Ибн Ашур · Тафсир · на арабском
Аль-Маида 5:64–66
5:64Страница 118
وَقَالَتِ ٱلۡيَهُودُ يَدُ ٱللَّهِ مَغۡلُولَةٌۚ غُلَّتۡ أَيۡدِيهِمۡ وَلُعِنُواْ بِمَا قَالُواْۘ بَلۡ يَدَاهُ مَبۡسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيۡفَ يَشَآءُۚ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرٗا مِّنۡهُم مَّآ أُنزِلَ إِلَيۡكَ مِن رَّبِّكَ طُغۡيَٰنٗا وَكُفۡرٗاۚ وَأَلۡقَيۡنَا بَيۡنَهُمُ ٱلۡعَدَٰوَةَ وَٱلۡبَغۡضَآءَ إِلَىٰ يَوۡمِ ٱلۡقِيَٰمَةِۚ كُلَّمَآ أَوۡقَدُواْ نَارٗا لِّلۡحَرۡبِ أَطۡفَأَهَا ٱللَّهُۚ وَيَسۡعَوۡنَ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَسَادٗاۚ وَٱللَّهُ لَا يُحِبُّ ٱلۡمُفۡسِدِينَ ٦٤
Иудеи сказали: «Рука Аллаха скована». Это их руки скованы, и они прокляты за то, что они сказали (или да будут скованы их руки, и да будут они прокляты за то, что они сказали). Его обе Руки простерты, и Он расходует, как пожелает. Ниспосланное тебе от твоего Господа приумножает во многих из них несправедливость и неверие. Мы посеяли между ними вражду и ненависть вплоть до Дня воскресения. Всякий раз, когда они разжигают огонь войны, Аллах тушит его. Они стремятся распространить на земле нечестие, но Аллах не любит распространяющих нечестие.
﴿وقالَتِ اليَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أيْدِيهِمْ ولُعِنُوا بِما قالُوا بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشاءُ﴾ .
عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿وإذا جاءُوكم قالُوا آمَنّا﴾ [المائدة: ٦١] فَإنَّهُ لَمّا كانَ أُولَئِكَ مِنَ اليَهُودِ والمُنافِقِينَ انْتَقَلَ إلى سُوءِ مُعْتَقَدِهِمْ وخُبْثِ طَوِيَّتِهِمْ لِيُظْهِرَ فَرْطَ التَّنافِي بَيْنَ مُعْتَقَدِهِمْ ومُعْتَقَدِ أهْلِ الإسْلامِ، وهَذا قَوْلُ اليَهُودِ الصُّرَحاءِ غَيْرِ المُنافِقِينَ فَلِذَلِكَ أُسْنِدَ إلى اسْمِ (اليَهُودِ) .
صفحة ٢٤٩
ومَعْنى ﴿يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾ الوَصْفُ بِالبُخْلِ في العَطاءِ لِأنَّ العَرَبَ يَجْعَلُونَ العَطاءَ مُعَبَّرًا عَنْهُ بِاليَدِ، ويَجْعَلُونَ بَسْطَ اليَدِ اسْتِعارَةً لِلْبَذْلِ والكَرَمِ، ويَجْعَلُونَ ضِدَّ البَسْطِ اسْتِعارَةً لِلْبُخْلِ فَيَقُولُونَ: أمْسَكَ يَدَهُ وقَبَضَ يَدَهُ، ولَمْ نَسْمَعْ مِنهم: غَلَّ يَدَهُ، إلّا في القُرْآنِ كَما هُنا، وقَوْلُهُ: ﴿ولا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إلى عُنُقِكَ﴾ [الإسراء: ٢٩] في سُورَةِ الإسْراءِ، وهي اسْتِعارَةٌ قَوِيَّةٌ لِأنَّ مَغْلُولَ اليَدِ لا يَسْتَطِيعُ بَسْطَها في أقَلِّ الأزْمانِ، فَلا جَرَمَ أنْ تَكُونَ اسْتِعارَةً لِأشَدِّ البُخْلِ والشُّحِّ.
واليَهُودُ أهْلُ إيمانٍ ودِينٍ فَلا يَجُوزُ في دِينِهِمْ وصْفُ اللَّهِ تَعالى بِصِفاتِ الذَّمِّ. فَقَوْلُهم هَذا: إمّا أنْ يَكُونَ جَرى مَجْرى التَّهَكُّمِ بِالمُسْلِمِينَ إلْزامًا لِهَذا القَوْلِ الفاسِدِ لَهم، كَما رُوِيَ أنَّهم قالُوا ذَلِكَ لَمّا كانَ المُسْلِمُونَ في أوَّلِ زَمَنِ الهِجْرَةِ في شِدَّةٍ، وفَرَضَ الرَّسُولُ عَلَيْهِمُ الصَّدَقاتِ، ورُبَّما اسْتَعانَ بِاليَهُودِ في الدِّياتِ. وكَما رُوِيَ أنَّهم قالُوهُ لَمّا نَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى ﴿مَن ذا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ [البقرة: ٢٤٥] فَقالُوا: إنَّ رَبَّ مُحَمَّدٍ فَقِيرٌ وبَخِيلٌ. وقَدْ حُكِيَ عَنْهم نَظِيرُهُ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قالُوا إنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ ونَحْنُ أغْنِياءُ﴾ [آل عمران: ١٨١] . ويُؤَيِّدُ هَذا قَوْلُهُ: عَقِبَهُ ﴿ولَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنهم ما أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ طُغْيانًا وكُفْرًا﴾ [المائدة: ٦٨] . وإمّا أنْ يَكُونُوا قالُوهُ في حالَةِ غَضَبٍ ويَأْسٍ؛ فَقَدْ رُوِيَ في سَبَبِ نُزُولِها أنَّ اليَهُودَ نَزَلَتْ بِهِمْ شَدَّةٌ وأصابَتْهم مَجاعَةٌ وجَهْدٌ، فَقالَ فِنْحاصُ بْنُ عازُورا هَذِهِ المَقالَةَ، فَإمّا تَلَقَّفُوها مِنهُ عَلى عادَةِ جَهْلِ العامَّةِ، وإمّا نُسِبَ قَوْلُ حَبْرِهِمْ إلى جَمِيعِهِمْ لِأنَّهم يُقَلِّدُونَهُ ويَقْتَدُونَ بِهِ.
وقَدْ ذَمَّهُمُ اللَّهُ تَعالى عَلى كِلا التَّقْدِيرَيْنِ، إذِ الأوَّلُ اسْتِخْفافٌ بِالإسْلامِ وبِدِينِهِمْ أيْضًا، إذْ يَجِبُ تَنْزِيهُ اللَّهِ تَعالى عَنْ هَذِهِ المَقالاتِ، ولَوْ كانَتْ عَلى نِيَّةِ إلْزامِ الخَصْمِ، والثّانِي ظاهِرٌ ما فِيهِ مِنَ العَجْرَفَةِ والتَّأفُّفِ مِن تَصَرُّفِ اللَّهِ، فَقابَلَ اللَّهُ قَوْلَهم بِالدُّعاءِ عَلَيْهِمْ. وذَلِكَ ذَمٌّ عَلى طَرِيقَةِ العَرَبِ.
وجُمْلَةُ ﴿غُلَّتْ أيْدِيهِمْ﴾ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ جُمْلَةِ وقالَتِ اليَهُودُ وبَيْنَ جُمْلَةِ ﴿بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ﴾ . وهي إنْشاءُ سَبٍّ لَهم.
صفحة ٢٥٠
وأُخِذَ لَهم مِنَ الغُلِّ المَجازِيِّ مُقابِلُهُ الغُلُّ الحَقِيقِيُّ في الدُّعاءِ عَلى طَرِيقَةِ العَرَبِ في انْتِزاعِ الدُّعاءِ مِن لَفْظِ سَبَبِهِ أوْ نَحْوِهِ، كَقَوْلِ النَّبِيءِ ﷺ «عُصَيَّةُ عَصَتِ اللَّهَ ورَسُولَهُ، وأسْلَمَ سَلَّمَها اللَّهُ، وغِفارُ غَفَرَ اللَّهُ لَها» .
