Ибн АшурАз‑Зарият · 51:52–59

Ибн Ашур · Тафсир · на арабском

Аз-Зарият 51:52–59

51:52Страница 523

كَذَٰلِكَ مَآ أَتَى ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِم مِّن رَّسُولٍ إِلَّا قَالُواْ سَاحِرٌ أَوۡ مَجۡنُونٌ ٥٢

Таким же образом, какой бы посланник ни приходил к их предшественникам, они обязательно говорили: «Он - колдун или одержимый!».

﴿كَذَلِكَ ما أتى الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ مِن رَسُولٍ إلّا قالُوا ساحِرٌ أوْ مَجْنُونٌ﴾

كَلِمَةُ كَذَلِكَ فَصْلُ خِطابٍ تَدُلُّ عَلى إنْهاءِ حَدِيثٍ والشُّرُوعِ في غَيْرِهِ، أوِ الرُّجُوعِ إلى حَدِيثٍ قَبْلَهُ أتى عَلَيْهِ الحَدِيثُ الأخِيرُ. والتَّقْدِيرُ: الأمْرُ كَذَلِكَ والإشارَةُ إلى ما مَضى مِنَ الحَدِيثِ، ثُمَّ يُورَدُ بَعْدَهُ حَدِيثٌ آخَرُ، والسّامِعُ يَرُدُّ كُلًّا إلى ما يُناسِبُهُ، فَيَكُونُ ما بَعْدَ اسْمِ الإشارَةِ مُتَّصِلًا بِأخْبارِ الأُمَمِ الَّتِي تَقَدَّمَ ذِكْرُها مِن قَوْمِ لُوطٍ ومَن عُطِفَ عَلَيْهِمْ.

أُعْقِبَ تَهْدِيدُ المُشْرِكِينَ بِأنْ يَحُلَّ بِهِمْ ما حَلَّ بِأُمَمِ المُكَذِّبِينَ بِرُسُلِ اللَّهِ مِن قَبْلِهِمْ بِتَنْظِيرِهِمْ بِهِمْ في مَقالِهِمْ، وقَدْ تَقَدَّمَ وُرُودُ ”كَذَلِكَ“ فَصْلًا لِلْخِطابِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿كَذَلِكَ وقَدْ أحَطْنا بِما لَدَيْهِ خُبْرًا﴾ [الكهف: ٩١] في سُورَةِ الكَهْفِ، فَقَوْلُهُ كَذَلِكَ فَصْلٌ وجُمْلَةُ ”﴿ما أتى الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ مِن رَسُولٍ﴾“ الآيَةَ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا ابْتِدائِيًّا.

ولَكَ أنْ تَجْعَلَ قَوْلَهُ ”﴿كَذَلِكَ ما أتى الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾“ إلى آخِرِهِ مُبْتَدَأ اسْتِئْنافٍ، أوْ عَوْدًا إلى الإنْحاءِ عَلى المُشْرِكِينَ في قَوْلِهِ المُخْتَلِفِ بِأنْواعِ التَّكْذِيبِ في التَّوْحِيدِ والبَعْثِ وما يَتَفَرَّعُ عَلى ذَلِكَ.

صفحة ٢١

واسْمُ الإشارَةِ راجِعٌ إلى قَوْلِهِ ”﴿إنَّكم لَفي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ﴾ [الذاريات: ٨]“ الآيَةَ كَما عَلِمْتَ هُنالِكَ، أيْ: مِثْلَ قَوْلِهِمُ المُخْتَلِفِ قالَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ لَمّا جاءَتْهُمُ الرُّسُلُ، فَيَكُونُ قَوْلُهُ ”كَذَلِكَ“ في مَحَلِّ حالٍ وصاحِبُ الحالِ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ.

وعَلى كِلا الوَجْهَيْنِ فالمَعْنى: أنَّ حالَ هَؤُلاءِ كَحالِ الَّذِينَ سَبَقُوهم مِمَّنْ كانُوا مُشْرِكِينَ أنْ يَصِفُوا الرَّسُولَ ﷺ بِأنَّهُ ساحِرٌ، أوْ مَجْنُونٌ فَكَذَلِكَ سَيُجِيبُ هَؤُلاءِ عَنْ قَوْلِكَ ”فِرُّوا إلى اللَّهِ ولا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ“ بِمِثْلِ جَوابِ مَن قَبْلَهم فَلا مَطْمَعَ في ارْعِوائِهِمْ عَنْ عِنادِهِمْ.

والمُرادُ بِـ (﴿الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ [الزمر: ٥٠]) الأُمَمُ المَذْكُورَةُ في الآياتِ السّابِقَةِ وغَيْرُهم، وضَمِيرُ ”قَبِلِهِمْ“ عائِدٌ إلى مُشْرِكِي العَرَبِ الحاضِرِينَ.

وزِيادَةُ ”مِن“ في قَوْلِهِ ”مِن رَسُولٍ“ لِلتَّنْصِيصِ عَلى إرادَةِ العُمُومِ، أيْ: أنَّ كُلَّ رَسُولٍ قالَ فِيهِ فَرِيقٌ مِن قَوْمِهِ: هو ساحِرٌ، أوْ مَجْنُونٌ، أيْ: قالَ بَعْضُهم: ساحِرٌ، وقالَ بَعْضُهم: مَجْنُونٌ، مِثْلَ قَوْمِ نُوحٍ دُونَ السِّحْرِ إذْ لَمْ يَكُنِ السِّحْرُ مَعْرُوفًا في زَمانِهِمْ قالُوا ﴿إنْ هو إلّا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتّى حِينٍ﴾ [المؤمنون: ٢٥] . وقَدْ يَجْمَعُونَ القَوْلَيْنِ مِثْلَ قَوْلِ فِرْعَوْنَ في مُوسى.

وهَذا العُمُومُ يُفِيدُ أنَّهُ لَمْ يَخْلُ قَوْمٌ مِنَ الأقْوامِ المَذْكُورِينَ إلّا قالُوا لِرَسُولِهِمْ أحَدَ القَوْلَيْنِ، وما حُكِيَ ذَلِكَ عَنْ بَعْضِهِمْ في آياتٍ أُخْرى بِلَفْظِهِ أوْ بِمُرادِفِهِ كَقَوْلِ قَوْمِ هُودٍ ﴿إنْ نَقُولُ إلّا اعْتَراكَ بَعْضُ آلِهَتِنا بِسُوءٍ﴾ [هود: ٥٤] .

وأوَّلُ الرُّسُلِ هو نُوحٌ كَما هو صَرِيحُ الحَدِيثِ الصَّحِيحِ في الشَّفاعَةِ. فَلا يُرَدُّ أنَّ آدَمَ لَمْ يُكَذِّبْهُ أهْلُهُ، وأنَّ أنْبِياءَ بَنِي إسْرائِيلَ مِثْلَ يُوشَعَ، وأشْعِيا لَمْ يُكَذِّبْهم قَوْمُهم؛ لِأنَّ اللَّهَ قالَ ”مِن رَسُولٍ“ والرَّسُولُ أخَصُّ مِنَ النَّبِيءِ.

والِاسْتِثْناءُ في ”إلّا قالُوا ساحِرٌ“ اسْتِثْناءٌ مِن أحْوالٍ مَحْذُوفَةٍ.

والمَعْنى: ﴿ما أتى الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ مِن رَسُولٍ﴾ في حالٍ مِن أحْوالِ أقْوالِهِمْ إلّا في حالِ قَوْلِهِمْ: ساحِرٌ أوْ مَجْنُونٌ.

صفحة ٢٢

والقَصْرُ المُسْتَفادُ مِنَ الِاسْتِثْناءِ قَصْرٌ ادِّعائِيٌّ؛ لِأنَّ لِلْأُمَمِ أقْوالًا غَيْرَ ذَلِكَ، وأحْوالًا أُخْرى، وإنَّما قَصَرُوا عَلى هَذا اهْتِمامًا بِذِكْرِ هَذِهِ الحالَةِ العَجِيبَةِ مِنَ البُهْتانِ، إذْ يَرْمُونَ أعْقَلَ النّاسِ بِالجُنُونِ وأقْوَمَهم بِالسِّحْرِ.

وإسْنادُ القَوْلِ إلى ضَمِيرِ الَّذِينَ مِن قَبْلِ مُشْرِكِي العَرَبِ الحاضِرِينَ إسْنادٌ بِاعْتِبارِ أنَّهُ قَوْلُ أكْثَرِهِمْ فَإنَّ الأُمُورَ الَّتِي تُنْسَبُ إلى الأقْوامِ والقَبائِلِ تَجْرِي عَلى اعْتِبارِ الغالِبِ.

51:53Страница 523

أَتَوَاصَوۡاْ بِهِۦۚ بَلۡ هُمۡ قَوۡمٞ طَاغُونَ ٥٣

Неужели они заповедали это друг другу? О нет! Они являются людьми, преступающими границы дозволенного.

﴿أتَواصَوْا بِهِ بَلْ هم قَوْمٌ طاغُونَ﴾ .

الِاسْتِفْهامُ مُسْتَعْمَلٌ في التَّعْجِيبِ مِن تَواطُئِهِمْ عَلى هَذا القَوْلِ عَلى طَرِيقَةِ التَّشْبِيهِ البَلِيغِ، أيْ: كَأنَّهم أوْصى بَعْضُهم بَعْضًا بِأنْ يَقُولُوهُ.

فالِاسْتِفْهامُ هُنا كِنايَةٌ عَنْ لازِمِهِ وهو التَّعْجِيبُ؛ لِأنَّ شَأْنَ الأمْرِ العَجِيبِ أنْ يُسْألَ عَنْهُ، والجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ؛ لِأنَّ تَماثُلَ هَؤُلاءِ الأُمَمِ في مَقالَةِ التَّكْذِيبِ يُثِيرُ سُؤالَ سائِلٍ عَنْ مَنشَأِ هَذا التَّشابُهِ.

وضَمِيرُ تَواصَوْا عائِدٌ إلى ما سَبَقَ مِنَ المَوْصُولِ ومِنَ الضَّمِيرِ الَّذِي أُضِيفَ إلَيْهِ (قَبْلِهِمْ)، أيْ: أوْصى بَعْضُهم بَعْضًا حَتّى بَلَغَتِ الوَصِيَّةُ إلى القَوْمِ الحاضِرِينَ.

وضَمِيرُ (بِهِ) عائِدٌ عَلى المَصْدَرِ المَأْخُوذِ مِن فِعْلِ ”﴿إلّا قالُوا ساحِرٌ أوْ مَجْنُونٌ﴾ [الذاريات: ٥٢]“، أيْ: أتَواصَوْا بِهَذا القَوْلِ.

وفِعْلُ الوَصِيَّةِ يَتَعَدّى إلى المُوصى عَلَيْهِ بِالباءِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿وتَواصَوْا بِالحَقِّ وتَواصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر: ٣] .

و(بَلْ) إضْرابٌ عَنْ مُفادِ الِاسْتِفْهامِ مِنَ التَّشْبِيهِ أوْ عَنِ التَّواصِي بِهِ، بِبَيانِ سَبَبِ التَّواطُؤِ عَلى هَذا القَوْلِ فَإنَّهُ إذا ظَهَرَ السَّبَبُ بَطَلَ العَجَبُ. أيْ: ما هو بِتَواصٍ ولَكِنَّهُ تَماثَلٌ في مَنشَأِ ذَلِكَ القَوْلِ، أيْ: سَبَبُ تَماثُلِ المَقالَةِ تَماثُلُ التَّفْكِيرِ

صفحة ٢٣

والدَّواعِي لِلْمَقالَةِ؛ إذْ جَمِيعُهم قَوْمٌ طاغُونَ، وأنَّ طُغْيانَهم وكِبْرِياءَهم يَصُدُّهم عَنِ اتِّباعِ رَسُولٍ يَحْسَبُونَ أنْفُسَهم أعْظَمَ مِنهُ، وإذْ لا يَجِدُونَ وصْمَةً يَصِمُونَهُ بِها اخْتَلَقُوا لِتَنْقِيصِهِ عِلَلًا لا تَدْخُلُ تَحْتَ الضَّغْطِ وهي ادِّعاءُ أنَّهُ مَجْنُونٌ أوْ أنَّهُ ساحِرٌ، فاسْتَوَوْا في ذَلِكَ بِعِلَّةِ اسْتِوائِهِمْ في أسْبابِهِ ومَعانِيهِ.

فَضَمِيرُ ”هم قَوْمٌ طاغُونَ“ عائِدٌ إلى ما عادَ إلَيْهِ ضَمِيرُ أتَواصَوْا.

وفِي إقْحامِ كَلِمَةِ (قَوْمٌ) إيذانٌ بِأنَّ الطُّغْيانَ راسِخٌ في نُفُوسِهِمْ بِحَيْثُ يَكُونُ مِن مُقَوِّماتِ قَوْمِيَّتِهِمْ كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ”لَآياتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ“ في سُورَةِ البَقَرَةِ.

51:54–55Страница 523

فَتَوَلَّ عَنۡهُمۡ فَمَآ أَنتَ بِمَلُومٖ ٥٤

Отвратись же от них, и тебя не будут порицать.

وَذَكِّرۡ فَإِنَّ ٱلذِّكۡرَىٰ تَنفَعُ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ٥٥

И напоминай, ибо напоминание приносит пользу верующим.

﴿فَتَوَلَّ عَنْهم فَما أنْتَ بِمَلُومٍ﴾ ﴿وذَكِّرْ فَإنَّ الذِّكْرى تَنْفَعُ المُؤْمِنِينَ﴾ .

تَفْرِيعٌ عَلى قَوْلِهِ ﴿كَذَلِكَ ما أتى الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ مِن رَسُولٍ﴾ [الذاريات: ٥٢] إلى قَوْلِهِ ”﴿بَلْ هم قَوْمٌ طاغُونَ﴾ [الذاريات: ٥٣]“ لَمُشْعِرٌ بِأنَّهم بُعَداءُ عَنْ أنْ تُقْنِعَهُمُ الآياتُ والنُّذُرُ فَتَوَلَّ عَنْهم، أيْ: أعْرِضْ عَنِ الإلْحاحِ في جِدالِهِمْ، فَقَدْ كانَ النَّبِيءُ ﷺ شَدِيدَ الحِرْصِ عَلى إيمانِهِمْ ويَغْتَمُّ مِن أجْلِ عِنادِهِمْ في كُفْرِهِمْ، فَكانَ اللَّهُ يُعاوِدُ تَسْلِيَتَهُ الفَيْنَةَ بَعْدَ الفَيْنَةِ كَما قالَ ﴿لَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ ألّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ٣] ﴿فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ عَلى آثارِهِمْ إنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذا الحَدِيثِ أسَفًا﴾ [الكهف: ٦] ﴿ولا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ ولا تَكُ في ضَيْقٍ مِمّا يَمْكُرُونَ﴾ [النمل: ٧٠]، فالتَّوَلِّي مُرادٌ بِهِ هَذا المَعْنى، وإلّا فَإنَّ القُرْآنَ جاءَ بَعْدَ أمْثالِ هَذِهِ الآيَةِ بِدَعْوَتِهِمْ وجِدالِهِمْ غَيْرَ مَرَّةٍ قالَ تَعالى ﴿فَتَوَلَّ عَنْهم حَتّى حِينٍ وأبْصِرْهم فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ [الصافات: ١٧٤] في سُورَةِ الصّافّاتِ.

وفَرَّعَ عَلى أمْرِهِ بِالتَّوَلِّي عَنْهم إخْبارَهُ بِأنَّهُ لا لَوْمَ عَلَيْهِ في إعْراضِهِمْ عَنْهُ، وصِيغَ الكَلامُ في صِيغَةِ الجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ دُونَ: لا نَلُومُكَ، لِلدَّلالَةِ عَلى ثَباتِ مَضْمُونِ الجُمْلَةِ في النَّفْيِ.

وجِيءَ بِضَمِيرِ المُخاطَبِ مُسْنَدًا إلَيْهِ فَقالَ: ”﴿فَما أنْتَ بِمَلُومٍ﴾“ دُونَ أنْ يَقُولَ: فَلا

صفحة ٢٤

مَلامَ عَلَيْكَ، أوْ نَحْوَهُ لِلِاهْتِمامِ لِلتَّنْوِيهِ بِشَأْنِ المُخاطَبِ وتَعْظِيمِهِ.

وزِيدَتِ الباءُ في الخَبَرِ المَنفِيِّ لِتَوْكِيدِ نَفْيِ أنْ يَكُونَ مَلُومًا.

وعَطْفُ ”وذَكِّرْ“ عَلى ”﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ﴾“ احْتِراسٌ كَيْ لا يَتَوَهَّمَ أحَدٌ أنَّ الإعْراضَ إبْطالٌ لِلتَّذْكِيرِ بَلِ التَّذْكِيرُ باقٍ، فَإنَّ النَّبِيءَ ﷺ ذَكَّرَ النّاسَ بَعْدَ أمْثالِ هَذِهِ الآياتِ فَآمَنَ بَعْضُ مَن لَمْ يَكُنْ آمَنَ مِن قَبْلُ، ولِيَكُونَ الِاسْتِمْرارُ عَلى التَّذْكِيرِ زِيادَةً في إقامَةِ الحُجَّةِ عَلى المُعْرِضِينَ، ولِئَلّا يَزْدادُوا طُغْيانًا فَيَقُولُوا: ها نَحْنُ أُولاءِ قَدْ أفْحَمْناهُ فَكَفَّ عَمّا يَقُولُهُ.

والأمْرُ في ”وذَكِّرْ“ مُرادٌ بِهِ الدَّوامُ عَلى التَّذْكِيرِ وتَجْدِيدُهُ.

واقْتُصِرَ في تَعْلِيلِ الأمْرِ بِالتَّذْكِيرِ عَلى عِلَّةٍ واحِدَةٍ وهي انْتِفاعُ المُؤْمِنِينَ بِالتَّذْكِيرِ؛ لِأنَّ فائِدَةَ ذَلِكَ مُحَقَّقَةٌ، ولِإظْهارِ العِنايَةِ بِالمُؤْمِنِينَ في المَقامِ الَّذِي أُظْهِرَتْ فِيهِ قِلَّةُ الِاكْتِراثِ بِالكافِرِينَ، قالَ تَعالى ﴿فَذَكِّرْ إنْ نَفَعَتِ الذِّكْرى سَيَذَّكَّرُ مَن يَخْشى ويَتَجَنَّبُها الأشْقى﴾ [الأعلى: ٩] .

ولِذَلِكَ فَوَصْفُ المُؤْمِنِينَ يُرادُ بِهِ المُتَّصِفُونَ بِالإيمانِ في الحالِ كَما هو شَأْنُ اسْمِ الفاعِلِ، وأمّا مَن سَيُؤْمِنُ فَعِلَّتُهُ مَطْوِيَّةٌ كَما عَلِمْتَ آنِفًا.

والنَّفْعُ الحاصِلُ مِنَ الذِّكْرى هو رُسُوخُ العِلْمِ بِإعادَةِ التَّذْكِيرِ لِما سَمِعُوهُ، واسْتِفادَةُ عِلْمٍ جَدِيدٍ فِيما لَمْ يَسْمَعُوهُ أوْ غَفَلُوا عَنْهُ. ولِظُهُورِ حُجَّةِ المُؤْمِنِينَ عَلى الكافِرِينَ يَوْمًا فَيَوْمًا ويَتَكَرَّرُ عَجْزُ المُشْرِكِينَ عَنِ المُعارَضَةِ، ووَفْرَةِ الكَلامِ المُعْجِزِ.

