Ибн АшурАль‑Камар · 54:6–16

Ибн Ашур · Тафсир · на арабском

Аль-Камар 54:6–16

54:6–8Страница 528

فَتَوَلَّ عَنۡهُمۡۘ يَوۡمَ يَدۡعُ ٱلدَّاعِ إِلَىٰ شَيۡءٖ نُّكُرٍ ٦

Отвернись же от них. В тот день, когда глашатай призовет к неприятной вещи,

خُشَّعًا أَبۡصَٰرُهُمۡ يَخۡرُجُونَ مِنَ ٱلۡأَجۡدَاثِ كَأَنَّهُمۡ جَرَادٞ مُّنتَشِرٞ ٧

они с униженными взорами выйдут из могил, словно рассеянная саранча.

مُّهۡطِعِينَ إِلَى ٱلدَّاعِۖ يَقُولُ ٱلۡكَٰفِرُونَ هَٰذَا يَوۡمٌ عَسِرٞ ٨

Они устремятся к глашатаю, и неверующие скажут: «Это - Тяжкий день!».

﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ﴾ تَفْرِيعٌ عَلى ﴿فَما تُغْنِي النُّذُرُ﴾ [القمر: ٥]، أيْ أعْرِضْ عَنْ مُجادَلَتِهِمْ، فَإنَّهم لا تُفِيدُهُمُ النُّذُرُ كَقَوْلِهِ ﴿فَأعْرِضْ عَمَّنْ تَوَلّى عَنْ ذَكْرِنا﴾ [النجم: ٢٩]، أيْ أنَّكَ قَدْ بَلَّغْتَ فَما أنْتَ بِمَسْئُولٍ عَنِ اسْتِجابَتِهِمْ كَما قالَ تَعالى ﴿فَتَوَلَّ عَنْهم فَما أنْتَ بِمَلُومٍ﴾ [الذاريات: ٥٤] . وهَذِهِ تَسْلِيَةٌ لِلنَّبِيءِ ﷺ وتَطْمِينٌ لَهُ بِأنَّهُ ما قَصَّرَ في أداءِ الرِّسالَةِ. ولا تَعَلُّقَ لِهَذِهِ الآيَةِ بِأحْكامِ قِتالِهِمْ إذْ لَمْ يَكُنِ السِّياقُ لَهُ، ولا حَدَثَتْ دَواعِيهِ يَوْمَئِذٍ فَلا وجْهَ لِلْقَوْلِ بِأنَّها مَنسُوخَةٌ.

* * *

﴿يَوْمَ يَدْعُ الدّاعِ إلى شَيْءٍ نُكُرٍ﴾ ﴿خُشَّعًا أبْصارُهم يَخْرُجُونَ مِنَ الأجْداثِ كَأنَّهم جَرادٌ مُنْتَشِرٌ﴾ ﴿مُهْطِعِينَ إلى الدّاعِ يَقُولُ الكافِرُونَ هَذا يَوْمٌ عَسِرٌ﴾ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ لِأنَّ الأمْرَ بِالتَّوَلِّي مُؤْذِنٌ بِغَضَبٍ ووَعِيدٍ، فَمِن شَأْنِهِ أنْ يُثِيرَ في نَفْسِ السّامِعِ تَساؤُلًا عَنْ مُجْمَلِ هَذا الوَعِيدِ. وهَذا الِاسْتِئْنافُ وقَعَ مُعْتَرِضًا بَيْنَ جُمْلَةِ ﴿ولَقَدْ جاءَهم مِنَ الأنْباءِ﴾ [القمر: ٤] وجُمْلَةِ ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهم قَوْمُ نُوحٍ﴾ [القمر: ٩] .

وإذْ قَدْ كانَ المُتَوَعَّدُ بِهِ شَيْئًا يَحْصُلُ يَوْمَ القِيامَةِ قُدِّمَ الظَّرْفُ عَلى عامِلِهِ وهو ﴿يَقُولُ الكافِرُونَ هَذا يَوْمٌ عَسِرٌ﴾ لِيَحْصُلَ بِتَقْدِيمِهِ إجْمالٌ يُفَصِّلُهُ بَعْضُ التَّفْصِيلِ ما يُذْكَرُ بَعْدَهُ، فَإذا سَمِعَ السّامِعُ هَذا الظَّرْفَ عَلِمَ أنَّهُ ظَرْفٌ لِأهْوالٍ تُذْكَرُ بَعْدَهُ هي تَفْصِيلُ ما أجْمَلَهُ قَوْلُهُ ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ﴾ مِنَ الوَعِيدِ بِحَيْثُ لا يَحْسُنُ وقْعُ شَيْءٍ مِمّا في هَذِهِ الجُمْلَةِ هَذا المَوْقِعَ غَيْرِ هَذا الظَّرْفِ، ولَوْلا تَقْدِيمُهُ لَجاءَ الكَلامُ غَيْرَ مَوْثُوقِ العُرى، وانْظُرْ كَيْفَ جَمَعَ فِيما بَعْدُ قَوْلَهُ يَوْمَ يَدعُ الدّاعِي كَثِيرًا مِنَ الأهْوالِ

صفحة ١٧٧

آخُذٌ بَعْضَها بِحَجْزِ بَعْضٍ بِحُسْنِ اتِّصالٍ يَنْقُلُ كُلٌّ مِنها ذِهْنَ السّامِعِ إلى الَّذِي بَعْدَهُ مِن غَيْرِ شُعُورٍ بِأنَّهُ يُعَدِّدُ لَهُ أشْياءَ.

وقَدْ عُدَّ سَبْعَةٌ مِن مَظاهِرِ الأهْوالِ.

أوَّلُها: دُعاءُ الدّاعِي فَإنَّهُ مُؤْذِنٌ بَأنَّهم مُحْضَرُونَ إلى الحِسابِ، لِأنَّ مَفْعُولَ يَدْعُو مَحْذُوفٌ بِتَقْدِيرِ: يَدْعُوهُمُ الدّاعِي بِدَلالَةِ ضَمِيرِ عَنْهم عَلى تَقْدِيرِ المَحْذُوفِ.

الثّانِي: أنَّهُ يَدْعُو إلى شَيْءٍ عَظِيمٍ، لِأنَّ ما في لَفْظِ شَيْءٍ مِنَ الإبْهامِ يُشْعِرُ بِأنَّهُ مَهُولٌ، وما في تَنْكِيرِهِ مِنَ التَّعْظِيمِ يُجَسِّمُ ذَلِكَ الهَوْلَ.

وثالِثُها: وصْفُ شَيْءٍ بِأنَّهُ نُكُرٌ، أيْ: مَوْصُوفٌ بِأنَّهُ تُنْكِرُهُ النُّفُوسُ وتَكْرَهُهُ.

والنُّكُرُ بِضَمَّتَيْنِ: صِفَةٌ، وهَذا الوَزْنُ قَلِيلٌ في الصِّفاتِ، ومِنهُ قَوْلُهم: رَوْضَةٌ أُنُفٌ، أيْ جَدِيدَةٌ لَمْ تَرْعَها الماشِيَةُ، ورَجُلٌ شُلُلٌ، أيْ: خَفِيفٌ سَرِيعٌ في الحاجاتِ، ورَجُلٌ سُجُحٌ بِجِيمٍ قَبْلَ الحاءِ، أيْ: سَمْحٌ، وناقَةٌ أُجُدٌ: قَوِيَّةٌ مُوَثَّقَةُ فَقارِ الظَّهْرِ، ويَجُوزُ إسْكانُ عَيْنِ الكَلِمَةِ فِيها لِلتَّخْفِيفِ، وبِهِ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ هُنا.

ورابِعُها: ﴿خُشَّعًا أبْصارُهُمْ﴾ أيْ: ذَلِيلَةٌ يَنْظُرُونَ مِن طَرَفٍ خَفِيٍّ لا تَثْبُتُ أحْداقُهم في وُجُوهِ النّاسِ، وهي نَظْرَةُ الخائِفِ المُفْتَضَحِ، وهو كِنايَةٌ لِأنَّ ذِلَّةَ الذَّلِيلِ وعِزَّةَ العَزِيزِ تَظْهَرانِ في عُيُونِهِما.

وخامِسُها: تَشْبِيهُهم بِالجَرادِ المُنْتَشِرِ في الِاكْتِظاظِ واسْتِتارِ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ مِن شِدَّةِ الخَوْفِ زِيادَةٌ عَلى ما يُفِيدُهُ التَّشْبِيهُ مِنَ الكَثْرَةِ والتَّحَرُّكِ.

وسادِسُها: وصْفُهم بِمُهْطِعِينَ، والمُهْطِعُ: الماشِي سَرِيعًا مادًّا عُنُقَهُ، وهي مِشْيَةُ مَذْعُورٍ غَيْرِ مُلْتَفِتٍ إلى شَيْءٍ، يُقالُ: هَطَعَ وأهْطَعَ.

وسابِعُها: قَوْلُهم ﴿هَذا يَوْمٌ عَسِرٌ﴾ وهو قَوْلٌ مِن أثَرِ ما في نُفُوسِهِمْ مِن

صفحة ١٧٨

خَوْفٍ. وعَسِرٌ: صِفَةٌ مُشَبَّهَةٌ مِنَ العُسْرِ وهو الشِّدَّةُ والصُّعُوبَةُ. ووَصْفُ اليَوْمِ بِ عَسِرٌ وصْفٌ مَجازِيٌّ عَقْلِيٌّ بِاعْتِبارِ كَوْنِهِ زَمانًا لِأُمُورٍ عَسِرَةٍ شَدِيدَةٍ مِن شِدَّةِ الحِسابِ وانْتِظارِ العَذابِ.

وأبْهَمَ ﴿شَيْءٍ نُكُرٍ﴾ لِلتَّهْوِيلِ، وذَلِكَ هو أهْوالُ الحِسابِ وإهانَةُ الدَّفْعِ ومُشاهَدَةُ ما أُعِدَّ لَهم مِنَ العَذابِ.

وانْتَصَبَ ﴿خُشَّعًا أبْصارُهُمْ﴾ عَلى الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ المُقَدَّرِ في ﴿يَدْعُو الدّاعِ﴾ وإمّا مِن ضَمِيرِ يَخْرُجُونَ مُقَدَّمًا عَلى صاحِبِهِ.

وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ كَثِيرٍ، وابْنُ عامِرٍ، وعاصِمٌ، وأبُو جَعْفَرٍ خُشَّعًا بِصِيغَةِ جَمْعِ خاشِعٍ. وقَرَأهُ أبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، ويَعْقُوبُ، وخَلَفٌ (خاشِعًا) بِصِيغَةِ اسْمِ الفاعِلِ. قالَ الزَّجّاجُ: لَكَ في أسْماءِ الفاعِلِينَ إذا تَقَدَّمَتْ عَلى الجَماعَةِ التَّوْحِيدُ والتَّذْكِيرُ نَحْوُ خاشِعًا أبْصارُهم. ولَكَ التَّوْحِيدُ والتَّأْنِيثُ نَحْوُ قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ (خاشِعَةً أبْصارُهم)، ولَكَ الجَمْعُ نَحْوُ ﴿خُشَّعًا أبْصارُهُمْ﴾ اهـ.

وأبْصارُهم فاعِلُ خُشَّعًا ولا ضَيْرَ في كَوْنِ الوَصْفِ الرّافِعِ لِلْفاعِلِ عَلى صِيغَةِ الجَمْعِ، لِأنَّ المَحْظُورَ هو لِحاقُ عَلامَةِ الجَمْعِ والتَّثْنِيَةِ لِلْفِعْلِ إذا كانَ فاعِلُهُ الظّاهِرُ جَمْعًا أوْ مُثَنًّى، ولَيْسَ الوَصْفُ كَذَلِكَ، كَما نَبَّهَ عَلَيْهِ الرَّضِيُّ عَلى أنَّهُ إذا كانَ الوَصْفُ جَمْعًا مُكَسَّرًا، وكانَ جارِيًا عَلى مَوْصُوفٍ هو جَمْعٌ، فَرَفْعُ الِاسْمِ الظّاهِرِ بِالوَصْفِ المَجْمُوعِ أوْلى مِن رَفْعِهِ بِالوَصْفِ المَجْمُوعِ المُفْرَدِ عَلى ما اخْتارَهُ المُبَرِّدُ، وابْنُ مالِكٍ كَقَوْلِ امْرِئِ القَيْسِ:

وُقُوفًا بِها صَحْبِي عَلَيَّ مَطِيُّهُمْ

وشاهَدَ هَذا القُرّاءُ.

وقَوْلُهُ ﴿يَقُولُ الكافِرُونَ﴾ إظْهارٌ في مَقامِ الإضْمارِ لِوَصْفِهِمْ بِهَذا الوَصْفِ الذَّمِيمِ وفِيهِ تَفْسِيرُ الضَّمائِرِ السّابِقَةِ.

والأجْداثُ: جَمْعُ جَدَثٍ وهو القَبْرُ، وقَدْ جَعَلَ اللَّهُ خُرُوجَ النّاسِ إلى الحَشْرِ مِن مَواضِعِ دَفْنِهِمْ في الأرْضِ، كَما قالَ ﴿مِنها خَلَقْناكم وفِيها نُعِيدُكم ومِنها نُخْرِجُكم تارَةً أُخْرى﴾ [طه: ٥٥]

صفحة ١٧٩

فَيُعادُ خَلْقُ كُلِّ ذاتٍ مِنَ التُّرابِ الَّذِي فِيهِ بَقِيَّةٌ مِن أجْزاءِ الجِسْمِ وهي ذَرّاتٌ يَعْلَمُها اللَّهُ تَعالى.

والجَرادُ: اسْمُ جَمْعٍ واحِدُهُ جَرادَةٌ وهي حَشَرَةٌ ذاتُ أجْنِحَةٍ أرْبَعَةٍ مَطْوِيَّةٍ عَلى جَنْبَيْها وأرْجُلٍ أرْبَعَةٍ، أصْفَرُ اللَّوْنِ.

والمُنْتَشِرُ: المُنْبَثُّ عَلى وجْهِ الأرْضِ. والمُرادُ هُنا الدَّبى وهو فِراخُ الجَرادِ قَبْلَ أنْ تَظْهَرَ لَهُ الأجْنِحَةُ، لِأنَّهُ يَخْرُجُ مِن ثُقْبٍ في الأرْضِ هي مَبِيضاتُ أُصُولِهِ فَإذا تَمَّ خَلْقُهُ خَرَجَ مِنَ الأرْضِ يَزْحَفُ بَعْضُهُ فَوْقَ بَعْضٍ، قالَ تَعالى ﴿يَوْمَ يَكُونُ النّاسُ كالفَراشِ المَبْثُوثِ﴾ [القارعة: ٤]، وهَذا التَّشْبِيهُ تَمْثِيلِيٌّ لِأنَّهُ تَشْبِيهُ هَيْئَةِ خُرُوجِ النّاسِ مِنَ القُبُورِ مُتَراكِمِينِ بِهَيْئَةِ خُرُوجِ الجَرادِ مُتَعاظِلًا يَسِيرُ غَيْرَ ساكِنٍ.

54:9Страница 529

۞ كَذَّبَتۡ قَبۡلَهُمۡ قَوۡمُ نُوحٖ فَكَذَّبُواْ عَبۡدَنَا وَقَالُواْ مَجۡنُونٞ وَٱزۡدُجِرَ ٩

До них счел лжецами посланников народ Нуха (Ноя). Они сочли лжецом Нашего раба и сказали: «Он - одержимый!». Они ругали его и угрожали ему.

﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهم قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنا وقالُوا مَجْنُونٌ وازْدُجِرَ﴾ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ ناشِئٌ عَنْ قَوْلِهِ ﴿ولَقَدْ جاءَهم مِنَ الأنْباءِ ما فِيهِ مُزْدَجَرٌ﴾ [القمر: ٤] فَإنَّ مِن أشْهَرِها تَكْذِيبَ قَوْمِ نُوحٍ رَسُولَهم، وسَبَقَ الإنْباءُ بِهِ في القُرْآنِ في السُّوَرِ النّازِلَةِ قَبْلَ هَذِهِ السُّورَةِ. والخَبَرُ مُسْتَعْمَلٌ في التَّذْكِيرِ ولْيُفَرِّعْ عَلَيْهِ ما بَعْدَهُ. فالمَقْصُودُ النَّعْيُ عَلَيْهِمْ عَدَمَ ازْدِجارِهِمْ بِما جاءَهم مِنَ الأنْباءِ بِتِعْدادِ بَعْضِ المُهِمِّ مِن تِلْكَ الأنْباءِ.

وفائِدَةُ ذِكْرِ الظَّرْفِ قَبْلَهم تَقْرِيرُ تَسْلِيَةٍ لِلنَّبِيءِ ﷺ، أيْ أنَّ هَذِهِ شَنْشَنَةُ أهْلِ الضَّلالِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿وإنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِن قَبْلِكَ﴾ [فاطر: ٤] ألا تَرى أنَّهُ ذَكَرَ في تِلْكَ الآيَةِ قَوْلَهُ مِن قَبْلِكَ نَظِيرَ ما هُنا مَعَ ما في ذَلِكَ مِنَ التَّعْرِيضِ بِأنَّ هَؤُلاءِ مُعْرِضُونَ.

واعْلَمْ أنَّهُ يُقالُ: كَذَّبَ، إذا قالَ قَوْلًا يَدُلُّ عَلى التَّكْذِيبِ، ويُقالُ كَذَّبَ أيْضًا، إذا اعْتَقَدَ أنَّ غَيْرَهُ كاذِبٌ قالَ تَعالى ﴿فَإنَّهم لا يُكَذِّبُونَكَ﴾ [الأنعام: ٣٣] في قِراءَةِ الجُمْهُورِ بِتَشْدِيدِ الذّالِ، والمَعْنَيانِ مُحْتَمَلانِ هُنا، فَإنْ كانَ فِعْلُ كَذَّبَتْ هُنا مُسْتَعْمَلًا

صفحة ١٨٠

فِي مَعْنى القَوْلِ بِالتَّكْذِيبِ، فَإنَّ قَوْمَ نُوحٍ شافَهُوا نُوحًا بِأنَّهُ كاذِبٌ، وإنْ كانَ مُسْتَعْمَلًا في اعْتِقادِهِمْ كَذِبَهُ، فَقَدْ دَلَّ عَلى اعْتِقادِهِمْ إعْراضُهم عَنْ إنْذارِهِ وإهْمالُهُمُ الِانْضِواءَ إلَيْهِ عِنْدَما أنْذَرَهم بِالطُّوفانِ.

وعُرِّفَ (قَوْمُ نُوحٍ) بِالإضافَةِ إلى اسْمِهِ إذْ لَمْ تَكُنْ لِلْأُمَّةِ في زَمَنِ نُوحٍ اسْمٌ يُعْرَفُونَ بِهِ.

وأُسْنِدَ التَّكْذِيبُ إلى جَمِيعِ القَوْمِ لِأنَّ الَّذِينَ صَدَّقُوهُ عَدَدٌ قَلِيلٌ، فَإنَّهُ ما آمَنَ بِهِ إلّا قَلِيلٌ كَما تَقَدَّمَ في سُورَةِ هُودٍ.

والفاءُ في قَوْلِهِ ﴿فَكَذَّبُوا عَبْدَنا﴾ لِتَفْرِيعِ الإخْبارِ بِتَفْصِيلِ تَكْذِيبِهِمْ إيّاهُ بِأنَّهم قالُوا ﴿مَجْنُونٌ وازْدُجِرَ﴾، عَلى الإخْبارِ بِأنَّهم كَذَّبُوهُ عَلى الإجْمالِ، وإنَّما جِيءَ بِهَذا الأُسْلُوبِ، لِأنَّهُ لَمّا كانَ المَقْصُودُ مِنَ الخَبَرِ الأوَّلِ تَسْلِيَةَ الرَّسُولِ ﷺ فَرَّعَ عَلَيْهِ الإخْبارَ بِحُصُولِ المُشابِهَةِ بَيْنَ تَكْذِيبِ قَوْمِ نُوحٍ رَسُولَهم وتَكْذِيبِ المُشْرِكِينَ مُحَمَّدًا ﷺ في أنَّهُ تَكْذِيبٌ لِمَن أرْسَلَهُ اللَّهُ واصْطَفاهُ بِالعُبُودِيَّةِ الخاصَّةِ، وفي أنَّهُ تَكْذِيبٌ مَشُوبٌ بِبُهْتانٍ إذْ قالَ كِلا الفَرِيقَيْنِ لِرَسُولِهِ: مَجْنُونٌ، ومَشُوبٌ بِبَذاءَةٍ إذْ آذى كِلا الفَرِيقَيْنِ رَسُولَهم وازْدَجَرُوهُ. فَمَحَلُّ التَّفْرِيعِ هو وصْفُ نُوحٍ بِعُبُودِيَّةِ اللَّهِ تَكْرِيمًا لَهُ، والإخْبارُ عَنْ قَوْمِهِ بِأنَّهُمُ افْتَرَوْا عَلَيْهِ وصْفَهُ بِالجُنُونِ، واعْتَدَوْا عَلَيْهِ بِالأذى والِازْدِجارِ. فَأصْلُ تَرْكِيبِ الكَلامِ: كَذَّبَتْ قَبْلَهم قَوْمُ نُوحٍ فَقالُوا: مَجْنُونٌ وازْدُجِرَ. ولَمّا أُرِيدُ الإيماءُ إلى تَسْلِيَةِ الرَّسُولِ ﷺ ابْتِداءً جَعَلَ ما بَعْدَ التَّسْلِيَةِ مُفَرَّعًا بِفاءِ التَّفْرِيعِ لِيَظْهَرَ قَصْدُ اسْتِقْلالِ ما قَبْلَهُ ولَوْلا ذَلِكَ لَكانَ الكَلامُ غَنِيًّا عَنِ الفاءِ إذْ كانَ يَقُولُ: كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ عَبْدَنا.

وأُعِيدَ فِعْلُ كَذَّبُوا لِإفادَةِ تَوْكِيدِ التَّكْذِيبِ، أيْ هو تَكْذِيبٌ قَوِيٌّ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿وإذا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبّارِينَ﴾ [الشعراء: ١٣٠] وقَوْلِهِ ﴿رَبَّنا هَؤُلاءِ الَّذِينَ أغْوَيْنا أغْوَيْناهم كَما غَوَيْنا﴾ [القصص: ٦٣]، وقَوْلِ الأحْوَصِ:

فَإذا تَزُولُ تَزُولُ عَنْ مُتَخَمِّطٍ تُخْشى بَوادِرُهُ عَلى الأقْرانِ

وقَدْ نَبَّهَ عَلى ذَلِكَ ابْنُ جِنِّي في إعْرابِ هَذا البَيْتِ مِن دِيوانِ الحَماسَةِ، وذَكَرَ أنَّ أبا عَلِيٍّ الفارِسِيَّ نَحا غَيْرَ هَذا الوَجْهِ ولَمْ يُبَيِّنْهُ.

صفحة ١٨١

وحاصِلُ نَظْمِ الكَلامِ يَرْجِعُ إلى مَعْنى: أنَّهُ حَصَلَ فِعْلٌ فَكانَ حُصُولُهُ عَلى صِفَةٍ خاصَّةٍ أوْ طَرِيقَةٍ خاصَّةٍ.

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ فِعْلُ كَذَّبَتْ مُسْتَعْمَلًا في مَعْنى: إنَّهُمُ اعْتَقَدُوا كَذِبَهُ، فَتَفْرِيعُ كَذَّبُوا عَبْدَنا عَلَيْهِ تَفْرِيعُ تَصْرِيحِهِمْ بِتَكْذِيبِهِ عَلى اعْتِقادِهِمْ كَذِبَهُ. فَيَكُونُ فِعْلُ كَذَّبُوا مُسْتَعْمَلًا في مَعْنًى غَيْرِ الَّذِي اسْتُعْمِلَ فِيهِ فِعْلُ كَذَّبَتْ، والتَّفْرِيعُ ظاهِرٌ عَلى هَذا الوَجْهِ.

وهَذا الوَجْهُ يَتَأتّى في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وكَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وما بَلَغُوا مِعْشارَ ما آتَيْناهم فَكَذَّبُوا رُسُلِي﴾ [سبإ: ٤٥] في سُورَةِ سَبَأٍ.

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهم قَوْمُ نُوحٍ﴾ إخْبارًا عَنْ تَكْذِيبِهِمْ بِتَفَرُّدِ اللَّهِ بِالإلَهِيَّةِ حِينَ تَلَقَّوْهُ مِنَ الأنْبِياءِ الَّذِينَ كانُوا قَبْلَ نُوحٍ ولَمْ يَكُنْ قَبْلَهُ رَسُولٌ، وعَلى هَذا الوَجْهِ يَكُونُ التَّفْرِيعُ ظاهِرًا.

وازْدُجِرَ مَعْطُوفٌ عَلى قالُوا وهو افْتَعَلَ مِنَ الزَّجْرِ. وصِيغَةُ الِافْتِعالِ هُنا لِلْمُبالَغَةِ مِثْلُها: افْتَقَرَ واضْطُرَّ.

ونُكْتَةُ بِناءِ الفِعْلِ لِلْمَجْهُولِ هُنا التَّوَصُّلُ إلى حَذْفِ ما يُسْنَدُ إلَيْهِ فِعْلُ الِازْدِجارِ المَبْنِيُّ لِلْفاعِلِ وهو ضَمِيرُ قَوْمِ نُوحٍ، فَعَدَلَ عَنْ أنْ يُقالَ: وازْدَجَرُوهُ، إلى قَوْلِهِ وازْدُجِرَ مُحاشاةً لِلدّالِّ عَلى ذاتِ نُوحٍ وهو ضَمِيرٌ مِن أنْ يَقَعَ مَفْعُولًا لِضَمِيرِهِمْ. ومُرادُهم أنَّهُمُ ازْدَجَرُوهُ، أيْ نَهَوْهُ عَنِ ادِّعاءِ الرِّسالَةِ بِغِلْظَةٍ قالَ تَعالى ﴿قالَ المَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِهِ إنّا لَنَراكَ في سَفاهَةٍ وإنّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الكاذِبِينَ﴾ [الأعراف: ٦٦] وقالُوا ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يا نُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ المَرْجُومِينَ﴾ [الشعراء: ١١٦] وقالَ ﴿وكُلَّما مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِن قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنهُ﴾ [هود: ٣٨] .

54:10–14Страница 529

فَدَعَا رَبَّهُۥٓ أَنِّي مَغۡلُوبٞ فَٱنتَصِرۡ ١٠

Тогда он воззвал к своему Господу: «Меня одолели. Помоги же мне!».

فَفَتَحۡنَآ أَبۡوَٰبَ ٱلسَّمَآءِ بِمَآءٖ مُّنۡهَمِرٖ ١١

Мы открыли врата неба, откуда стала изливаться вода,

وَفَجَّرۡنَا ٱلۡأَرۡضَ عُيُونٗا فَٱلۡتَقَى ٱلۡمَآءُ عَلَىٰٓ أَمۡرٖ قَدۡ قُدِرَ ١٢

и разверзли землю, из которой забили ключи. Воды небес и земли слились для дела, которое было предопределено.

وَحَمَلۡنَٰهُ عَلَىٰ ذَاتِ أَلۡوَٰحٖ وَدُسُرٖ ١٣

Мы понесли его в ковчеге из досок и гвоздей.

تَجۡرِي بِأَعۡيُنِنَا جَزَآءٗ لِّمَن كَانَ كُفِرَ ١٤

Ковчег поплыл у Нас на Глазах в воздаяние тому, в кого не уверовали (или тем, которые не уверовали).

صفحة ١٨٢

﴿فَدَعا رَبَّهُ أنِّي مَغْلُوبٌ فانْتَصِرْ﴾ ﴿فَفَتَحْنا أبْوابَ السَّماءِ بِماءٍ مُنْهَمِرٍ﴾ ﴿وفَجَّرْنا الأرْضَ عُيُونًا فالتَقى الماءُ عَلى أمْرٍ قَدْ قُدِرَ﴾ ﴿وحَمَلْناهُ عَلى ذاتِ ألْواحٍ ودُسُرٍ﴾ ﴿تَجْرِي بِأعْيُنِنا جَزاءً لِمَن كانَ كُفِرَ﴾ .

تَفْرِيعٌ عَلى ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهم قَوْمُ نُوحٍ﴾ [القمر: ٩] وما تَفَرَّعَ عَلَيْهِ.

والمَغْلُوبُ مَجازٌ، شَبَّهَ يَأْسَهُ مِن إجابَتِهِمْ لِدَعْوَتِهِ بِحالِ الَّذِي قاتَلَ أوْ صارَعَ فَغَلَبَهُ مُقاتِلُهُ، وقَدْ حَكى اللَّهُ تَعالى في سُورَةِ نُوحٍ كَيْفَ سَلَكَ مَعَ قَوْمِهِ وسائِلَ الإقْناعِ بِقَبُولِ دَعْوَتِهِ فَأعْيَتْهُ الحِيَلُ.

وأنِّي بِفَتْحِ الهَمْزَةِ عَلى تَقْدِيرِ باءِ الجَرِّ مَحْذُوفَةٍ، أيْ دَعا بِأنِّي مَغْلُوبٌ، أيْ بِمَضْمُونِ هَذا الكَلامِ في لُغَتِهِ.

وحَذَفَ مُتَعَلِّقَ فانْتَصِرْ لِلْإيجازِ ولِلرَّعْيِ عَلى الفاصِلَةِ، والتَّقْدِيرُ: فانْتَصِرْ لِي، أيِ انْصُرْنِي.

وجُمْلَةُ ﴿فَفَتَحْنا أبْوابَ السَّماءِ﴾ إلى آخِرِها مُفَرَّعَةٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿فَدَعا رَبَّهُ﴾، فَفُهِمَ مِنَ التَّفْرِيعِ أنَّ اللَّهَ اسْتَجابَ دَعْوَتَهُ وأنَّ إرْسالَ هَذِهِ المِياهِ عِقابٌ لِقَوْمِ نُوحٍ. وحاصِلُ المَعْنى: فَأرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الطُّوفانَ بِهَذِهِ الكَيْفِيَّةِ المُحْكَمَةِ السَّرِيعَةِ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ فَفَتَحْنا بِتَخْفِيفِ التّاءِ. وقَرَأهُ ابْنُ عامِرٍ بِتَشْدِيدِها عَلى المُبالَغَةِ. والفَتْحُ بِمَعْنى شِدَّةِ هُطُولِ المَطَرِ.

وجُمْلَةُ ﴿فَفَتَحْنا أبْوابَ السَّماءِ بِماءٍ مُنْهَمِرٍ﴾ مُرَكَّبٌ تَمْثِيلِيٌ لِهَيْئَةِ انْدِفاقِ الأمْطارِ مِنَ الجَوِّ بِهَيْئَةِ خُرُوجِ الجَماعاتِ مِن أبْوابِ الدّارِ عَلى طَرِيقَةِ:

وسالَتْ بِأعْناقِ المَطِيِّ الأباطِحُ

والمُنْهَمِرُ: المُنْصَبُّ، أيِ المَصْبُوبُ يُقالُ: هَمَرَ الماءَ إذا صَبَّهُ، أيْ نازِلٌ بِقُوَّةٍ.

صفحة ١٨٣

والتَّفْجِيرُ: إسالَةُ الماءِ، يُقالُ: تَفَجَّرَ الماءُ، إذا سالَ، قالَ تَعالى ﴿حَتّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الأرْضِ يَنْبُوعًا﴾ [الإسراء: ٩٠] .

وتَعْدِيَةُ فَجَّرْنا إلى اسْمِ الأرْضِ تَعْدِيَةٌ مَجازِيَّةٌ إذْ جَعَلَتِ الأرْضَ مِن كَثْرَةِ عُيُونِها كَأنَّها عَيْنٌ تَتَفَجَّرُ. وفي هَذا إجْمالٌ جِيءَ مِن أجْلِهِ بِالتَّمْيِيزِ لَهُ بِقَوْلِهِ عُيُونًا لِبَيانِ هَذِهِ النِّسْبَةِ، وقَدْ جَعَلَ هَذا مُلْحَقًا بِتَمْيِيزِ النِّسْبَةِ لِأنَّهُ مُحَوَّلٌ عَنِ المَفْعُولِ إذِ المَعْنى: وفَجَّرْنا عُيُونَ الأرْضِ، وهو مِثْلُ المُحَوَّلِ عَنِ الفاعِلِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿واشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا﴾ [مريم: ٤]، أيْ: شَيْبُ الرَّأْسِ إذْ لا فَرْقَ بَيْنَهُما، ونُكْتَةُ ذَلِكَ واحِدَةٌ. قالَ في المِفْتاحِ: إسْنادُ الِاشْتِعالِ إلى الرَّأْسِ لِإفادَةِ شُمُولِ الِاشْتِعالِ لِلرَّأْسِ إذْ وازَنَ اشْتَعَلَ شَيْبُ الرَّأْسِ، واشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وِزانَ اشْتَعَلَتِ النّارُ في بَيْتِي واشْتَعَلَ بَيْتِي نارًا اهـ.

والتِقاءُ الماءِ: تَجْمُّعُ ماءِ الأمْطارِ مَعَ ماءِ عُيُونِ الأرْضِ فالِالتِقاءُ مُسْتَعارٌ لِلِاجْتِماعِ، شَبَّهَ الماءَ النّازِلَ مِنَ السَّماءِ والماءَ الخارِجَ مِنَ الأرْضِ بِطائِفَتَيْنِ جاءَتْ كُلُّ واحِدَةٍ مِن مَكانٍ فالتَقَتا في مَكانٍ واحِدٍ كَما يَلْتَقِي الجَيْشانِ.

والتَّعْرِيفُ في الماءِ لِلْجِنْسِ. وعُلِمَ مِن إسْنادِ الِالتِقاءِ أنَّهُما نَوْعانِ مِنَ الماءِ ماءُ المَطَرِ وماءُ العُيُونِ.

و(عَلى) مِن قَوْلِهِ ﴿عَلى أمْرٍ﴾ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ بِمَعْنى (في) كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿ودَخَلَ المَدِينَةَ عَلى حِينِ غَفْلَةٍ مِن أهْلِها﴾ [القصص: ١٥]، وقَوْلِ الفَرَزْدَقِ:

عَلى حالَةٍ لَوْ أنَّ في البَحْرِ حاتِمًا ∗∗∗ عَلى جُودِهِ لَضَنَّ بِالماءِ حاتِمُ

والظَّرْفِيَّةُ مَجازِيَّةٌ. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ عَلى لِلِاسْتِعْلاءِ المَجازِيِّ، أيْ مُلابِسًا لِأمْرٍ قَدْ قُدِرَ ومُتَمَكِّنًا مِنهُ.

ومَعْنى التَّمَكُّنِ: شِدَّةُ المُطابَقَةِ لِما قُدِرَ، وأنَّهُ لَمْ يَحِدْ عَنْهُ قَيْدَ شَعَرَةٍ.

والأمْرُ: الحالُ والشَّأْنُ وتَنْوِينُهُ لِلتَّعْظِيمِ.

ووَصْفُ الأمْرَ بِأنَّهُ ﴿قَدْ قُدِرَ﴾، أيْ أُتْقِنَ وأُحْكِمَ بِمِقْدارٍ، يُقالُ: قَدَرَهُ

صفحة ١٨٤

بِالتَّخْفِيفِ إذا ضَبَطَهُ وعَيَّنَهُ كَما قالَ تَعالى ﴿إنّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر: ٤٩] ومَحَلُّ ﴿عَلى أمْرٍ﴾ النَّصْبُ عَلى الحالِ مِنَ الماءِ.

واكْتَفى بِهَذا الخَبَرِ عَنْ بَقِيَّةِ المَعْنى. وهو طُغْيانُ الطُّوفانِ عَلَيْهِمِ اكْتِفاءً بِما أفادَهُ تَفْرِيعُ ﴿فَفَتَحْنا أبْوابَ السَّماءِ﴾ كَما تَقَدَّمَ انْتِقالًا إلى وصْفِ إنْجاءِ نُوحٍ مِن ذَلِكَ الكَرْبِ العَظِيمِ، فَجُمْلَةُ وحَمَلْناهُ مَعْطُوفَةٌ عَلى التَّفْرِيعِ عَطْفَ احْتِراسٍ.

والمَعْنى: فَأغْرَقْناهم ونَجَّيْناهُ.

و﴿ذاتِ ألْواحٍ ودُسُرٍ﴾ صِفَةُ السَّفِينَةِ، أُقِيمَتْ مَقامَ المَوْصُوفِ هُنا عِوَضًا عَنْ أنْ يُقالَ: وحَمَلْناهُ عَلى الفُلْكِ، لِأنَّ في هَذِهِ الصِّفَةِ بَيانَ مَتانَةِ هَذِهِ السَّفِينَةِ وإحْكامِ صُنْعِها. وفي ذَلِكَ إظْهارٌ لِعِنايَةِ اللَّهِ بِنَجاةِ نُوحٍ ومَن مَعَهُ، فَإنَّ اللَّهَ أمَرَهُ بِصُنْعِ السَّفِينَةِ وأوْحى إلَيْهِ كَيْفِيَّةَ صُنْعِها ولَمْ تَكُنْ تُعْرَفُ سَفِينَةٌ قَبْلَها، قالَ تَعالى ﴿وأُوحِيَ إلى نُوحٍ أنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إلّا مَن قَدْ آمَنَ فَلا تَبْتَئِسْ بِما كانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [هود: ٣٦] ﴿واصْنَعِ الفُلْكَ بِأعْيُنِنا ووَحْيِنا﴾ [هود: ٣٧]، وعادَةُ البُلَغاءِ إذا احْتاجُوا لِذِكْرِ صِفَةٍ بِشَيْءٍ وكانَ ذِكْرُها دالًّا عَلى مَوْصُوفِها أنْ يَسْتَغْنُوا عَنْ ذِكْرِ المَوْصُوفِ إيجازًا كَما قالَ تَعالى ﴿أنِ اعْمَلْ سابِغاتٍ﴾ [سبإ: ١١]، أيْ دُرُوعًا سابِغاتٍ.

والحِمْلُ: رَفْعُ الشَّيْءِ عَلى الظَّهْرِ أوِ الرَّأْسِ لِنَقْلِهِ ﴿وتَحْمِلُ أثْقالَكُمْ﴾ [النحل: ٧] ولَهُ مَجازاتٌ كَثِيرَةٌ.

والألْواحُ: جَمْعُ لَوْحٍ وهو القِطْعَةُ المُسَوّاةُ مِنَ الخَشَبِ.

والدُّسُرُ: جَمْعُ دِسارٍ، وهو المِسْمارُ.

وعُدِّيَ فِعْلُ حَمَلْنا إلى ضَمِيرِ نُوحٍ دُونَ مَن مَعَهُ مِن قَوْمِهِ، لِأنَّ هَذا الحِمْلَ كانَ إجابَةً لِدَعْوَتِهِ ولِنَصْرِهِ فَهو المَقْصُودُ الأوَّلُ مِن هَذا الحِمْلِ، وقَدْ أشارَ إلى ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى ﴿فَأنْجَيْناهُ والَّذِينَ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنّا﴾ [الأعراف: ٧٢] وقَوْلُهُ ﴿فَإذا اسْتَوَيْتَ أنْتَ ومَن مَعَكَ عَلى الفُلْكِ﴾ [المؤمنون: ٢٨] ونَحْوُهُ مِنَ الآياتِ الدّالَّةِ عَلى أنَّهُ المَقْصُودُ بِالإنْجاءِ وأنَّ نَجاةَ قَوْمِهِ بِمَعِيَّتِهِ، وحَسْبُكَ قَوْلُهُ تَعالى في تَذْيِيلِ هَذِهِ الآيَةِ ﴿جَزاءً لِمَن كانَ كُفِرَ﴾ فَإنَّ الَّذِي كانَ كُفِرَ هو نُوحٌ كَفَرَ بِهِ قَوْمُهُ.

صفحة ١٨٥

وعَلى لِلِاسْتِعْلاءِ المَجازِيِّ وهو التَّمَكُّنُ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿فَإذا اسْتَوَيْتَ أنْتَ ومَن مَعَكَ عَلى الفُلْكِ﴾ [المؤمنون: ٢٨]، وإلّا فَإنَّ اسْتِقْرارَهُ في السَّفِينَةِ كائِنٌ في جَوْفِها كَما قالَ تَعالى ﴿إنّا لَمّا طَغى الماءُ حَمَلْناكم في الجارِيَةِ﴾ [الحاقة: ١١] ﴿قُلْنا احْمِلْ فِيها مِن كُلِّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ [هود: ٤٠] .

والباءُ في بِأعْيُنِنا لِلْمُلابَسَةِ.

والأعْيُنُ: جَمْعُ عَيْنٍ بِإطْلاقِهِ المَجازِيِّ، وهو الِاهْتِمامُ والعِنايَةُ، كَقَوْلِ النّابِغَةِ:

عَلِمْتُكَ تَرْعانِي بِعَيْنٍ بَصِيرَةٍ

وقالَ تَعالى ﴿فَإنَّكَ بِأعْيُنِنا﴾ [الطور: ٤٨] .

وجُمِعَ العَيْنُ لِتَقْوِيَةِ المَعْنى لِأنَّ الجَمْعَ أقْوى مِنَ المُفْرَدِ، أيْ بِحِراساتٍ مِنّا وعِناياتٍ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الجَمْعُ بِاعْتِبارِ أنْواعِ العِناياتِ بِتَنَوُّعِ آثارِها. وأصْلُ اسْتِعْمالِ لَفْظِ العَيْنِ في مِثْلِهِ تَمْثِيلٌ بِحالِ النّاظِرِ إلى الشَّيْءِ المَحْرُوسِ مِثْلُ الرّاعِينَ كَما يُقالُ لِلْمُسافِرِ: عَيْنُ اللَّهِ عَلَيْكَ ثُمَّ شاعَ ذَلِكَ حَتّى ساوى الحَقِيقَةَ، فَجُمِعَ بِذَلِكَ الِاعْتِبارِ. وتَقَدَّمَ في سُورَةِ هُودٍ.

و(جَزاءً) مَفْعُولٌ لِأجْلِهِ لِ (فَتَحْنا) وما عُطِفَ عَلَيْهِ، أيْ: فَعَلْنا ذَلِكَ كُلَّهُ جَزاءً لِنُوحٍ. ومَن كانَ كُفِرَ، هو نُوحٌ فَإنَّ قَوْمَهُ كَفَرُوا بِهِ، أيْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِأنَّهُ رَسُولٌ وكانَ كُفْرُهم بِهِ مُنْذُ جاءَهم بِالرِّسالَةِ فَلِذَلِكَ أقْحَمَ هُنا فِعْلَ كانَ، أيْ لِمَن كُفِرَ مُنْذُ زَمانٍ مَضى، وذَلِكَ ما حُكِيَ في سُورَةِ نُوحٍ بِقَوْلِهِ ﴿قالَ رَبِّ إنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا ونَهارًا﴾ [نوح: ٥] إلى قَوْلِهِ ﴿ثُمَّ إنِّي دَعَوْتُهم جِهارًا﴾ [نوح: ٨] ﴿ثُمَّ إنِّي أعْلَنْتُ لَهم وأسْرَرْتُ لَهم إسْرارًا﴾ [نوح: ٩] .

وحَذَفَ مُتَعَلِّقَ (كُفِرَ) لِدَلالَةِ الكَلامِ عَلَيْهِ. وتَقْدِيرُهُ: كُفِرَ بِهِ، أوْ لِأنَّهُ نَصَحَ لَهم ولَقِيَ في ذَلِكَ أشَدَّ العَناءِ فَلَمْ يَشْكُرُوا لَهُ بَلْ كَفَرُوهُ فَهو مَكْفُورٌ فَيَكُونُ مِن بابِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ولا تَكْفُرُونِ﴾ [البقرة: ١٥٢] .

54:15Страница 529

وَلَقَد تَّرَكۡنَٰهَآ ءَايَةٗ فَهَلۡ مِن مُّدَّكِرٖ ١٥

Мы оставили его (корабль или рассказ о Нухе) в качестве знамения. Но есть ли среди вас вспоминающие?

صفحة ١٨٦

﴿ولَقَدْ تَرَكْناها آيَةً فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ﴾ ضَمِيرُ المُؤَنَّثِ عائِدٌ إلى ﴿ذاتِ ألْواحٍ ودُسُرٍ﴾ [القمر: ١٣]، أيِ السَّفِينَةِ. والتَّرْكُ كِنايَةٌ عَنِ الإبْقاءِ وعَدَمِ الإزالَةِ، قالَ تَعالى ﴿وتَرَكْنا فِيها آيَةً﴾ [الذاريات: ٣٧] في سُورَةِ الذّارِياتِ، وقالَ ﴿وتَرَكَهم في ظُلُماتٍ لا يُبْصِرُونَ﴾ [البقرة: ١٧] في سُورَةِ البَقَرَةِ، أيْ أبْقَيْنا سَفِينَةَ نُوحٍ مَحْفُوظَةً مِنَ البِلى لِتَكُونَ آيَةً يَشْهَدُها الأُمَمُ الَّذِينَ أُرْسِلَتْ إلَيْهِمُ الرُّسُلُ مَتى أرادَ واحِدٌ مِنَ النّاسِ رُؤْيَتَها مِمَّنْ هو بِجِوارِ مَكانِها تَأْيِيدًا لِلرُّسِلِ وتَخْوِيفًا بِأوَّلِ عَذابٍ عُذِّبَتْ بِهِ الأُمَمُ أُمَّةٌ كَذَّبَتْ رَسُولَها فَكانَتْ حُجَّةً دائِمَةً مِثْلَ دِيارِ ثَمُودَ.

ثُمَّ أخَذَتْ تَتَناقَصُ حَتّى بَقِيَ مِنها أخْشابٌ شَهِدَها صَدْرُ الأُمَّةِ الإسْلامِيَّةِ فَلَمْ تَضْمَحِلَّ حَتّى رَآها ناسٌ مِن جَمِيعِ الأُمَمِ بَعْدَ نُوحٍ فَتَواتَرَ خَبَرُها بِالمُشاهَدَةِ تَأْيِيدًا لِتَواتُرِ الطُّوفانِ بِالأخْبارِ المُتَواتِرَةِ. وقَدْ ذَكَرَ القُرْآنُ أنَّها اسْتَقَرَّتْ عَلى جَبَلِ الجُودِيِّ فَمِنهُ نَزَلَ نُوحٌ ومَن مَعَهُ وبَقِيَتِ السَّفِينَةُ هُنالِكَ لا يَنالُها أحَدٌ، وذَلِكَ مِن أسْبابِ حِفْظِها عَنِ الِاضْمِحْلالِ. واسْتَفاضَ الخَبَرُ بِأنَّ الجُودِيَّ جُبَيْلٌ قُرْبَ قَرْيَةٍ تُسَمّى باقِرْدى بِكَسْرِ القافِ وسُكُونِ الرّاءِ ودالٍ مَفْتُوحَةٍ مَقْصُورًا مِن جَزِيرَةِ ابْنِ عُمَرَ قُرْبَ المَوْصِلِ شَرْقِيَّ دِجْلَةَ.

وفِي صَحِيحِ البُخارِيِّ قالَ قَتادَةُ: لَقَدْ شَهِدَها صَدْرُ هَذِهِ الأُمَّةِ قالَ تَعالى في سُورَةِ العَنْكَبُوتِ ﴿وجَعَلْناها آيَةً لِلْعالَمِينَ﴾ [العنكبوت: ١٥]، وقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ مُفَصَّلًا هُنالِكَ.

والآيَةُ: الحُجَّةُ. وأصْلُ الآيَةِ الأمارَةُ الَّتِي يَصْطَلِحُ عَلَيْها شَخْصانِ فَأكْثَرُ ﴿قالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قالَ آيَتُكَ ألّا تُكَلِّمَ النّاسَ ثَلاثَةَ أيّامٍ إلّا﴾ [آل عمران: ٤١] .

وإنَّما قالَ هُنا ﴿ولَقَدْ تَرَكْناها﴾ وقالَ في سُورَةِ العَنْكَبُوتِ ﴿وجَعَلْناها آيَةً لِلْعالَمِينَ﴾ [العنكبوت: ١٥] لِأنَّ ذِكْرَها في سُورَةِ القَمَرِ ورَدَ بَعْدَ ذِكْرِ كَيْفِيَّةِ صُنْعِها وحُدُوثِ الطُّوفانِ وحَمْلِ نُوحٍ في السَّفِينَةِ. فَأخْبَرَ بِأنَّها أُبْقِيَتْ بَعْدَ تِلْكَ الأحْوالِ، فالآيَةُ في بَقائِها، وفي سُورَةِ العَنْكَبُوتِ ورَدَ ذِكْرُ السَّفِينَةِ ابْتِداءً فَأُخْبِرَ بِأنَّ اللَّهَ جَعَلَها آيَةً إذْ أوْحى إلى نُوحٍ بِصُنْعِها، فالآيَةُ في إيجادِها وهو المُعَبَّرُ عَنْهُ بِ جَعَلْناها.

وفَرَّعَ عَلى إبْقاءِ السَّفِينَةِ آيَةَ اسْتِفْهامٍ عَمَّنْ يَتَذَكَّرُ بِتِلْكَ الآيَةِ وهو اسْتِفْهامٌ

صفحة ١٨٧

مُسْتَعْمَلٌ في مَعْنى التَّحْضِيضِ عَلى التَّذَكُّرِ بِهَذِهِ الآيَةِ واسْتِقْصاءِ خَبَرِها مِثْلُ الِاسْتِفْهامِ في قَوْلِ طَرَفَةَ: إذا القَوْمُ قالُوا مَن فَتى. . . . . . . . . . . . . البَيْتَ والتَّحْضِيضُ مُوَجَّهٌ إلى جَمِيعِ مَن تَبْلُغُهُ هَذِهِ الآياتُ. ومِن زائِدَةٌ لِلدَّلالَةِ عَلى عُمُومِ الجِنْسِ في الإثْباتِ عَلى الأصَحِّ مِنَ القَوْلَيْنِ.

ومُدَّكِرٌ أصْلُهُ: مُذْتَكِرٌ مُفْتَعِلٌ مِنَ الذُّكْرِ بِضَمِّ الذّالِ، وهو التَّفَكُّرُ في الدَّلِيلِ فَقُلِبَتْ تاءُ الِافْتِعالِ دالًا لِتَقارُبِ مَخْرَجَيْهِما، وأُدْغِمَ الذّالُ في الدّالِ لِذَلِكَ، وقِراءَةُ هَذِهِ الآيَةِ مَرْوِيَّةٌ بِخُصُوصِها عَنِ النَّبِيءِ ﷺ . وتَقَدَّمَ في سُورَةِ يُوسُفَ ﴿وادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ﴾ [يوسف: ٤٥] .

54:16Страница 529

فَكَيۡفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ ١٦

Какими же были мучения от Меня и предостережения Мои!

﴿فَكَيْفَ كانَ عَذابِي ونُذُرِ﴾ .

تَفْرِيعٌ عَلى القِصَّةِ بِما تَضَمَّنَتْهُ مِن قَوْلِهِ ﴿فَفَتَحْنا أبْوابَ السَّماءِ﴾ [القمر: ١١] إلى آخِرِهِ. وكَيْفَ لِلِاسْتِفْهامِ عَنْ حالَةِ العَذابِ. وهو عَذابُ قَوْمِ نُوحٍ بِالطُّوفانِ. والِاسْتِفْهامُ مُسْتَعْمَلٌ في التَّعْجِيبِ مِن شِدَّةِ هَذا العَذابِ المَوْصُوفِ. والجُمْلَةُ في مَعْنى التَّذْيِيلِ وهو تَعْرِيضٌ بِتَهْدِيدِ المُشْرِكِينَ أنْ يُصِيبَهم عَذابٌ جَزاءَ تَكْذِيبِهِمُ الرَّسُولَ ﷺ وإعْراضِهِمْ وأذاهم كَما أصابَ قَوْمَ نُوحٍ.

وحُذِفَ ياءُ المُتَكَلِّمِ مِن (نُذُرِ) وأصْلُهُ: نُذُرِي. وحَذْفُها في الكَلامِ في الوَقْفِ فَصِيحٌ وكَثُرَ في القُرْآنِ عِنْدَ الفَواصِلِ.

والنُّذُرُ: جَمْعُ نَذِيرٍ الَّذِي هو اسْمُ مَصْدَرِ أنْذَرَ كالنِّذارَةِ وتَقَدَّمَ آنِفًا في هَذِهِ السُّورَةِ، وإنَّما جُمِعَتْ لِتَكَرُّرِ النِّذارَةِ مِنَ الرَّسُولِ لِقَوْمِهِ طَلَبًا لِإيمانِهِمْ.

Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии

Содержание

Аят аль-Курси36Аль-Кахфстр. 42джуз 15Бухари 1Муслим 2999

Вид

Тема
Размер текста
Вид

Read in English