Ибн АшурАль‑Хадид · 57:22–26

Ибн Ашур · Тафсир · на арабском

Аль-Хадид 57:22–26

57:22–23Страница 540

مَآ أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٖ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَلَا فِيٓ أَنفُسِكُمۡ إِلَّا فِي كِتَٰبٖ مِّن قَبۡلِ أَن نَّبۡرَأَهَآۚ إِنَّ ذَٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٞ ٢٢

Любое несчастье, которое происходит на земле и с вами самими, записано в Писании еще до того, как Мы сотворили его. Воистину, это для Аллаха легко.

لِّكَيۡلَا تَأۡسَوۡاْ عَلَىٰ مَا فَاتَكُمۡ وَلَا تَفۡرَحُواْ بِمَآ ءَاتَىٰكُمۡۗ وَٱللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخۡتَالٖ فَخُورٍ ٢٣

Мы поведали об этом для того, чтобы вы не печалились о том, что вы упустили, и не радовались тому, что Он вам даровал. Аллах не любит всяких надменных бахвалов,

﴿ما أصابَ مِن مُصِيبَةٍ في الأرْضِ ولا في أنْفُسِكم إلّا في كِتابٍ مِن قَبْلِ أنْ نَبْرَأها إنَّ ذَلِكَ عَلى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ ﴿لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلى ما فاتَكم ولا تَفْرَحُوا بِما آتاكم واللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ﴾ .

لَمّا جَرى ذِكْرُ الجِهادِ آنِفًا بِقَوْلِهِ ﴿لا يَسْتَوِي مِنكم مَن أنْفَقَ مِن قَبْلِ الفَتْحِ وقاتَلَ﴾ [الحديد: ١٠] وقَوْلِهِ ﴿والشُّهَداءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهم أجْرُهم ونُورُهُمْ﴾ [الحديد: ١٩] عَلى الوَجْهَيْنِ المُتَقَدِّمَيْنِ هُنالِكَ، وجَرى ذِكْرُ الدُّنْيا في قَوْلِهِ ﴿وما الحَياةُ الدُّنْيا إلّا مَتاعُ الغُرُورِ﴾ [الحديد: ٢٠]، وكانَ ذَلِكَ كُلُّهُ مِمّا تَحْدُثُ فِيهِ المَصائِبُ مِن قَتْلٍ وقَطْعٍ وأسْرٍ في الجِهادِ، ومِن كَوارِثَ تَعْرِضُ في الحَياةِ مِن فَقْدٍ وألَمٍ واحْتِياجٍ، وجَرى مَثَلُ الحَياةِ الدُّنْيا بِالنَّباتِ، وكانَ ذَلِكَ ما يَعْرِضُ لَهُ القَحْطُ والجَوائِحِ، أُتْبِعَ ذَلِكَ بِتَسْلِيَةِ المُسْلِمِينَ عَلى ما يُصِيبُهم لِأنَّ المُسْلِمِينَ كانُوا قَدْ تَخَلَّقُوا بِآدابِ الدُّنْيا مِن قَبْلُ فَرُبَّما لَحِقَهم ضُرٌّ أوْ رُزْءٌ خارِجٌ عَنْ نِطاقِ قُدْرَتِهِمْ وكَسْبِهِمْ فَأُعْلِمُوا أنَّ ذَلِكَ مِمّا اقْتَضاهُ ارْتِباطُ أسْبابِ الحَوادِثِ بَعْضِها بِبَعْضٍ عَلى ما سَيَّرَها عَلَيْهِ نِظامُ جَمِيعِ الكائِناتِ في هَذا العالَمِ كَما أشارَ إلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿إلّا في كِتابٍ مِن قَبْلِ أنْ نَبْرَأها﴾ كَما سَتَعْلَمُهُ، فَلَمْ يَمْلِكْهُمُ الغَمُّ والحُزْنُ، وانْتَقَلُوا عَنْ ذَلِكَ إلى الإقْبالِ عَلى ما يُهِمُّهم مِنَ الأُمُورِ ولَمْ يُلْهِمْهُمُ التَّحَرُّقُ عَلى ما فاتَ عَلى نَحْوِ ما وقَعَ في قَوْلِهِ ﴿ولا تَقُولُوا لِمَن يُقْتَلُ في سَبِيلِ اللَّهِ أمْواتٌ بَلْ أحْياءٌ ولَكِنْ لا تَشْعُرُونَ﴾ [البقرة: ١٥٤] ﴿ولَنَبْلُوَنَّكم بِشَيْءٍ مِنَ الخَوْفِ والجُوعِ ونَقْصٍ مِنَ الأمْوالِ والأنْفُسِ والثَّمَراتِ وبَشِّرِ الصّابِرِينَ﴾ [البقرة: ١٥٥] ﴿الَّذِينَ إذا أصابَتْهم مُصِيبَةٌ قالُوا إنّا لِلَّهِ وإنّا إلَيْهِ راجِعُونَ﴾ [البقرة: ١٥٦]، ولَعَلَّ المُسْلِمِينَ قَدْ أصابَتْهم

صفحة ٤١٠

شِدَّةٌ في إحْدى المَغازِي أوْ حَبْسُ مَطَرٍ أوْ نَحْوُ ذَلِكَ مِمّا كانَ سَبَبَ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ.

و(ما) نافِيَةٌ و(مِن) زائِدَةٌ في النَّفْيِ لِلدَّلالَةِ عَلى نَفْيِ الجِنْسِ قَصْدًا لِلْعُمُومِ.

ومَفْعُولُ أصابَ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: ما أصابَكم أوْ ما أصابَ أحَدًا.

وقَوْلُهُ ”في الأرْضِ“ إشارَةٌ إلى المَصائِبِ العامَّةِ كالقَحْطِ وفَيَضانِ السُّيُولِ ومَوَتانِ الأنْعامِ وتَلَفِ الأمْوالِ.

