Ибн Ашур · Тафсир · на арабском
Каф 50:15–21
50:15Страница 518
أَفَعَيِينَا بِٱلۡخَلۡقِ ٱلۡأَوَّلِۚ بَلۡ هُمۡ فِي لَبۡسٖ مِّنۡ خَلۡقٖ جَدِيدٖ ١٥
Разве Мы изнемогли после первого сотворения? Но они сомневаются в новом сотворении (воскрешении).
﴿أفَعَيِينا بِالخَلْقِ الأوَّلِ بَلْ هم في لَبْسٍ مِن خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾
تُشِيرُ فاءُ التَّفْرِيعِ إلى أنَّ هَذا الكَلامَ مُفَرَّعٌ عَلى ما قَبْلَهُ وهو جُمْلَةُ أفَلَمْ يَنْظُرُوا إلى السَّماءِ فَوْقَهم كَيْفَ بَنَيْناها وقَوْلُهُ: ”تَبْصِرَةً وذِكْرى“ المُعَرِّضُ بِأنَّهم لَمْ يَتَبَصَّرُوا بِهِ ولَمْ يَتَذَكَّرُوا. وقَوْلُهُ: ”﴿فَأنْبَتْنا بِهِ جَنّاتٍ﴾ [ق: ٩]“ وقَوْلُهُ: وأحْيَيْنا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ الخُرُوجُ.
ويَجُوزُ أنْ يُجْعَلَ تَفْرِيعًا عَلى قَوْلِهِ: ”﴿كَذَلِكَ الخُرُوجُ﴾ [ق: ١١]“ .
والِاسْتِفْهامُ المُفَرَّعُ بِالفاءِ اسْتِفْهامُ إنْكارٍ وتَغْلِيطٍ لِأنَّهم لا يَسَعُهم إلّا الِاعْتِرافُ بِأنَّ اللَّهَ لَمْ يَعْيَ بِالخَلْقِ الأوَّلِ إذْ لا يُنْكِرُ عاقِلٌ كَمالَ قُدْرَةِ الخالِقِ وعَدَمَ عَجْزِهِ.
و”عَيِينا“ مَعْناهُ عَجَزْنا، وفِعْلُ عَيَّ إذا لَمْ يَتَّصِلْ بِهِ ضَمِيرٌ يُقالُ مُدْغَمًا وهو الأكْثَرُ ويُقالُ: عَيِيَ بِالفَكِّ فَإذا اتَّصَلَ بِهِ ضَمِيرٌ تَعَيَّنَ الفَكُّ. ومَعْناهُ: عَجَزَ عَنْ إتْقانِ فِعْلٍ ولَمْ يَهْتَدِ لِحِيلَتِهِ. ويُعَدّى بِالباءِ يُقالُ: عَيِيَ بِالأمْرِ والباءُ فِيهِ لِلْمُجاوَزَةِ. وأمّا أعْيا بِالهَمْزَةِ في أوَّلِهِ قاصِرًا فَهو لِلتَّعَبِ بِمَشْيٍ أوْ حَمْلِ ثِقَلٍ وهو فِعْلٌ قاصِرٌ لا يُعَدّى بِالباءِ.
فالمَعْنى: ما عَجَزْنا عَنِ الخَلْقِ الأوَّلِ لِلْإنْسانِ فَكَيْفَ نَعْجَزُ عَنْ إعادَةِ خَلْقِهِ.
و(بَلْ) في قَوْلِهِ: ﴿بَلْ هم في لَبْسٍ مِن خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ لِلْإضْرابِ الإبْطالِيِّ عَنِ
صفحة ٢٩٨
المُسْتَفْهَمِ عَنْهُ، أيْ بَلْ ما عَيِينا بِالخَلْقِ الأوَّلِ، أيْ وهم يَعْلَمُونَ ذَلِكَ ويَعْلَمُونَ أنَّ الخَلْقَ الأوَّلَ لِلْأشْياءِ أعْظَمُ مِن إعادَةِ خَلْقِ الأمْواتِ ولَكِنَّهم تَمَكَّنَ مِنهُمُ اللَّبْسُ الشَّدِيدُ فَأغْشى إدْراكَهم عَنْ دَلائِلِ الإمْكانِ فَأحالُوهُ، فالإضْرابُ عَلى أصْلِهِ مِنَ الإبْطالِ.
واللَّبْسُ: الخَلْطُ لِلْأشْياءِ المُخْتَلِفَةِ الحَقائِقِ بِحَيْثُ يَعْسُرُ أوْ يَتَعَذَّرُ مَعَهُ تَمْيِيزُ مُخْتَلِفاتِها بَعْضِها عَنْ بَعْضٍ.
والمُرادُ مِنهُ اشْتِباهُ المَأْلُوفِ المُعْتادِ الَّذِي لا يَعْرِفُونَ غَيْرَهُ بِالواجِبِ العَقْلِيِّ الَّذِي لا يَجُوزُ انْتِفاؤُهُ، فَإنَّهُمُ اشْتَبَهَ عَلَيْهِمْ إحْياءُ المَوْتى وهو مُمْكِنٌ عَقْلًا بِالأمْرِ المُسْتَحِيلِ في العَقْلِ فَجَزَمُوا بِنَفْيِ إمْكانِهِ فَنَفَوْهُ، وتَرَكُوا القِياسَ بِأنَّهُ مَن قَدِرَ عَلى إنْشاءِ ما لَمْ يَكُنْ مَوْجُودًا هو عَلى إعادَةِ ما كانَ مَوْجُودًا أقْدَرَ.
وجِيءَ بِالجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ مِن قَوْلِهِ: ﴿هم في لَبْسٍ مِن خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ لِلدَّلالَةِ عَلى ثَباتِ هَذا الحُكْمِ لَهم وأنَّهُ مُتَمَكِّنٌ مِن نُفُوسِهِمْ لا يُفارِقُهُمُ البَتَّةَ، ولِيَتَأتّى اجْتِلابُ حَرْفِ الظَّرْفِيَّةِ في الخَبَرِ فَيَدُلُّ عَلى انْغِماسِهِمْ في هَذا اللَّبْسِ وإحاطَتِهِ بِهِمْ إحاطَةَ الظَّرْفِ بِالمَظْرُوفِ.
و(مِن) في قَوْلِهِ: ”﴿مِن خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾“ ابْتِدائِيَّةٌ وهي صِفَةٌ لِـ ”لَبْسٍ“، أيْ لَبْسٍ واصِلٍ إلَيْهِمْ ومُنْجَرٍّ عَنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ، أيْ مِن لَبْسٍ مِنَ التَّصْدِيقِ بِهِ.
وتَنْكِيرُ لَبْسٍ لِلنَّوْعِيَّةِ وتَنْكِيرُ خَلْقٍ جَدِيدٍ كَذَلِكَ، أيْ ما هو إلّا خَلْقٌ مِن جُمْلَةِ ما يَقَعُ مِن خَلْقِ اللَّهِ الأشْياءَ مِمّا وجَّهَ إحالَتَهُ. ولِتَنْكِيرِهِ أُجْرِيَتْ عَلَيْهِ الصِّفَةُ بِـ ”جَدِيدٍ“ .
