Ибн АшурАль‑Муджадиля · 58:3–6

Ибн Ашур · Тафсир · на арабском

Аль-Муджадиля 58:3–6

58:3Страница 542

وَٱلَّذِينَ يُظَٰهِرُونَ مِن نِّسَآئِهِمۡ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُواْ فَتَحۡرِيرُ رَقَبَةٖ مِّن قَبۡلِ أَن يَتَمَآسَّاۚ ذَٰلِكُمۡ تُوعَظُونَ بِهِۦۚ وَٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ خَبِيرٞ ٣

Те, которые объявляют своих жен запретными для себя, а потом отрекаются от сказанного, должны освободить одного раба прежде, чем они прикоснутся друг к другу. Этим вас увещевают, и Аллах ведает о том, что вы совершаете.

﴿والَّذِينَ يَظَّهَّرُونَ مِن نِسائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِما قالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِن قَبْلِ أنْ يَتَماسّا ذَلِكم تُوعَظُونَ بِهِ واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ .

عَطَفَ عَلى جُمْلَةِ ﴿الَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِنكم مِن نِسائِهِمْ ما هُنَّ أُمَّهاتِهِمْ﴾ [المجادلة: ٢] أُعِيدَ المُبْتَدَأُ فِيها لِلِاهْتِمامِ بِالحُكْمِ والتَّصْرِيحُ بِأصْحابِهِ وكانَ مُقْتَضى الكَلامِ أنْ يُقالَ: فَإنْ يَعُودُوا لِما قالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ، فَيَكُونُ عَطْفًا عَلى جُمْلَةِ الخَبَرِ مِن قَوْلِهِ ﴿ما هُنَّ أُمَّهاتِهِمْ﴾ [المجادلة: ٢] .

و”ثُمَّ“ عاطِفَةُ جُمْلَةِ يَعُودُونَ عَلى جُمْلَةِ يُظاهِرُونَ، وهي لِلتَّراخِي الرُّتَبِيِّ تَعْرِيضًا بِالتَّخْطِئَةِ لِهم بِأنَّهم عادُوا إلى ما كانُوا يَفْعَلُونَهُ في الجاهِلِيَّةِ بَعْدَ أنِ

صفحة ١٦

انْقَطَعَ ذَلِكَ بِالإسْلامِ. ولِذَلِكَ عَلَّقَ بِفِعْلِ يَعُودُونَ ما يَدُلُّ عَلى قَوْلِهِمْ لَفْظَ الظِّهارِ.

والعَوْدُ: الرُّجُوعُ إلى شَيْءٍ تَرَكَهُ وفارَقَهُ صاحِبُهُ. وأصْلُهُ: الرُّجُوعُ إلى المَكانِ الَّذِي غادَرَهُ، وهو هُنا عَوْدٌ مَجازِيٌّ.

ومَعْنى ﴿يَعُودُونَ لِما قالُوا﴾ يَحْتَمِلُ أنَّهم يَعُودُونَ لِما نَطَقُوا بِهِ مِنَ الظِّهارِ. وهَذا يَقْتَضِي أنَّ المُظاهِرَ لا يَكُونُ مُظاهِرًا إلّا إذا صَدَرَ مِنهُ لَفْظُ الظِّهارِ مَرَّةً ثانِيَةً بَعْدَ أُولى. وبِهَذا فَسَّرَ الفَرّاءُ. ورُوِيَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ بِحَيْثُ يَكُونُ ما يَصْدُرُ مِنهُ مَرَّةً أُولى مَعْفُوًّا عَنْهُ. غَيْرَ أنَّ الحَدِيثَ الصَّحِيحَ في قَضِيَّةِ المُجادِلَةِ يَدْفَعُ هَذا الظّاهِرَ لِأنَّ النَّبِيءَ ﷺ قالَ لِأوْسِ بْنِ الصّامِتِ: أعْتِقْ رَقَبَةً كَما سَيَأْتِي مِن حَدِيثِ أبِي داوُدَ فَتَعَيَّنَ أنَّ التَّكْفِيرَ واجِبٌ عَلى المُظاهِرِ مِن أوَّلِ مَرَّةٍ يَنْطِقُ فِيها بِلَفْظِ الظِّهارِ.

ويَحْتَمِلُ أنْ يُرادَ أنَّهم يُرِيدُونَ العَوْدَ إلى أزْواجِهِمْ، أيْ: لا يُحِبُّونَ الفِراقَ ويَرُومُونَ العَوْدَ إلى المُعاشَرَةِ. وهَذا تَأْوِيلٌ اتَّفَقَ عَلَيْهِ الفُقَهاءُ عَدا داوُدَ الظّاهِرِيَّ، وبُكَيْرَ بْنَ الأشَجِّ، وأبا العالِيَةَ. وفي المُوَطَّأِ قالَ مالِكٌ في قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ ﴿والَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِن نِسائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِما قالُوا﴾ قالَ سَمِعْتُ أنَّ تَفْسِيرَ ذَلِكَ أنْ يُظاهِرَ الرَّجُلُ مِنِ امْرَأتِهِ ثُمَّ يُجْمِعُ بَعْدَ تَظاهُرِهِ عَلى إصابَتِها وإمْساكِها فَإنْ أجْمَعَ عَلى ذَلِكَ فَقَدْ وجَبَتْ عَلَيْهِ الكَفّارَةُ وإنْ طَلَّقَها ولَمْ يُجْمِعْ بَعْدَ تَظاهُرِهِ مِنها عَلى إمْساكِها فَلا كَفّارَةَ عَلَيْهِ.

وأقْوالُ أبِي حَنِيفَةَ، والشّافِعِيِّ، واللَّيْثِ تَحُومُ حَوْلَ هَذا المَعْنى عَلى اخْتِلافٍ في التَّعْبِيرِ لا نُطِيلُ بِهِ.

وعَلَيْهِ فَقَدِ اسْتُعْمِلَ فِعْلُ يَعُودُونَ في إرادَةِ العَوْدَةِ كَما اسْتُعْمِلَ فِعْلٌ مُسْتَعْمَلٌ في مَعْنى إرادَةِ العَوْدِ والعَزْمِ عَلَيْهِ لا عَلى العَوْدِ بِالفِعْلِ لِأنَّهُ لَوْ كانَ عَوْدًا بِالفِعْلِ لَمْ يَكُنْ لْاشْتِراطِ التَّكْفِيرِ قَبْلَ المَسِيسِ مَعْنًى، فانْتَظَمَ مِن هَذا مَعْنى: ثُمَّ يُرِيدُونَ العَوْدَ إلى ما حَرَّمُوهُ عَلى أنْفُسِهِمْ فَعَلَيْهِمْ كَفّارَةٌ قَبْلَ أنْ يَعُودُوا إلَيْهِ عَلى نَحْوِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿إذا قُمْتُمْ إلى الصَّلاةِ فاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ [المائدة: ٦] أيْ: إذا أرَدْتُمُ القِيامَ، وقَوْلِهِ ﴿فَإذا قَرَأْتَ القُرْآنَ فاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ﴾ [النحل: ٩٨]، وقَوْلِ النَّبِيءِ ﷺ «إذا سَألْتَ فاسْألِ اللَّهَ وإذا اسْتَعَنْتَ فاسْتَعِنْ بِاللَّهِ» .

صفحة ١٧

وتِلْكَ هي قَضِيَّةُ سَبَبِ النُّزُولِ لِأنَّ المَرْأةَ ما جاءَتْ مُجادِلَةً إلّا لِأنَّها عَلِمَتْ أنَّ زَوْجَها المُظاهِرَ مِنها لَمْ يُرِدْ فِراقَها كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ الحَدِيثُ المَرْوِيُّ في ذَلِكَ في كِتابِ أبِي داوُدَ «عَنْ خُوَيْلَةَ بِنْتِ مالِكِ بْنِ ثَعْلَبَةَ قالَتْ: ظاهَرَ مِنِّي زَوْجِي أوْسُ بْنُ الصّامِتِ فَجِئْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أشْكُو إلَيْهِ ورَسُولُ اللَّهِ يُجادِلُنِي ويَقُولُ: اتَّقِي اللَّهَ. فَإنَّهُ ابْنُ عَمِّكِ ؟ فَما بَرِحْتُ حَتّى نَزَلَ القُرْآنُ. فَقالَ: يُعْتِقُ رَقَبَةً. قالَتْ: لا يَجِدُ. قالَ: فَيَصُومُ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ. قالَتْ: إنَّهُ شَيْخٌ كَبِيرٌ ما بِهِ مِن صِيامٍ. قالَ: فَلْيُطْعِمْ سِتِّينَ مِسْكِينًا. قالَتْ: ما عِنْدَهُ شَيْءٌ يَتَصَدَّقُ بِهِ. فَأتى ساعَتَئِذٍ بِعَرَقٍ مِن تَمْرٍ، قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ فَإنِّي أُعِينُهُ بِعَرَقٍ آخَرَ. قالَ: قَدْ أحْسَنْتِ اذْهَبِي فَأطْعِمِي بِهِما عَنْهُ سِتِّينَ مِسْكِينًا وارْجِعِي إلى ابْنِ عَمِّكِ» . قالَ أبُو داوُدَ في هَذا: إنَّها كَفَّرَتْ عَنْهُ مِن غَيْرِ أنْ تَسْتَأْمِرَهُ.

والمُرادُ ”بِما قالُوا“ ما قالُوا بِلَفْظِ الظِّهارِ وهو ما حَرَّمُوهُ عَلى أنْفُسِهِمْ مِنَ الِاسْتِمْتاعِ المُفادِ مِن لَفْظِ: أنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي، لِأنَّ: أنْتِ عَلَيَّ. في مَعْنى: قُرْبانِكِ ونَحْوِهِ عَلَيَّ كَمِثْلِهِ مِن ظَهْرِ أُمِّي. ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ونَرِثُهُ ما يَقُولُ﴾ [مريم: ٨٠]، أيْ مالًا ووَلَدًا في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وقالَ لَأُوتَيَنَّ مالًا ووَلَدًا﴾ [مريم: ٧٧]، وقَوْلِهِ ﴿قُلْ قَدْ جاءَكم رُسُلٌ مِن قَبْلِي بِالبَيِّناتِ وبِالَّذِي قُلْتُمْ﴾ [آل عمران: ١٨٣] أيْ: قَوْلُكم حَتّى يَأْتِيَنا بِقُرْبانٍ تَأْكُلُهُ النّارُ. فَفِعْلُ القَوْلِ في هَذا وأمْثالِهِ ناصِبٌ لِمُفْرَدٍ لِوُقُوعِهِ في خِلالِ جُمْلَةٍ مَقُولَةٍ، وإيثارُ التَّعْبِيرِ عَنِ المَعْنى الَّذِي وقَعَ التَّحْرِيمُ لَهُ. فَلَفْظُ الظِّهارِ بِالمَوْصُولِ وصِلَتِهِ هَذِهِ إيجازٌ وتَنْزِيهٌ لِلْكَلامِ عَنِ التَّصْرِيحِ بِهِ. فالمَعْنى ثُمَّ يَرُومُونَ أنْ يَرْجِعُوا لِلِاسْتِمْتاعِ بِأزْواجِهِمْ بَعْدَ أنْ حَرَّمُوهُ عَلى أنْفُسِهِمْ.

وفُهِمَ مِن قَوْلِهِ ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ لِما قالُوا﴾ أنَّ مَن لَمْ يُرِدِ العَوْدَ إلى امْرَأتِهِ لا يَخْلُو حالَهُ: فَإمّا أنْ يُرِيدَ طَلاقَها فَلَهُ أنْ يُوَقِّعَ عَلَيْها طَلاقًا آخَرَ لِأنَّ اللَّهَ أبْطَلَ أنْ يَكُونَ الظِّهارُ طَلاقًا، وإمّا أنْ لا يُرِيدَ طَلاقًا ولا عَوْدًا. فَهَذا قَدْ صارَ مُمْتَنِعًا مِن مُعاشَرَةِ زَوْجِهِ مُضِرًّا بِها فَلَهُ حُكْمُ الإيلاءِ الَّذِي في قَوْلِهِ تَعالى ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِن نِسائِهِمْ تَرَبُّصُ أرْبَعَةِ أشْهُرٍ﴾ [البقرة: ٢٢٦] الآيَةَ. وقَدْ كانُوا يَجْعَلُونَ الظِّهارَ إيلاءً كَما في قِصَّةِ سَلَمَةَ بْنِ صَخْرٍ البَياضِيِّ. ثُمَّ الزُّرَقِيِّ في كِتابِ أبِي داوُدَ قالَ: «كُنْتُ امْرَأً أُصِيبُ مِنَ النِّساءِ ما لا يُصِيبُ غَيْرِي فَلَمّا دَخَلَ شَهْرُ رَمَضانَ خِفْتُ أنْ أُصِيبَ مِنِ امْرَأتِي شَيْئًا يُتايِعُ بِي» - بِتَحْتِيَّةٍ في أوَّلِهِ مَضْمُومَةٍ ثُمَّ مُثَنّاةٍ فَوْقِيَّةٍ ثُمَّ ألِفٍ ثُمَّ تَحْتِيَّةٍ، والظّاهِرُ

صفحة ١٨

أنَّها مَكْسُورَةٌ - . والتَّتايُعُ الوُقُوعُ في الشَّرِّ فالباءُ في قَوْلِهِ (بِي) زائِدَةٌ لِلتَّأْكِيدِ ) حَتّى أُصْبِحَ، فَظاهَرْتُ مِنها حَتّى يَنْسَلِخَ شَهْرُ رَمَضانَ. الحَدِيثَ.

واللّامُ في قَوْلِهِ ﴿لِما قالُوا﴾ بِمَعْنى (إلى) كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿بِأنَّ رَبَّكَ أوْحى لَها﴾ [الزلزلة: ٥] ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ ﴿ولَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ﴾ [الأنعام: ٢٨] . وأحْسَبُ أنَّ أصْلَ اللّامِ هو التَّعْلِيلُ، وهو أنَّها في مِثْلِ هَذِهِ المَواضِعِ إنْ كانَ الفِعْلُ الَّذِي تَعَلَّقَتْ بِهِ لَيْسَ فِيهِ مَعْنى المَجِيءِ حُمِلَتِ اللّامُ فِيهِ عَلى مَعْنى التَّعْلِيلِ وهو الأصْلُ نَحْوُ ﴿بِأنَّ رَبَّكَ أوْحى لَها﴾ [الزلزلة: ٥]، وما يَقَعُ فِيهِ حَرْفُ (إلى) مِن ذَلِكَ مَجازٌ بِتَنْزِيلِ مَن يُفْعِلُ الفِعْلَ لِأجْلِهِ مَنزِلَةَ مَن يَجِيءُ الجائِي إلَيْهِ، وإنْ كانَ الفِعْلُ الَّذِي تَعَلَّقَتْ بِهِ اللّامُ فِيهِ مَعْنى المَجِيءِ مِثْلُ فِعْلِ العَوْدِ فَإنَّ تَعَلُّقَ اللّامِ بِهِ يُشِيرُ إلى إرادَةِ مَعْنًى في ذَلِكَ الفِعْلِ بِتَمَجُّزٍ أوْ تَضْمِينٍ يُناسِبُهُ حَرْفُ التَّعْلِيلِ نَحْوَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿كُلٌّ يَجْرِي لِأجَلٍ مُسَمًّى﴾ [الرعد: ٢]، أيْ: جَرْيُهُ المُسْتَمِرُّ لِقَصْدِهِ أجَلًا يَبْلُغُهُ. ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ولَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ﴾ [الأنعام: ٢٨] أيْ: عاوَدُوا فِعْلَهُ ومِنهُ ما في هَذِهِ الآيَةِ.

وفِي الكَشّافِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿كُلٌّ يَجْرِي لِأجَلٍ مُسَمًّى﴾ [الرعد: ٢] في سُورَةِ الزُّمَرِ أنَّهُ لَيْسَ مِثْلَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿كُلٌّ يَجْرِي إلى أجَلٍ مُسَمًّى﴾ [لقمان: ٢٩] في سُورَةِ لُقْمانَ أيْ: أنَّهُ لَيْسَ مِن تَعاقُبِ الحَرْفَيْنِ ولا يَسْلُكُ هَذِهِ الطَّرِيقَةَ إلّا ضَيِّقُ العَطَنِ، ولَكِنَّ المَعْنَيَيْنِ أعْنِي الِاسْتِعْلاءَ والتَّخْصِيصَ كِلاهُما مُلائِمٌ لِصَحَّةِ الغَرَضِ لِأنَّ قَوْلَهُ ”إلى أجَلٍ“ مَعْناهُ يَبْلُغُهُ، وقَوْلُهُ لِأجَلٍ يُرِيدُ لِإدْراكِ أجَلٍ تَجْعَلُ الجَرْيَ مُخْتَصًّا بِالإدْراكِ اهـ.

فَيَكُونُ التَّقْدِيرُ عَلى هَذا الوَجْهِ ثُمَّ يُرِيدُونَ العَوْدَ لِأجْلِ ما قالُوا، أيْ: لِأجْلِ رَغْبَتِهِمْ في أزْواجِهِمْ، فَيَصِيرُ مُتَعَلَّقُ فِعْلِ ”يَعُودُونَ“ مُقَدَّرًا يَدُلُّ عَلَيْهِ الكَلامُ، أيْ: يَعُودُونَ لِما تَرَكُوهُ مِنَ العِصْمَةِ، ويَصِيرُ الفِعْلُ في مَعْنى: يَنْدَمُونَ عَلى الفِراقِ.

وتَحْصُلُ مِن هَذا أنَّ كَفّارَةَ الظِّهارِ شُرِعَتْ إذا قَصَدَ المُظاهِرُ الِاسْتِمْرارَ عَلى مُعاشَرَةِ زَوْجِهِ، تَحِلَّةً لِما قَصَدَهُ مِنَ التَّحْرِيمِ، وتَأْدِيبًا لَهُ عَلى هَذا القَصْدِ الفاسِدِ والقَوْلِ الشَّنِيعِ.

وبِهَذا يَكُونُ مَحْمَلُ قَوْلِهِ ﴿مِن قَبْلِ أنْ يَتَماسّا﴾ عَلى أنَّهُ مِن قَبْلِ أنْ يَمَسَّ زَوْجَهُ

صفحة ١٩

مَسَّ اسْتِمْتاعٍ قَبْلَ أنْ يُكَفِّرَ وهو كِنايَةٌ عَنِ الجِماعِ في اصْطِلاحِ القُرْآنِ، كَما قالَ ﴿وإنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٧] .

ولِذَلِكَ جُعِلَتِ الكَفّارَةُ عِتْقَ رَقَبَةٍ لِأنَّهُ يَفْتَدِي بِتِلْكَ الرَّقَبَةِ رَقَبَةَ زَوْجِهِ.

وقَدْ جَعَلَها اللَّهُ تَعالى مَوْعِظَةً بِقَوْلِهِ ﴿ذَلِكم تُوعَظُونَ بِهِ﴾ . واسْمُ الإشارَةِ في قَوْلِهِ ذَلِكم عائِدٌ إلى تَحْرِيرِ رَقَبَةٍ. والوَعْظُ: التَّذْكِيرُ بِالخَيْرِ والتَّحْذِيرُ مِنَ الشَّرِّ بِتَرْغِيبٍ أوْ تَرْهِيبٍ، أيْ: فَرْضُ الكَفّارَةِ تَنْبِيهٌ لَكم لِتَتَفادَوْا مَسِيسَ المَرْأةِ الَّتِي طُلِّقَتْ أوْ تَسْتَمِرُّوا عَلى مُفارَقَتِها مَعَ الرَّغْبَةِ في العَوْدِ إلى مُعاشَرَتِها لِئَلّا تَعُودُوا إلى الظِّهارِ. ولَمْ يُسَمِّ اللَّهُ ذَلِكَ كَفّارَةً هُنا وسَمّاها النَّبِيءُ ﷺ كَفّارَةً كَما في حَدِيثِ سَلَمَةَ بْنِ صَخْرٍ البَياضِيِّ في جامِعِ التِّرْمِذِيِّ وإنَّما الكَفّارَةُ مِن نَوْعِ العُقُوبَةِ في أحَدِ قَوْلَيْنِ عَنْ مالِكٍ وهو قَوْلُ الشّافِعِيِّ حَكاهُ عَنْهُ ابْنُ العَرَبِيِّ في الأحْكامِ.

فالمُظاهِرُ مَمْنُوعٌ مِنَ الِاسْتِمْتاعِ بِزَوْجَتِهِ المُظاهَرِ مِنها، أيْ: مَمْنُوعٌ مِن عَلائِقَ الزَّوْجِيَّةِ، وذَلِكَ يَقْتَضِي تَعْطِيلَ العِصْمَةِ ما لَمْ يُكَفِّرْ لِأنَّهُ ألْزَمَ نَفْسَهُ ذَلِكَ فَإنِ اسْتَمْتَعَ بِها قَبْلَ الكَفّارَةِ كُلِّها فَلْيَتُبْ إلى اللَّهِ ولْيَسْتَغْفِرْ وتَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ الكَفّارَةُ ولا تَتَعَدَّدُ الكَفّارَةُ بِسَبَبِ الِاسْتِمْتاعِ قَبْلَ التَّذْكِيرِ لِأنَّهُ سَبَبٌ واحِدٌ فَلا يَضُرُّ تَكَرُّرُ مُسَبِّبِهِ، وإنَّما جُعِلَتِ الكَفّارَةُ زَجْرًا ولِذَلِكَ لَمْ يَكُنْ وطْءُ المُظاهِرِ امْرَأتَهُ قَبْلَ الكَفّارَةِ زِنًى. وقَدْ رَوى أبُو داوُدَ، والتِّرْمِذِيُّ حَدِيثَ سَلَمَةَ بْنِ صَخْرٍ البَياضِيِّ أنَّهُ ظاهَرَ مِنِ امْرَأتِهِ ثُمَّ وقَعَ عَلَيْها قَبْلَ أنْ يُكَفِّرَ فَأمَرَهُ النَّبِيءُ ﷺ بِكَفّارَةٍ واحِدَةٍ، وهو قَوْلُ جُمْهُورِ العُلَماءِ. وعَنْ مُجاهِدٍ، وعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيِّ أنَّ عَلَيْهِ كَفّارَتَيْنِ.

وتَفاصِيلُ أحْكامِ الظِّهارِ في صِيغَتِهِ وغَيْرِ ذَلِكَ مُفَصَّلَةٌ في كُتُبِ الفِقْهِ.

وقَوْلُهُ ﴿واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ تَذْيِيلٌ لِجُمْلَةِ ﴿ذَلِكم تُوعَظُونَ بِهِ﴾، أيْ: واللَّهُ عَلِيمٌ بِجَمِيعِ ما تَعْمَلُونَهُ مِن هَذا التَّكْفِيرِ وغَيْرِهِ.

58:4Страница 542

فَمَن لَّمۡ يَجِدۡ فَصِيَامُ شَهۡرَيۡنِ مُتَتَابِعَيۡنِ مِن قَبۡلِ أَن يَتَمَآسَّاۖ فَمَن لَّمۡ يَسۡتَطِعۡ فَإِطۡعَامُ سِتِّينَ مِسۡكِينٗاۚ ذَٰلِكَ لِتُؤۡمِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦۚ وَتِلۡكَ حُدُودُ ٱللَّهِۗ وَلِلۡكَٰفِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ ٤

Если кто-либо не сможет сделать этого, то он должен поститься в течение двух месяцев без перерыва прежде, чем они прикоснутся друг к другу. А кто не способен на это, тому надлежит накормить шестьдесят бедняков. Это делается для того, чтобы вы уверовали в Аллаха и Его Посланника. Таковы ограничения Аллаха, а для неверующих уготованы мучительные страдания.

﴿فَمَن لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ مِن قَبْلِ أنْ يَتَماسّا فَمَن لَمْ يَسْتَطِعْ فَإطْعامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا﴾ .

رُخْصَةٌ لِمَن لَمْ يَجِدْ عِتْقَ رَقَبَةٍ أنْ يَنْتَقِلَ إلى صِيامِ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ لِأنَّهُ لَمّا لَمْ يَجِدْ

صفحة ٢٠

رَقَبَةً يَعْتاضُ بِفَكِّها عَنْ فَكِّ عِصْمَةِ الزَّوْجَةِ نُقِلَ إلى كَفّارَةٍ فِيها مَشَقَّةُ النَّفْسِ بِالصَّبْرِ عَلى لَذَّةِ الطَّعامِ والشَّرابِ لِيَدْفَعَ ما التَزَمَهُ بِالظِّهارِ مِن مَشَقَّةِ الصَّبْرِ عَلى ابْتِعادِ حَلِيلَتِهِ فَكانَ الصَّوْمُ دَرَجَةً ثانِيَةً قَرِيبَةً مِن دَرَجَةِ تَحْرِيرِ الرَّقَبَةِ في المُناسَبَةِ.

وأُعِيدَ قَيْدُ ﴿مِن قَبْلِ أنْ يَتَماسّا﴾ [المجادلة: ٣] لِلدِّلالَةِ عَلى أنَّهُ لا يَكُونُ المَسُّ إلّا بَعْدَ انْقِضاءِ الصِّيامِ فَلا يَظُنُّ أنَّ مُجَرَّدَ شُرُوعِهِ في الصِّيامِ كافٍ في العَوْدِ إلى الِاسْتِمْتاعِ.

﴿فَمَن لَمْ يَسْتَطِعْ﴾، أيْ: لِعَجْزِهِ أوْ ضَعْفِهِ رَخَّصَ اللَّهَ لَهُ أنْ يَنْتَقِلَ إلى إطْعامِ سِتِّينَ مِسْكِينًا عِوَضًا عَنِ الصِّيامِ، فالإطْعامُ دَرَجَةٌ ثالِثَةٌ يَدْفَعُ عَنْ سِتِّينَ مِسْكِينًا ألَمَ الجُوعِ عِوَضًا عَمّا كانَ التَزَمَهُ عَلى نَفْسِهِ مِن مَشَقَّةِ الِابْتِعادِ عَنْ لَذّاتِهِ، وإنَّما حُدِّدَتْ بِسِتِّينَ مِسْكِينًا إلْحاقًا لِهَذا بِكَفّارَةِ فِطْرِ يَوْمٍ مِن رَمَضانَ عَمْدًا بِجامِعِ أنَّ كِلَيْهِما كَفّارَةٌ عَنْ صِيامٍ فَكانَتِ الكَفّارَةُ مُتَناسِبَةً مَعَ المُكَفَّرِ عَنْهُ مُرَتَّبَةً تَرْتِيبًا مُناسِبًا. وقَدْ أُجْمِلَ مِقْدارُ الطَّعامِ في الآيَةِ اكْتِفاءً بِتَسْمِيَتِهِ إطْعامًا فَيُحْمَلُ عَلى ما يَقْصِدُهُ النّاسُ مِنَ الطَّعامِ وهو الشِّبَعُ الواحِدُ كَما هو المُتَعارَفُ في فِعْلِ طَعِمَ. فَحَمَلَهُ عُلَماؤُنا عَلى ما بِهِ شِبَعُ الجائِعِ، فَيُقَدَّرُ في كُلِّ قَوْمٍ بِحَسْبِ ما بِهِ شِبَعُ مُعْتادِ الجائِعِينَ. وعَنْ مالِكٍ رَحِمَهُ اللَّهُ في ذَلِكَ رِوايَتانِ إحْداهُما أنَّهُ مُدٌّ واحِدٌ لِكُلِّ مِسْكِينٍ بِمُدِّ النَّبِيءِ ﷺ والثّانِيَةُ أنَّهُ مُدّانِ أوْ ما يَقْرُبُ مِنَ المُدَّيْنِ وهو مُدٌّ بِمُدِّ هِشامِ بْنِ إسْماعِيلَ المَخْزُومِيِّ أمِيرِ المَدِينَةِ وقَدْرُهُ مُدّانِ إلّا ثُلُثَ مُدٍّ قالَ أشْهَبُ: قُلْتُ لِمالِكٍ: أيَخْتَلِفُ الشِّبَعُ عِنْدَنا وعِنْدَكم ؟ قالَ: نَعَمِ الشِّبَعُ عِنْدَنا مُدٌّ بِمُدِّ النَّبِيءِ ﷺ والشِّبَعُ عِنْدَكم أكْثَرُ أيْ: لِأنَّ النَّبِيءَ ﷺ دَعا لِأهْلِ المَدِينَةِ بِالبَرَكَةِ. وقَوْلُهُ هَذا يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ الإطْعامُ في المَدِينَةِ مُدًّا بِمُدِّ النَّبِيءِ ﷺ مِثْلُ كَفّارَةِ الفِطْرِ في رَمَضانَ، فَكَيْفَ جَعَلَهُ مالِكٌ مُقَدَّرًا بِمُدَّيْنِ أوْ بِمُدٍّ وثُلُثَيْنِ، وقالَ: لَوْ أطْعَمَ مُدًّا ونِصْفَ مُدٍّ أجْزَأهُ، فَتَعَيَّنَ أنَّ تَضْعِيفَ المِقْدارِ في الإطْعامِ مُراعًى فِيهِ مَعْنى العُقُوبَةُ عَلى ما صَنَعَ، وإلّا فَلا دَلِيلَ عَلَيْهِ مِن نَصٍّ ولا قِياسٍ. قالَ أبُو الحَسَنِ القابِسِيُّ إنَّما أخَذَ أهْلُ المَدِينَةِ بِمُدِّ هِشامٍ في كَفّارَةِ الظِّهارِ تَغْلِيظًا عَلى المُتَظاهِرِينَ الَّذِينَ شَهِدَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ أنَّهم يَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ القَوْلِ وزُورًا فَهَذا مِمّا ثَبَتَ بِعَمَلِ أهْلِ المَدِينَةِ.

صفحة ٢١

وقَدَّرَ أبُو حَنِيفَةَ الشِّبَعَ بِمُدَّيْنِ بِمُدِّ النَّبِيءِ ﷺ فَلَعَلَّهُ راعى الشِّبَعَ في مُعْظَمِ الأقْطارِ غَيْرَ المَدِينَةِ، وقَدَّرَهُ الشّافِعِيُّ بِمُدٍّ واحِدٍ لِكُلِّ مِسْكِينٍ قِياسًا عَلى ما ثَبَتَ في السُّنَّةِ في كَفّارَةِ الإفْطارِ وكَفّارَةِ اليَمِينِ.

ولَمْ يُذْكَرْ مَعَ الإطْعامِ قَيْدُ ﴿مِن قَبْلِ أنْ يَتَماسّا﴾ [المجادلة: ٣] اكْتِفاءً بِذِكْرِهِ مَعَ تَحْرِيرِ الرَّقَبَةِ وصِيامِ الشَّهْرَيْنِ ولِأنَّهُ بَدَلٌ عَنِ الصِّيامِ ومُجَزَّأٌ لِمِثْلِ أيّامِ الصِّيامِ. هَذا قَوْلُ جُمْهُورِ الفُقَهاءِ.

وعَنْ أبِي حَنِيفَةَ أنَّ الإطْعامَ لا يُشْتَرَطُ فِيهِ وُقُوعُهُ مِن قَبْلِ أنْ يَتَماسّا.

ثُمَّ إنَّ وقْعَ المَسِيسِ قَبْلَ الكَفّارَةِ أوْ قَبْلَ إتْمامِها لَمْ يَتَرَتَّبْ عَلى ذَلِكَ إلّا أنَّهُ آثِمٌ إذْ لا يُمْكِنُ أنْ يَتَرَتَّبَ عَلَيْهِ أثَرٌ آخَرُ، وهَذا ما بَيَّنَهُ حَدِيثُ سَلَمَةَ بْنِ صَخْرٍ الَّذِي شَكا إلى النَّبِيءِ ﷺ أنَّهُ وقَعَ عَلى امْرَأتِهِ بَعْدَ أنْ ظاهَرَ مِنها، فَأمَرَهُ بِأنْ لا يَعُودَ إلى مِثْلِ ذَلِكَ حَتّى يُكَفِّرَ. وهَذا قَوْلُ جُمْهُورِ الفُقَهاءِ، وقالَ مُجاهِدٌ عَلَيْهِ كَفّارَتانِ.

وصَرِيحُ الآيَةِ أنَّ تَتابُعَ الصِّيامِ شَرْطٌ في التَّكْفِيرِ وعَلَيْهِ فَلَوْ أفْطَرَ في خِلالِهِ دُونَ عُذْرٍ وجَبَ عَلَيْهِ إعادَتُهُ.

ولا يَمَسُّ امْرَأتَهُ حَتّى يُتِمَّ الشَّهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ، فَإنْ مَسَّها في خِلالِ الشَّهْرَيْنِ أثِمَ ووَجَبَ عَلَيْهِ إعادَةُ الشَّهْرَيْنِ. وقالَ الشّافِعِيُّ: إذا كانَ الوَطْءُ لَيْلًا لَمْ يَبْطُلِ التَّتابُعُ لِأنَّ اللَّيْلَ لَيْسَ مَحَلًّا لِلصَّوْمِ، وهَذا هو الجارِي عَلى القِياسِ وعَلى مُقْتَضى حَدِيثِ سَلَمَةَ بْنِ صَخْرٍ.

وأمّا كَوْنُهُ آثِمًا بِالمَسِيسِ قَبْلَ تَمامِ الكَفّارَةِ فَمَسْألَةٌ أُخْرى فَمِنَ العَجَبِ قَوْلُ أبِي بَكْرِ ابْنِ العَرَبِيِّ في كَلامِ الشّافِعِيِّ أنَّهُ كَلامُ مَن لَمْ يَذُقْ طَعْمَ الفِقْهِ لِأنَّ الوَطْءَ الواقِعَ في خِلالِ الصَّوْمِ لَيْسَ بِالمَحَلِّ المَأْذُونِ فِيهِ بِالكَفّارَةِ فَإنَّهُ وطْءُ تَعَدٍّ فَلا بُدَّ مِنَ الِامْتِثالِ لِلْأمْرِ بِصَوْمٍ لا يَكُونُ في أثْنائِهِ وطْءٌ. اهـ.

والمِسْكِينُ: الشَّدِيدُ الفَقْرِ، وتَقَدَّمَ في سُورَةِ بَراءَةٌ.

والمُظاهِرُ إنْ كانَ قادِرًا عَلى بَعْضِ خِصالِ الكَفّارَةِ وأبى أنْ يُكَفِّرَ انْقَلَبَ ظِهارُهُ إيلاءً. فَإنْ لَمْ تَرْضَ المَرْأةُ بِالبَقاءِ عَلى ذَلِكَ فَلَهُ أجَلُ الإيلاءِ فَإنِ انْقَضى الأجَلُ

صفحة ٢٢

طُلِّقَتْ عَلَيْهِ امْرَأتُهُ إنْ طَلَبَتِ الطَّلاقَ. وإنْ كانَ عاجِزًا عَنْ خِصالِ الكَفّارَةَ كُلِّها كانَ كالعاجِزِ عَنِ الوَطْءِ بَعْدَ وُقُوعِهِ مِنهُ فَتَبْقى العِصْمَةُ بَيْنَ المُتَظاهِرِ وامْرَأتِهِ ولا يَقْرَبُها حَتّى يُكَفِّرَ.

وقَدْ أمَرَ النَّبِيءُ ﷺ بِكَفّارَةِ سَلَمَةَ بْنِ صَخْرٍ مِن أمْوالِ بَيْتِ المالِ فَحَقَّ عَلى وُلاةِ الأُمُورِ أنْ يَدْفَعُوا عَنِ العاجِزِ كَفّارَةَ ظِهارِهِ، فَإنْ تَعَذَّرَ ذَلِكَ فالظّاهِرُ أنَّ الكَفّارَةَ ساقِطَةٌ عَنْهُ، وأنَّهُ يَعُودُ إلى مَسِيسِ امْرَأتِهِ، وتَبْقى الكَفّارَةُ ذَنْبًا عَلَيْهِ في ذِمَّتِهِ لِأنَّ اللَّهَ أبْطَلَ طَلاقَ الظِّهارِ.

* * *

﴿ذَلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ وتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ ولِلْكافِرِينَ عَذابٌ ألِيمٌ﴾ .

الإشارَةُ إلى ما ذَكَرَ مِنَ الأحْكامِ، أيْ ذَلِكَ المَذْكُورُ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ، أيْ لِتُؤْمِنُوا إيمانًا كامِلًا بِالِامْتِثالِ لِما أمَرَكُمُ اللَّهُ ورَسُولُهُ فَلا تَشُوبُوا أعْمالَ الإيمانِ بِأعْمالِ أهْلِ الجاهِلِيَّةِ، وهَذا زِيادَةٌ في تَشْنِيعِ الظِّهارِ. وتَحْذِيرٌ لِلْمُسْلِمِينَ مِن إيقاعِهِ فِيما بَعْدُ، أوْ ذَلِكَ النَّقْلُ مِن حَرَجِ الفِراقِ بِسَبَبِ قَوْلِ الظِّهارِ إلى الرُّخْصَةِ في عَدَمِ الِاعْتِدادِ بِهِ وفي الخَلاصِ مِنهُ بِالكَفّارَةِ، لَتَيْسِيرِ الإيمانِ عَلَيْكم فَهَذا في مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى ﴿وما جَعَلَ عَلَيْكم في الدِّينِ مِن حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨] .

و”لِتُؤْمِنُوا“ خَبَرٌ عَنِ اسْمِ الإشارَةِ، واللّامُ لِلتَّعْلِيلِ. ولَمّا كانَ المُشارُ إلَيْهِ هو صِيامُ شَهْرَيْنِ أوْ إطْعامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا عِوَضًا عَنْ تَحْرِيرِ رَقَبَةٍ كانَ ما عُلِّلَ بِهِ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُنْسَحِبًا عَلى الصِّيامِ والإطْعامِ، وما عُلِّلَ بِهِ الصِّيامُ والإطْعامُ مُنْسَحِبًا عَلى تَحْرِيرِ رَقَبَةٍ، فَأفادَ أنَّ كُلًّا مِن تَحْرِيرِ رَقَبَةٍ وصِيامِ شَهْرَيْنِ وإطْعامِ سِتِّينَ مِسْكِينًا مُشْتَمِلٌ عَلى كِلْتا العِلَّتَيْنِ وهُما المَوْعِظَةُ والإيمانُ بِاللَّهِ ورَسُولِهِ.

والإشارَةُ في ﴿وتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ﴾ إلى ما أُشِيرَ إلَيْهِ بِذَلِكَ، وجِيءَ لَهُ بِاسْمِ إشارَةِ التَّأْنِيثِ نَظَرًا لِلْإخْبارِ عَنْهُ بِلَفْظِ ”حُدُودُ“ إذْ هو جَمْعٌ يَجُوزُ تَأْنِيثُ إشارَتِهِ كَما يَجُوزُ تَأْنِيثُ ضَمِيرِهِ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَعْتَدُوها﴾ [البقرة: ٢٢٩] في سُورَةِ البَقَرَةِ.

صفحة ٢٣

وجُمْلَةُ ﴿ولِلْكافِرِينَ عَذابٌ ألِيمٌ﴾ تَتْمِيمٌ لِجُمْلَةِ ﴿ذَلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ﴾، أيْ ذَلِكَ الحُكْمُ وهو إبْطالُ التَّحْرِيمِ بِالظِّهارِ حُكْمُ الإسْلامِ. وأمّا ما كانُوا عَلَيْهِ فَهو مِن آثارِ الجاهِلِيَّةِ فَهو سُنَّةُ قَوْمٍ لَهم عَذابٌ ألِيمٌ عَلى الكُفْرِ وما تَوَلَّدَ مِنهُ مِنَ الأباطِيلِ، فالظِّهارُ شَرْعُ الجاهِلِيَّةِ. وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿إنَّما النَّسِيءُ زِيادَةٌ في الكُفْرِ﴾ [التوبة: ٣٧]، لِأنَّهُ وضَعَهُ المُشْرِكُونَ ولَمْ يَكُنْ مِنَ الحَنِيفِيَّةِ.

58:5Страница 542

إِنَّ ٱلَّذِينَ يُحَآدُّونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ كُبِتُواْ كَمَا كُبِتَ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡۚ وَقَدۡ أَنزَلۡنَآ ءَايَٰتِۭ بَيِّنَٰتٖۚ وَلِلۡكَٰفِرِينَ عَذَابٞ مُّهِينٞ ٥

Те, которые враждуют с Аллахом и Его Посланником, будут унижены, как были унижены их предшественники. Мы уже ниспослали ясные знамения, а для неверующих уготованы унизительные мучения.

﴿إنَّ الَّذِينَ يُحادُّونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ كُبِتُوا كَما كُبِتَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ لَمّا جَرى ذِكْرُ الكافِرِينَ وجَرى ذِكْرُ حُدُودِ اللَّهِ وكانَ في المَدِينَةِ مُنافِقُونَ مِنَ المُشْرِكِينَ نَقَلَ الكَلامَ إلى تَهْدِيدِهِمْ وإيقاظِ المُسْلِمِينَ لِلِاحْتِرازِ مِنهم.

والمُحادَّةُ: المَشاقَّةُ والمُعاداةُ، وقَدْ أُوثِرَ هَذا الفِعْلُ هُنا لِوُقُوعِ الكَلامِ عَقِبَ ذِكْرِ حُدُودِ اللَّهِ، فَإنَّ المُحادَّةَ مُشْتَقَّةٌ مِنَ الحَدِّ لِأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنَ المُتَعادِيَيْنِ كَأنَّهُ في حَدٍّ مُخالِفٍ لِحَدِّ الآخَرِ، مِثْلَ ما قِيلَ أنَّ العَداوَةَ مُشْتَقَّةٌ مِن عُدْوَةِ الوادِي لِأنَّ كُلًّا مِنَ المُتَعادِيَيْنِ يُشْبِهُ مَن هو مِنَ الآخَرِ في عُدْوَةٍ أُخْرى.

وقِيلَ: اشْتُقَّتِ المُشاقَّةُ مِنَ الشُّقَّةِ لِأنَّ كُلًّا مِنَ المُتَخالِفَيْنِ كَأنَّهُ في شُقَّةٍ غَيْرِ شُقَّةِ الآخَرِ.

والمُرادُ بِهِمُ الَّذِينَ يُحادُّونَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ المُرْسَلَ بِدِينِ اللَّهِ فَمُحادَّتُهُ مُحادَّةٌ لِلَّهِ.

والكَبْتُ: الخِزْيُ والإذْلالُ، وفِعْلُ كُبِتُوا مُسْتَعْمَلٌ في الوَعِيدِ أيْ سَيُكْبَتُونَ، فَعَبَّرَ عَنْهُ بِالمُضِيِّ تَنْبِيهًا عَلى تَحْقِيقِ وُقُوعِهِ لِصُدُورِهِ عَمَّنْ لا خِلافَ في خَبَرِهِ مِثْلَ ﴿أتى أمْرُ اللَّهِ﴾ [النحل: ١] ولِأنَّهُ مُؤَيَّدٌ بِتَنْظِيرِهِ بِما وقَعَ لِأمْثالِهِمْ. وقَرِينَةُ ذَلِكَ تَأْكِيدُ الخَبَرِ بِـ ”إنَّ“ لِأنَّ الكَلامَ لَوْ كانَ إخْبارًا عَنْ كَبْتٍ وقَعَ لَمْ يَكُنْ ثَمَّ مُقْتَضى لِتَأْكِيدِ الخَبَرِ إذْ لا يُنازِعُ أحَدٌ فِيما وقَعَ، ويَزِيدُ ذَلِكَ وُضُوحًا قَوْلُهُ ﴿كَما كُبِتَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ يَعْنِي الَّذِينَ حادُّوا اللَّهَ في غَزْوَةِ الخَنْدَقِ. وتَقَدَّمَ ذِكْرُها في سُورَةِ الأحْزابِ. وما كانَ مِنَ المُنافِقِينَ فِيها فالمُرادُ بِصِلَةِ ”مِن قَبْلِهِمْ“ مَن كانَ مِن قَبْلِهِمْ مِن أهْلِ النِّفاقِ وهم يَعْرِفُونَهم.

* * *

صفحة ٢٤

﴿وقَدْ أنْزَلْنا آياتٍ بَيِّناتٍ﴾ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ جُمْلَةِ ﴿إنَّ الَّذِينَ يُحادُّونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ وجُمْلَةِ ﴿ولِلْكافِرِينَ عَذابٌ مُهِينٌ﴾ أيْ لا عُذْرَ لَهم في مُحادَّةِ اللَّهِ ورَسُولِهِ، فَإنَّ مَعَ الرَّسُولِ ﷺ آياتِ القُرْآنِ بَيِّنَةً عَلى صِدْقِهِ.

* * *

﴿ولِلْكافِرِينَ عَذابٌ مُهِينٌ﴾

عُطِفَ عَلى جُمْلَةِ ﴿كُبِتُوا كَما كُبِتَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾، أيْ لَهم بَعْدَ الكَبْتِ عَذابٌ مُهِينٌ في الآخِرَةِ.

وتَعْرِيفُ الكافِرِينَ تَعْرِيفُ الجِنْسِ لِيَسْتَغْرِقَ كُلَّ الكافِرِينَ.

ووَصَفَ عَذابَهم بِالمُهِينِ لِمُناسَبَةِ وعِيدِهِمْ بِالكَبْتِ الَّذِي هو الذُّلُّ والإهانَةُ.

58:6Страница 542

يَوۡمَ يَبۡعَثُهُمُ ٱللَّهُ جَمِيعٗا فَيُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوٓاْۚ أَحۡصَىٰهُ ٱللَّهُ وَنَسُوهُۚ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ شَهِيدٌ ٦

В тот день Аллах воскресит их всех и поведает им о том, что они совершили. Аллах исчислил это, а они забыли. Аллах - Свидетель всякой вещи.

﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُهم بِما عَمِلُوا أحْصاهُ اللَّهُ ونَسُوهُ واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ .

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ”يَوْمَ“ ظَرْفًا مُتَعَلِّقًا بِالكَوْنِ المُقَدَّرِ في خَبَرِ المُبْتَدَأِ مِن ﴿ولِلْكافِرِينَ عَذابٌ مُهِينٌ﴾ [المجادلة: ٥] .

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِـ ”مُهِينٌ“، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا عَلى المَفْعُولِ بِهِ لِفِعْلٍ تَقْدِيرُهُ: اذْكُرْ تَنْوِيهًا بِذَلِكَ اليَوْمِ وتَهْوِيلًا عَلَيْهِمْ وهَذا كَثِيرٌ في أسْماءِ الزَّمانِ الَّتِي وقَعَتْ في القُرْآنِ. وقَدْ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وإذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ أنِّي جاعِلٌ في الأرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة: ٣٠] في سُورَةِ البَقَرَةِ.

وضَمِيرُ الجَمْعِ عائِدٌ إلى ﴿الَّذِينَ يُحادُّونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ [المجادلة: ٥] و﴿الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ [المجادلة: ٥] . ولِذَلِكَ أُتِيَ بِلَفْظِ الشُّمُولِ وهو جَمِيعًا حالًا مِنَ الضَّمِيرِ.

وقَوْلُهُ ﴿فَيُنَبِّئُهم بِما عَمِلُوا﴾ تَهْدِيدٌ بِفَضْحِ نِفاقِهِمْ يَوْمَ البَعْثِ. وفِيهِ كِنايَةٌ عَنِ الجَزاءِ عَلى أعْمالِهِمْ.

صفحة ٢٥

وجُمْلَةُ ﴿أحْصاهُ اللَّهُ ونَسُوهُ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ مِن ما عَمِلُوا.

والمَقْصُودُ مِنَ الحالِ هو ما عَطَفَ عَلَيْهِ مِن قَوْلِهِ ”ونَسُوهُ“ لِأنَّ ذَلِكَ مَحَلُّ العِبْرَةِ. وبِهِ تَكُونُ الحالَةُ مُؤَسِّسَةً لا مُؤَكِّدَةً لِعامِلِها، وهو يُنَبِّئُهم، أيْ عَلِمَهُ اللَّهُ عِلْمًا مُفَصَّلًا مِنَ الآنَ. وهم نَسُوهُ، وذَلِكَ تَسْجِيلٌ عَلَيْهِمْ بِأنَّهم مُتَهاوِنُونَ بِعَظِيمِ الأمْرِ وذَلِكَ مِنَ الغُرُورِ، أيْ نَسُوهُ في الدُّنْيا بَلْهَ الآخِرَةِ، فَإذا أُنْبِئُوا بِهِ عَجِبُوا، قالَ تَعالى﴿ووُضِعَ الكِتابُ فَتَرى المُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمّا فِيهِ ويَقُولُونَ يا ويْلَتَنا ما لِهَذا الكِتابِ لا يُغادِرُ صَغِيرَةً ولا كَبِيرَةَ إلّا أحْصاها ووَجَدُوا ما عَمِلُوا حاضِرًا﴾ [الكهف: ٤٩] .

وجُمْلَةُ ﴿واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ تَذْيِيلٌ. والشَّهِيدُ: العالِمُ بِالأُمُورِ المُشاهَدَةِ.

Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии

Содержание

Аят аль-Курси36Аль-Кахфстр. 42джуз 15Бухари 1Муслим 2999

Вид

Тема
Размер текста
Вид

Read in English