وقَوْلُهُ ”ولا في أنْفُسِكم“ إشارَةٌ إلى المَصائِبِ اللّاحِقَةِ لِذَواتِ النّاسِ مِنَ الأمْراضِ وقَطْعِ الأعْضاءِ والأسْرِ في الحَرْبِ ومَوْتِ الأحْبابِ ومَوْتِ المَرْءِ نَفْسِهِ فَقَدْ سَمّاهُ اللَّهُ مُصِيبَةً في قَوْلِهِ ﴿فَأصابَتْكم مُصِيبَةُ المَوْتِ﴾ [المائدة: ١٠٦] . وتَكْرِيرُ حَرْفِ النَّفْيِ في المَعْطُوفِ عَلى المَنفِيِّ في قَوْلِهِ ”ولا في أنْفُسِكم“ لِقَصْدِ الِاهْتِمامِ بِذَلِكَ المَذْكُورِ بِخُصُوصِهِ فَإنَّ المَصائِبَ الخاصَّةَ بِالنَّفْسِ أشَدُّ وقْعًا عَلى المُصابِ، فَإنَّ المَصائِبَ العامَّةَ إذا أخْطَأتْهُ فَإنَّما يَتَأثَّرُ لَها تَأثُّرًا بِالتَّعَقُّلِ لا بِالحِسِّ فَلا تَدُومُ مُلاحَظَةُ النَّفْسِ إيّاهُ.

والاسْتِثْناءُ في قَوْلِهِ ”إلّا في كِتابٍ“ اسْتِثْناءٌ مِن أحْوالٍ مَنفِيَّةٍ بِـ (ما)، إذِ التَّقْدِيرُ: ما أصابَ مِن مُصِيبَةٍ في الأرْضِ كائِنَةٍ في حالٍ إلّا في حالِ كَوْنِها مَكْتُوبَةً في كِتابٍ، أيْ: مُثْبَتَةً فِيهِ.

والكِتابُ: مَجازٌ عَنْ عِلْمِ اللَّهِ تَعالى ووَجْهُ المُشابَهَةِ عَدَمُ قَبُولِ التَّبْدِيلِ والتَّغْيِيرِ والتَّخَلُّفِ، قالَ الحارِثُ بْنُ حِلِّزَةَ:

حَذَرَ الجَوْرِ والتَّطاخِي وهَلْ يَنْقُضُ ما في المَهارِقِ الأهْواءُ

ومِن ذَلِكَ عِلْمُهُ وتَقْدِيرُهُ لِأسْبابِ حُصُولِها ووَقْتِ خَلْقِها وتَرَتُّبِ آثارِها والقَصْرِ المُفادِ بِـ (إلّا) قَصْرُ مَوْصُوفٍ عَلى صِفَةٍ وهو قَصْرٌ إضافِيٌّ، أيْ: إلّا في حالِ كَوْنِها في كِتابٍ دُونَ عَدَمِ سَبْقِ تَقْدِيرِها في عِلْمِ اللَّهِ رَدًّا عَلى اعْتِقادِ المُشْرِكِينَ والمُنافِقِينَ المَذْكُورِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وقالُوا لِإخْوانِهِمْ إذا ضَرَبُوا في الأرْضِ أوْ كانُوا غُزًّى لَوْ كانُوا عِنْدَنا ما ماتُوا وما قُتِلُوا﴾ [آل عمران: ١٥٦] وقَوْلِهِ ﴿الَّذِينَ قالُوا لِإخْوانِهِمْ وقَعَدُوا لَوْ أطاعُونا ما قُتِلُوا﴾ [آل عمران: ١٦٨] .

صفحة ٤١١

وهَذا الكَلامُ يَجْمَعُ الإشارَةَ إلى ما قَدَّمْناهُ مِن أنَّ اللَّهَ تَعالى وضَعَ نِظامَ هَذا العالَمِ عَلى أنْ تَتَرَتَّبَ المُسَبِّباتُ عَلى أسْبابِها، وقَدَّرَ ذَلِكَ وعَلِمَهُ، وهَذا مِثْلُ قَوْلِهِ ﴿وما يُعَمَّرُ مِن مُعَمَّرٍ ولا يُنْقَصُ مِن عُمُرِهِ إلّا في كِتابٍ﴾ [فاطر: ١١] ونَحْوُ ذَلِكَ.

والبَرْءُ: بِفَتْحِ الباءِ: الخَلْقُ ومِن أسْمائِهِ تَعالى البارِئُ، وضَمِيرُ النَّصْبِ في نَبْرَأها عائِدٌ إلى الأرْضِ أوْ إلى الأنْفُسِ.

وجُمْلَةُ ﴿إنَّ ذَلِكَ عَلى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ رَدٌّ عَلى أهْلِ الضَّلالِ مِنَ المُشْرِكِينَ وبَعْضِ أهْلِ الكِتابِ الَّذِينَ لا يُثْبِتُونَ لِلَّهِ عُمُومَ العِلْمِ ويُجَوِّزُونَ عَلَيْهِ البَداءَ وتَمَشِّي الحِيَلِ، ولِأجْلِ قَصْدِ الرَّدِّ عَلى المُنْكِرِينَ أكَّدَ الخَبَرَ بِـ (إنَّ) .

والتَّعْلِيلُ بِلامِ العِلَّةِ و(كَيْ) مُتَعَلِّقٌ بِمُقَدَّرٍ دَلَّ عَلَيْهِ هَذا الإخْبارُ الحَكِيمُ، أيْ: أعْلَمْناكم بِذَلِكَ لِكَيْ لا تَأْسَوْا عَلى ما فاتَكم إلَخْ، أيْ: لِفائِدَةِ اسْتِكْمالِ مُدْرِكاتِكم وعُقُولِكم فَلا تَجْزَعُوا لِلْمَصائِبِ لِأنَّ مَن أيْقَنَ أنَّ ما عِنْدَهُ مِن نِعْمَةٍ دُنْيَوِيَّةٍ مَفْقُودَةٍ يَوْمًا لا مَحالَةَ لَمْ يَتَفاقَمْ جَزَعُهُ عِنْدَ فَقْدِهِ لِأنَّهُ قَدْ وطَّنَ نَفْسَهُ عَلى ذَلِكَ، وقَدْ أخَذَ هَذا المَعْنى كُثَيِّرٌ في قَوْلِهِ:

فَقُلْتُ لَها يا عَزُّ كُلُّ مُصِيبَةٍ ∗∗∗ إذا وُطِّنَتْ يَوْمًا لَها النَّفْسُ ذَلَّتِ

وقَوْلُهُ ﴿ولا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ﴾ تَتْمِيمٌ لِقَوْلِهِ ﴿لِكَيْ لا تَأْسَوْا عَلى ما فاتَكُمْ﴾ فَإنَّ المَقْصُودَ مِنَ الكَلامِ أنْ لا يَأسَوْا عِنْدَ حُلُولِ المَصائِبِ لِأنَّ المَقْصُودَ هو قَوْلُهُ ﴿ما أصابَ مِن مُصِيبَةٍ في الأرْضِ ولا في أنْفُسِكم إلّا في كِتابٍ﴾ ثُمَّ يَعْلَمُ أنَّ المَسَرّاتِ كَذَلِكَ بِطَرِيقِ الِاكْتِفاءِ فَإنَّ مِنَ المَسَرّاتِ ما يَحْصُلُ لِلْمَرْءِ عَنْ غَيْرِ تَرَقُّبٍ وهو أوْقَعُ في المَسَرَّةِ كَمُلَ أدَبُهُ بِطَرِيقِ المُقابَلَةِ.

والفَرَحُ المَنفِيُّ هو الشَّدِيدُ مِنهُ البالِغُ حَدَّ البَطَرِ، كَما قالَ تَعالى في قِصَّةِ قارُونَ ﴿إذْ قالَ لَهُ قَوْمُهُ لا تَفْرَحْ إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الفَرِحِينَ﴾ [القصص: ٧٦] . وقَدْ فَسَّرَهُ التَّذْيِيلُ مِن قَوْلِهِ ﴿واللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ﴾ .

والمَعْنى: أخْبَرْتُكم بِذَلِكَ لِتَكُونُوا حُكَماءَ بُصَراءَ فَتَعْلَمُوا أنَّ لِجَمِيعِ ذَلِكَ أسْبابًا وعِلَلًا، وأنَّ لِلْعالَمِ نِظامًا مُرْتَبِطًا بَعْضُهُ بِبَعْضٍ، وأنَّ الآثارَ حاصِلَةٌ عَقِبَ مُؤْثِراتِها

صفحة ٤١٢

لا مَحالَةَ، وأنَّ إفْضاءَها إلَيْها بَعْضُهُ خارِجٌ عَنْ طَوْقِ البَشَرِ ومُتَجاوِزٌ حَدَّ مُعالَجَتِهِ ومُحاوَلَتِهِ، وفِعْلُ الفَواتِ مُشْعِرٌ بِأنَّ الفائِتَ قَدْ سَعى المُفَوَّتُ عَلَيْهِ في تَحْصِيلِهِ ثُمَّ غُلِبَ عَلى نَوالِهِ بِخُرُوجِهِ عَنْ مِكْنَتِهِ، فَإذا رَسَخَ ذَلِكَ في عِلْمِ أحَدٍ لَمْ يَحْزَنْ عَلى ما فاتَهُ مِمّا لا يَسْتَطِيعُ دَفْعَهُ ولَمْ يَغْفُلْ عَنْ تَرَقُّبِ زَوالِ ما يَسُرُّهُ إذا كانَ مِمّا يَسُرُّهُ، ومَن لَمْ يَتَخَلَّقْ بِخُلُقِ الإسْلامِ يَتَخَبَّطْ في الجَزَعِ إذا أصابَهُ مُصابٌ ويُسْتَطارُ خُيَلاءً وتَطاوُلًا إذا نالَهُ أمْرٌ مَحْبُوبٌ فَيَخْرُجُ عَنِ الحِكْمَةِ في الحالَتَيْنِ.

والمَقْصُودُ مِن هَذا التَّنْبِيهِ عَلى أنَّ المُفَرِّحاتِ صائِرَةٌ إلى زَوالٍ وأنَّ زَوالَها مُصِيبَةٌ.

واعْلَمْ أنَّ هَذا مَقامُ المُؤْمِنِ مِنَ الأدَبِ بَعْدَ حُلُولِ المُصِيبَةِ وعِنْدَ نَوالَ الرَّغِيبَةِ.وصِلَةُ المَوْصُولِ في ”بِما آتاكم“ مُشْعِرَةٌ بِأنَّهُ نِعْمَةٌ نافِعَةٌ، وفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ مَقامَ المُؤْمِنِ مِنَ الأدَبِ بَعْدَ حُلُولِ المُصِيبَةِ وعِنْدَ انْهِيالِ الرَّغِيبَةِ، هو أنْ لا يَحْزَنَ عَلى ما فاتَ ولا يَبْطُرَ بِما نالَهُ مِن خَيْراتٍ، ولَيْسَ مَعْنى ذَلِكَ أنْ يَتْرُكَ السَّعْيَ لِنَوالِ الخَيْرِ واتِّقاءِ الشَّرِّ قائِلًا: إنَّ اللَّهَ كَتَبَ الأُمُورَ كُلَّها في الأزَلِ، لِأنَّ هَذا إقْدامٌ عَلى إفْسادِ ما فَطَرَ عَلَيْهِ النّاسَ وأقامَ عَلَيْهِ نِظامَ العالَمِ. وقَدْ قالَ النَّبِيءُ ﷺ لِلَّذِينَ قالُوا أفَلا نَتَّكِلُ «اعْمَلُوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِما خُلِقَ لَهُ» .

وقَوْلُهُ ﴿واللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ﴾ تَحْذِيرٌ مِنَ الفَرَحِ الواقِعِ في سِياقِ تَعْلِيلِ الأخْبارِ بِأنَّ كُلَّ ما يَنالُ المَرْءَ ثابِتٌ في كِتابٍ، وفِيهِ بَيانٌ لِلْمُرادِ مِنَ الفَرَحِ أنَّهُ الفَرَحُ المُفْرِطُ البالِغُ بِصاحِبِهِ إلى الِاخْتِيالِ والفَخْرِ.

والمَعْنى: واللَّهُ لا يُحِبُّ أحَدًا مُخْتالًا فَخُورًا. ولا تَتَوَهَّمْ أنَّ مَوْقِعَ (كُلَّ) بَعْدَ النَّفْيِ يُفِيدُ النَّفْيَ عَنِ المَجْمُوعِ لا عَنْ كُلِّ فَرْدٍ لِأنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مِمّا يَقْصُدُهُ أهْلُ اللِّسانِ، ووَقَعَ لِلشَّيْخِ عَبْدِ القاهِرِ ومُتابِعِيهِ تَوَهَّمٌ فِيهِ، وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿واللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفّارٍ أثِيمٍ﴾ [البقرة: ٢٧٦] في سُورَةِ البَقَرَةِ ونَبَّهْتُ عَلَيْهِ في تَعْلِيقِي عَلى دَلائِلِ الإعْجازِ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ ”آتاكم“ بِمَدٍ بَعْدَ الهَمْزَةِ مُحَوَّلٌ عَنْ هَمْزَةٍ ثانِيَةٍ هي فاءُ الكَلِمَةِ، أيْ: ما جَعَلَهُ آتِيًا لَكم، فالهَمْزَةُ الأُولى لِلتَّعْدِيَةِ إلى مَفْعُولٍ ثانٍ، والتَّقْدِيرُ: بِما آتاكُمُوهُ. والإتْيانُ هُنا أصْلُهُ مَجازٌ وغَلَبَ اسْتِعْمالُهُ حَتّى

صفحة ٤١٣

ساوى الحَقِيقَةَ، وعَلى هَذِهِ القِراءَةِ فَعائِدُ المَوْصُولِ مَحْذُوفٌ لِأنَّهُ ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ، والتَّقْدِيرُ: بِما آتاكُمُوهُ، وفِيهِ إدْماجُ المِنَّةِ مَعَ المَوْعِظَةِ تَذْكِيرًا بِأنَّ الخَيْراتِ مِن فَضْلِ اللَّهِ. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو وحْدَهُ بِهَمْزَةٍ واحِدَةٍ عَلى أنَّهُ مِن (أتى)، إذا حَصَلَ، فَعائِدُ المَوْصُولِ هو الضَّمِيرُ المُسْتَتِرُ المَرْفُوعُ بِـ (أتى)، وفي هَذِهِ القِراءَةِ مُقابَلَةُ (آتاكم) بِـ (فاتَكم) وهو مُحَسِّنُ الطِّباقِ فَفي كِلْتا القِراءَتَيْنِ مُحَسِّنٌ.

57:24Страница 540

ٱلَّذِينَ يَبۡخَلُونَ وَيَأۡمُرُونَ ٱلنَّاسَ بِٱلۡبُخۡلِۗ وَمَن يَتَوَلَّ فَإِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلۡغَنِيُّ ٱلۡحَمِيدُ ٢٤

которые скупятся и велят людям скупиться. А если кто отвернется, то ведь Аллах - Богатый, Достохвальный.

﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ ويَأْمُرُونَ النّاسَ بِالبُخْلِ ومَن يَتَوَلَّ فَإنَّ اللَّهَ الغَنِيُّ الحَمِيدُ﴾ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ”الَّذِينَ يَبْخَلُونَ“ ابْتِداءُ كَلامٍ عَلى الِاسْتِئْنافِ لِأنَّ الكَلامَ الَّذِي قَبْلَهُ خُتِمَ بِالتَّذْيِيلِ بِقَوْلِهِ ﴿واللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ﴾ [الحديد: ٢٣] فَيَكُونُ ”الَّذِينَ يَبْخَلُونَ“ مُبْتَدَأً وخَبَرُهُ مَحْذُوفًا يَدُلُّ عَلَيْهِ جَوابُ الشَّرْطِ وهو ﴿فَإنَّ اللَّهَ الغَنِيُّ الحَمِيدُ﴾ . والتَّقْدِيرُ: فَإنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْهم وحامِدٌ لِلْمُنْفِقِينَ.

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُتَّصِلًا بِما قَبْلَهُ عَلى طَرِيقَةِ التَّخَلُّصِ فَيَكُونُ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بَدَلًا مِن ﴿كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ﴾ [الحديد: ٢٣]، أوْ خَبَرًا لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ هو ضَمِيرُ ﴿كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ﴾ [الحديد: ٢٣] . تَقْدِيرُهُ: هُمُ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ، وعَلى هَذا الِاحْتِمالِ الأخِيرِ فَهو مِن حَذْفِ المُسْنَدِ إلَيْهِ اتِّباعًا لِلِاسْتِعْمالِ كَما سَمّاهُ السَّكّاكِيُّ، وفِيهِ وُجُوهٌ أُخَرُ لا نُطَوِّلُ بِها.

والمُرادُ بِـ ”الَّذِينَ يَبْخَلُونَ“: المُنافِقُونَ، وقَدْ وصَفَهُمُ اللَّهُ بِمِثْلِ هَذِهِ الصِّلَةِ في سُورَةِ النِّساءِ، وأمْرُهُمُ النّاسَ بِالبُخْلِ هو الَّذِي حَكاهُ اللَّهُ عَنْهم بِقَوْلِهِ ﴿هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لا تُنْفِقُوا عَلى مَن عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتّى يَنْفَضُّوا﴾ [المنافقون: ٧]، أيْ: عَلى المُؤْمِنِينَ.

وجُمْلَةُ ﴿ومَن يَتَوَلَّ فَإنَّ اللَّهَ الغَنِيُّ الحَمِيدُ﴾ تَذْيِيلٌ لِأنَّ ”مَن يَتَوَلَّ“ يَعُمُّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وغَيْرَهم فَإنَّ ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ ويَأْمُرُونَ النّاسَ بِالبُخْلِ﴾ أيْ: في سَبِيلِ اللَّهِ وفي النَّفَقاتِ الواجِبَةِ قَدْ تَوَلَّوْا عَنْ أمْرِ اللَّهِ و(مَن) شَرْطِيَّةٌ عامَّةٌ.

صفحة ٤١٤

وجُمْلَةُ ﴿فَإنَّ اللَّهَ الغَنِيُّ الحَمِيدُ﴾ قائِمَةٌ مَقامُ جَوابِ الشَّرْطِ لِأنَّ مَضْمُونَها عِلَّةٌ لِلْجَوابِ، فالتَّقْدِيرُ: ومَن يَتَوَلَّ فَلا يَضُرُّ اللَّهَ شَيْئًا ولا يَضُرُّ الفَقِيرَ لِأنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْ مالِ المُتَوَلِّينَ، ولِأنَّ لَهُ عِبادًا يُطِيعُونَ أمْرَهُ فَيَحْمَدُهم.

والغَنِيُّ: المَوْصُوفُ بِالغِنى، أيْ: عَدَمُ الِاحْتِياجِ. ولَمّا لَمْ يُذْكَرْ لَهُ مُتَعَلِّقٌ كانَ مُفِيدًا الغِنى العامَّ.

والحَمِيدُ: وصْفُ مُبالَغَةٍ، أيْ: كَثِيرُ الحَمْدِ لِلْمُنْفِقِينَ عَلى نَحْوِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا مَن يَرْتَدِدْ مِنكم عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهم ويُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة: ٥٤] الآيَةَ.

ووَصْفُهُ بِـ ”الحَمِيدُ“ هُنا نَظِيرُ وصْفِهِ بِـ ”الشَّكُورُ“ في قَوْلِهِ ﴿إنْ تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضاعِفْهُ لَكم ويَغْفِرْ لَكم واللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ﴾ [التغابن: ١٧]، فَإنَّ اسْمَهُ ”الحَمِيدُ“ صالِحٌ لِمَعْنى المَحْمُودِ فَيَكُونُ فَعِيلًا بِمَعْنى مَفْعُولٍ، وصالِحٌ لِمَعْنى كَثِيرِ الحَمْدِ، فَيَكُونُ مِن أمْثِلَةِ المُبالَغَةِ لِأنَّ اللَّهَ يُثِيبُ عَلى فِعْلِ الخَيْرِ ثَوابًا جَزِيلًا ويُثْنِي عَلى فاعِلِهِ ثَناءً جَمِيلًا فَكانَ بِذَلِكَ كَثِيرُ الحَمْدِ. وقَدْ حَمَلَهُ عَلى كِلا المَعْنَيَيْنِ ابْنُ بَرَّجانَ الإشْبِيلِيُّ في شَرْحِهِ لِأسْماءِ اللَّهِ الحُسْنى ووافَقَهُ كَلامُ ابْنِ العَرَبِيِّ في أحْكامِ القُرْآنِ في سُورَةِ الأعْرافِ، وهو الحَقُّ. وقَصَرَهُ الغَزالِيُّ في المَقْصِدِ الأسْنى عَلى مَعْنى المَحْمُودِ.

وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وأبُو جَعْفَرٍ ﴿فَإنَّ اللَّهَ الغَنِيُّ الحَمِيدُ﴾ بِدُونِ ضَمِيرِ فَصْلٍ، وكَذَلِكَ هو مَرْسُومٌ في مُصْحَفِ المَدِينَةِ ومُصْحَفِ الشّامِ. وقَرَأهُ الباقُونَ ﴿فَإنَّ اللَّهَ هو الغَنِيُّ الحَمِيدُ﴾ بِضَمِيرِ فَصْلٍ بَعْدَ اسْمِ الجَلالَةِ وكَذَلِكَ هو مَرْسُومٌ في مَصاحِفِ مَكَّةَ والبَصْرَةِ والكُوفَةِ، فَهُما رِوايَتانِ مُتَواتِرَتانِ.

صفحة ٤١٥

والجُمْلَةُ مُفِيدَةٌ لِلْقَصْرِ بِدُونِ ضَمِيرِ فَصْلٍ لِأنَّ تَعْرِيفَ المُسْنَدِ إلَيْهِ والمُسْنَدِ مِن طُرُقِ القَصْرِ، فالقِراءَةُ بِضَمِيرِ الفَصْلِ تُفِيدُ تَأْكِيدَ القَصْرِ.

57:25Страница 541

لَقَدۡ أَرۡسَلۡنَا رُسُلَنَا بِٱلۡبَيِّنَٰتِ وَأَنزَلۡنَا مَعَهُمُ ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡمِيزَانَ لِيَقُومَ ٱلنَّاسُ بِٱلۡقِسۡطِۖ وَأَنزَلۡنَا ٱلۡحَدِيدَ فِيهِ بَأۡسٞ شَدِيدٞ وَمَنَٰفِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعۡلَمَ ٱللَّهُ مَن يَنصُرُهُۥ وَرُسُلَهُۥ بِٱلۡغَيۡبِۚ إِنَّ ٱللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٞ ٢٥

Мы уже отправили Наших посланников с ясными знамениями и ниспослали с ними Писание и Весы, чтобы люди придерживались справедливости. Мы также ниспослали железо, в котором заключается могучая сила и польза для людей, для того, чтобы Аллах узнал тех, кто помогает Ему и Его посланникам, хотя и не видит Его воочию. Воистину, Аллах - Всесильный, Могущественный.

﴿لَقَدْ أرْسَلْنا رُسُلَنا بِالبَيِّناتِ وأنْزَلْنا مَعَهُمُ الكِتابَ والمِيزانَ لِيَقُومَ النّاسُ بِالقِسْطِ وأنْزَلْنا الحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ ومَنافِعُ لِلنّاسِ ولِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَنْصُرُهُ ورُسُلَهُ بِالغَيْبِ إنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ .

اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ ناشِئٌ عَمّا تَقَدَّمَ مِنَ التَّحْرِيضِ عَلى الإنْفاقِ في سَبِيلِ اللَّهِ وعَنِ الفَتْحِ وعَنْ تَذْيِيلِ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ ﴿ومَن يَتَوَلَّ فَإنَّ اللَّهَ الغَنِيُّ الحَمِيدُ﴾ [الحديد: ٢٤]، وهو إعْذارٌ لِلْمُتَوَلِّينَ مِنَ المُنافِقِينَ لِيَتَدارَكُوا صَلاحَهم بِاتِّباعِ الرَّسُولِ ﷺ والتَّدَبُّرِ في هَدْيِ القُرْآنِ، وإنْذارٌ لَهم إنْ لَمْ يَرْعَوُوا ويَنْصاعُوا إلى الحُجَّةِ السّاطِعَةِ بِأنَّهُ يَكُونُ تَقْوِيمُ عِوَجِهِمْ بِالسُّيُوفِ القاطِعَةِ وهو ما صَرَّحَ لَهم بِهِ في قَوْلِهِ في سُورَةِ الأحْزابِ ﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ المُنافِقُونَ والَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ والمُرْجِفُونَ في المَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لا يُجاوِرُونَكَ فِيها إلّا قَلِيلًا﴾ [الأحزاب: ٦٠] ﴿مَلْعُونِينَ أيْنَما ثُقِفُوا أُخِذُوا وقُتِّلُوا تَقْتِيلًا﴾ [الأحزاب: ٦١] وقَوْلِهِ في سُورَةِ التَّحْرِيمِ ﴿يا أيُّها النَّبِيءُ جاهِدِ الكُفّارَ والمُنافِقِينَ واغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ [التحريم: ٩] لِئَلّا يَحْسَبُوا أنَّ قَوْلَهُ ﴿ومَن يَتَوَلَّ فَإنَّ اللَّهَ الغَنِيُّ الحَمِيدُ﴾ [الحديد: ٢٤] مُجَرَّدَ مُتارَكَةٍ فَيَطْمَئِنُّوا لِذَلِكَ.

وتَأْكِيدُ الخَبَرِ بِلامِ القِسْمِ وحَرْفِ التَّحْقِيقِ راجِعٌ إلى ما تَضَمَّنَهُ الخَبَرُ مِن ذِكْرِ ما في إرْسالِ رُسُلِ اللَّهِ وكُتُبِهِ مِن إقامَةِ القِسْطِ لِلنّاسِ، ومِنَ التَّعْرِيضِ بِحَمْلِ المُعْرِضِينَ عَلى السَّيْفِ إنِ اسْتَمَرُّوا عَلى غَلْوائِهِمْ.

وجَمْعُ ”الرُّسُلِ“ هُنا لِإفادَةِ أنَّ ما جاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ ﷺ لَيْسَ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ، وأنَّ مُكابَرَةَ المُنافِقِينَ عَمايَةٌ عَنْ سُنَّةِ اللَّهِ في خَلْقِهِ فَتَأْكِيدُ ذَلِكَ مَبْنِيٌّ عَلى تَنْزِيلِ السّامِعِينَ مَنزِلَةَ مَن يُنْكِرُ أنَّ اللَّهَ أرْسَلَ رُسُلًا قَبْلَ مُحَمَّدٍ ﷺ لِأنَّ حالَهم في التَّعَجُّبِ مِن دَعَواهُ الرِّسالَةَ كَحالِ مَن يُنْكِرُ أنَّ اللَّهَ أرْسَلَ رُسُلًا مِن قَبْلُ. وقَدْ تَكَرَّرَ مِثْلُ هَذا في مَواضِعَ مِنَ القُرْآنِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿قُلْ قَدْ جاءَكم رُسُلٌ مِن قَبْلِي بِالبَيِّناتِ﴾ [آل عمران: ١٨٣] .

صفحة ٤١٦

والبَيِّناتُ: الحُجَجُ الدّالَّةُ عَلى أنَّ ما يَدْعُونَ إلَيْهِ هو مُرادُ اللَّهِ، والمُعْجِزاتُ داخِلَةٌ في البَيِّناتِ.

وتَعْرِيفُ ”الكِتابَ“ تَعْرِيفُ الجِنْسِ، أيْ: وأنْزَلْنا مَعَهم كُتُبًا، أيْ: مِثْلَ القُرْآنِ.

وإنْزالُ الكِتابِ: تَبْلِيغٌ بِواسِطَةِ المَلَكِ مِنَ السَّماءِ، وإنْزالُ المِيزانِ: تَبْلِيغُ الأمْرِ بِالعَدْلِ بَيْنَ النّاسِ.

والمِيزانُ: مُسْتَعارٌ لِلْعَدْلِ بَيْنَ النّاسِ في إعْطاءِ حُقُوقِهِمْ لِأنَّ مِمّا يَقْتَضِيهُ المِيزانُ وُجُودَ طَرَفَيْنِ يُرادُ مَعْرِفَةُ تَكافُئِهِما، قالَ تَعالى ﴿وإذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النّاسِ أنْ تَحْكُمُوا بِالعَدْلِ﴾ [النساء: ٥٨] . وهَذا المِيزانُ تُبَيِّنُهُ كُتُبُ الرُّسُلِ، فَذِكْرُهُ بِخُصُوصِهِ لِلِاهْتِمامِ بِأمْرِهِ لِأنَّهُ وسِيلَةُ انْتِظامِ أُمُورِ البَشَرِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿إنّا أنْزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ بِالحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النّاسِ بِما أراكَ اللَّهُ﴾ [النساء: ١٠٥] ولَيْسَ المُرادُ أنَّ اللَّهَ ألْهَمَهم وضْعَ آلاتِ الوَزْنِ لِأنَّ هَذا لَيْسَ مِنَ المُهِمِّ، وهو مِمّا يَشْمَلُهُ مَعْنى العَدْلِ فَلا حاجَةَ إلى التَّنْبِيهِ عَلَيْهِ بِخُصُوصِهِ.

ويَتَعَلَّقُ قَوْلُهُ ﴿لِيَقُومَ النّاسُ بِالقِسْطِ﴾ بِقَوْلِهِ ”وأنْزَلْنا مَعَهم“ .

والقِيامُ: مَجازٌ في صَلاحِ الأحْوالِ واسْتِقامَتِها لِأنَّهُ سَبَبٌ لِتَيْسِيرِ العَمَلِ وقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ”ويُقِيمُونَ الصَّلاةَ“ في أوائِلِ البَقَرَةِ.

والقِسْطُ: العَدْلُ في جَمِيعِ الأُمُورِ، فَهو أعَمُّ مِنَ المِيزانِ المَذْكُورِ لْاخْتِصاصِهِ بِالعَدْلِ بَيْنَ مُتَنازِعَيْنِ، وأمّا القِسْطُ فَهو إجْراءُ أُمُورِ النّاسِ عَلى ما يَقْتَضِيهُ الحَقُّ فَهو عَدْلٌ عامٌّ بِحَيْثُ يَقْدِرُ صاحِبُ الحَقِّ مُنازِعًا لِمَن قَدِ احْتَوى عَلى حَقِّهِ.

ولَفْظُ ”القِسْطِ“ مَأْخُوذٌ في العَرَبِيَّةِ مِن لَفْظِ قِسْطاسِ اسْمُ العَدْلِ بِلُغَةِ الرُّومِ، فَهو مِنَ المُعَرَّبِ ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ مُجاهِدٍ.

والباءُ لِلْمُلابَسَةِ، أيْ: يَكُونُ أمْرُ النّاسِ مُلابِسًا لِلْعَدْلِ ومُماشِيًا لِلْحَقِّ، وإنْزالُ الحَدِيدِ: مُسْتَعارٌ لِخَلْقِ مَعْدَنِهِ كَقَوْلِهِ ﴿وأنْزَلَ لَكم مِنَ الأنْعامِ ثَمانِيَةَ أزْواجٍ﴾ [الزمر: ٦]، أيْ: خَلَقَ لِأجْلِكم وذَلِكَ بِإلْهامِ البَشَرِ اسْتِعْمالَهُ في السِّلاحِ مِن سُيُوفٍ ودُرُوعٍ

صفحة ٤١٧

ورِماحٍ ونِبالٍ وخُوَذٍ ودَرَقٍ ومَجانٍّ. ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالحَدِيدِ خُصُوصُ السِّلاحِ المُتَّخَذِ مِنهُ مِن سُيُوفٍ وأسِنَّةٍ ونِبالٍ، فَيَكُونُ إنْزالُهُ مُسْتَعارًا لِمُجَرَّدِ إلْهامِ صُنْعِهِ، فَعَلى الوَجْهِ الأوَّلِ يَكُونُ ضَمِيرُ ﴿فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ﴾ عائِدًا إلى الحَدِيدِ بِاعْتِبارِ إعْدادِهِ لِلْبَأْسِ فَكَأنَّ البَأْسَ مَظْرُوفٌ فِيهِ.

والبَأْسُ: الضُّرُّ. والمُرادُ بَأْسُ القَتْلِ والجَرْحِ بِآلاتِ الحَدِيدِ مِن سُيُوفٍ ورِماحٍ ونِبالٍ، وبَأْسُ جُرْأةِ النّاسِ عَلى إيصالِ الضُّرِّ بِالغَيْرِ بِواسِطَةِ الواقِياتِ المُتَّخَذَةِ مِنَ الحَدِيدِ.

والمَنافِعُ: مَنافِعُ الغالِبِ بِالحَدِيدِ مِن غَنائِمَ وأسْرى وفَتْحِ بِلادٍ.

ويَتَعَلَّقُ قَوْلُهُ ”لِلنّاسِ“ بِكُلٍّ مِن ”بَأْسٌ“ ومَنافِعُ ”عَلى طَرِيقَةِ التَّنازُعِ، أيْ: فِيهِ بَأْسٌ لِناسٍ ومَنافِعُ لِآخَرِينَ فَإنَّ مَصائِبَ قَوْمٍ عِنْدَ قَوْمٍ فَوائِدُ.

والمَقْصُودُ مِن هَذا لَفْتُ أبْصارِ السّامِعِينَ إلى الِاعْتِبارِ بِحِكْمَةِ اللَّهِ تَعالى مِن خَلْقِ الحَدِيدِ وإلْهامِ صُنْعِهِ، والتَّنْبِيهُ عَلى أنَّ ما فِيهِ مِن نَفْعٍ وبَأْسٍ إنَّما أُرِيدَ بِهِ أنْ يُوضَعَ بَأْسُهُ حَيْثُ يُسْتَحَقُّ، ويُوضَعَ نَفْعُهُ حَيْثُ يَلِيقُ بِهِ لا لِتُجْعَلَ مَنافِعُهُ لِمَن لا يَسْتَحِقُّها مِثْلِ قُطّاعِ الطَّرِيقِ والثُّوّارِ عَلى أهْلِ العَدْلِ، ولِتَجْهِيزِ الجُيُوشِ لِحِمايَةِ الأوْطانِ مِن أهْلِ العُدْوانِ، ولِلِادِّخارِ في البُيُوتِ لِدَفْعِ الضّارِياتِ والعادِياتِ عَلى الحُرُمِ والأمْوالِ.

وكانَ الحَكِيمُ (انْتِيثُنُوسْ) اليُونانِيُّ تِلْمِيذُ سُقْراطَ إذا رَأى امْرَأةً حالِيَّةً مُتَزَيِّنَةً في أثِينا يَذْهَبُ إلى بَيْتِ زَوْجِها ويَسْألُهُ أنْ يُرِيَهُ فَرَسَهُ وسِلاحَهُ فَإذا رَآهُما كامِلَيْنِ أذِنَ لْامْرَأتِهِ أنْ تَتَزَيَّنَ لِأنَّ زَوْجَها قادِرٌ عَلى حِمايَتِها مِن داعِرٍ يَغْتَصِبُها، وإلّا أمَرَها بِتَرْكِ الزِّينَةِ وتَرْكِ الحُلِيِّ.

وهَذا مِن بابِ سَدِّ الذَّرِيعَةِ، لا لِيُجْعَلَ بَأْسُهُ لِإخْضادِ شَوْكَةِ العَدْلِ والآمِرِينَ بِالمَعْرُوفِ عَلى السُّكُوتِ، فَإنَّ ذَلِكَ تَحْرِيفٌ لِما أرادَ اللَّهُ مِن وضْعِ الأشْياءِ النّافِعَةِ والقارَّةِ، قالَ تَعالى ﴿واللَّهُ لا يُحِبُّ الفَسادَ﴾ [البقرة: ٢٠٥]، وقالَ عَلى لِسانِ أحَدِ رُسُلِهِ ﴿إنْ أُرِيدُ إلّا الإصْلاحَ ما اسْتَطَعْتُ﴾ [هود: ٨٨] .

صفحة ٤١٨

وقَدْ أوْمَأ إلى هَذا المَعْنى بِالإجْمالِ قَوْلُهُ ﴿ولِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَنْصُرُهُ ورُسُلَهُ بِالغَيْبِ﴾، أيْ: لِيُظْهِرَ لِلنّاسِ أثَرَ عِلْمِ اللَّهِ بِمَن يَنْصُرُهُ، فَأطْلَقَ فِعْلَ“ لِيَعْلَمَ ”عَلى مَعْنى ظُهُورِ أثَرِ العِلْمِ كَقَوْلِ إياسِ بْنِ قَبِيصَةَ الطّائِيِّ:

وأقْبَلْتُ والخَطِيُّ يَخْطُرُ بَيْنَنا لِأعْلَمَ مَن جَبانُها مِن شُجاعِها

أيْ: لِيَظْهَرَ لِلنّاسِ الجَبانُ والشُّجاعُ، أيْ: فَيَعْلَمُوا أنِّي شُجاعُهم.

ونَصْرُ النّاسِ اللَّهَ هو نَصْرُ دِينِهِ، وأمّا اللَّهُ فَغَنِيٌّ عَنِ النَّصْرِ، وعَطَفَ“ ورُسُلَهُ ”، أيْ: مَن يَنْصُرُ القائِمِينَ بِدِينِهِ، ويَدْخُلُ فِيهِ نَصْرُ شَرائِعِ الرَّسُولِ ﷺ بَعْدَهُ ونَصْرُ وُلاةِ أُمُورِ المُسْلِمِينَ القائِمِينَ بِالحَقِّ. وأعْظَمَ رَجُلٍ نَصَرَ دِينَ اللَّهِ بَعْدَ وفاةِ رَسُولِهِ ﷺ هو أبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ في قِتالِهِ أهْلَ الرِّدَّةِ.

وقَوْلُهُ“ بِالغَيْبِ ”يَتَعَلَّقُ بِـ“ يَنْصُرُهُ "، أيْ: يَنْصُرُهُ نَصْرًا يَدْفَعُهُ إلَيْهِ داعِي نَفْسِهِ دُونَ خَشْيَةِ داعٍ يَدْعُوهُ إلَيْهِ، أوْ رَقِيبٍ يَرْقُبُ صَنِيعَهُ والمَعْنى: أنَّهُ يُجاهِدُ في سَبِيلِ اللَّهِ والدِّفاعِ عَنِ الدِّينِ بِمَحْضِ الإخْلاصِ.

وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ الحَدِيدِ ومَعْدِنِهِ وصِناعَتِهِ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿آتُونِي زُبَرَ الحَدِيدِ﴾ [الكهف: ٩٦] في سُورَةِ الكَهْفِ.

وجُمْلَةُ ﴿إنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ تَعْلِيلٌ لِجُمْلَةِ ﴿أرْسَلْنا رُسُلَنا بِالبَيِّناتِ﴾ إلى آخِرِها، أيْ: لِأنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ في شُئُونِهِ القُدْسِيَّةِ، فَكَذَلِكَ يَجِبُ أنْ تَكُونَ رُسُلُهُ أقْوِياءَ أعِزَّةً، وأنْ تَكُونَ كُتُبُهُ مُعَظَّمَةً مُوَقَّرَةً، وإنَّما يَحْصُلُ ذَلِكَ في هَذا العالَمِ المَنُوطَةِ أحْداثُهُ بِالأسْبابِ المَجْعُولَةِ بِأنْ يَنْصُرَهُ الرُّسُلُ وأقْوامٌ مُخْلِصُونَ لِلَّهِ ويُعِينُوا عَلى نَشْرِ دِينِهِ وشَرائِعِهِ.

والقَوِيُّ العَزِيزُ: مِن أسْمائِهِ تَعالى. فالقَوِيُّ: المُتَّصِفُ بِالقُوَّةِ، قالَ تَعالى ﴿ذُو القُوَّةِ المَتِينُ﴾ [الذاريات: ٥٨] وتَقَدَّمَ القَوِيُّ في قَوْلِهِ ﴿إنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ شَدِيدُ العِقابِ﴾ [الأنفال: ٥٢] .

والعَزِيزُ: المُتَّصِفُ بِالعِزَّةِ، وتَقَدَّمَتْ في قَوْلِهِ ﴿إنَّ العِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ [يونس: ٦٥] في سُورَةِ البَقَرَةِ. وقَوْلِهِ ﴿فاعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٠٩] .

57:26Страница 541

وَلَقَدۡ أَرۡسَلۡنَا نُوحٗا وَإِبۡرَٰهِيمَ وَجَعَلۡنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا ٱلنُّبُوَّةَ وَٱلۡكِتَٰبَۖ فَمِنۡهُم مُّهۡتَدٖۖ وَكَثِيرٞ مِّنۡهُمۡ فَٰسِقُونَ ٢٦

Мы уже отправили Нуха (Ноя) и Ибрахима (Авраама) и установили пророчество и Писание в их потомстве. Среди них есть такие, которые следуют прямым путем, но многие из них являются нечестивцами.

صفحة ٤١٩

﴿ولَقَدْ أرْسَلَنا نُوحًا وإبْراهِيمَ وجَعَلْنا في ذُرِّيَّتِهِما النُّبُوءَةَ والكِتابَ فَمِنهم مُهْتَدٍ وكَثِيرٌ مِنهم فاسِقُونَ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿لَقَدْ أرْسَلْنا رُسُلَنا بِالبَيِّناتِ﴾ [الحديد: ٢٥] عَطَفَ الخاصَّ عَلى العامِّ لَمّا أُرِيدَ تَفْصِيلٌ لِإجْمالِهِ تَفْصِيلًا يُسَجِّلُ بِهِ انْحِرافَ المُشْرِكِينَ مِنَ العَرَبِ والضّالِّينَ مِنَ اليَهُودِ عَنْ مَناهِجِ أبَوَيْهِما: نُوحٍ وإبْراهِيمَ، قالَ تَعالى في شَأْنِ بَنِي إسْرائِيلَ ﴿ذُرِّيَّةَ مَن حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ إنَّهُ كانَ عَبْدًا شَكُورًا﴾ [الإسراء: ٣]، والعَرَبُ لا يَنْسَوْنَ أنَّهم مِن ذُرِّيَّةِ نُوحٍ كَما قالَ النّابِغَةُ يَمْدَحُ النُّعْمانَ بْنَ المُنْذِرِ:

فَألْفَيْتَ الأمانَةَ لَمْ تَخُنْها كَذَلِكَ كانَ نُوحٌ لا يَخُونُ

والنُّبُوءَةُ في ذُرِّيَّتِهِما كَنُبُوءَةِ هُودٍ وصالِحٍ وتُبَّعٍ ونُبُوءَةِ إسْماعِيلَ وإسْحاقَ وشُعَيْبٍ ويَعْقُوبَ.

والمُرادُ بِـ ”الكِتابَ“ ما كانَ بِيَدِ ذُرِّيَّةِ نُوحٍ وذُرِّيَّةِ إبْراهِيمَ مِنَ الكُتُبِ الَّتِي فِيها أُصُولُ دِيانَتِهِمْ مِن صُحُفِ إبْراهِيمَ وما حَفِظُوهُ مِن وصاياهُ ووَصايا إسْماعِيلَ وإسْحاقَ.

والفِسْقُ: الخُرُوجُ عَنِ الِاهْتِداءِ، ومِنَ الفاسِقِينَ: المُشْرِكُونَ مِن عادٍ وثَمُودَ وقَوْمِ لُوطٍ واليَمَنِ والأوْسِ والخَزْرَجِ وهم مِن ذُرِّيَّةِ نُوحٍ، ومِن مَدْيَنَ والحِجازِ وتِهامَةَ وهم مِن ذُرِّيَّةِ إبْراهِيمَ.

والمُرادُ: مَن أشْرَكُوا قَبْلَ مَجِيءِ الإسْلامِ لِقَوْلِهِ ﴿ثُمَّ قَفَّيْنا عَلى آثارِهِمْ بِرُسُلِنا وقَفَّيْنا بِعِيسى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ [الحديد: ٢٧] .

Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии

Содержание

Аят аль-Курси36Аль-Кахфстр. 42джуз 15Бухари 1Муслим 2999

Вид

Тема
Размер текста
Вид

Read in English