والجَدِيدُ: الشَّيْءُ الَّذِي في أوَّلِ أزْمانِ وُجُودِهِ.
وفِي هَذا الوَصْفِ تَوَرُّكٌ عَلَيْهِمْ وتَحْمِيقٌ لَهم مِن إحالَتِهِمُ البَعْثَ، أيِ اجْعَلُوهُ خَلْقًا جَدِيدًا كالخَلْقِ الأوَّلِ، وأيُّ فارِقٍ بَيْنَهُما.
وفِي تَسْمِيَةِ إعادَةِ النّاسِ لِلْبَعْثِ بِاسْمِ الخَلْقِ إيماءٌ إلى أنَّها إعادَةٌ بَعْدَ عَدَمِ الأجْزاءِ لا جَمْعٌ لِمُتَفَرِّقِها، وقَدْ مَضّى القَوْلُ فِيهِ في أوَّلِ السُّورَةِ.
50:16Страница 519
وَلَقَدۡ خَلَقۡنَا ٱلۡإِنسَٰنَ وَنَعۡلَمُ مَا تُوَسۡوِسُ بِهِۦ نَفۡسُهُۥۖ وَنَحۡنُ أَقۡرَبُ إِلَيۡهِ مِنۡ حَبۡلِ ٱلۡوَرِيدِ ١٦
Мы сотворили человека и знаем, что нашептывает ему душа. Мы ближе к нему, чем яремная вена.
صفحة ٢٩٩
﴿ولَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ ونَعْلَمُ ما تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ ونَحْنُ أقْرَبُ إلَيْهِ مِن حَبْلِ الوَرِيدِ﴾
هَذا تَفْصِيلٌ لِبَعْضِ الخَلْقِ الأوَّلِ بِذِكْرِ خَلْقِ الإنْسانِ وهو أهَمُّ في هَذا المَقامِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّهُ المُرادُ مِنَ الخَلْقِ الأوَّلِ ولِيُبْنى عَلَيْهِ ﴿ونَعْلَمُ ما تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ﴾ الَّذِي هو تَتْمِيمٌ لِإحاطَةِ صِفَةِ العِلْمِ في قَوْلِهِ: ﴿قَدْ عَلِمْنا ما تَنْقُصُ الأرْضُ مِنهُمْ﴾ [ق: ٤] ولِيَنْتَقِلَ الإنْذارُ بِإحْصاءِ أعْمالِ النّاسِ عَلَيْها وهو ما اسْتَرْسَلَ في وصْفِهِ مِن قَوْلِهِ: ﴿إذْ يَتَلَقّى المُتَلَقِّيانِ﴾ [ق: ١٧] إلَخْ.
ووَصَفَ البَعْثَ وصْفَ الجَزاءِ مِن قَوْلِهِ: ﴿ونُفِخَ في الصُّورِ﴾ [ق: ٢٠] إلى قَوْلِهِ: ﴿ولَدَيْنا مَزِيدٌ﴾ [ق: ٣٥] .
وتَأْكِيدُ هَذا الخَبَرِ بِاللّامِ و”(قَدْ) مُراعًى فِيهِ المُتَعاطِفاتُ وهي (نَعْلَمُ ما تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ) لِأنَّهم وإنْ كانُوا يَعْلَمُونَ أنَّ اللَّهَ خَلَقَ النّاسَ فَإنَّهم لا يَعْلَمُونَ أنَّ اللَّهَ عالِمٌ بِأحْوالِهِمْ.
و“ الإنْسانُ ”يَعُمُّ جَمِيعَ النّاسِ ولَكِنَّ المَقْصُودَ مِنهم أوَّلًا المُشْرِكُونَ لِأنَّهُمُ المَسُوقُ إلَيْهِمْ هَذا الخَبَرُ، وهو تَعْرِيضٌ بِالإنْذارِ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ بَعْدَهُ ﴿ذَلِكَ ما كُنْتَ مِنهُ تَحِيدُ﴾ [ق: ١٩] وقَوْلُهُ: ﴿لَقَدْ كُنْتَ في غَفْلَةٍ مِن هَذا﴾ [ق: ٢٢] وقَوْلُهُ ﴿ذَلِكَ يَوْمُ الوَعِيدِ﴾ [ق: ٢٠] .
والباءُ في قَوْلِهِ (بِهِ) زائِدَةٌ لِتَأْكِيدِ اللُّصُوقِ، والضَّمِيرُ عائِدُ الصِّلَةِ كَأنَّهُ قِيلَ: ما تَتَكَلَّمُهُ نَفْسُهُ عَلى طَرِيقَةِ وامْسَحُوا بِرُءُوسِكم.
وفائِدَةُ الإخْبارِ بِأنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُ كُلِّ إنْسانٍ التَّنْبِيهُ عَلى سِعَةِ عِلْمِ اللَّهِ تَعالى بِأحْوالِهِمْ كُلِّها فَإذا كانَ يَعْلَمُ حَدِيثَ النَّفْسِ فَلا عَجَبَ أنْ يَعْلَمَ ما تَنْقُصُ الأرْضُ مِنهم.
والإخْبارُ عَنْ فِعْلِ الخَلْقِ بِصِيغَةِ المُضِيِّ ظاهِرٌ، وأمّا الإخْبارُ عَنْ عِلْمِ ما تُوَسْوِسُ بِهِ النَّفْسُ بِصِيغَةِ المُضارِعِ فَلِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ تَعَلُّقَ عِلْمِهِ تَعالى بِالوَسْوَسَةِ مُتَجَدِّدٌ غَيْرُ مُنْقَضٍ ولا مَحْدُودٍ لِإثْباتِ عُمُومِ عِلْمِ اللَّهِ تَعالى، والكِنايَةُ عَنِ التَّحْذِيرِ مِن إضْمارِ ما لا يُرْضِي اللَّهَ.
صفحة ٣٠٠
وجُمْلَةُ ﴿ونَحْنُ أقْرَبُ إلَيْهِ مِن حَبْلِ الوَرِيدِ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ“ ونَعْلَمُ ”.
والمَقْصُودُ مِنها تَأْكِيدُ عامِلِها وتَحْقِيقُ اسْتِمْرارِ العِلْمِ بِباطِنِ الإنْسانِ، ومَعْنى تُوَسْوِسُ تَتَكَلَّمُ كَلامًا خَفِيًّا هَمْسًا. ومَصْدَرُهُ الوَسْواسُ والوَسْوَسَةُ أُطْلِقَتْ هُنا مَجازًا عَلى ما يَجُولُ في النَّفْسِ مِنَ الخَواطِرِ والتَّقْدِيراتِ والعَزائِمِ لِأنَّ الوَسْوَسَةَ أقْرَبُ شَيْءٍ تُشَبَّهُ بِهِ تِلْكَ الخَواطِرُ وأحْسَنُ ما يُسْتَعارُ لَها لِأنَّها تَجْمَعُ مُخْتَلِفَ أحْوالِ ما يَجُولُ في العَقْلِ مِنَ التَّقادِيرِ وما عَداها مِن نَحْوِ ألْفاظِ التَّوَهُّمِ والتَّفَكُّرِ إنَّما يَدُلُّ عَلى بَعْضِ أحْوالِ الخَواطِرِ دُونَ بَعْضٍ.
والحَبْلُ: هُنا واحِدُ حِبالِ الجِسْمِ. وهي العُرُوقُ الغَلِيظَةُ المَعْرُوفَةُ في الطِّبِّ بِالشَّرايِينِ، واحِدُها: شَرْيانٌ بِفَتْحِ الشِّينِ المُهْمَلَةِ وتُكْسَرُ وبِسُكُونِ الرّاءِ وتُعْرَفُ بِالعُرُوقِ الضَّوارِبِ ومَنبَتُها مِنَ التَّجْوِيفِ الأيْسَرِ مِن تَجْوِيفَيِ القَلْبِ. ولِلشَّرايِينِ عَمَلٌ كَثِيرٌ في حَياةِ الجِسْمِ لِأنَّها الَّتِي تُوصِلُ الدَّمَ مِنَ القَلْبِ إلى أهَمِّ الأعْضاءِ الرَّئِيسِيَّةِ مِثْلَ الرِّئَةِ والدِّماغِ والنُّخاعِ والكُلْيَتَيْنِ والمَعِدَةِ والأمْعاءِ. ولِلشَّرايِينِ أسْماءٌ بِاعْتِبارِ مَصابِّها مِنَ الأعْضاءِ الرَّئِيسِيَّةِ.
والوَرِيدُ: واحِدٌ مِنَ الشَّرايِينِ وهو ثانِي شَرْيانَيْنِ يَخْرُجانِ مِنَ التَّجْوِيفِ الأيْسَرِ مِنَ القَلْبِ. واسْمُهُ في عِلْمِ الطِّبِّ أوُرْطِيٌّ ويَتَشَعَّبُ إلى ثَلاثِ شُعَبٍ ثالِثَتُهُما تَنْقَسِمُ إلى قِسْمَيْنِ قِسْمٍ أكْبَرَ وقِسْمٍ أصْغَرَ. وهَذا الأُصَيْغِرُ يَخْرُجُ مِنهُ شَرْيانانِ يُسَمَّيانِ السُّباتِيَّ ويَصْعَدانِ يَمِينًا ويَسارًا مَعَ الوَدَجَيْنِ، وكُلُّ هَذِهِ الأقْسامِ يُسَمّى الوَرِيدَ. وفي الجَسَدِ ورِيدانِ وهُما عِرْقانِ يَكْتَنِفانِ صَفْحَتَيِ العُنُقِ في مُقَدَّمِهِما مُتَّصِلانِ بِالوَتِينِ يَرِدانِ مِنَ الرَّأْسِ إلَيْهِ.
وقَدْ تَخْتَلِفُ أسْماءُ أجْزائِهِ بِاخْتِلافِ مَواقِعِها مِنَ الجَسَدِ فَهو في العُنُقِ يُسَمّى الوَرِيدَ، وفي القَلْبِ يُسَمّى الوَتِينَ، وفي الظَّهْرِ يُسَمّى الأبْهَرَ، وفي الذِّراعِ والفَخِذِ يُسَمُّونَهُ الأكْحَلَ والنَّسا، وفي الخِنْصَرِ يُدْعى الأسْلَمَ.
وإضافَةُ“ حَبْلِ ”إلى“ الوَرِيدِ " بَيانِيَّةٌ، أيِ الحَبَلُ الَّذِي هو الوَرِيدُ، فَإنَّ إضافَةَ الأعَمِّ إلى الأخَصِّ إذا وقَعَتْ في الكَلامِ كانَتْ إضافَةً بَيانِيَّةً، كَقَوْلِهِمْ: شَجَرُ الأراكِ.
صفحة ٣٠١
والقُرْبُ هُنا كِنايَةُ عَنْ إحاطَةِ العِلْمِ بِالحالِ لِأنَّ القُرْبَ يَسْتَلْزِمُ الِاطِّلاعَ، ولَيْسَ هو قُرْبًا بِالمَكانِ بِقَرِينَةِ المُشاهَدَةِ فَآلَ الكَلامُ إلى التَّشْبِيهِ البَلِيغِ تَشْبِيهِ مَعْقُولٍ بِمَحْسُوسٍ، وهَذا مِن بِناءِ التَّشْبِيهِ عَلى الكِنايَةِ بِمَنزِلَةِ بِناءِ المَجازِ عَلى المَجازِ.
ومِن لَطائِفِ هَذا التَّمْثِيلِ أنَّ حَبْلَ الوَرِيدِ مَعَ قُرْبِهِ لا يَشْعُرُ الإنْسانُ بِقُرْبِهِ لِخَفائِهِ، وكَذَلِكَ قُرْبُ اللَّهِ مِنَ الإنْسانِ بِعِلْمِهِ قُرْبٌ لا يَشْعُرُ بِهِ الإنْسانُ فَلِذَلِكَ اخْتِيرَ تَمْثِيلُ هَذا القُرْبِ بِقُرْبِ حَبْلِ الوَرِيدِ. وبِذَلِكَ فاقَ هَذا التَّشْبِيهُ لِحالَةِ القُرْبِ كُلَّ تَشْبِيهٍ مِن نَوْعِهِ ورَدَ في كَلامِ البُلَغاءِ. مِثْلَ قَوْلِهِمْ: هو مِنهُ مِقْعَدُ القابِلَةِ ومُعَقَّدَ الإزارِ، وقَوْلُ زُهَيْرٍ:
فَهُنَّ ووادِي الرَّسِّ كاليَدِ لِلْفَمِ
وقَوْلُ حَنْظَلَةَ بْنِ سَيّارٍ وهو حَنْظَلَةُ بْنُ ثَعْلَبَةَ بْنِ سَيّارٍ العِجْلِيِّ مُخَضْرَمٌ:
كُلُّ امْرِئٍ مُصْبِحٍ في إهْلِهِ ∗∗∗ والمَوْتُ أدْنى مِن شِراكِ نَعْلِهِ
50:17–18Страница 519
إِذۡ يَتَلَقَّى ٱلۡمُتَلَقِّيَانِ عَنِ ٱلۡيَمِينِ وَعَنِ ٱلشِّمَالِ قَعِيدٞ ١٧
Двое ангелов сидят справа и слева и принимают (записывают деяния).
مَّا يَلۡفِظُ مِن قَوۡلٍ إِلَّا لَدَيۡهِ رَقِيبٌ عَتِيدٞ ١٨
Стоит ему произнести слово, как при нем оказывается готовый наблюдатель.
﴿إذْ يَتَلَقّى المُتَلَقِّيانِ عَنِ اليَمِينِ وعَنِ الشِّمالِ قَعِيدٌ﴾ ﴿ما يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إلّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾
يَتَعَلَّقُ (إذْ) بِقَوْلِهِ: ”أقْرَبُ“ لِأنَّ اسْمَ التَّفْضِيلِ يَعْمَلُ في الظَّرْفِ وإنْ كانَ لا يَعْمَلُ في الفاعِلِ ولا في المَفْعُولِ بِهِ واللُّغَةُ تَتَوَسَّعُ في الظُّرُوفِ والمَجْرُوراتِ ما لا تَتَوَسَّعُ في غَيْرِها، وهَذِهِ قاعِدَةٌ مَشْهُورَةٌ ثابِتَةٌ والكَلامُ تَخَلُّصٌ لِلْمَوْعِظَةِ والتَّهْدِيدِ بِالجَزاءِ يَوْمَ البَعْثِ والجَزاءِ مِن إحْصاءِ الأعْمالِ خَيْرِها وشَرِّها المَعْلُومَةِ مِن آياتٍ كَثِيرَةٍ في القُرْآنِ. وهَذا التَّخَلُّصُ بِكَلِمَةِ (إذِ) الدّالَّةِ عَلى الزَّمانِ مِن ألْطَفِ التَّخَلُّصِ.
وتَعْرِيفُ المُتَلَقِّيانِ تَعْرِيفُ العَهْدِ إذا كانَتِ الآيَةُ نَزَلَتْ بَعْدَ آياتٍ فِيها الحَفَظَةُ، أوْ تَعْرِيفُ الجِنْسِ، والتَّثْنِيَةُ فِيها لِلْإشارَةِ إلى أنَّ هَذا الجِنْسَ مُقَسَّمٌ اثْنَيْنِ اثْنَيْنِ.
والتَّلَقِّي: أخْذُ الشَّيْءِ مِن يَدِ مُعْطِيهِ. اسْتُعِيرَ لِتَسْجِيلِ الأقْوالِ والأعْمالِ حِينَ صُدُورِها مِنَ النّاسِ.
صفحة ٣٠٢
وحُذِفَ مَفْعُولُ يَتَلَقّى لِدَلالَةِ قَوْلِهِ: ﴿ما يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إلّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ . إذْ تُحْصى أقْوالُهم وأعْمالُهم.
فَيُؤْخَذُ مِنَ الآيَةِ أنَّ لِكُلِّ إنْسانٍ مَلَكَيْنِ يُحْصِيانِ أعْمالَهُ وأنَّ أحَدَهُما يَكُونُ مِن جِهَةِ يَمِينِهِ والآخَرُ مِن جِهَةِ شِمالِهِ. ووَرْدَ في السُّنَّةِ بِأسانِيدَ مَقْبُولَةٍ: أنَّ الَّذِي يَكُونُ عَلى اليَمِينِ يَكْتُبُ الحَسَناتِ والَّذِي عَنِ الشِّمالِ يَكْتُبُ السَّيِّئاتِ ووَرَدَ أنَّهُما يُلازِمانِ الإنْسانَ مِن وقْتِ تَكْلِيفِهِ إلى أنْ يَمُوتَ.
وقَوْلُهُ ﴿عَنِ اليَمِينِ وعَنِ الشِّمالِ قَعِيدٌ﴾ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ”قَعِيدٌ“ بَدَلًا مِنَ المُتَلَقِّيانِ بَدَلَ بَعْضٍ، و”عَنِ اليَمِينِ“ مُتَعَلِّقٌ بِـ ”قَعِيدٌ“، وقُدِّمَ عَلى مُتَعَلِّقِهِ لِلِاهْتِمامِ بِما دَلَّ عَلَيْهِ مِنَ الإحاطَةِ بِجانِبَيْهِ ولِلرِّعايَةِ عَلى الفاصِلَةِ.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ”عَنِ اليَمِينِ“ خَبَرًا مُقَدَّمًا، و”قَعِيدٌ“ مُبْتَدَأً وتَكُونُ الجُمْلَةُ بَيانًا لِجُمْلَةِ ”يَتَلَقّى المُتَلَقِّيانِ“ .
وعُطِفَ قَوْلُهُ ”وعَنِ الشِّمالِ“ عَلى جُمْلَةِ ”يَتَلَقّى“ ولَيْسَ عَطْفًا عَلى قَوْلِهِ: ”عَنِ اليَمِينِ“ لِأنَّهُ لَيْسَ المَعْنى عَلى أنَّ القَعِيدَ قَعِيدٌ في الجِهَتَيْنِ بَلْ كُلٌّ مِنَ الجِهَتَيْنِ قَعِيدٌ مُسْتَقِلٌّ بِها. والتَّقْدِيرُ: عَنِ اليَمِينِ قَعِيدٌ، وعَنِ الشِّمالِ قَعِيدٌ آخَرُ.
والتَّعْرِيفُ في ”اليَمِينِ“ و”الشِّمالِ“ تَعْرِيفُ العَهْدِ أوِ اللّامُ عِوَضٌ عَنِ المُضافِ إلَيْهِ، أيْ عَنْ يَمِينِ الإنْسانِ وعَنْ شِمالِهِ.
والقَعِيدُ: المُقاعِدُ مِثْلُ الجَلِيسِ لِلْمُجالِسِ، والأكِيلِ لِلْمُؤاكِلِ، والشَّرِيبِ لِلْمُشارِبِ، والخَلِيطُ لِلْمُخالِطِ. والغالِبُ في فَعِيلٍ أنْ يَكُونَ إمّا بِمَعْنى فاعِلٍ، وإمّا بِمَعْنى مَفْعُولٍ، فَلَمّا كانَ في المُفاعَلَةِ مَعْنى الفاعِلِ والمَفْعُولِ مَعًا، جازَ مَجِيءُ فَعِيلٍ مِنهُ بِأحَدِ الِاعْتِبارَيْنِ تَعْوِيلًا عَلى القَرِينَةِ، ولِذَلِكَ قالُوا لِامْرَأةِ الرَّجُلِ ”قَعِيدَتُهُ.
والقَعِيدُ مُسْتَعارٌ لِلْمُلازِمِ الَّذِي لا يَنْفَكُّ عَنْهُ كَما أطْلَقُوا القَعِيدَ عَلى الحافِظِ لِأنَّهُ يُلازِمُ الشَّيْءَ المُوَكَّلَ بِحِفْظِهِ.
وجُمْلَةُ ﴿ما يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ﴾ إلَخْ مَبْنِيَّةٌ لِجُمْلَةِ“ يَتَلَقّى المُلْتَقِيّانِ ”فَلِذَلِكَ فُصِلَتْ. و(ما) نافِيَةٌ وضَمِيرُ يَلْفِظُ عائِدٌ لِلْإنْسانِ.
صفحة ٣٠٣
واللَّفْظُ: النُّطْقُ بِكَلِمَةٍ دالَّةٍ عَلى مَعْنًى، ولَوْ جُزْءِ مَعْنًى، بِخِلافِ القَوْلِ فَهو الكَلامُ المُفِيدُ مَعْنًى.
و(مِن) زائِدَةٌ في مَفْعُولِ الفِعْلِ المَنفِيِّ لِلتَّنْصِيصِ عَلى الِاسْتِغْراقِ. والِاسْتِثْناءُ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ اسْتِثْناءٌ مِن أحْوالٍ عامَّةٍ، أيْ ما يَقُولُ قَوْلًا في حالَةٍ إلّا في حالَةِ وُجُودِ رَقِيبٍ عَتِيدٍ لَدَيْهِ.
والأظْهَرُ أنَّ هَذا العُمُومَ مُرادٌ بِهِ الخُصُوصُ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ ﴿إلّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ لِأنَّ المُراقَبَةَ هُنا تَتَعَلَّقُ بِما في الأقْوالِ مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ لِيَكُونَ عَلَيْهِ الجَزاءُ فَلا يَكْتُبُ الحَفَظَةُ إلّا ما يَتَعَلَّقُ بِهِ صَلاحُ الإنْسانِ أوْ فَسادُهُ إذْ لا حِكْمَةَ في كِتابَةِ ذَلِكَ وإنَّما يَكْتُبُ ما يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ الجَزاءُ وكَذَلِكَ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وعِكْرِمَةُ. وقالَ الحَسَنُ: يَكْتُبانِ كُلَّ ما صَدَرَ مِنَ العَبْدِ، قالَ مُجاهِدٌ وأبُو الجَوْزاءِ: حَتّى أنِينَهُ في مَرَضِهِ. ورُوِيَ مِثْلُهُ عَنْ مالِكِ بْنِ أنَسٍ.
وإنَّما خُصَّ القَوْلُ بِالذِّكْرِ لِأنَّ المَقْصُودَ ابْتِداءً مِن هَذا التَّحْذِيرِ المُشْرِكُونَ وإنَّما كانُوا يُؤاخَذُونَ بِأقْوالِهِمُ الدّالَّةِ عَلى الشِّرْكِ أوْ عَلى تَكْذِيبِ النَّبِيءِ ﷺ أوْ أذاهُ ولا يُؤاخَذُونَ عَلى أعْمالِهِمْ إذْ لَيْسُوا مُكَلَّفِينَ بِالأعْمالِ في حالِ إشْراكِهِمْ.
وأمّا الأعْمالُ الَّتِي هي مِن أثَرِ الشِّرْكِ كالتَّطْوافِ بِالصَّنَمِ، أوْ مِن أثَرِ أذى النَّبِيءِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كَإلْقاءِ سَلا الجُذُورِ عَلَيْهِ في صَلاتِهِ، ونَحْوِ ذَلِكَ، فَهم مُؤاخَذُونَ بِهِ في ضِمْنِ أقْوالِهِمْ عَلى أنَّ تِلْكَ الأفْعالَ لا تَخْلُو مِن مُصاحَبَةِ أقْوالٍ مُؤاخَذٍ عَلَيْها بِمِقْدارِ ما صاحَبَها.
ولِأنَّ مِنَ الأقْوالِ السَّيِّئَةِ ما لَهُ أثَرٌ شَدِيدٌ في الإضْلالِ كالدُّعاءِ إلى عِبادَةِ الأصْنامِ، ونَهْيِ النّاسِ عَنِ اتِّباعِ الحَقِّ، وتَرْوِيجِ الباطِلِ بِإلْقاءِ الشُّبَهِ، وتَغْرِيرِ الأغْرارِ، ونَحْوِ ذَلِكَ، وقَدْ قالَ النَّبِيءُ ﷺ: «وهَلْ يَكُبُّ النّاسَ في النّارِ عَلى وُجُوهِهِمْ إلّا حَصائِدُ ألْسِنَتِهِمْ»، عَلى أنَّهُ مِنَ المَعْلُومِ بِدَلالَةِ الِاقْتِضاءِ أنَّ المُؤاخَذَةَ عَلى الأعْمالِ أوْلى مِنَ المُؤاخَذَةِ عَلى الأقْوالِ وتِلْكَ الدَّلالَةُ كافِيَةٌ في تَذْكِيرِ المُؤْمِنِينَ.
وجُمْلَةُ ﴿إلّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ، وضَمِيرُ لَدَيْهِ عائِدٌ إلى الإنْسانِ، والمَعْنى: لَدى لَفْظِهِ بِقَوْلِهِ.
صفحة ٣٠٤
و“ عَتِيدٌ ”فَعِيلٌ مِن عَتَدَ بِمَعْنى هَيَّأ، والتّاءُ مُبَدَّلَةٌ مِنَ الدّالِ الأوَّلِ إذْ أصْلُهُ عَدِيدٌ، أيْ مُعَدٌّ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً﴾ [يوسف: ٣١] .
وعِنْدِي أنَّ“ عَتِيدٌ " هُنا صِفَةٌ مُشَبَّهَةٌ مِن قَوْلِهِمْ عَتُدَ بِضَمِّ التّاءِ إذا جَسُمَ وضَخُمَ كِنايَةً عَنْ كَوْنِهِ شَدِيدًا وبِهَذا يَحْصُلُ اخْتِلافٌ بَيْنَهُ وبَيْنَ قَوْلِهِ الآتِي ﴿هَذا ما لَدَيَّ عَتِيدٌ﴾ [ق: ٢٣] ويَحْصُلُ مُحَسِّنُ الجِناسِ التّامِّ بَيْنَ الكَلِمَتَيْنِ.
وقَدْ تَواطَأ المُفَسِّرُونَ عَلى تَفْسِيرِ التَّلَقِّي في قَوْلِهِ المُتَلَقِّيانِ بِأنَّهُ تَلَقِّي الأعْمالِ لِأجْلِ كَتْبِها في الصَّحائِفِ لِإحْضارِها لِلْحِسابِ وكانَ تَفْسِيرًا حائِمًا حَوْلَ جَعْلِ المَفْعُولِ المَحْذُوفِ لِفِعْلٍ يَتَلَقّى ما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ بَعْدَهُ ﴿ما يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إلّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ بِدَلالَتِهِ الظّاهِرَةِ أوْ بِدَلالَةِ الِاقْتِضاءِ. فالتَّقْدِيرُ عِنْدَهم: إذْ يَتَلَقّى المُتَلَقِّيانِ عَمَلَ الإنْسانِ وقَوْلَهُ، فَتَكُونُ هَذِهِ الجُمْلَةُ عَلى تَقْدِيرِهِمْ مُنْفَصِلَةً عَنْ جُمْلَةٍ ﴿وجاءَتْ سَكْرَةُ المَوْتِ بِالحَقِّ﴾ [ق: ١٩] كَما سَنُبَيِّنُهُ.
ولِفَخْرِ الدِّينِ مَعْنًى دَقِيقٌ فَبَعْدَ أنْ أجْمَلَ تَفْسِيرَ الآيَةِ بِما يُسايِرُ تَفْسِيرَ الجُمْهُورِ قالَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ التَّلَقِّي الِاسْتِقْبالُ، يُقالُ: فُلانٌ تَلَقّى الرَّكْبَ، وعَلى هَذا الوَجْهِ يَكُونُ مَعْناهُ: وقْتَ ما يَتَلَقّاهُ المُتَلَقِّيانِ يَكُونُ عَنْ يَمِينِهِ وعَنْ شِمالِهِ قَعِيدٌ، فالمُتَلَقِّيانِ عَلى هَذا الوَجْهِ هُما المَلَكانِ اللَّذانِ يَأْخُذانِ رُوحَهُ مِن مَلَكِ المَوْتِ أحَدُهُما يَأْخُذُ أرْواحَ الصّالِحِينَ ويَنْقُلُها إلى السُّرُورِ. والآخَرُ يَأْخُذُ أرْواحَ الطّالِحِينَ ويَنْقُلُها إلى الوَيْلِ والثُّبُورِ إلى يَوْمِ النُّشُورِ، أيْ وقْتِ تَلَقِّيهِما وسُؤالِهِما أنَّهُ مِن أيِ القَبِيلَيْنِ يَكُونُ عِنْدَ الرَّجُلِ قَعِيدٌ عَنِ اليَمِينِ وقَعِيدٌ عَنِ الشِّمالِ مَلَكانِ يَنْزِلانِ، وعِنْدَهُ مَلَكانِ آخَرانِ كاتِبانِ لِأعْمالِهِ، ويُؤَيِّدُ ما ذَكَرْناهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿سائِقٌ وشَهِيدٌ﴾ [ق: ٢١] . فالشَّهِيدُ هو القَعِيدُ والسّائِقُ هو المُتَلَقِّي يَتَلَقّى رُوحَهُ مِن مَلَكِ المَوْتِ فَيَسُوقُهُ إلى مَنزِلِهِ وقْتَ الإعادَةِ، وهَذا أعْرَفُ الوَجْهَيْنِ وأقَرَبُهُما إلى الفَهْمِ اهـ.
وكَأنَّهُ يَنْحُو بِهِ مَنحى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلَوْلا إذا بَلَغَتِ الحُلْقُومَ وأنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ ونَحْنُ أقْرَبُ إلَيْهِ مِنكُمْ﴾ [الواقعة: ٨٣] . ولا نُوقِفُ في سَدادِ هَذا التَّفْسِيرِ إلّا عَلى ثُبُوتِ وُجُودِ مَلَكَيْنِ يَتَسَلَّمانِ رُوحَ المَيِّتِ مِن يَدِ مَلَكِ المَوْتِ عِنْدَ قَبْضِها ويَجْعَلانِها في المَقَرِّ المُناسِبِ لِحالِها. والمَظْنُونُ بِفَخْرِ الدِّينِ أنَّهُ اطَّلَعَ عَلى ذَلِكَ، وقَدْ يُؤَيِّدُهُ ما ذَكَرَهُ
صفحة ٣٠٥
القُرْطُبِيُّ في التَّذْكِرَةِ عَنْ مُسْنَدِ الطَّيالِسِيِّ عَنِ البَراءِ. وعَنْ كِتابِ النَّسائِيِّ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «إذا حُضِرَ المَيِّتُ المُؤْمِنُ أتَتْهُ مَلائِكَةُ الرَّحْمَةِ بِحَرِيرَةٍ بَيْضاءَ يَقُولُونَ: اخْرُجِي راضِيَةً مَرْضِيًّا عَنْكِ إلى رَوْحٍ ورَيْحانٍ ورَبٍّ راضٍ غَيْرِ غَضْبانَ، فَإذا قَبَضَهُ المَلِكُ لَمْ يَدَعْها في يَدِهِ طَرْفَةً فَتَخْرُجُ كَأطْيَبِ رِيحِ المِسْكِ فَتَعْرُجُ بِها المَلائِكَةُ حَتّى يَأْتُوا بِهِ بابَ السَّماءِ» . وساقَ الحَدِيثَ إلّا أنَّ في الحَدِيثِ مَلائِكَةً جَمْعًا وفي الآيَةِ المُتَلَقِّيانِ تَثْنِيَةً.
وعَلى هَذا الوَجْهِ يَكُونُ مَفْعُولُ يَتَلَقّى ما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ بَعْدَهُ ﴿وجاءَتْ سَكْرَةُ المَوْتِ﴾ [ق: ١٩] . والتَّقْدِيرُ: إذْ يَتَلَقّى المُتَلَقِّيانِ رُوحَ الإنْسانِ. ويَكُونُ التَّعْرِيفُ في قَوْلِهِ: ﴿عَنِ اليَمِينِ وعَنِ الشِّمالِ﴾ عِوَضًا عَنِ المُضافِ إلَيْهِ أيْ عَنْ يَمِينِها وعَنْ شِمالِها قَعِيدٌ، وهو عَلى التَّوْزِيعِ، أيْ عَنْ يَمِينِ أحَدِهِما وعَنْ شِمالِ الآخَرِ. ويَكُونُ قَعِيدٌ مُسْتَعْمَلًا في مَعْنى: قَعِيدانِ فَإنَّ فَعِيلًا بِمَعْنى فاعِلٍ قَدْ يُعامَلُ مُعامَلَةَ فَعِيلٍ بِمَعْنى مَفْعُولٍ، كَقَوْلِ الأزْرَقِ بْنِ طَرَفَةَ:
رَمانِي بِأمْرٍ كُنْتُ مِنهُ ووالِدِي بَرِيئًا ومِن أجْلِ الطَّوِيِّ رَمانِي
والِاقْتِصارُ عَلى ما يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ حِينَئِذٍ ظاهِرٌ لِأنَّ الإنْسانَ في تِلْكَ الحالَةِ لا تَصْدُرُ مِنهُ أفْعالٌ لِعَجْزِهِ فَلا يَصْدُرُ مِنهُ في الغالِبِ إلّا أقْوالٌ مِن تَضَجُّرٍ أوْ أنِينٍ أوْ شَهادَةٍ بِالتَّوْحِيدِ، أوْ ضِدِّها، ومِن ذَلِكَ الوَصايا والإقْراراتُ.
50:19Страница 519
وَجَآءَتۡ سَكۡرَةُ ٱلۡمَوۡتِ بِٱلۡحَقِّۖ ذَٰلِكَ مَا كُنتَ مِنۡهُ تَحِيدُ ١٩
Смертельная агония явится с истиной. Вот то, чего ты избегал!
﴿وجاءَتْ سَكْرَةُ المَوْتِ بِالحَقِّ ذَلِكَ ما كُنْتَ مِنهُ تَحِيدُ﴾
عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿ونَحْنُ أقْرَبُ إلَيْهِ مِن حَبْلِ الوَرِيدِ﴾ [ق: ١٦] لِاشْتِراكِهِما في التَّنْبِيهِ عَلى الجَزاءِ عَلى الأعْمالِ. فَهَذا تَنَقُّلٌ في مَراحِلِ الأُمُورِ العارِضَةِ لِلْإنْسانِ الَّتِي تُسَلِّمُهُ مِن حالٍ إلى آخَرَ حَتّى يَقَعَ في الجَزاءِ عَلى أعْمالِهِ الَّتِي قَدْ أحْصاها الحَفِيظانِ.
وإنَّما خُولِفَ التَّعْبِيرُ في المَعْطُوفِ بِصِيغَةِ الماضِي دُونَ صِيغَةِ المُضارِعِ الَّتِي صِيغَ بِها المَعْطُوفُ عَلَيْهِ لِأنَّهُ لِقُرْبِهِ صارَ بِمَنزِلَةِ ما حَصَلَ قَصْدًا لِإدْخالِ الرَّوْعِ في نُفُوسِ
صفحة ٣٠٦
المُشْرِكِينَ كَما اسْتُفِيدَ مِن قَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ ما كُنْتَ مِنهُ تَحِيدُ﴾ نَظِيرَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ إنَّ المَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنهُ فَإنَّهُ مُلاقِيكُمْ﴾ [الجمعة: ٨] .
ويَأْتِي عَلى ما اخْتارَها الفَخْرُ في تَفْسِيرِ ﴿إذْ يَتَلَقّى المُتَلَقِّيانِ﴾ [ق: ١٧] الآيَةَ أنْ تَكُونَ جُمَلُ ﴿وجاءَتْ سَكْرَةُ المَوْتِ﴾ إلَخْ في مَوْضِعِ الحالِ.
والتَّقْدِيرُ: وقَدْ جاءَتْ سَكْرَةُ المَوْتِ بِالحَقِّ حِينَئِذٍ.
والمَجِيءُ مَجازٌ في الحُصُولِ والِاعْتِراءِ وفي هَذِهِ الِاسْتِعارَةِ تَهْوِيلٌ لِحالَةِ احْتِضارِ الإنْسانِ وشُعُورِهِ بِأنَّهُ مُفارِقُ الحَياةَ الَّتِي ألِفَها وتَعَلَّقَ بِها قَلْبُهُ.
والسَّكْرَةُ: اسْمٌ لِما يَعْتَرِي الإنْسانَ مِن ألَمٍ أوِ اخْتِلالٍ في المِزاجِ يَحْجُبُ مِن إدْراكِ العَقْلِ فَيَخْتَلُّ الإدْراكُ ويَعْتَرِي العَقْلَ غَيْبُوبَةٌ. وهي مُشْتَقٌّ مِنَ السَّكْرِ بِفَتْحٍ فَسُكُونٍ وهو الغَلْقُ لِأنَّهُ يُغْلِقُ العَقْلَ ومِنهُ جاءَ وصْفُ السَّكْرانِ.
والباءُ في قَوْلِهِ بِالحَقِّ لِلْمُلابَسَةِ، وهي إمّا حالٌ مِن سَكْرَةِ المَوْتِ أيْ مُتَّصِفَةٌ بِأنَّها حَقٌّ، والحَقُّ: الَّذِي حَقَّ وثَبُتَ فَلا يَتَخَلَّفُ، أيِ السَّكْرَةُ الَّتِي لا طَمَعَ في امْتِدادِ الحَياةِ بَعْدَها، وإمّا حالٌ مِنَ المَوْتِ، أيْ مُلْتَبِسًا بِأنَّهُ الحَقُّ، أيِ المَفْرُوضُ المَكْتُوبُ عَلى النّاسِ فَهم مَحْقُوقُونَ بِهِ، أوِ الَّذِي هو الجِدُّ ضِدُّ العَبَثِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ بِالحَقِّ﴾ [الأنعام: ٧٣] مَعَ قَوْلِهِ: ﴿وما خَلَقْنا السَّماءَ والأرْضَ وما بَيْنَهُما باطِلًا﴾ [ص: ٢٧] .
وقَوْلُ ذَلِكَ إشارَةٌ إلى المَوْتِ بِتَنْزِيلِ قُرْبِ حُصُولِهِ مَنزِلَةَ الحاصِلِ المُشاهَدِ.
و”تَحِيدُ“ تَفِرُّ وتَهْرُبُ، وهو مُسْتَعارٌ لِلْكَراهِيَةِ أوْ لِتَجَنُّبِ أسْبابِ المَوْتِ. والخِطابُ لِلْمَقْصُودِ مِنَ الإنْسانِ وبِالمَقْصُودِ الأوَّلِ مِنهُ وهُمُ المُشْرِكُونَ لِأنَّهم أشَدُّ كَراهِيَةً لِلْمَوْتِ لِأنَّ حَياتَهم مادِّيَّةٌ مَحْضَةٌ فَهم يُرِيدُونَ طُولَ الحَياةِ قالَ تَعالى: ﴿ومِنَ الَّذِينَ أشْرَكُوا يَوَدُّ أحَدُهم لَوْ يُعَمَّرُ ألْفَ سَنَةٍ﴾ [البقرة: ٩٦] إذْ لا أمَلَ لَهم في حَياةٍ أُخْرى ولا أمَلَ لَهم في تَحْصِيلِ نَعِيمِها، فَأمّا المُؤْمِنُونَ فَإنَّ كَراهَتَهم لِلْمَوْتِ المُرْتَكِزَةَ في الجِبِلَّةِ بِمِقْدارِ الإلْفِ لا تَبْلُغُ بِهِمْ إلى حَدِّ الجَزَعِ مِنهُ. وفي الحَدِيثِ: «مَن أحَبَّ لِقاءَ اللَّهِ أحَبَّ اللَّهُ لِقاءَهُ، ومَن كَرِهَ لِقاءَ اللَّهِ كَرِهَ اللَّهُ لِقاءَهُ»، وتَأْوِيلُهُ بِالمُؤْمِنِ يُحِبُّ لِقاءَ اللَّهُ لِلطَّمَعِ في الثَّوابِ، وبِالكافِرِ يَكْرَهُ لِقاءَ اللَّهِ. وقَدْ بَيَّنَهُ
صفحة ٣٠٧
النَّبِيءُ ﷺ فَقالَ: «إنَّ المُؤْمِنَ إذا حَضَرَتْهُ الوَفاةُ رَأى ما أعَدَّ اللَّهُ لَهُ مِن خَيْرٍ فَأحَبَّ لِقاءَ اللَّهِ» أيْ والكافِرُ بِعَكْسِهِ، وقَدْ قالَ اللَّهُ تَعالى خِطابًا لِلْيَهُودِ ﴿قُلْ إنَّ المَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنهُ فَإنَّهُ مُلاقِيكُمْ﴾ [الجمعة: ٨] .
وتَقْدِيمُ مِنهُ عَلى تَحِيدُ لِلِاهْتِمامِ بِما مِنهُ الحِيادُ، ولِلرِّعايَةِ عَلى الفاصِلَةِ.
50:20–21Страница 519
وَنُفِخَ فِي ٱلصُّورِۚ ذَٰلِكَ يَوۡمُ ٱلۡوَعِيدِ ٢٠
И подуют в Рог. Это - День угрозы!
وَجَآءَتۡ كُلُّ نَفۡسٖ مَّعَهَا سَآئِقٞ وَشَهِيدٞ ٢١
И каждая душа явится вместе с погонщиком и свидетелем.
﴿ونُفِخَ في الصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ الوَعِيدِ﴾ ﴿وجاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَها سائِقٌ وشَهِيدٌ﴾
عَطْفٌ عَلى ﴿وجاءَتْ سَكْرَةُ المَوْتِ بِالحَقِّ﴾ [ق: ١٩] عَلى تَفْسِيرِ الجُمْهُورِ. فَأمّا عَلى تَفْسِيرِ الفَخْرِ فالجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ وصِيغَةُ المُضِيِّ في قَوْلِهِ: ”ونُفِخَ“ مُسْتَعْمَلَةٌ في مَعْنى المُضارِعِ، أيْ يُنْفَخُ في الصُّورِ فَصِيغَ لَهُ المُضِيُّ لِتَحَقُّقِ وُقُوعِهِ مِثْلَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أتى أمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ [النحل: ١]، والمُشارُ إلَيْهِ بِذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ يَوْمُ الوَعِيدِ﴾ إذْ أنَّ ذَلِكَ الزَّمانَ الَّذِي نُفِخَ في الصُّورِ عِنْدَهُ هو يَوْمُ الوَعِيدِ.
والنَّفْخُ في الصُّوَرِ تَقَدَّمَ القَوْلُ فِيهِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَهُ المُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ في الصُّورِ﴾ [الأنعام: ٧٣] في سُورَةِ الأنْعامِ.
وجُمْلَةُ ﴿ذَلِكَ يَوْمُ الوَعِيدِ﴾ مُعْتَرِضَةٌ.
والإشارَةُ في قَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ يَوْمُ الوَعِيدِ﴾ راجِعَةٌ إلى النَّفْعِ المَأْخُوذِ مِن فِعْلِ ﴿ونُفِخَ في الصُّورِ﴾ . والإخْبارُ عَنِ النَّفْخِ بِأنَّهُ يَوْمُ الوَعِيدِ بِتَقْدِيرِ مُضافٍ، أيْ ذَلِكَ حُلُولُ يَوْمِ الوَعِيدِ.
وإضافَةُ يَوْمٍ إلى الوَعِيدِ مِن إضافَةِ الشَّيْءِ إلى ما يَقَعُ فِيهِ، أيْ يَوْمَ حُصُولِ الوَعِيدِ الَّذِي كانُوا تُوُعِّدُوا بِهِ، والِاقْتِصارُ عَلى ذِكْرِ الوَعِيدِ لِما عَلِمْتَ مِن أنَّ المَقْصُودَ الأوَّلَ مِن هَذِهِ الآيَةِ هُمُ المُشْرِكُونَ. وفي الكَلامِ اكْتِفاءٌ، تَقْدِيرُهُ: ويَوْمُ الوَعْدِ.
وعُطِفَتْ جُمْلَةُ (جاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ) عَلى جُمْلَةِ نُفِخَ في الصُّورِ. والمُرادُ بِـ ”كُلُّ نَفْسٍ“ كُلُّ نَفْسٍ مِنَ المُتَحَدَّثِ عَنْهم وهُمُ المُشْرِكُونَ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ أُمُورٌ:
صفحة ٣٠٨
أحَدُها: السِّياقُ.
والثّانِي: قَوْلُهُ: ”مَعَها سائِقٌ“ لِأنَّ السّائِقَ يُناسِبُ إزْجاءَ أهْلِ الجَرائِمِ، وأمّا المَهْدِيُّونَ إلى الكَرامَةِ فَإنَّما يَهْدِيهِمْ قائِدٌ يَسِيرُ أمامَهم قالَ تَعالى: ﴿كَأنَّما يُساقُونَ إلى المَوْتِ﴾ [الأنفال: ٦] .
والثّالِثُ: قَوْلُهُ بَعْدَهُ ﴿لَقَدْ كُنْتَ في غَفْلَةٍ مِن هَذا﴾ [ق: ٢٢] .
والرّابِعُ: قَوْلُهُ بَعْدَهُ ﴿وقالَ قَرِينُهُ هَذا ما لَدَيَّ عَتِيدٌ﴾ [ق: ٢٣] الآيَةَ.
وجُمْلَةُ ﴿مَعَها سائِقٌ وشَهِيدٌ﴾ بَدَلُ اشْتِمالٍ مِن جُمْلَةِ (جاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ) . و”سائِقٌ“ مَرْفُوعٌ بِالظَّرْفِ الَّذِي هو مَعَها عَلى رَأْيِ مَن أجازَهُ، أوْ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مَعَها. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ جُمْلَةُ ﴿مَعَها سائِقٌ وشَهِيدٌ﴾ حالًا مِن كُلِّ نَفْسٍ. وعَطْفُ ”وشَهِيدٌ“ عَلى سائِقٌ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِن عَطْفِ ذاتٍ عَلى ذاتٍ فَيَكُونَ المُرادُ مَلَكَيْنِ أحَدُهُما يَسُوقُ النَّفْسَ إلى المَحْشَرِ والآخَرُ يَشْهَدُ عَلَيْها بِما حَوَتْهُ صَحائِفُ أعْمالِها. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِن عَطْفِ الصِّفاتِ مِثْلَ:
إلى المَلِكِ القَرَمِ وابْنِ الهُمامِ
فَهُوَ مَلِكٌ واحِدٌ.
والسّائِقُ الَّذِي يَجْعَلُ غَيْرَهُ أمامَهُ يُزْجِيهِ في السَّيْرِ لِيَكُونَ بِمَرْأًى مِنهُ كَيْلا يَنْفَلِتَ وذَلِكَ مِن شَأْنِ المَشْيِ بِهِ إلى ما يَسُوءُ قالَ تَعالى: ﴿كَأنَّما يُساقُونَ إلى المَوْتِ﴾ [الأنفال: ٦] وقالَ ﴿وسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إلى جَهَنَّمَ زُمَرًا﴾ [الزمر: ٧١]، وأمّا قَوْلُهُ: ﴿وسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهم إلى الجَنَّةِ زُمَرًا﴾ [الزمر: ٧٣] فَمُشاكَلَةٌ. وضِدُّ السَّوْقِ: القَوْدُ.
Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии