَّبْيِينِ، كالدّاخِلَةِ إلى المُواجَهِ بِالخِطابِ في قَوْلِهِمْ: سَقَيًا لَكَ ورَعْيًا، ونَحْوِهِما، وفي قَوْلِهِ: (هَيْتَ) اسْمُ فِعْلِ أمْرٍ بِمَعْنى تَعالَ. وإنَّما لَمْ تُجْعَلْ في بَعْضِ هَذِهِ المَواضِعِ لامَ تَقْوِيَةٍ، لِأنَّ لامَ التَّقْوِيَةِ يَصِحُّ الِاسْتِغْناءُ عَنْها مَعَ ذِكْرِ مَدْخُولِها، وفي هَذِهِ المَواضِعِ لا يُذْكَرُ مَدْخُولُ اللّامِ إلّا مَعَها.
Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии