Ибн АшурАз‑Зарият · 51:38–51

Ибн Ашур · Тафсир · на арабском

Аз-Зарият 51:38–51

51:38–40Страница 522

وَفِي مُوسَىٰٓ إِذۡ أَرۡسَلۡنَٰهُ إِلَىٰ فِرۡعَوۡنَ بِسُلۡطَٰنٖ مُّبِينٖ ٣٨

Знамение было и в рассказе о Мусе (Моисее). Вот Мы отправили его к Фараону с явным доводом.

فَتَوَلَّىٰ بِرُكۡنِهِۦ وَقَالَ سَٰحِرٌ أَوۡ مَجۡنُونٞ ٣٩

Он отвернулся в сторону (или вместе со своим окружением) и сказал: «Колдун или одержимый!».

فَأَخَذۡنَٰهُ وَجُنُودَهُۥ فَنَبَذۡنَٰهُمۡ فِي ٱلۡيَمِّ وَهُوَ مُلِيمٞ ٤٠

Мы схватили его вместе с войском и бросили их в море, и он был достоин порицания.

﴿وفي مُوسى إذْ أرْسَلْناهُ إلى فِرْعَوْنَ بِسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ ﴿فَتَوَلّى بِرُكْنِهِ وقالَ ساحِرٌ أوْ مَجْنُونٌ﴾ ﴿فَأخَذْناهُ وجُنُودَهُ فَنَبَذْناهم في اليَمِّ وهْوَ مُلِيمٌ﴾

قَوْلُهُ (﴿وفِي مُوسى﴾) عُطِفَ عَلى قَوْلِهِ (فِيها آيَةٌ) والتَّقْدِيرُ: وتَرَكْنا في مُوسى آيَةً، فَهَذا العَطْفُ مِن عَطْفِ جُمْلَةٍ عَلى جُمْلَةٍ لِتَقْدِيرِ فِعْلِ: تَرَكْنا، بَعْدَ واوِ العَطْفِ، والكَلامُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ: في قِصَّةِ مُوسى حِينَ أرْسَلْناهُ إلى فِرْعَوْنَ بَسُلْطانٍ مُبِينٍ فَتَوَلّى إلَخْ، فَيَكُونُ التَّرْكُ المُقَدَّرُ في حَرْفِ العَطْفِ مُرادًا بِهِ جَعْلُ الدَّلالَةِ باقِيَةً فَكَأنَّها مَتْرُوكَةٌ في المَوْضِعِ لا تُنْقَلُ مِنهُ كَما تَقَدَّمَ آنِفًا في بَيْتِ عَنْتَرَةَ.

وأعْقَبَ قِصَّةَ قَوْمِ لُوطٍ بِقِصَّةِ مُوسى وفِرْعَوْنَ لِشُهْرَةِ أمْرِ مُوسى وشَرِيعَتِهِ، فالتَّرْكُ المُقَدَّرُ مُسْتَعْمَلٌ في مَجازَيْهِ المُرْسَلِ والِاسْتِعارَةِ. وفي الواوِ اسْتِخْدامٌ مِثْلُ اسْتِخْدامِ الضَّمِيرِ في قَوْلِ مُعاوِيَةَ بْنِ مالِكٍ المُلَقَّبِ مُعَوِّدِ الحُكَماءِ ( لَقَّبُوهُ بِهِ لِقَوْلِهِ في ذِكْرِ قَصِيدَتِهِ:

صفحة ١٠

أُعَوِّدُ مِثْلَها الحُكَماءَ بَعْدِي إذا ما الحَقُّ في الحَدَثانِ نابا ∗∗∗ إذا نَزَلَ السَّماءُ بِأْرِضِ قَوْمٍرَعَيْناهُ وإنْ كانُوا غِضابا والمَعْنى: أنَّ قِصَّةَ مُوسى آيَةٌ دائِمَةٌ.

وعُقِّبَتْ قِصَّةُ قَوْمِ لُوطٍ بِقِصَّةِ مُوسى وفِرْعَوْنَ لِما بَيْنَهُما مِن تَناسُبٍ في أنَّ العَذابَ الَّذِي عُذِّبَ بِهِ الأُمَّتانِ عَذابٌ أرْضِيٌّ إذْ عُذِّبَ قَوْمُ لُوطٍ بِالحِجارَةِ الَّتِي هي مِن طِينٍ، وعُذِّبَ قَوْمُ فِرْعَوْنَ بِالغَرَقِ في البَحْرِ. ثُمَّ ذُكِرَ عادٌ وثَمُودُ، وكانَ عَذابُهُما سَماوِيًّا إذْ عُذِّبَتْ عادٌ بِالرِّيحِ وثَمُودُ بِالصّاعِقَةِ.

والسُّلْطانُ المُبِينُ: الحُجَّةُ الواضِحَةُ وهي المُعْجِزاتُ الَّتِي أظْهَرَها لِفِرْعَوْنَ مِنِ انْقِلابِ العَصا حَيَّةً، وما تَلاها مِنَ الآياتِ الثَّمانِ.

والتَّوَلِّي حَقِيقَتُهُ: الِانْصِرافُ عَنِ المَكانِ.

والرُّكْنُ حَقِيقَتُهُ: ما يُعْتَمَدُ عَلَيْهِ مِن بِناءٍ ونَحْوِهِ، ويُسَمّى الجَسَدُ رُكْنًا؛ لِأنَّهُ عِمادُ عَمَلِ الإنْسانِ.

وقَوْلُهُ فَتَوَلّى بِرُكْنِهِ تَمْثِيلٌ لِهَيْئَةِ رَفْضِهِ دَعْوَةَ مُوسى بِهَيْئَةِ المُنْصَرِفِ عَنْ شَخْصٍ. وبِإيرادِ قَوْلِهِ بِرُكْنِهِ تَمَّ التَّمْثِيلُ ولَوْلاهُ لَكانَ قَوْلُهُ تَوَلّى مُجَرَّدَ اسْتِعارَةٍ.

والباءُ لَلْمُلابَسَةِ، أيْ: مُلابِسًا رُكْنَهُ كَما في قَوْلِهِ أعْرَضَ ونَأى بِجانِبِهِ.

والمُلِيمُ: الَّذِي يَجْعَلُ غَيْرَهُ لائِمًا عَلَيْهِ، أيْ: وهو مُذْنِبٌ ذَنْبًا يَلُومُهُ اللَّهُ عَلَيْهِ، أيْ: يُؤاخِذُهُ بِهِ. والمَعْنى: أنَّهُ مُسْتَوْجِبٌ العِقابَ كَما قالَ ﴿فَلا تَلُومُونِي ولُومُوا أنْفُسَكُمْ﴾ [إبراهيم: ٢٢] .

والمَعْنى أنَّ قِصَّةَ مُوسى وفِرْعَوْنَ آيَةٌ لَلَّذِينَ يَخافُونَ العَذابَ الألِيمَ فَيَجْتَنِبُونَ مِثْلَ أسْبابِ ما حَلَّ بِفِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ مِنَ العَذابِ وهي الأسْبابُ الَّتِي ظَهَرَتْ في مُكابَرَةِ فِرْعَوْنَ عَنْ تَصْدِيقِ الرَّسُولِ الَّذِي أُرْسِلَ إلَيْهِ، وأنَّ الَّذِينَ لا يَخافُونَ العَذابَ لا يُؤْمِنُونَ بِالبَعْثِ والجَزاءِ لا يَتَّعِظُونَ بِذَلِكَ؛ لِأنَّهم لا يُصَدِّقُونَ بِالنَّوامِيسِ الإلَهِيَّةِ ولا يَتَدَبَّرُونَ في دَعْوَةِ أهْلِ الحَقِّ فَهم لا يَزالُونَ مُعْرِضِينَ ساخِرِينَ عَنْ

صفحة ١١

دَعْوَةِ رَسُولِهِمْ مُتَكَبِّرِينَ عَلَيْهِ، مُكابِرِينَ في دَلائِلِ صِدْقِهِ، فَيُوشِكُ أنْ يَحُلَّ بِهِمْ مِن مِثْلِ ما حَلَّ بِفِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ؛ لِأنَّ ما جازَ عَلى المِثْلِ يَجُوزُ عَلى المُماثِلِ، وقَدْ كانَ المُسْلِمُونَ يَقُولُونَ: إنَّ أبا جَهْلِ فِرْعَوْنُ هَذِهِ الأُمَّةِ.

51:41–42Страница 522

وَفِي عَادٍ إِذۡ أَرۡسَلۡنَا عَلَيۡهِمُ ٱلرِّيحَ ٱلۡعَقِيمَ ٤١

Знамение было и в рассказе об адитах. Вот Мы наслали на них недобрый ветер.

مَا تَذَرُ مِن شَيۡءٍ أَتَتۡ عَلَيۡهِ إِلَّا جَعَلَتۡهُ كَٱلرَّمِيمِ ٤٢

Он обращал в подобие праха все, на что налетал.

﴿وفي عادٍ إذْ أرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ العَقِيمَ﴾ ﴿ما تَذَرُ مِن شَيْءٍ أتَتْ عَلَيْهِ إلّا جَعَلَتْهُ كالرَّمِيمِ﴾ .

نَظْمُ هَذِهِ الآيَةِ مِثْلُ نَظْمِ قَوْلِهِ ﴿وفِي مُوسى إذْ أرْسَلْناهُ إلى فِرْعَوْنَ﴾ [الذاريات: ٣٨] انْتَقَلَ إلى العِبْرَةِ بِأُمَّةٍ مِنَ الأُمَمِ العَرَبِيَّةِ وهم عادٌ، وهم أشْهَرُ العَرَبِ البائِدَةِ.

والرِّيحُ العَقِيمُ هي: الخَلِيَّةُ مِنَ المَنافِعِ الَّتِي تُرْجى لَها الرِّياحُ مِن إثارَةِ السَّحابِ وسَوْقِهِ، ومِن إلْقاحِ الأشْجارِ بِنَقْلِ غُبْرَةِ الذَّكَرِ مِن ثِمارٍ إلى الإناثِ مِن أشْجارِها، أيْ: الرِّيحُ الَّتِي لا نَفْعَ فِيها، أيْ: هي ضارَّةٌ. وهَذا الوَصْفُ لِما كانَ مُشْتَقًّا مِمّا هو مِن خَصائِصِ الإناثِ كانَ مُسْتَغْنِيًا عَنْ لِحاقِ هاءِ التَّأْنِيثِ؛ لِأنَّها يُؤْتى بِها لِلْفَرْقِ بَيْنَ الصِّنْفَيْنِ، والعَرَبُ يَكْرَهُونَ العُقْمَ في مَواشِيهِمْ، أيْ: رِيحٌ كالنّاقَةِ العَقِيمِ لا تُثْمِرُ نَسْلًا ولا دَرًّا، فَوَصْفُ الرِّيحِ بِالعَقِيمِ تَشْبِيهٌ بَلِيغٌ في الشُّؤْمِ، قالَ تَعالى ”﴿أوْ يَأْتِيَهم عَذابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ﴾ [الحج: ٥٥]“ .

وجُمْلَةُ ﴿ما تَذَرُ مِن شَيْءٍ أتَتْ عَلَيْهِ إلّا جَعَلَتْهُ كالرَّمِيمِ﴾ صِفَةٌ ثانِيَةٌ، أوْحالٌ، فَهو ارْتِقاءٌ في مَضَرَّةِ هَذا الرِّيحِ، فَإنَّهُ لا يَنْفَعُ، وأنَّهُ يَضُرُّ أضْرارًا عَظِيمَةً.

وصِيغَ ”تَذَرُ“: بِصِيغَةِ المُضارِعِ لِاسْتِحْضارِ الحالَةِ العَجِيبَةِ.

و”شَيْءٍ“ في مَعْنى المَفْعُولِ لِ ”تَذَرُ“ فَإنَّ (مِن) لِتَأكِيدِ النَّفْيِ، والنَّكِرَةُ المَجْرُورَةُ بِمِن هَذِهِ نَصٌّ في نَفْيِ الجِنْسِ ولِذَلِكَ كانَتْ عامَّةً، إلّا أنَّ هَذا العُمُومَ مُخَصَّصٌ بِدَلِيلِ العَقْلِ؛ لِأنَّ الرِّيحَ إنَّما تُبْلِي الأشْياءَ الَّتِي تَمُرُّ عَلَيْها إذا كانَ شَأْنُها أنْ يَتَطَرَّقَ إلَيْها البِلى، فَإنَّ الرِّيحَ لا تُبْلِي الجِبالَ ولا البِحارَ ولا الأوْدِيَةَ، وهي تَمُرُّ عَلَيْها وإنَّما تُبْلِي الدِّيارَ والأشْجارَ والنّاسَ والبَهائِمَ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأمْرِ رَبِّها﴾ [الأحقاف: ٢٥] .

صفحة ١٢

وجُمْلَةُ (جَعَلَتْهُ كالرَّمِيمِ) في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ الرِّيحِ مُسْتَثْناةٌ مِن عُمُومِ أحْوالِ (شَيْءٍ) يُبَيِّنُ المُعَرَّفَ، أيْ: ما تَذَرُ مِن شَيْءٍ أتَتْ عَلَيْهِ في حالٍ مِن أحْوالِ تَدْمِيرِها إلّا في حالٍ قَدْ جَعَلَتْهُ كالرَّمِيمِ.

والرَّمِيمُ: العَظْمُ الَّذِي بُلِيَ. يُقالُ: رَمَّ العَظْمُ، إذا بَلِيَ، أيْ: جَعَلَتْهُ مُفَتَّتًا.

والمَعْنى: وفي عادٍ آيَةٌ لَلَّذِينَ يَخافُونَ العَذابَ الألِيمَ إذْ أرْسَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الرِّيحَ. والمُرادُ: أنَّ الآيَةَ كائِنَةٌ في أسْبابِ إرْسالِ الرِّيحِ عَلَيْهِمْ وهي أسْبابُ تَكْذِيبِهِمْ هُودًا وإشْراكِهِمْ بِاللَّهِ، وقالُوا: مَن أشَدُّ مِنّا قُوَّةً، فَيَحْذَرُ مِن مِثْلَ ما حَلَّ بِهِمْ أهْلُ الإيمانِ. وأمّا الَّذِينَ لا يَخافُونَ العَذابَ الألِيمَ مِن أهْلِ الشِّرْكِ فَهم مُصِرُّونَ عَلى كُفْرِهِمْ كَما أصَرَّتْ عادٌ؛ فَيُوشِكُ أنْ يَحُلَّ بِهِمْ مِن جَنْسِ ما حَلَّ بِعادٍ.

51:43–45Страница 522

وَفِي ثَمُودَ إِذۡ قِيلَ لَهُمۡ تَمَتَّعُواْ حَتَّىٰ حِينٖ ٤٣

Знамение было и в рассказе о самудянах. Им было сказано: «Пользуйтесь благами до определенного времени».

فَعَتَوۡاْ عَنۡ أَمۡرِ رَبِّهِمۡ فَأَخَذَتۡهُمُ ٱلصَّٰعِقَةُ وَهُمۡ يَنظُرُونَ ٤٤

Они ослушались веления своего Господа, и их поразило губительное наказание, пока они наблюдали за этим.

فَمَا ٱسۡتَطَٰعُواْ مِن قِيَامٖ وَمَا كَانُواْ مُنتَصِرِينَ ٤٥

Они не смогли даже подняться, и никто не помог им.

﴿وفي ثَمُودَ إذْ قِيلَ لَهم تَمَتَّعُوا حَتّى حِينٍ﴾ ﴿فَعَتَوْا عَنْ أمْرِ رَبِّهِمْ فَأخَذَتْهُمُ الصّاعِقَةُ وهم يَنْظُرُونَ﴾ ﴿فَما اسْتَطاعُوا مِن قِيامٍ وما كانُوا مُنْتَصِرِينَ﴾ .

أُتْبِعَتْ قِصَّةُ عادٍ بِقِصَّةِ ثَمُودَ لِتَقارُنِهِما غالِبًا في القُرْآنِ مِن أجْلِ أنَّ ثَمُودَ عاصَرَتْ عادًا وخَلَفَتْها في عَظَمَةِ الأُمَمِ، قالَ تَعالى ﴿واذْكُرُوا إذْ جَعَلَكم خُلَفاءَ مِن بَعْدِ عادٍ﴾ [الأعراف: ٧٤] ولِاشْتِهارِهِما بَيْنَ العَرَبِ.

﴿وفِي ثَمُودَ﴾ عَطْفٌ عَلى في عادٍ أوْ عَلى تَرَكْنا فِيها آيَةٌ.

والمَعْنى: وتَرَكْنا آيَةً لَلْمُؤْمِنِينَ في ثَمُودَ في حالٍ قَدْ أخَذَتْهُمُ الصّاعِقَةُ، أيْ: في دِلالَةِ أخْذِ الصّاعِقَةِ إيّاهم، عَلى أنَّ سَبَبَهُ هو إشْراكُهم وتَكْذِيبُهم وعُتُوُّهم عَنْ أمْرِ رَبِّهِمْ، فالمُؤْمِنُونَ اعْتَبَرُوا بِتِلْكَ فَسَلَكُوا مَسْلَكَ النَّجاةِ مِن عَواقِبِها، وأمّا المُشْرِكُونَ فَإصْرارُهم عَلى كُفْرِهِمْ سَيُوقِعُهم في عَذابٍ مِن جِنْسِ ما وقَعَتْ فِيهِ ثَمُودُ.

وهَذا القَوْلُ الَّذِي ذُكِرَ هُنا هو كَلامٌ جامِعٌ لِما أنْذَرَهم بِهِ صالِحٌ رَسُولُهم وذَكَّرَهم بِهِ مِن نَحْوِ قَوْلِهِ ﴿وبَوَّأكم في الأرْضِ تَتَّخِذُونَ مِن سُهُولِها قُصُورًا وتَنْحِتُونَ الجِبالَ بُيُوتًا﴾ [الأعراف: ٧٤]

صفحة ١٣

وقَوْلِهِ ﴿أتُتْرَكُونَ في ما هاهُنا آمِنِينَ﴾ [الشعراء: ١٤٦] ﴿فِي جَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ [الذاريات: ١٥] ﴿وزُرُوعٍ ونَخْلٍ طَلْعُها هَضِيمٌ﴾ [الشعراء: ١٤٨] وقَوْلِهِ ﴿هُوَ أنْشَأكم مِنَ الأرْضِ واسْتَعْمَرَكم فِيها﴾ [هود: ٦١] . ونَحْوُ ذَلِكَ مِمّا يَدُلُّ عَلى أنَّهم أُعْطُوا ما هو مَتاعٌ، أيْ: نَفْعٌ في الدُّنْيا فَإنَّ مَنافِعَ الدُّنْيا زائِلَةٌ، فَكانَتِ الأقْوالُ الَّتِي قالَها رَسُولُهم تَذْكِيرًا بِنِعْمَةِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ يَجْمَعُها ”تَمَتَّعُوا حَتّى حِينٍ“، عَلى أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ رَسُولُهم قالَ لَهم هَذِهِ الكَلِمَةَ الجامِعَةَ ولَمْ تُحْكَ في القُرْآنِ إلّا في هَذا المَوْضِعِ، فَقَدْ عَلِمْتَ مِنَ المُقَدِّمَةِ السّابِعَةِ مِن مُقَدِّماتِ هَذا التَّفْسِيرِ أنَّ أخْبارَ الأُمَمِ تَأْتِي مُوَزَّعَةً عَلى قَصَصِهِمْ في القُرْآنِ.

فَقَوْلُهُ: (تَمَتَّعُوا) مُسْتَعْمَلٌ في إباحَةِ المَتاعِ. وقَدْ جُعِلَ المَتاعُ بِمَعْنى النِّعْمَةِ في مَواضِعَ كَثِيرَةٍ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿وما الحَياةُ الدُّنْيا في الآخِرَةِ إلّا مَتاعٌ﴾ [الرعد: ٢٦] قَوْلُهُ ﴿وإنْ أدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكم ومَتاعٌ إلى حِينٍ﴾ [الأنبياء: ١١١] .

والمُرادُ بِحِينٍ زَمَنٌ مُبْهَمٌ، جُعِلَ نِهايَةً لِما مُتِّعُوا بِهِ مِنَ النِّعَمِ، فَإنَّ نِعَمَ الدُّنْيا زائِلَةٌ، وذَلِكَ الأجَلُ: إمّا أنْ يُرادَ بِهِ أجَلُ كُلِّ واحِدٍ مِنهُمُ الَّذِي تَنْتَهِي إلَيْهِ حَياتُهُ، وإمّا أنْ يُرادَ بِهِ أجَلُ الأُمَّةِ الَّذِي يَنْتَهِي إلَيْهِ بَقاؤُها.

وهَذا نَحْوُ قَوْلِهِ ﴿يُمَتِّعْكم مَتاعًا حَسَنًا إلى أجَلٍ مُسَمًّى﴾ [هود: ٣] فَكَما قالَ اللَّهُ لِلنّاسِ عَلى لِسانِ مُحَمَّدٍ ﷺ لَعَلَّهُ قالَهُ لِثَمُودَ عَلى لِسانِ صالِحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ.

ولَيْسَ قَوْلُهُ ﴿إذْ قِيلَ لَهم تَمَتَّعُوا حَتّى حِينٍ﴾ بَمُشِيرٍ إلى قَوْلِهِ في الآيَةِ الأُخْرى ﴿فَعَقَرُوها فَقالَ تَمَتَّعُوا في دارِكم ثَلاثَةَ أيّامٍ﴾ [هود: ٦٥] ونَحْوِهِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ الأمْرُ مُسْتَعْمَلٌ في الإنْذارِ والتَّأْيِيسِ مِنَ النَّجاةِ بَعْدَ ثَلاثَةِ أيّامٍ فَلا يَكُونُ لِقَوْلِهِ بَعْدَهُ فَعَتَوْا عَنْ أمْرِ رَبِّهِمْ مُناسِبَةٌ لِتَعْقِيبِهِ بِهِ بِالفاءِ؛ لِأنَّ الَّذِي تُفِيدُهُ الفاءُ يَقْتَضِي أنَّ ما بَعْدَها مُرَتَّبٌ في الوُجُودِ عَلى ما قَبْلَها.

والعُتُوُّ: الكِبْرُ والشِّدَّةُ. وضُمِّنَ (عَتَوْا): مَعْنى أعْرَضُوا، فَعُدِّيَ بِعَنْ، أيْ: فَأعْرَضُوا عَمّا أمَرَهُمُ اللَّهُ عَلى لِسانِ رَسُولِهِ صالِحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ.

وأخْذُ الصّاعِقَةِ إيّاهم إصابَتُهم إيّاهم إصابَةً تُشْبِهُ أخْذَ العَدُّوِ عَدُوَّهُ.

وجُمْلَةُ ”وهم يَنْظُرُونَ“ حالٌ مِن ضَمِيرِ النَّصْبِ في أخَذْتُهم، أيْ: أخَذْتُهم

صفحة ١٤

فِي حالِ نَظَرِهِمْ إلى نُزُولِها؛ لِأنَّهم لَمّا رَأوْا بَوارِقَها الشَّدِيدَةَ عَلِمُوا أنَّها غَيْرُ مُعْتادَةٍ فاسْتَشْرَفُوا يَنْظُرُونَ إلى السَّحابِ فَنَزَلَتْ عَلَيْهِمُ الصّاعِقَةُ وهم يَنْظُرُونَ. وذَلِكَ هَوْلٌ عَظِيمٌ زِيادَةً في العَذابِ، فَإنَّ النَّظَرَ إلى النِّقْمَةِ يَزِيدُ صاحِبَها ألَمًا، كَما أنَّ النَّظَرَ إلى النِّعْمَةِ يَزِيدُ المُنَعَّمَ مَسَرَّةً، قالَ تَعالى ﴿وأغْرَقْنا آلَ فِرْعَوْنَ وأنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ [البقرة: ٥٠] .

وقَرَأ الكِسائِيُّ (الصَّعْقَةُ) بَدُونِ ألِفٍ.

وقَوْلُهُ ﴿فَما اسْتَطاعُوا مِن قِيامٍ﴾ تَفْرِيعٌ عَلى ”وهم يَنْظُرُونَ“، أيْ: فَما اسْتَطاعُوا أنْ يَدْفَعُوا ذَلِكَ حِينَ رُؤْيَتِهِمْ بَوادِرَهُ. فالقِيامُ مَجازٌ لَلدِّفاعِ، كَما يُقالُ: هَذا أمْرٌ لا يَقُومُ لَهُ أحَدٌ، أيْ: لا يَدْفَعُهُ أحَدٌ. وفي الحَدِيثِ «غَضِبَ غَضَبًا لا يَقُومُ لَهُ أحَدٌ»، أيْ: فَما اسْتَطاعُوا أيَّ دِفاعٍ لِذَلِكَ.

وقَوْلُهُ ”وما كانُوا مُنْتَصِرِينَ“، أيْ: لَمْ يَنْصُرْهم حَتّى يَكُونُوا مُنْتَصِرِينَ؛ لِأنَّ انْتَصَرَ مُطاوِعُ نَصَرَ، أيْ: ما نَصَرَهم أحَدٌ فانْتَصَرُوا.

51:46Страница 522

وَقَوۡمَ نُوحٖ مِّن قَبۡلُۖ إِنَّهُمۡ كَانُواْ قَوۡمٗا فَٰسِقِينَ ٤٦

Мы уничтожили народ Нуха (Ноя) еще раньше, ибо они были людьми нечестивыми.

﴿وقَوْمَ نُوحٍ مِن قَبْلُ إنَّهم كانُوا قَوْمًا فاسِقِينَ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ ”وقَوْمَ“ بِالنِّصْبِ بِتَقْدِيرِ (اذْكُرْ) أوْ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ ما ذُكِرَ مِنَ القَصَصِ قَبْلَهُ، تَقْدِيرُهُ: وأهْلَكْنا قَوْمَ نُوحٍ، وهَذا مِن عَطْفِ الجُمَلِ ولَيْسَ مِن عَطْفِ المُفْرَداتِ.

وقَرَأ أبُو عَمْرٍو وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ ويَعْقُوبُ وخَلَفٌ بِالجَرِّ عَطْفًا عَلى ثَمُودَ عَلى تَقْدِيرِ: وفي قَوْمِ نُوحٍ.

ومَعْنى ”مِن قَبْلُ“ أنَّهم أُهْلِكُوا قَبْلَ أُولَئِكَ، فَهم أوَّلُ الأُمَمِ المُكَذِّبِينَ رَسُولَهم أُهْلِكُوا.

وجُمْلَةُ إنَّهم كانُوا قَوْمًا فاسِقِينَ، تَعْلِيلٌ لِما تَضَمَّنَهُ قَوْلُهُ (﴿وقَوْمَ نُوحٍ مِن قَبْلُ﴾) . وتَقْدِيرُ كَوْنِهِمْ آيَةً لِلَّذِينَ يَخافُونَ العَذابَ: مِن كَوْنِهِمْ عُوقِبُوا، وأنَّ عِقابَهم؛ لِأنَّهم كانُوا قَوْمًا فاسِقِينَ.

صفحة ١٥

وأخَّرَ الكَلامَ عَلى قَوْمِ نُوحٍ لِما عُرِضَ مِن تَجاذُبِ المُناسَباتِ فِيما أُورِدَ مِن آياتِ العَذابِ لِلْأُمَمِ المَذْكُورَةِ آنِفًا بِما عَلِمْتَهُ سابِقًا. ولِذَلِكَ كانَ قَوْلُهُ ”مِن قَبْلُ“ تَنْبِيهًا عَلى وجْهِ مُخالَفَةِ عادَةِ القُرْآنِ في تَرْتِيبِ حِكايَةِ أحْوالِ الأُمَمِ عَلى حَسَبِ تَرْتِيبِهِمْ في الوُجُودِ.

وقَدْ أوْمَأ قَوْلُهُ ”مِن قَبْلُ“ إلى هَذا ومِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿وأنَّهُ أهْلَكَ عادًا الأُولى﴾ [النجم: ٥٠] ﴿وثَمُودَ فَما أبْقى﴾ [النجم: ٥١] ﴿وقَوْمَ نُوحٍ مِن قَبْلُ إنَّهم كانُوا هم أظْلَمَ وأطْغى﴾ [النجم: ٥٢] .

51:47Страница 522

وَٱلسَّمَآءَ بَنَيۡنَٰهَا بِأَيۡيْدٖ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ ٤٧

Мы воздвигли небо благодаря могуществу, и Мы его расширяем (или даруем пропитание; или обладаем мощью).

﴿والسَّماءَ بَنَيْناها بِأيْدٍ وإنّا لَمُوسِعُونَ﴾ .

لَمّا كانَتْ شُبْهَةُ نُفاةِ البَعْثِ قائِمَةً عَلى تَوَهُّمِ اسْتِحالَةِ إعادَةِ الأجْسامِ بَعْدَ فَنائِها أعْقَبَتْ تَهْدِيدَهم بِما يُقَوِّضُ تَوَهُّمَهم، فَوُجِّهَ إلَيْهِ الخِطابُ يُذَكِّرُهم بِأنَّ اللَّهَ خَلَقَ أعْظَمَ المَخْلُوقاتِ ولَمْ تَكُنْ شَيْئًا، فَلا تُعَدُّ إعادَةُ الأشْياءِ الفانِيَةِ بِالنِّسْبَةِ إلَيْها إلّا شَيْئًا يَسِيرًا، كَما قالَ تَعالى ﴿لَخَلْقُ السَّماواتِ والأرْضِ أكْبَرُ مِن خَلْقِ النّاسِ ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [غافر: ٥٧] .

وهَذِهِ الجُمْلَةُ والجُمَلُ المَعْطُوفَةُ عَلَيْها إلى قَوْلِهِ ”إنِّي لَكم مِنهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ“ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ جُمْلَةِ ”﴿وقَوْمَ نُوحٍ مِن قَبْلُ﴾ [الذاريات: ٤٦]“ إلَخْ، وجُمْلَةِ ﴿كَذَلِكَ ما أتى الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ مِن رَسُولٍ﴾ [الذاريات: ٥٢] الآيَةَ.

وابْتُدِئَ بِخَلْقِ السَّماءِ؛ لِأنَّ السَّماءَ أعْظَمُ مَخْلُوقٍ يُشاهِدُهُ النّاسُ، وعُطِفَ عَلَيْهِ خَلْقُ الأرْضِ عَطْفَ الشَّيْءِ عَلى مُخالِفِهِ لِاقْتِرانِ المُتَخالِفِينَ في الجامِعِ الخَيالِيِّ. وعُطِفَ عَلَيْها خَلْقُ أجْناسِ الحَيَوانِ لِأنَّها قَرِيبَةٌ لِلْأنْظارِ لا يُكَلِّفُ النَّظَرُ فِيها والتَّدَبُّرُ في أحْوالِها ما يُرْهِقُ الأذْهانَ.

واسْتُعِيرَ لِخَلْقِ السَّماءِ فِعْلُ البِناءِ؛ لِأنَّ مَنظَرَ السَّماءِ فِيما يَبْدُو لِلْأنْظارِ شَبِيهٌ بِالقُبَّةِ، ونَصْبُ القُبَّةِ يُدْعى بِناءً.

وهَذا اسْتِدْلالٌ بِأثَرِ الخَلْقِ الَّذِي عايَنُوا أثَرَهُ ولَمْ يَشْهَدُوا كَيْفِيَّتَهُ؛ لِأنَّ أثَرَهُ يُنْبِئُ عَنْ عَظِيمِ كَيْفِيَّتِهِ، وأنَّها أعْظَمُ مِمّا يُتَصَوَّرُ في كَيْفِيَّةِ إعادَةِ الأجْسامِ البالِيَةِ.

صفحة ١٦

والأيْدُ: القُوَّةُ. وأصْلُهُ جَمْعُ يَدٍ، ثُمَّ كَثُرَ إطْلاقُهُ حَتّى صارَ اسْمًا لِلْقُوَّةِ، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ”﴿واذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ ذا الأيْدِ﴾ [ص: ١٧]“ في سُورَةِ ص.

والمَعْنى: بَنَيْناها بِقُدْرَةٍ لا يَقْدِرُ أحَدٌ مِثْلَها.

وتَقْدِيمُ السَّماءِ عَلى عامِلِهِ لِلاهْتِمامِ بِهِ، ثُمَّ بِسُلُوكِ طَرِيقَةِ الِاشْتِغالِ زادَهُ تَقْوِيَةً لِيَتَعَلَّقَ المَفْعُولُ بِفِعْلِهِ مَرَّتَيْنِ: مَرَّةً بِنَفْسِهِ، ومَرَّةً بِضَمِيرِهِ، فَإنَّ الِاشْتِغالَ في قُوَّةِ تَكَرُّرِ الجُمْلَةِ. وزِيدَ تَأْكِيدُهُ بِالتَّذْيِيلِ بِقَوْلِهِ ”﴿وإنّا لَمُوسِعُونَ﴾“ والواوُ اعْتِراضِيَّةٌ.

والمُوسِعُ: اسْمُ فاعِلٍ مِن أوْسَعَ، إذا كانَ ذا وُسْعٍ، أيْ قُدْرَةٍ. وتَصارِيفُهُ جائِيَّةٌ مِنَ السَّعَةِ، وهي امْتِدادُ مِساحَةِ المَكانِ ضِدُّ الضِّيقِ، واسْتُعِيرَ مَعْناها لِلْوَفْرَةِ في أشْياءَ مِثْلَ الإفْرادِ مِثْلَ عُمُومِها في ﴿ورَحْمَتِي وسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الأعراف: ١٥٦]، ووَفْرَةُ المالِ مِثْلَ ”﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِن سَعَتِهِ﴾ [الطلاق: ٧]، وقَوْلِهِ“ وعَلى المُوسِعِ قَدَرَهُ ”، وجاءَ في أسْمائِهِ تَعالى الواسِعُ ﴿إنَّ اللَّهَ واسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ١١٥] . وهو عِنْدَ إجْرائِهِ عَلى الذّاتِ يُفِيدُ كَمالَ صِفاتِهِ الذّاتِيَّةِ: الوُجُودِ، والحَياةِ، والعِلْمِ، والقُدْرَةِ، والحِكْمَةِ، قالَ تَعالى“ ﴿إنَّ اللَّهَ واسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ١١٥] ”ومِنهُ قَوْلُهُ هُنا“ ﴿وإنّا لَمُوسِعُونَ﴾ " .

وأكَّدَ الخَبَرَ بِحَرْفِ إنَّ لِتَنْزِيلَ المُخاطَبِينَ مَنزِلَةَ مَن يُنْكِرُ سَعَةَ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى إذْ أحالُوا إعادَةَ المَخْلُوقاتِ بَعْدَ بِلاها.

51:48Страница 522

وَٱلۡأَرۡضَ فَرَشۡنَٰهَا فَنِعۡمَ ٱلۡمَٰهِدُونَ ٤٨

Мы разостлали землю, и как же прекрасно Мы расстилаем!

﴿والأرْضَ فَرَشْناها فَنِعْمَ الماهِدُونَ﴾ .

القَوْلُ في تَقْدِيمِ الأرْضِ عَلى عامِلِهِ وفي مَجِيءِ طَرِيقَةِ الِاشْتِغالِ كالقَوْلِ في ”والسَّماءَ بَنَيْناها“ . وكَذَلِكَ القَوْلُ في الِاسْتِدْلالِ بِذَلِكَ عَلى إمْكانِ البَعْثِ.

مِن دَقائِقِ فَخْرِ الدِّينِ: أنَّ ذِكْرَ الأُمَمِ الأرْبَعِ لِلْإشارَةِ إلى أنَّ اللَّهَ عَذَّبَهم بِما هو مِن أسْبابِ وُجُودِهِمْ، وهو التُّرابُ والماءُ والهَواءُ والنّارُ، وهي عَناصِرُ الوُجُودِ، فَأهْلَكَ قَوْمَ لُوطٍ بِالحِجارَةِ وهي مِن طِينٍ، وأهْلَكَ قَوْمَ فِرْعَوْنَ بِالماءِ، وأهْلَكَ عادًا بِالرِّيحِ وهو هَواءٌ، وأهْلَكَ ثَمُودًا بِالنّارِ.

صفحة ١٧

واسْتَغْنى هُنا عَنْ إعادَةِ ”بِأيْدٍ“ لِدِلالَةِ ما قَبْلَهُ عَلَيْهِ.

والفَرْشُ: بَسْطُ الثَّوْبِ ونَحْوِهِ لِلْجُلُوسِ والِاضْطِجاعِ، وفي ”فَرَشْناها“ اسْتِعارَةٌ تَبَعِيَّةٌ، شَبَّهَ تَكْوِينَ اللَّهِ الأرْضَ عَلى حالَةِ البَسْطِ بِفَرْشِ البِساطِ ونَحْوِهِ.

وفِي هَذا الفَرْشِ دَلالَةٌ عَلى قُدْرَةِ اللَّهِ وحِكْمَتِهِ إذْ جَعَلَ الأرْضَ مَبْسُوطَةً لَمّا أرادَ أنْ يَجْعَلَ عَلى سَطْحِها أنْواعَ الحَيَوانِ يَمْشِي عَلَيْها ويَتَوَسَّدُها ويَضْطَجِعُ عَلَيْها ولَوْ لَمْ تَكُنْ كَذَلِكَ لَكانَتَ مُحْدَوْدِبَةً تُؤْلِمُ الماشِيَ بَلْهَ المُتَوَسِّدُ والمُضْطَجِعُ.

ولَمّا كانَ في فَرْشِها إرادَةً جَعَلَها مَهْدًا لِمَن عَلَيْها مِنَ الإنْسانِ؛ أتْبَعَ ”فَرَشْناها“ بِتَفْرِيعِ ثَناءِ اللَّهِ عَلى نَفْسِهِ عَلى إجادَةِ تَمْهِيدِها تَذْكِيرًا بِعَظَمَتْهِ ونِعْمَتِهِ، أيْ: ﴿فَنِعْمَ الماهِدُونَ﴾ نَحْنُ.

وصِيغَةُ الجَمْعِ في قَوْلِهِ الماهِدُونَ لِلتَّعْظِيمِ، مِثْلِ ضَمِيرِ الجَمْعِ في لِلَّهِ، ورُوعِيَ في وصْفِ خَلْقِ الأرْضِ ما يَبْدُو لِلنّاسِ مِن سَطْحِها؛ لِأنَّهُ الَّذِي يَهُمُّ النّاسَ في الِاسْتِدْلالِ عَلى قُدْرَةِ اللَّهِ وفي الِامْتِنانِ عَلَيْهِ بِما في لُطْفِهِمْ والرِّفْقِ بِهِمْ. دُونَ تَعَرُّضٍ إلى تَكْوِيرِها إذْ لا يَبْلُغُونَ إلى إدْراكِهِ، كَما رُوعِيَ في ذِكْرِ السَّماءِ ما يَبْدُو مِن قُبَّةِ أجْوائِها دُونَ بَحْثٍ عَنْ تَرامِي أطْرافِها وتَعَدُّدِ عَوالِمِها لِمِثْلِ ذَلِكَ. ولِذَلِكَ أتْبَعَ الِاعْتِراضَ بِالتَّذْيِيلِ بِقَوْلِهِ ”﴿فَنِعْمَ الماهِدُونَ﴾“ المُرادُ مِنهُ تَلْقِينُ النّاسِ الثَّناءَ عَلى اللَّهِ فِيما صَنَعَ لَهم فِيها مِن مِنَّةٍ لِيَشْكُرُوهُ بِذَلِكَ الثَّناءِ كَما في قَوْلِهِ ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الزمر: ٧٥] .

51:49Страница 522

وَمِن كُلِّ شَيۡءٍ خَلَقۡنَا زَوۡجَيۡنِ لَعَلَّكُمۡ تَذَكَّرُونَ ٤٩

Мы сотворили все сущее парами, - быть может, вы помяните назидание.

﴿ومِن كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكم تَذَكَّرُونَ﴾ لَمّا أشْعَرَ قَوْلُهُ ﴿فَرَشْناها فَنِعْمَ الماهِدُونَ﴾ [الذاريات: ٤٨] بِأنَّ في ذَلِكَ نِعْمَةً عَلى المَوْجُوداتِ الَّتِي عَلى الأرْضِ أتْبَعَ ذَلِكَ بِصِفَةِ خَلْقِ تِلْكَ المَوْجُوداتِ لِما فِيهِ مِن دَلالَةٍ عَلى تَفَرُّدِ اللَّهِ تَعالى بِالخَلْقِ المُسْتَلْزَمِ بِتَفَرُّدِهِ بِالإلَهِيَّةِ فَقالَ ﴿ومِن كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنا زَوْجَيْنِ﴾ والزَّوْجُ: الذَّكَرُ والأُنْثى. والمُرادُ بِالشَّيْءِ: النَّوْعُ مِن جِنْسِ الحَيَوانِ. وتَثْنِيَةُ زَوْجٍ هُنا؛ لِأنَّهُ أُرِيدُ بِهِ ما يُزَوَّجُ مِن ذِكْرٍ وأُنْثى.

صفحة ١٨

وهَذا الِاسْتِدْلالُ عَلَيْهِمْ بِخَلْقٍ يُشاهِدُونَ كَيْفِيّاتِهِ وأطْوارَهُ كُلَّما لَفَتُوا أبْصارَهم، وقَدَحُوا أفْكارَهم، وهو خَلْقُ الذَّكَرِ والأُنْثى لِيَكُونَ مِنهُما إنْشاءُ خَلْقٍ جَدِيدٍ يَخْلُفُ ما سَلَفَهُ، وذَلِكَ أقْرَبُ تَمْثِيلٍ لِإنْشاءِ الخَلْقِ بَعْدَ الفَناءِ. وهو البَعْثُ الَّذِي أنْكَرُوهُ؛ لِأنَّ الأشْياءَ تُقَرَّبُ بِما هو واضِحٌ مِن أحْوالِ أمْثالِها.

ولِذَلِكَ أتْبَعَهُ بِقَوْلِهِ ”﴿لَعَلَّكم تَذَكَّرُونَ﴾“، أيْ: تَتَفَكَّرُونَ في الفُرُوقِ بَيْنَ المُمْكِناتِ والمُسْتَحِيلاتِ، وتَتَفَكَّرُونَ في مَراتِبِ الإمْكانِ فَلا يَخْتَلِطَ عَلَيْكُمُ الِاسْتِبْعادُ وقِلَّةُ الِاعْتِيادِ بِالِاسْتِحالَةِ فَتَتَوَهَّمُوا الغَرِيبَ مُحالًا.

فالتَّذَكُّرُ مُسْتَعْمَلٌ في عادَةِ التَّفَكُّرِ لِلْأشْياءِ ومُراجَعَةِ أنْفُسِهِمْ فِيما أحالُوهُ لِيَعْلَمُوا بَعْدَ إعادَةِ النَّظَرِ أنَّ ما أحالُوهُ مُمْكِنٌ ولَكِنَّهم لَمْ يَأْلَفُوهُ فاشْتَبَهَ عَلَيْهِمُ الغَرِيبُ بِالمُحالِ فَأحالُوهُ، فَلَمّا كانَ تَجْدِيدُ التَّفَكُّرِ المَغْفُولِ عَنْهُ شَبِيهًا بِتَذَكُّرِ الشَّيْءِ المَنسِيِّ أطْلَقَ عَلَيْهِ ”لَعَلَّكم تَذَكَّرُونَ“ . وهَذا في مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى ﴿وما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ عَلى أنْ نُبَدِّلَ أمْثالَكم ونُنْشِئَكم في ما لا تَعْلَمُونَ ولَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأةَ الأُولى فَلَوْلا تَذَكَّرُونَ﴾ [الواقعة: ٦٠] فَقَدْ ذُيِّلَ هُنالِكَ بِالحَثِّ عَلى التَّذَكُّرِ، كَما ذُيِّلَ هُنا بِرَجاءِ التَّذَكُّرِ، فَأفادَ أنَّ خَلْقَ الذَّكَرِ والأُنْثى مِن نُطْفَةٍ هو النَّشْأةُ الأُولى وأنَّها الدّالَّةُ عَلى النَّشْأةِ الآخِرَةِ.

وجُمْلَةُ ”لَعَلَّكم تَذَكَّرُونَ“ تَعْلِيلٌ لِجُمْلَةِ ”﴿خَلَقْنا زَوْجَيْنِ﴾“، أيْ: رَجاءَ أنْ يَكُونَ في الزَّوْجَيْنِ تَذَكُّرٌ لَكم، أيْ: دَلالَةٌ مَغْفُولٌ عَنْها.

والقَوْلُ في صُدُورِ الرَّجاءِ مِنَ اللَّهِ مُبِينٌ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ثُمَّ عَفَوْنا عَنْكم مِن بَعْدِ ذَلِكَ لَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾ [البقرة: ٥٢] في سُورَةِ البَقَرَةِ.

51:50–51Страница 522

فَفِرُّوٓاْ إِلَى ٱللَّهِۖ إِنِّي لَكُم مِّنۡهُ نَذِيرٞ مُّبِينٞ ٥٠

Скажи: «Бегите же к Аллаху. Воистину, я являюсь для вас предостерегающим и разъясняющим увещевателем от Него.

وَلَا تَجۡعَلُواْ مَعَ ٱللَّهِ إِلَٰهًا ءَاخَرَۖ إِنِّي لَكُم مِّنۡهُ نَذِيرٞ مُّبِينٞ ٥١

Не поклоняйтесь наряду с Аллахом другому божеству. Воистину, я являюсь для вас предостерегающим и разъясняющим увещевателем от Него».

﴿فَفِرُّوا إلى اللَّهِ إنِّي لَكم مِنهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ ﴿ولا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ إنِّي لَكم مِنهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ .

بَعْدَ أنْ بَيَّنَ ضَلالَ هَؤُلاءِ في تَكْذِيبِهِمْ بِالبَعْثِ بَيانًا بِالبُرْهانِ السّاطِعِ، ومَثَّلَ حالَهم بِحالِ الأُمَمِ الَّذِينَ سَلَفُوهم في التَّكْذِيبِ بِالرُّسُلِ وما جاءُوا بِهِ جَمْعًا بَيْنَ المَوْعِظَةِ لِلضّالِّينَ وتَسْلِيَةِ الرَّسُولِ ﷺ والمُؤْمِنِينَ وكانَتْ فِيما مَضى مِنَ الِاسْتِدْلالِ

صفحة ١٩

دَلالَةٌ عَلى أنَّ اللَّهَ مُتَفَرِّدٌ بِخَلْقِ العالِمِ وفي ذَلِكَ إبْطالُ إشْراكِهِمْ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرى، أقْبَلَ عَلى تَلْقِينِ الرَّسُولِ ﷺ ما يَسْتَخْلِصُهُ لَهم عَقِبَ ذَلِكَ بِأنْ يَدْعُوَهم إلى الرُّجُوعِ إلى الحَقِّ بِقَوْلِهِ ﴿فَفِرُّوا إلى اللَّهِ﴾ .

فالجُمْلَةُ المُفَرَّعَةُ بِالفاءِ مَقُولُ قَوْلٍ مَحْذُوفٍ والتَّقْدِيرِ: فَقُلْ فِرُّوا، دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ ”﴿إنِّي لَكم مِنهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾“ فَإنَّهُ كَلامٌ لا يَصْدُرُ إلّا مِن قائِلٍ ولا يَسْتَقِيمُ أنْ يَكُونَ كَلامَ مُبَلِّغٍ.

وحَذْفُ القَوْلِ كَثِيرُ الوُرُودِ في القُرْآنِ وهو مِن ضُرُوبِ إيجازِهِ، فالفاءُ مِنَ الكَلامِ الَّذِي يَقُولُهُ الرَّسُولُ ﷺ، ومُفادُها التَّفْرِيعُ عَلى ما تَقَرَّرَ مِمّا تَقَدَّمَ. ولَيْسَتْ مُفَرَّعَةَ فِعْلِ الأمْرِ المَحْذُوفِ؛ لِأنَّ المُفَرَّعَ بِالفاءِ هو ما يُذْكَرُ بَعْدَها.

وقَدْ غُيِّرَ أُسْلُوبُ المَوْعِظَةِ إلى تَوْجِيهِ الخِطابِ لِلنَّبِيِّ ﷺ بِأنْ يَقُولَ لَهم هَذِهِ المَوْعِظَةَ؛ لِأنَّ لِتَعَدُّدِ الواعِظِينَ تَأْثِيرًا عَلى نُفُوسِ المُخاطَبِينَ بِالمَوْعِظَةِ.

والأنْسَبُ بِالسِّياقِ أنَّ الفِرارَ إلى اللَّهِ مُسْتَعارٌ لِلْإقْلاعِ عَنْ ما هم فِيهِ مِنَ الإشْراكِ، وجُحُودُ البَعْثِ اسْتِعارَةٌ تَمْثِيلِيَّةٌ بِتَشْبِيهِ حالِ تَوَرُّطِهِمْ في الضَّلالَةِ بِحالِ مَن هو في مَكانٍ مَخُوفٍ يَدْعُو حالُهُ أنْ يَفِرَّ مِنهُ إلى مَن يُجِيرُهُ، وتَشْبِيهُ حالِ الرَّسُولِ ﷺ بِحالِ نَذِيرِ قَوْمٍ بِأنَّ دِيارَهم عُرْضَةٌ لِغَزْوِ العَدُوِّ، فاسْتُعْمِلَ المُرَكَّبَ وهو ”فِرُّوا إلى اللَّهِ“ في هَذا التَّمْثِيلِ.

فالمُواجَهُ بِفِرُّوا إلى اللَّهِ المُشْرِكُونَ؛ لِأنَّ المُؤْمِنِينَ قَدْ فَرُّوا إلى اللَّهِ مِنَ الشِّرْكِ.

والفِرارُ: الهُرُوبُ، أيْ: سُرْعَةُ مُفارَقَةِ المَكانِ تَجَنُّبًا لِأذًى يَلْحَقُهُ فِيهِ فَيُعَدّى بِمِنَ الِابْتِدائِيَّةِ لِلْمَكانِ الَّذِي بِهِ الأذى، يُقالُ: فَرَّ مِن بَلَدِ الوَباءِ ومِنَ المَوْتِ، والشَّيْءُ الَّذِي يُؤْذِي، يُقالُ: فَرَّ مِنَ الأسَدِ وفَرَّ مِنَ العَدُوِّ.

وجُمْلَةُ ”﴿إنِّي لَكم مِنهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾“ تَعْلِيلٌ لِلْأمْرِ بِفِرُّوا إلى اللَّهِ بِاعْتِبارِ أنَّ الغايَةَ مِنَ الإنْذارِ قَصْدُ السَّلامَةِ مِنَ العِقابِ فَصارَ الإنْذارُ بِهَذا الِاعْتِبارِ تَعْلِيلًا لِلْأمْرِ بِالفِرارِ إلى اللَّهِ، أيِ التَّوَجُّهِ إلَيْهِ وحْدَهُ.

صفحة ٢٠

وقَوْلُهُ ”مِنهُ“ صِفَةٌ لِنَذِيرٍ قُدِّمَتْ عَلى المَوْصُوفِ فَصارَتْ حالًا.

وحَرْفُ مِن لِلِابْتِداءِ المَجازِيِّ، أيْ مَأْمُورٌ لَهُ بِأنْ أُبَلِّغَكم.

وعَطْفُ ﴿ولا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ﴾ عَلى فَفِرُّوا إلى اللَّهِ نَهْيٌ عَنْ نِسْبَةِ الإلَهِيَّةِ إلى أحَدٍ غَيْرِ اللَّهِ.

فَجَمَعَ بَيْنَ الأمْرِ والنَّهْيِ مُبالَغَةً في التَّأْكِيدِ بِنَفْيِ الضِّدِّ لِإثْباتِ ضِدِّهِ كَقَوْلِهِ ﴿وأضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وما هَدى﴾ [طه: ٧٩] .

ومِن لَطائِفِ فَخْرِ الدِّينِ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى ”﴿إنِّي لَكم مِنهُ نَذِيرٌ﴾“ جَمَعَ الرَّسُولَ والمُرْسَلَ إلَيْهِمْ والمُرْسِلَ.

Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии

Содержание

Аят аль-Курси36Аль-Кахфстр. 42джуз 15Бухари 1Муслим 2999

Вид

Тема
Размер текста
Вид

Read in English