وجُمْلَةُ ﴿ولُعِنُوا بِما قالُوا﴾ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ إنْشاءَ دُعاءٍ عَلَيْهِمْ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ إخْبارًا بِأنَّ اللَّهَ لَعَنَهم لِأجْلِ قَوْلِهِمْ هَذا، نَظِيرَ ما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وإنْ يَدْعُونَ إلّا شَيْطانًا مَرِيدًا﴾ [النساء: ١١٧] ﴿لَعَنَهُ اللَّهُ﴾ [النساء: ١١٨] في سُورَةِ النِّساءِ. وقَوْلُهُ: ﴿بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ﴾ نَقْضٌ لِكَلامِهِمْ وإثْباتُ سَعَةِ فَضْلِهِ تَعالى. وبَسْطُ اليَدَيْنِ تَمْثِيلٌ لِلْعَطاءِ، وهو يَتَضَمَّنُ تَشْبِيهَ الإنْعامِ بِأشْياءَ تُعْطى بِاليَدَيْنِ.
وذِكْرُ اليَدِ هُنا بِطَرِيقَةِ التَّثْنِيَةِ لِزِيادَةِ المُبالَغَةِ في الجُودِ، وإلّا فاليَدُ في حالِ الِاسْتِعارَةِ لِلْجُودِ أوْ لِلْبُخْلِ لا يُقْصَدُ مِنها مُفْرَدٌ ولا عَدَدٌ، فالتَّثْنِيَةُ مُسْتَعْمَلَةٌ في مُطْلَقِ التَّكْرِيرِ، كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿ثُمَّ ارْجِعِ البَصَرَ كَرَّتَيْنِ﴾ [الملك: ٤]، وقَوْلِهِمْ ”لَبَّيْكَ وسَعْدَيْكَ“ . وقالَ الشّاعِرُ أنْشَدَهُ في الكَشّافِ ولَمْ يَعْزُهُ هو ولا شارِحُوهُ:
جادَ الحِمى بَسِطُ اليَدَيْنِ بِوابِلٍ شَكَرَتْ نَداهُ تِلاعُهُ ووِهادُهُ
وجُمْلَةُ ﴿يُنْفِقُ كَيْفَ يَشاءُ﴾ بَيانٌ لِاسْتِعارَةِ ﴿يَداهُ مَبْسُوطَتانِ﴾ . و”كَيْفَ“ اسْمٌ دالٌّ عَلى الحالَةِ وهو مَبْنِيٌّ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ.
وفِي قَوْلِهِ: كَيْفَ يَشاءُ زِيادَةُ إشارَةٍ إلى أنَّ تَقْتِيرَهُ الرِّزْقَ عَلى بَعْضِ عَبِيدِهِ لِمَصْلَحَةٍ، مِثْلَ العِقابِ عَلى كُفْرانِ النِّعْمَةِ، قالَ تَعالى ﴿ولَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبادِهِ لَبَغَوْا في الأرْضِ﴾ [الشورى: ٢٧] .
* * *
﴿ولَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنهم ما أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ طُغْيانًا وكُفْرًا﴾ .
عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿وقالَتِ اليَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾ . وقَعَ مُعْتَرِضًا بَيْنَ الرَّدِّ عَلَيْهِمْ بِجُمْلَةِ ﴿بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ﴾ وبَيْنَ جُمْلَةِ ﴿وألْقَيْنا بَيْنَهُمُ العَداوَةَ والبَغْضاءَ﴾ .
صفحة ٢٥١
وهَذا بَيانٌ لِلسَّبَبِ الَّذِي بَعَثَهم عَلى تِلْكَ المَقالَةِ الشَّنِيعَةِ، أيْ أعْماهُمُ الحَسَدُ فَزادَهم طُغْيانًا وكُفْرًا، وفي هَذا إعْدادٌ لِلرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِأخْذِ الحَذَرِ مِنهم، وتَسْلِيَةٌ لَهُ بِأنَّ فَرْطَ حَنَقِهِمْ هو الَّذِي أنْطَقَهم بِذَلِكَ القَوْلِ الفَظِيعِ.
* * *
﴿وألْقَيْنا بَيْنَهُمُ العَداوَةَ والبَغْضاءَ إلى يَوْمِ القِيامَةِ﴾ .
عُطِفَ عَلى جُمْلَةِ ﴿ولُعِنُوا بِما قالُوا﴾ عَطْفَ الخَبَرِ عَلى الإنْشاءِ عَلى أحَدِ الوَجْهَيْنِ فِيهِ. وفي هَذا الخَبَرِ الإيماءُ إلى أنَّ اللَّهَ عاقَبَهم في الدُّنْيا عَلى بُغْضِهِمُ المُسْلِمِينَ بِأنْ ألْقى البَغْضاءَ بَيْنَ بَعْضِهِمْ وبَعْضٍ، فَهو جَزاءٌ مِن جِنْسِ العَمَلِ، وهو تَسْلِيَةٌ لِلرَّسُولِ ﷺ أنْ لا يُهِمَّهُ أمْرُ عَداوَتِهِمْ لَهُ، فَإنَّ البَغْضاءَ سَجِيَّتُهم حَتّى بَيْنَ أقْوامِهِمْ وأنَّ هَذا الوَصْفَ دائِمٌ لَهم شَأْنَ الأوْصافِ الَّتِي عَمِيَ أصْحابُها عَنْ مُداواتِها بِالتَّخَلُّقِ الحَسَنِ. وتَقَدَّمَ القَوْلُ في نَظِيرِهِ آنِفًا.
* * *
﴿كُلَّما أوْقَدُوا نارًا لِلْحَرْبِ أطْفَأها اللَّهُ ويَسْعَوْنَ في الأرْضِ فَسادًا واللَّهُ لا يُحِبُّ المُفْسِدِينَ﴾ .
تَرْكِيبُ ﴿أوْقَدُوا نارًا لِلْحَرْبِ أطْفَأها اللَّهُ﴾ تَمْثِيلٌ، شُبِّهَ بِهِ حالُ التَّهَيُّؤِ لِلْحَرْبِ والِاسْتِعْدادِ لَها والحَزامَةِ في أمْرِها، بِحالِ مَن يُوقِدُ النّارَ لِحاجَةٍ بِها فَتَنْطَفِئُ، فَإنَّهُ شاعَتِ اسْتِعاراتُ مَعانِي التَّسْعِيرِ والحَمْيِ والنّارِ ونَحْوِها لِلْحَرْبِ، ومِنهُ حَمِيَ الوَطِيسُ، وفُلانٌ مِسْعَرُ حَرْبٍ، ومِحَشُّ حَرْبٍ، فَقَوْلُهُ: ﴿أوْقَدُوا نارًا لِلْحَرْبِ﴾ كَذَلِكَ، ولا نارَ في الحَقِيقَةِ، إذْ لَمْ يُؤْثَرْ عَنِ العَرَبِ أنَّ لَهم نارًا تَخْتَصُّ بِالحَرْبِ تُعَدُّ في نِيرانِ العَرَبِ الَّتِي يُوقِدُونَها لِأغْراضٍ. وقَدْ وهِمَ مَن ظَنَّها حَقِيقَةً، ونَبَّهَ المُحَقِّقُونَ عَلى وهْمِهِ.
وشَبَّهَ حالَ انْحِلالِ عَزْمِهِمْ أوِ انْهِزامِهِمْ وسُرْعَةِ ارْتِدادِهِمْ عَنْها، وإحْجامِهِمْ عَنْ مُصابَحَةِ أعْدائِهِمْ، بِحالِ مَنِ انْطَفَأتْ نارُهُ الَّتِي أوْقَدَها.
صفحة ٢٥٢
ومِن بَداعَةِ هَذا التَّمْثِيلِ أنَّهُ صالِحٌ لِأنْ يُعْتَبَرَ فِيهِ جَمْعُهُ وتَفْرِيقُهُ، بِأنْ يُجْعَلَ تَمْثِيلًا واحِدًا لِحالَةِ مَجْمُوعَةٍ أوْ تَمْثِيلَيْنِ لِحالَتَيْنِ، وقَبُولُ التَّمْثِيلِ لِلتَّفْرِيقِ أتَمُّ بَلاغَةً. والمَعْنى أنَّهم لا يَلْتَئِمُ لَهم أمْرُ حَرْبٍ ولا يَسْتَطِيعُونَ نِكايَةَ عَدُوٍّ، ولَوْ حارَبُوا أوْ حُورِبُوا انْهَزَمُوا، فَيَكُونُ مَعْنى الآيَةِ عَلى هَذا كَقَوْلِهِ: ﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أيْنَ ما ثُقِفُوا﴾ [آل عمران: ١١٢] .
وأمّا ما يُرْوى أنَّ مَعَدًّا كُلَّها لَمّا حارَبُوا مَذْحِجَ يَوْمَ خَزازى، وسِيادَتُهم لِتَغْلِبَ وقائِدُهم كُلَيْبٌ، أمَرَ كُلَيْبٌ أنْ يُوقِدُوا نارًا عَلى جَبَلِ خَزازى لِيَهْتَدِيَ بِها الجَيْشُ لِكَثْرَتِهِ، وجَعَلُوا العَلامَةَ بَيْنَهم أنَّهم إذا دَهَمَتْهم جُيُوشُ مَذْحِجَ أوْقَدُوا نارَيْنِ عَلى خَزازى، فَلَمّا دَهَمَتْهم مَذْحِجُ أوْقَدُوا النّارَ فَتَجَمَّعَتْ مَعَدٌّ كُلُّها إلى ساحَةِ القِتالِ وانْهَزَمَتْ مَذْحِجُ. وهَذا الَّذِي أشارَ إلَيْهِ عَمْرُو بْنُ كُلْثُومٍ بِقَوْلِهِ:
ونَحْنُ غَداةَ أُوقِدَ في خَزازى رَفَدْنا فَوْقَ رَفْدِ الرّافِدِينَـا
فَتِلْكَ شِعارٌ خاصٌّ تَواضَعُوا عَلَيْهِ يَوْمَئِذٍ فَلا يُعَدُّ عادَةً في جَمِيعِ الحُرُوبِ. وحَيْثُ لا تُعْرَفُ نارٌ لِلْحَرْبِ تَعَيَّنَ الحَمْلُ عَلى التَّمْثِيلِ، ولِذَلِكَ أجْمَعَ عَلَيْهِ المُفَسِّرُونَ في هَذِهِ الآيَةِ فَلَيْسَ الكَلامُ بِحَقِيقَةٍ ولا كِنايَةٍ.
وقَوْلُهُ: ﴿ويَسْعَوْنَ في الأرْضِ فَسادًا﴾ القَوْلُ فِيهِ كالقَوْلِ في نَظِيرِهِ المُتَقَدِّمِ آنِفًا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ ويَسْعَوْنَ في الأرْضِ فَسادًا﴾ [المائدة: ٣٣] .
5:65Страница 119
وَلَوۡ أَنَّ أَهۡلَ ٱلۡكِتَٰبِ ءَامَنُواْ وَٱتَّقَوۡاْ لَكَفَّرۡنَا عَنۡهُمۡ سَيِّـَٔاتِهِمۡ وَلَأَدۡخَلۡنَٰهُمۡ جَنَّٰتِ ٱلنَّعِيمِ ٦٥
Если бы люди Писания уверовали и устрашились, то Мы простили бы им злодеяния и ввели бы их в Сады блаженства.
﴿ولَوْ أنَّ أهْلَ الكِتابِ آمَنُوا واتَّقَوْا لَكَفَّرْنا عَنْهم سَيِّئاتِهِمْ ولَأدْخَلْناهم جَنّاتِ النَّعِيمِ﴾ .
عَقَّبَ نَهْيَهم وذَمَّهم بِدَعْوَتِهِمْ لِلْخَيْرِ بِطَرِيقَةِ التَّعْرِيضِ إذْ جاءَ بِحَرْفِ الِامْتِناعِ فَقالَ ﴿ولَوْ أنَّ أهْلَ الكِتابِ آمَنُوا واتَّقَوْا﴾، والمُرادُ اليَهُودُ. والمُرادُ بِقَوْلِهِ: آمَنُوا الإيمانُ بِمُحَمَّدٍ ﷺ . وفي الحَدِيثِ: «اثْنانِ
صفحة ٢٥٣
يُؤْتَوْنَ أجْرَهم مَرَّتَيْنِ: رَجُلٌ مِن أهْلِ الكِتابِ آمَنَ بِنَبِيِّهِ ثُمَّ آمَنَ بِي (أيْ عِنْدَما بَلَغَتْهُ الدَّعْوَةُ المُحَمَّديَّةُ) فَلَهُ أجْرانِ، ورَجُلٌ كانَتْ لَهُ جارِيَةٌ فَأدَّبَها فَأحْسَنَ تَأْدِيبَها وعَلَّمَها ثُمَّ أعْتَقَها فَتَزَوَّجَها فَلَهُ أجْرانِ» .
واللّامُ في قَوْلِهِ: لَكَفَّرْنا عَنْهم وقَوْلِهِ: ولَأدْخَلْناهم لامُ تَأْكِيدٍ يَكْثُرُ وُقُوعُها في جَوابِ (لَوْ) إذا كانَ فِعْلًا ماضِيًا مُثْبَتًا لِتَأْكِيدِ تَحْقِيقِ التَّلازُمِ بَيْنَ شَرْطِ (لَوْ) وجَوابِها، ويَكْثُرُ أنْ يُجَرَّدَ جَوابُ ”لَوْ“ عَنِ اللّامِ، كَما سَيَأْتِي عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿لَوْ نَشاءُ جَعَلْناهُ أُجاجًا﴾ [الواقعة: ٧٠] في سُورَةِ الواقِعَةِ.
5:66Страница 119
وَلَوۡ أَنَّهُمۡ أَقَامُواْ ٱلتَّوۡرَىٰةَ وَٱلۡإِنجِيلَ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيۡهِم مِّن رَّبِّهِمۡ لَأَكَلُواْ مِن فَوۡقِهِمۡ وَمِن تَحۡتِ أَرۡجُلِهِمۚ مِّنۡهُمۡ أُمَّةٞ مُّقۡتَصِدَةٞۖ وَكَثِيرٞ مِّنۡهُمۡ سَآءَ مَا يَعۡمَلُونَ ٦٦
Если бы они руководствовались Тауратом (Торой), Инджилом (Евангелием) и тем, что было ниспослано им от их Господа, то они питались бы тем, что над ними, и тем, что у них под ногами. Среди них есть умеренные люди (праведники, уверовавшие в Пророка Мухаммада, избегающие чрезмерности в религии и не делающие упущений), но плохо то, что совершают многие из них.
﴿ولَوْ أنَّهم أقامُوا التَّوْراةَ والإنْجِيلَ وما أُنْزِلَ إلَيْهِمْ مِن رَبِّهِمْ لَأكَلُوا مِن فَوْقِهِمْ ومِن تَحْتِ أرْجُلِهِمْ﴾ .
إقامَةُ الشَّيْءِ جَعْلُهُ قائِمًا، كَما تَقَدَّمَ في أوَّلِ سُورَةِ البَقَرَةِ. واسْتُعِيرَتِ الإقامَةُ لِعَدَمِ الإضاعَةِ لِأنَّ الشَّيْءَ المُضاعَ يَكُونُ مُلْقًى، ولِذَلِكَ يُقالُ لَهُ: شَيْءٌ لَقًى، ولِأنَّ الإنْسانَ يَكُونُ في حالِ قِيامِهِ أقْدَرَ عَلى الأشْياءِ، فَلِذا قالُوا: قامَتِ السُّوقُ. فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْنى إقامَةِ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ إقامَةَ تَشْرِيعِهِما قَبْلَ الإسْلامِ، أيْ لَوْ أطاعُوا أوامِرَ اللَّهِ وعَمِلُوا بِها سَلِمُوا مِن غَضَبِهِ فَلَأغْدَقَ عَلَيْهِمْ نِعَمَهُ، فاليَهُودُ آمَنُوا بِالتَّوْراةِ ولَمْ يُقِيمُوا أحْكامَها كَما تَقَدَّمَ آنِفًا، وكَفَرُوا بِالإنْجِيلِ ورَفَضُوهُ، وذَلِكَ أشَدُّ في عَدَمِ إقامَتِهِ، وبِالقُرْآنِ. وقَدْ أوْمَأتِ الآيَةُ إلى أنَّ سَبَبَ ضِيقِ مَعاشِ اليَهُودِ هو مِن غَضَبِ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِمْ لِإضاعَتِهِمُ التَّوْراةَ وكُفْرِهِمْ بِالإنْجِيلِ وبِالقُرْآنِ، أيْ فَتَحَتَّمَتْ عَلَيْهِمُ النِّقْمَةُ بَعْدَ نُزُولِ القُرْآنِ.
ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ: لَوْ أقامُوا هَذِهِ الكُتُبَ بَعْدَ مَجِيءِ الإسْلامِ، أيْ بِالِاعْتِرافِ بِما في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ مِنَ التَّبْشِيرِ بِبَعْثَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ حَتّى يُؤْمِنُوا بِهِ وبِما جاءَ بِهِ، فَتَكُونُ الآيَةُ إشارَةً إلى ضِيقِ مَعاشِهِمْ بَعْدَ هِجْرَةِ الرَّسُولِ إلى المَدِينَةِ. ويُؤَيِّدُهُ ما رُوِيَ في سَبَبِ نُزُولِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وقالَتِ اليَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾ [المائدة: ٦٤] كَما تَقَدَّمَ.
صفحة ٢٥٤
ومَعْنى ﴿لَأكَلُوا مِن فَوْقِهِمْ ومِن تَحْتِ أرْجُلِهِمْ﴾ تَعْمِيمُ جِهاتِ الرِّزْقِ، أيْ لَرُزِقُوا مِن كُلِّ سَبِيلٍ، فَأكَلُوا بِمَعْنى رُزِقُوا، كَقَوْلِهِ: ﴿وتَأْكُلُونَ التُّراثَ أكْلًا لَمًّا﴾ [الفجر: ١٩] . وقِيلَ: المُرادُ بِالمَأْكُولِ مِن فَوْقُ ثِمارُ الشَّجَرِ، ومِن تَحْتُ الحُبُوبُ والمَقاثِي، فَيَكُونُ الأكْلُ عَلى حَقِيقَتِهِ، أيْ لاسْتَمَرَّ الخِصْبُ فِيهِمْ.
وفِي مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ولَوْ أنَّ أهْلَ القُرى آمَنُوا واتَّقَوْا لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ والأرْضِ ولَكِنْ كَذَّبُوا فَأخَذْناهم بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [الأعراف: ٩٦] في سُورَةِ الأعْرافِ.
واللّامُ في قَوْلِهِ: ﴿لَأكَلُوا مِن فَوْقِهِمْ﴾ إلَخْ مِثْلُ اللّامِ في الآيَةِ قَبْلَها.
* * *
﴿مِنهم أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وكَثِيرٌ مِنهم ساءَ ما يَعْمَلُونَ﴾ .
إنْصافٌ لِفَرِيقٍ مِنهم بَعْدَ أنْ جَرَتْ تِلْكَ المَذامُّ عَلى أكْثَرِهِمْ.