51:56–57Страница 523

وَمَا خَلَقۡتُ ٱلۡجِنَّ وَٱلۡإِنسَ إِلَّا لِيَعۡبُدُونِ ٥٦

Я сотворил джиннов и людей только для того, чтобы они поклонялись Мне.

مَآ أُرِيدُ مِنۡهُم مِّن رِّزۡقٖ وَمَآ أُرِيدُ أَن يُطۡعِمُونِ ٥٧

Я не хочу от них никакого удела и не хочу, чтобы они кормили Меня.

﴿وما خَلَقْتُ الجِنَّ والإنْسَ إلّا لِيَعْبُدُونِ﴾ ﴿ما أُرِيدُ مِنهم مِن رِزْقٍ وما أُرِيدُ أنْ يُطْعِمُونِ﴾ .

الأظْهَرُ أنَّ هَذا مَعْطُوفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿كَذَلِكَ ما أتى الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ مِن رَسُولٍ﴾ [الذاريات: ٥٢] الآيَةَ. الَّتِي هي ناشِئَةٌ عَنْ قَوْلِهِ ”فَفِرُّوا إلى اللَّهِ“ إلى ﴿ولا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ﴾ [الذاريات: ٥١]

صفحة ٢٥

عَطَفَ الغَرَضَ عَلى الغَرَضِ لِوُجُودِ المُناسَبَةِ.

فَبَعْدَ أنْ نَظَّرَ حالَهم بِحالِ الأُمَمِ الَّتِي صَمَّمَتْ عَلى التَّكْذِيبِ مِن قَبْلِهِمْ أعْقَبَهُ بِذِكْرِ شَنِيعِ حالِهِمْ مِنَ الِانْحِرافِ عَمّا خُلِقُوا لِأجْلِهِ وغُرِزَ فِيهِمْ.

فَقَوْلُهُ ﴿وما خَلَقْتُ الجِنَّ والإنْسَ إلّا لِيَعْبُدُونِ﴾ خَبَرٌ مُسْتَعْمَلٌ في التَّعْرِيضِ بِالمُشْرِكِينَ الَّذِينَ انْحَرَفُوا عَنِ الفِطْرَةِ الَّتِي خُلِقُوا عَلَيْها فَخالَفُوا سُنَّتَها اتِّباعًا لِتَضْلِيلِ المُضِلِّينَ.

والجِنُّ: جِنْسٌ مِنَ المَخْلُوقاتِ مُسْتَتِرٌ عَنْ أعْيُنِ النّاسِ وهو جِنْسٌ شامِلٌ لِلشَّياطِينِ، قالَ تَعالى عَنْ إبْلِيسَ ”كانَ مِنَ الجِنِّ“ .

والإنْسُ: اسْمُ جَمْعٍ، واحِدُهُ إنْسِيٌّ بِياءِ النِّسْبَةِ إلى جَمْعِهِ.

والمَقْصُودُ في هَذا الإخْبارِ هو الإنْسُ وإنَّما ذُكِرَ الجِنُّ إدْماجًا، وسَتَعْرِفُ وجْهَ ذَلِكَ.

والِاسْتِثْناءُ مُفَرَّغٌ مِن عِلَلٍ مَحْذُوفَةٍ عامَّةٍ عَلى طَرِيقَةِ الِاسْتِثْناءِ المُفَرَّغِ.

واللّامُ في ”لِيَعْبُدُونِ“ لامُ العِلَّةِ، أيْ: ما خَلَقْتُهم لِعِلَّةٍ إلّا عِلَّةَ عِبادَتِهِمْ إيّايَ. والتَّقْدِيرُ: لِإرادِتِي أنْ يَعْبُدُونِ، ويَدُلُّ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ قَوْلُهُ في جُمْلَةِ البَيانِ ﴿ما أُرِيدُ مِنهم مِن رِزْقٍ وما أُرِيدُ أنْ يُطْعِمُونِ﴾ .

وهَذا التَّقْدِيرُ يُلاحَظُ في كُلِّ لامٍ تَرِدُ في القُرْآنِ تَعْلِيلًا لِفِعْلِ اللَّهِ تَعالى، أيْ: ما أرْضى لِوُجُودِهِمْ إلّا أنْ يَعْتَرِفُوا لِي بِالتَّفَرُّدِ بِالإلَهِيَّةِ.

فَمَعْنى الإرادَةِ هُنا: الرِّضا والمَحَبَّةُ، ولَيْسَ مَعْناها الصِّفَةَ الإلَهِيَّةَ الَّتِي تُخَصِّصُ المُمْكِنَ بِبَعْضِ ما يَجُوزُ عَلَيْهِ عَلى وفْقِ العِلْمِ، الَّتِي اشْتُقَّ مِنهُ اسْمُهُ تَعالى (المُرِيدُ)؛ لِأنَّ إطْلاقَ الإرادَةِ عَلى ذَلِكَ إطْلاقٌ آخَرُ، فَلَيْسَ المُرادُ هُنا تَعْلِيلَ تَصَرُّفاتِ الخَلْقِ النّاشِئَةِ عَنِ اكْتِسابِهِمْ عَلى اصْطِلاحِ الأشاعِرَةِ، أوْ عَنْ قُدْرَتِهِمْ عَلى اصْطِلاحِ المُعْتَزِلَةِ عَلى تَقارُبِ ما بَيْنَ الِاصْطِلاحَيْنِ لِظُهُورِ أنَّ تَصَرُّفاتِ الخَلْقِ قَدْ تَكُونُ مُناقِضَةً لِإرادَةِ اللَّهِ مِنهم بِمَعْنى الإرادَةِ الصِّفَةِ، فاللَّهُ تَعالى خَلَقَ النّاسَ

صفحة ٢٦

عَلى تَرْكِيبٍ يَقْتَضِي النَّظَرَ في وُجُودِ الإلَهِ ويَسُوقُ إلى تَوْحِيدِهِ، ولَكِنَّ كَسْبَ النّاسِ يُجَرِّفُ أعْمالَهم عَنِ المَهْيَعِ الَّذِي خُلِقُوا لِأجْلِهِ، وأسْبابُ تَمَكُّنِهِمْ مِنَ الِانْحِرافِ كَثِيرَةٌ راجِعَةٌ إلى تَشابُكِ الدَّواعِي والتَّصَرُّفاتِ والآلاتِ والمَوانِعِ.

وهَذا يُغْنِي عَنِ احْتِمالاتٍ في تَأْوِيلِ التَّعْلِيلِ مِن قَوْلِهِ ”لِيَعْبُدُونِ“ مِن جَعْلِ عُمُومِ الجِنِّ والإنْسِ مَخْصُوصًا بِالمُؤْمِنِينَ مِنهم، أوْ تَقْدِيرِ مَحْذُوفٍ في الكَلامِ، أيْ: إلّا لِآمُرَهم بِعِبادَتِي، أوْ حَمْلِ العِبادَةِ بِمَعْنى التَّذَلُّلِ والتَّضَرُّعِ الَّذِي لا يَخْلُو مِنهُ الجَمِيعُ في أحْوالِ الحاجَةِ إلى التَّذَلُّلِ والتَّضَرُّعِ كالمَرَضِ والقَحْطِ وقَدْ ذَكَرَها ابْنُ عَطِيَّةَ.

ويَرُدُّ عَلى جَمِيعِ تِلْكَ الِاحْتِمالاتِ أنَّ كَثِيرًا مِنَ الإنْسِ غَيْرُ عابِدٍ بِدَلِيلِ المُشاهَدَةِ، وأنَّ اللَّهَ حَكى عَنْ بَعْضِ الجِنِّ أنَّهم غَيْرُ عابِدِينَ.

ونَقُولُ: إنَّ اللَّهَ خَلَقَ مَخْلُوقاتٍ كَثِيرَةً، وجَعَلَ فِيها نِظامًا ونَوامِيسَ فانْدَفَعَ كُلُّ مَخْلُوقٍ يَعْمَلُ بِما تَدْفَعُهُ إلَيْهِ نَوامِيسُ جِبِلَّتِهِ، فَقَدْ تَعُودُ بَعْضُ المَخْلُوقاتِ عَلى بَعْضٍ بِنَقْضِ ما هُيِّئَ هو لَهُ ويَعُودُ بَعْضُها عَلى غَيْرِهِ بِنَقْضِ ما يَسْعى إلَيْهِ، فَتَشابَكَتْ أحْوالُ المَخْلُوقاتِ ونَوامِيسُها، فَرُبَّما تَعاضَدَتْ وتَظاهَرَتْ ورُبَّما تَناقَضَتْ وتَنافَرَتْ فَحَدَثَتْ مِن ذَلِكَ أحْوالٌ لا تُحْصى ولا يُحاطُ بِها ولا بِطَرائِقِها ولا بِعَواقِبِها، فَكَثِيرًا ما تُسْفِرُ عَنْ خِلافِ ما أُعِدَّ لَهُ المَخْلُوقُ في أصْلِ الفِطْرَةِ، فَلِذَلِكَ حاطَها اللَّهُ بِالشَّرائِعِ، أيْ: فَحَصَلَ تَناقُضٌ بَيْنَ الأمْرِ التَّكْوِينِيِّ والأمْرِ التَّشْرِيعِيِّ.

ومَعْنى العِبادَةِ في اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ قَبْلَ حُدُوثِ المُصْطَلَحاتِ الشَّرْعِيَّةِ دَقِيقُ الدَّلالَةِ، (( وكَلِماتُ أيمَّةِ اللُّغَةِ فِيهِ خَفِيَّهٌ) )، والَّذِي يُسْتَخْلَصُ مِنها أنَّها إظْهارُ الخُضُوعِ لِلْمَعْبُودِ واعْتِقادُ أنَّهُ يَمْلِكُ نَفْعَ العابِدِ وضُرَّهُ مِلْكًا ذاتِيًّا مُسْتَمِرًّا، فالمَعْبُودُ إلَهٌ لِلْعابِدِ كَما حَكى اللَّهُ قَوْلَ فِرْعَوْنَ ”وقَوْمُهُما لَنا عابِدُونَ“ .

فالحَصْرُ المُسْتَفادُ مِن قَوْلِهِ ﴿وما خَلَقْتُ الجِنَّ والإنْسَ إلّا لِيَعْبُدُونِ﴾ قَصْرُ عِلَّةِ خَلْقِ اللَّهِ الإنْسَ والجِنَّ عَلى إرادَتِهِ أنْ يَعْبُدُوهُ، والظّاهِرُ أنَّهُ قَصْرٌ إضافِيٌّ وأنَّهُ مِن قَبِيلِ قَصْرِ المَوْصُوفِ عَلى الصِّفَةِ، وأنَّهُ قَصْرُ قَلْبٍ بِاعْتِبارِ مَفْعُولِ ”يَعْبُدُونِ“، أيْ: إلّا لِيَعْبُدُونِي وحْدِي، أيْ: لا لِيُشْرِكُوا غَيْرِي في العِبادَةِ، فَهو رَدٌّ لِلْإشْراكِ، ولَيْسَ هو قَصْرًا حَقِيقِيًّا فَإنّا وإنْ لَمْ نَطَّلِعْ عَلى مَقادِيرِ حِكَمِ اللَّهِ تَعالى

صفحة ٢٧

مِن خَلْقِ الخَلائِقِ، لَكِنّا نَعْلَمُ أنَّ الحِكْمَةَ مِن خَلْقِهِمْ لَيْسَتْ مُجَرَّدَ أنْ يَعْبُدُوهُ؛ لِأنَّ حِكَمَ اللَّهِ تَعالى مِن أفْعالِهِ كَثِيرَةٌ لا نُحِيطُ بِها، وذِكْرُ بَعْضِها كَما هُنا مِمّا يَقْتَضِي عَدَمَ وُجُودِ حِكْمَةٍ أُخْرى، ألا تَرى أنَّ اللَّهَ ذَكَرَ حِكَمًا لَلْخَلْقِ غَيْرَ هَذِهِ كَقَوْلِهِ ﴿ولا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ إلّا مَن رَحِمَ رَبُّكَ ولِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ [هود: ١١٨] بَلْهَ ما ذَكَرَهُ مِن حِكْمَةِ خَلْقِ بَعْضِ الإنْسِ والجِنِّ كَقَوْلِهِ في خَلْقِ عِيسى ﴿ولِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنّاسِ ورَحْمَةً مِنّا﴾ [مريم: ٢١] .

ثُمَّ إنَّ اعْتِرافَ الخَلْقِ بِوَحْدانِيَّةِ اللَّهِ يَقْشَعُ تَكْذِيبَهم بِالرَّسُولِ ﷺ؛ لِأنَّهم ما كَذَّبُوهُ إلّا لِأنَّهُ دَعاهم إلى نَبْذِ الشِّرْكِ الَّذِي يَزْعُمُونَ أنَّهُ لا يَسَعُ أحَدًا نَبْذُهُ، فَإذا انْقَشَعَ تَكْذِيبُهُمُ اسْتَتْبَعَ انْقِشاعَهُ امْتِثالُ الشَّرائِعِ الَّتِي يَأْتِي بِها الرَّسُولُ ﷺ إذا آمَنُوا بِاللَّهِ وحْدَهُ أطاعُوا ما بَلَّغَهُمُ الرَّسُولُ ﷺ عَنْهُ، فَهَذا مَعْنًى تَقْتَضِيهِ عِبادَةُ اللَّهِ بِدِلالَةِ الِالتِزامِ، وذَلِكَ هو ما سُمِّيَ بِالعِبادَةِ بِالإطْلاقِ المُصْطَلَحِ عَلَيْهِ في السُّنَّةِ في نَحْوِ قَوْلِهِ «أنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأنَّكَ تَراهُ»؛ ولَيْسَ يَلِيقُ أنْ يَكُونَ مُرادًا في هَذِهِ الآيَةِ؛ لِأنَّهُ لا يَطَّرِدُ أنْ يَكُونَ عِلَّةً لِخَلْقِ الإنْسانِ فَإنَّ التَّكالِيفَ الشَّرْعِيَّةَ تَظْهَرُ في بَعْضِ الأُمَمِ وفي بَعْضِ العُصُورِ وتَتَخَلَّفُ في عُصُورِ الفَتَراتِ بَيْنَ الرُّسُلِ إلى أنْ جاءَ الإسْلامُ، وأحْسَبُ أنَّ إطْلاقَ العِبادَةِ عَلى هَذا المَعْنى اصْطِلاحٌ شَرْعِيٌّ وإنْ لَمْ يَرِدْ بِهِ القُرْآنُ لَكِنَّهُ ورَدَ في السُّنَّةِ كَثِيرًا وأصْبَحَ مُتَعارَفًا بَيْنَ الأُمَّةِ مِن عَهِدَ ظُهُورِ الإسْلامِ.

وأنَّ تَكالِيفَ اللَّهِ لِلْعِبادِ عَلى ألْسِنَةِ الرُّسُلِ ما أرادَ بِها إلّا صَلاحَهُمُ العاجِلَ والآجِلَ وحُصُولَ الكَمالِ النَّفْسانِيِّ لِذَلِكَ الصَّلاحِ، فَلا جَرَمَ أنَّ اللَّهَ أرادَ مِنَ الشَّرائِعِ كَمالَ الإنْسانِ وضَبْطَ نِظامِهِ الِاجْتِماعِيِّ في مُخْتَلِفِ عُصُورِهِ. وتِلْكَ حِكْمَةُ إنْشائِهِ، فاسْتَتْبَعَ قَوْلَهُ ”إلّا لِيَعْبُدُونِ“ أنَّهُ ما خَلَقَهم إلّا لِيَنْتَظِمَ أمْرُهم بِوُقُوفِهِمْ عِنْدَ حُدُودِ التَّكالِيفِ التَّشْرِيعِيَّةِ مِنَ الأوامِرِ والنَّواهِي فَعِبادَةُ الإنْسانِ رَبَّهُ لا تَخْرُجُ عَنْ كَوْنِها مُحَقِّقَةً لِلْمَقْصِدِ مِن خَلْقِهِ وعِلَّةً لِحُصُولِهِ عادَةً.

وعَنْ مُجاهِدٍ وزَيْدِ بْنِ أسْلَمَ تَفْسِيرُ قَوْلِهِ ”﴿إلّا لِيَعْبُدُونِ﴾“ بِمَعْنى: إلّا لِآمُرَهم وأنْهاهم. وتَبِعَ أبُو إسْحاقَ الشّاطِبِيُّ هَذا التَّأْوِيلَ في النَّوْعِ الرّابِعِ مِن كِتابِ المَقاصِدِ مِن كِتابِهِ عُنْوانِ التَّعْرِيفِ (المُوافَقاتِ) وفي مَحْمِلِ الآيَةِ عَلَيْهِ نَظَرٌ قَدْ عَلِمْتَهُ فَحَقِّقْهُ.

صفحة ٢٨

وما ذَكَرَ اللَّهُ الجِنَّ هُنا إلّا لِتَنْبِيهِ المُشْرِكِينَ بِأنَّ الجِنَّ غَيْرُ خارِجِينَ عَنِ العُبُودِيَّةِ لِلَّهِ تَعالى.

وقَدْ حَكى اللَّهُ عَنِ الجِنِّ في سُورَةِ الجِنِّ فَقالَ قائِلُهم ﴿وأنَّهُ كانَ يَقُولُ سَفِيهُنا عَلى اللَّهِ شَطَطًا﴾ [الجن: ٤] .

وتَقْدِيمُ الجِنِّ في الذِّكْرِ في قَوْلِهِ ﴿وما خَلَقْتُ الجِنَّ والإنْسَ إلّا لِيَعْبُدُونِ﴾ لِلِاهْتِمامِ بِهَذا الخَبَرِ الغَرِيبِ عِنْدَ المُشْرِكِينَ الَّذِينَ كانُوا يَعْبُدُونَ الجِنَّ، لِيَعْلَمُوا أنَّ الجِنَّ عِبادُ اللَّهِ تَعالى، فَهو نَظِيرُ قَوْلِهِ ﴿وقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ ولَدًا سُبْحانَهُ بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٦] .

وجُمْلَةُ ﴿ما أُرِيدُ مِنهم مِن رِزْقٍ وما أُرِيدُ أنْ يُطْعِمُونِ﴾ تَقْرِيرٌ لِمَعْنى (﴿إلّا لِيَعْبُدُونِ﴾) بِإبْطالِ بَعْضِ العِلَلِ والغاياتِ الَّتِي يَقْصِدُها الصّانِعُونَ شَيْئًا يَصْنَعُونَهُ أوْ يَتَّخِذُونَهُ، فَإنَّهُ المَعْرُوفُ في العُرْفِ أنَّ مَن يَتَّخِذُ شَيْئًا إنَّما يَتَّخِذُهُ لِنَفْسِهِ، ولَيْسَتِ الجُمْلَةُ لِإفادَةِ الجانِبِ المَقْصُورِ دُونَهُ بِصِيغَةِ القَصْرِ؛ لِأنَّ صِيغَةَ القَصْرِ لا تَحْتاجُ إلى ذِكْرِ الضِّدِّ. ولا يَحْسُنُ ذِكْرُ الضِّدِّ في الكَلامِ البَلِيغِ.

فَقَوْلُهُ ﴿ما أُرِيدُ مِنهم مِن رِزْقٍ وما أُرِيدُ أنْ يُطْعِمُونِ﴾، كِنايَةٌ عَنْ عَدَمِ الِاحْتِياجِ إلَيْهِمْ؛ لِأنَّ أشَدَّ الحاجاتِ في العُرْفِ حاجَةُ النّاسِ إلى الطَّعامِ واللِّباسِ والسَّكَنِ وإنَّما تَحْصُلُ بِالرِّزْقِ وهو المالُ، فَلِذَلِكَ ابْتُدِئَ بِهِ ثُمَّ عُطِفَ عَلَيْهِ الإطْعامُ، أيْ: إعْطاءُ الطَّعامِ؛ لِأنَّهُ أشَدُّ ما يَحْتاجُ إلَيْهِ البَشَرُ، وقَدْ لا يَجِدُهُ صاحِبُ المالِ إذا قَحَطَ النّاسُ فَيَحْتاجُ إلى مَن يُسْلِفُهُ الطَّعامَ، أوْ يُطْعِمُهُ إيّاهُ، وفي هَذا تَعْرِيضٌ بِأهْلِ الشِّرْكِ إذْ يُهْدُونَ إلى الأصْنامِ الأمْوالَ والطَّعامَ تَتَلَقّاهُ مِنهُ سَدَنَةُ الأصْنامِ.

والرِّزْقُ هُنا: المالُ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿فابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ﴾ [العنكبوت: ١٧] وقَوْلِهِ ﴿اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشاءُ ويَقْدِرُ﴾ [الزمر: ٥٢] وقَوْلِهِ ﴿ومَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمّا آتاهُ اللَّهُ﴾ [الطلاق: ٧]، ويُطْلَقُ الرِّزْقُ عَلى الطَّعامِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿ولَهم رِزْقُهم فِيها بُكْرَةً وعَشِيًّا﴾ [مريم: ٦٢] ويَمْنَعُ مِن إرادَتِهِ هُنا عَطْفُ ﴿وما أُرِيدُ أنْ يُطْعِمُونِ﴾ .

51:58Страница 523

إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلرَّزَّاقُ ذُو ٱلۡقُوَّةِ ٱلۡمَتِينُ ٥٨

Воистину, Аллах является Наделяющим уделом, Обладающим могуществом, Крепким.

صفحة ٢٩

﴿إنَّ اللَّهَ هو الرَّزّاقُ ذُو القُوَّةِ المَتِينُ﴾ .

تَعْلِيلٌ لِجُمْلَتَيْ ﴿ما أُرِيدُ مِنهم مِن رِزْقٍ وما أُرِيدُ أنْ يُطْعِمُونِ﴾ [الذاريات: ٥٧] .

والرَّزّاقُ هُنا بِمَعْنى ما يَعُمُّ المالَ والإطْعامَ.

والرَّزّاقُ: الكَثِيرُ الإرْزاقِ، والقُوَّةُ: القُدْرَةُ.

وذُو القُوَّةِ: صاحِبُ القُدْرَةِ. ومِن خَصائِصِ ذُو أنْ تُضافَ إلى أمْرٍ مُهِمٍّ، فَعُلِمَ أنَّ القُوَّةَ هُنا قُوَّةٌ خَلِيَّةٌ مِنَ النَّقائِصِ.

والمَتِينُ: الشَّدِيدُ، وهو هُنا وصْفٌ لِذِي القُوَّةِ، أيْ: الشَّدِيدُ القُوَّةِ، وقَدْ عُدَّ (المَتِينُ) في أسْمائِهِ تَعالى. قالَ الغَزالِيُّ: وذَلِكَ يَرْجِعُ إلى مَعانِي القُدْرَةِ. وفي مَعارِجِ النُّورِ شَرْحُ الأسْماءِ ”المَتِينُ: كَمالٌ في قُوَّتِهِ بِحَيْثُ لا يُعارَضُ ولا يُدانى“ .

فالمَعْنى: أنَّهُ المُسْتَغْنِي غِنًى مُطْلَقًا فَلا يَحْتاجُ إلى شَيْءٍ فَلا يَكُونُ خَلْقُهُ الخَلْقَ لِتَحْصِيلِ نَفْعٍ لَهُ ولَكِنْ لِعِمْرانِ الكَوْنِ وإجْراءِ نِظامِ العُمْرانِ بِاتِّباعِ الشَّرِيعَةِ الَّتِي يَجْمَعُها مَعْنى العِبادَةِ في قَوْلِهِ ”إلّا لِيَعْبُدُونَ“ .

وإظْهارُ اسْمِ الجَلالَةِ في ”إنَّ اللَّهَ هو الرَّزّاقُ“ إخْراجٌ لِلْكَلامِ عَلى خِلافِ مُقْتَضى الظّاهِرِ؛ لِأنَّ مُقْتَضاهُ: إنِّي أنا الرَّزّاقُ، فَعَدَلَ عَنِ الإضْمارِ إلى الِاسْمِ الظّاهِرِ لِتَكُونَ هَذِهِ الجُمْلَةُ مُسْتَقِلَّةً بِالدِّلالَةِ، لِأنَّها سُيِّرَتْ مَسِيرَ الكَلامِ الجامِعِ والأمْثالِ: وحُذِفَتْ ياءُ المُتَكَلِّمِ مِن (يَعْبُدُونِ) و(يُطْعِمُونِ) لِلتَّخْفِيفِ، ونَظائِرُهُ كَثِيرَةٌ في القُرْآنِ.

وفِي قَوْلِهِ ”إنَّ اللَّهَ هو الرَّزّاقُ ذُو القُوَّةِ المَتِينُ“ طَرِيقُ قَصْرٍ لِوُجُودِ ضَمِيرِ الفَصْلِ، أيْ: لا رَزّاقَ، ولا ذا قُوَّةٍ، ولا مَتِينَ إلّا اللَّهُ، وهو قَصْرٌ إضافِيٌّ، أيْ: دُونَ الأصْنامِ الَّتِي يَعْبُدُونَها.

فالقَصْرُ قَصْرُ إفْرادٍ بِتَنْزِيلِ المُشْرِكِينَ في إشْراكِهِمْ أصْنامَهم بِاللَّهِ مَنزِلَةَ مَن يَدَّعِي أنَّ الأصْنامَ شُرَكاءَ لِلَّهِ في صِفاتِهِ الَّتِي مِنها: الإرْزاقُ، والقُوَّةُ، والشِّدَّةُ،

صفحة ٣٠

فَأُبْطِلَ ذَلِكَ بِهَذا القَصْرِ، قالَ تَعالى ﴿إنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ لَكم رِزْقًا فابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ واعْبُدُوهُ﴾ [العنكبوت: ١٧]، وقالَ ﴿إنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبابًا ولَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وإنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبابُ شَيْئًا لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنهُ ضَعُفَ الطّالِبُ والمَطْلُوبُ﴾ [الحج: ٧٣] .

51:59Страница 523

فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُواْ ذَنُوبٗا مِّثۡلَ ذَنُوبِ أَصۡحَٰبِهِمۡ فَلَا يَسۡتَعۡجِلُونِ ٥٩

Воистину, тем, которые поступали несправедливо, уготована доля наказания, подобная доле их товарищей. Пусть же они не торопят Меня.

﴿فَإنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوبًا مِثْلَ ذَنُوبِ أصْحابِهِمْ فَلا يَسْتَعْجِلُونِ﴾ .

تَفْرِيعٌ عَلى جُمْلَةِ ”وما خَلَقْتُ الجِنَّ والإنْسَ إلّا لِيَعْبُدُونِ“ بِاعْتِبارِ أنَّ المَقْصُودَ مِن سِياقِهِ إبْطالُ عِبادَتِهِمْ غَيْرَ اللَّهِ، أيْ: فَإذا لَمْ يُفْرِدْنِي المُشْرِكُونَ بِالعِبادَةِ فَإنَّ لَهم ذَنُوبًا مِثْلَ ذَنُوبِ أصْحابِهِمْ، وهو يُلْمِحُ إلى ما تَقَدَّمَ مِن ذِكْرِ ما عُوقِبَتْ بِهِ الأُمَمُ السّالِفَةُ مِن قَوْلِهِ ”قالُوا إنّا أُرْسِلْنا إلى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ“ إلى قَوْلِهِ ”إنَّهم كانُوا قَوْمًا فاسِقِينَ“ .

والمَعْنى: فَإذا ماثَلَهُمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا فَإنَّ لَهم نَصِيبًا عَظِيمًا مِنَ العَذابِ مِثْلَ نَصِيبِ أُولَئِكَ.

والَّذِينَ ظَلَمُوا: الَّذِينَ أشْرَكُوا مِنَ العَرَبِ، والظُّلْمُ: الشِّرْكُ بِاللَّهِ.

والذَّنُوبُ بِفَتْحِ الذّالِ: الدَّلْوُ العَظِيمَةُ يَسْتَسْقِي بِها السُّقاةُ عَلى القَلِيبِ كَما ورَدَ في حَدِيثِ الرُّؤْيا «ثُمَّ أخَذَها أبُو بَكْرٍ فَنَزَعَ ذَنُوبًا أوْ ذَنُوبَيْنِ» ولا تُسَمّى ذَنُوبًا إلّا إذا كانَتْ مَلْأى.

والكَلامُ تَمْثِيلٌ لِهَيْئَةٍ تُساوِي حَظَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنَ العَرَبِ بِحُظُوظِ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنَ الأُمَمِ السّالِفَةِ بِهَيْئَةِ الَّذِينَ يَسْتَقُونَ مِن قَلِيبٍ واحِدٍ إذْ يَتَساوُونَ في أنْصِبائِهِمْ مِنَ الماءِ، وهو مِن تَشْبِيهِ المَعْقُولِ بِالمَحْسُوسِ، وأطْلَقَ عَلى الأُمَمِ الماضِيَةِ اسْمَ وصْفِ أصْحابِ الَّذِينَ ظَلَمُوا بِاعْتِبارِ الهَيْئَةِ المُشَبَّهِ بِها إذْ هي هَيْئَةُ جَماعاتِ الوِرْدِ يَكُونُونَ مُتَصاحِبِينَ.

وهَذا التَّمْثِيلُ قابِلٌ لِلتَّوْزِيعِ بِأنْ يُشَبَّهَ المُشْرِكُونَ بِجَماعَةٍ ورَدَتْ عَلى الماءِ،

صفحة ٣١

وتُشَبَّهُ الأُمَمُ الماضِيَةُ بِجَماعَةٍ سَبَقَتْهم لِلْماءِ، ويُشَبَّهُ نَصِيبُ كُلِّ جَماعَةٍ بِالدَّلْوِ الَّتِي يَأْخُذُونَها مِنَ الماءِ.

قالَ عَلْقَمَةُ بْنُ عَبْدَةَ يَمْدَحُ المَلِكَ الحارِثَ بْنَ أبِي شِمْرٍ ويَشْفَعُ عِنْدَهُ لِأخِيهِ شَأْسِ بْنِ عَبْدَةَ وكانَ قَدْ وقَعَ في أسْرِهِ مَعَ بَنِي تَمِيمٍ يَوْمَ عَيْنِ أباغٍ: وفي كُلِّ حَيٍّ قَدْ خَبَطْتَ بِنِعْمَةٍ فَحُقَّ لِشَأْسٍ مِن نَداكَ ذَنُوبُ فَلَمّا سَمِعَهُ المَلِكُ قالَ: ”نَعَمْ وأذْنِبَةٌ“ وأطْلَقَ لَهُ أخاهُ شَأْسَ بْنَ عَبْدَةَ ومَن مَعَهُ مِن أسْرى تَمِيمٍ، وهَذا تَسْلِيَةٌ لِلنَّبِيءِ ﷺ . والمَقْصُودُ: أنْ يَسْمَعَهُ المُشْرِكُونَ فَهو تَعْرِيضٌ، وبِهَذا الِاعْتِبارِ أُكِّدَ الخَبَرُ بِإنَّ؛ لِأنَّهم كانُوا مُكَذِّبِينَ بِالوَعِيدِ، ولِذَلِكَ فُرِّعَ عَلى التَّأْكِيدِ قَوْلُهُ ”﴿فَلا يَسْتَعْجِلُونِ﴾“؛ لِأنَّهم كانُوا يَسْتَعْجِلُونَ بِالعَذابِ اسْتِهْزاءً وإشْعارًا بِأنَّهُ وعْدٌ مَكْذُوبٌ. فَهم في الواقِعِ يَسْتَعْجِلُونَ اللَّهَ تَعالى بِوَعِيدِهِ.

وعُدِّيَ الِاسْتِعْجالُ إلى ضَمِيرِ الجَلالَةِ وهم إنَّما اسْتَعْجَلُوهُ النَّبِيءَ ﷺ لِإظْهارِ أنَّ النَّبِيءَ ﷺ مُخْبِرٌ عَنِ اللَّهِ تَعالى تَوْبِيخًا لَهم وإنْذارًا بِالوَعِيدِ. وحُذِفَتْ ياءُ المُتَكَلِّمُ لِلتَّخْفِيفِ.

والنَّهْيُ مُسْتَعْمَلٌ في التَّهَكُّمِ إظْهارًا لِغَضَبِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ.

Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии

Содержание

Аят аль-Курси36Аль-Кахфстр. 42джуз 15Бухари 1Муслим 2999

Вид

Тема
Размер текста
Вид

Read in English