والمُقْتَصِدُ يُطْلَقُ عَلى المُطِيعِ، أيْ غَيْرُ مُسْرِفٍ بِارْتِكابِ الذُّنُوبِ، واقِفٌ عِنْدَ حُدُودِ كِتابِهِمْ، لِأنَّهُ يَقْتَصِدُ في سَرْفِ نَفْسِهِ، ودَلِيلُ ذَلِكَ مُقابَلَتُهُ بِقَوْلِهِ في الشِّقِّ الآخَرِ ﴿ساءَ ما يَعْمَلُونَ﴾ . وقَدْ عُلِمَ مِنِ اصْطِلاحِ القُرْآنِ التَّعْبِيرُ بِالإسْرافِ عَنِ الِاسْتِرْسالِ في الذُّنُوبِ، قالَ تَعالى ﴿قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا عَلى أنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِن رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ [الزمر: ٥٣]، ولِذَلِكَ يُقابَلُ بِالِاقْتِصادِ، أيِ الحَذَرِ مِنَ الذُّنُوبِ، واخْتِيرَ المُقْتَصِدُ لِأنَّ المُطِيعِينَ مِنهم قَبْلَ الإسْلامِ كانُوا غَيْرَ بالِغِينَ غايَةَ الطّاعَةِ، كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿فَمِنهم ظالِمٌ لِنَفْسِهِ ومِنهم مُقْتَصِدٌ ومِنهم سابِقٌ بِالخَيْراتِ بِإذْنِ اللَّهِ﴾ [فاطر: ٣٢] .
فالمُرادُ هُنا تَقْسِيمُ أهْلِ الكِتابِ قَبْلَ الإسْلامِ لِأنَّهم بَعْدَ الإسْلامِ قِسْمانِ سَيِّئُ العَمَلِ، وهو مَن لَمْ يُسْلِمْ؛ وسابِقٌ في الخَيْراتِ، وهُمُ الَّذِينَ أسْلَمُوا مِثْلُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ ومُخَيْرِيقٍ. وقِيلَ: المُرادُ بِالمُقْتَصِدِ غَيْرُ المُفْرِطِينَ في بُغْضِ المُسْلِمِينَ، وهُمُ الَّذِينَ لا آمَنُوا مَعَهم ولا آذَوْهم، وضِدُّهم هُمُ المُسِيئُونَ
صفحة ٢٥٥
بِأعْمالِهِمْ لِلْمُسْلِمِينَ مِثْلُ كَعْبِ بْنِ الأشْرَفِ. فالأوَّلُونَ بُغْضُهم قَلْبِيٌّ، والآخَرُونَ بُغْضُهم بِالقَلْبِ والعَمَلِ السَّيِّئِ. ويُطْلَقُ المُقْتَصِدُ عَلى المُعْتَدِلِ في الأمْرِ، لِأنَّهُ مُشْتَقٌّ مِنَ القَصْدِ، وهو الِاعْتِدالُ وعَدَمُ الإفْراطِ. والمَعْنى مُقْتَصِدَةٌ في المُخالَفَةِ والتَّنَكُّرِ لِلْمُسْلِمِينَ المَأْخُوذِ مِن قَوْلِهِ: ﴿ولَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنهم ما أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ طُغْيانًا﴾ [المائدة: ٦٨] .
والأظْهَرُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ”ساءَ“ فِعْلًا بِمَعْنى كانَ سَيِّئًا، و”ما يَعْمَلُونَ“ فاعِلُهُ، كَما قَدَّرَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ. وجَعَلَهُ في الكَشّافِ بِمَعْنى ”بِئْسَ“ فَقَدَّرَ قَوْلًا مَحْذُوفًا لِيَصِحَّ الإخْبارُ بِهِ عَنْ قَوْلِهِ: وكَثِيرٌ مِنهم، بِناءً عَلى التِزامِ عَدَمِ صِحَّةِ عَطْفِ الإنْشاءِ عَلى الإخْبارِ، وهو مَحَلُّ جِدالٍ، ويَكُونُ ”ما يَعْمَلُونَ“ مَخْصُوصًا بِالذَّمِّ، والَّذِي دَعاهُ إلى ذَلِكَ أنَّهُ رَأى حَمْلَهُ عَلى مَعْنى إنْشاءِ الذَّمِّ أبْلَغَ في ذَمِّهِمْ، أيْ يَقُولُ فِيهِمْ ذَلِكَ كُلُّ قائِلٍ.
Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии