Ибн АшурАль‑Анам · 6:109–110

Ибн Ашур · Тафсир · на арабском

Аль-Анам 6:109–110

6:109Страница 141

وَأَقۡسَمُواْ بِٱللَّهِ جَهۡدَ أَيۡمَٰنِهِمۡ لَئِن جَآءَتۡهُمۡ ءَايَةٞ لَّيُؤۡمِنُنَّ بِهَاۚ قُلۡ إِنَّمَا ٱلۡأٓيَٰتُ عِندَ ٱللَّهِۖ وَمَا يُشۡعِرُكُمۡ أَنَّهَآ إِذَا جَآءَتۡ لَا يُؤۡمِنُونَ ١٠٩

Именем Аллаха они принесли величайшие клятвы о том, что если к ним явится знамение, они непременно уверуют в него. Скажи: «Знамения находятся у Аллаха. И откуда вам знать, что они не уверуют, если даже оно придет к ним?».

﴿وأقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أيْمانِهِمْ لَئِنْ جاءَتْهم آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِها قُلْ إنَّما الآياتُ عِنْدَ اللَّهِ وما يُشْعِرُكم أنَّها إذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ .

عُطِفَتْ جُمْلَةُ ﴿وأقْسَمُوا﴾ عَلى جُمْلَةِ ﴿اتَّبِعْ ما أُوحِيَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ﴾ [الأنعام: ١٠٦] الآيَةَ. والضَّمِيرُ عائِدٌ إلى القَوْمِ في قَوْلِهِ ﴿وكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وهو الحَقُّ﴾ [الأنعام: ٦٦] مِثْلُ الضَّمائِرِ الَّتِي جاءَتْ بَعْدَ تِلْكَ الآيَةِ ومَعْنى ﴿لَئِنْ جاءَتْهم آيَةٌ﴾ آيَةٌ غَيْرُ القُرْآنِ. وهَذا إشارَةٌ إلى شَيْءٍ مِن تَعَلُّلاتِهِمْ لِلتَّمادِي عَلى الكُفْرِ بَعْدَ ظُهُورِ الحُجَجِ الدّامِغَةِ لَهم، كانُوا قَدْ تَعَلَّلُوا بِهِ في بَعْضِ تَوَرُّكِهِمْ عَلى الإسْلامِ. فَرَوى الطَّبَرِيُّ وغَيْرُهُ عَنْ مُجاهِدٍ، ومُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ القُرَظِيِّ، والكَلْبِيِّ، يَزِيدُ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ: «أنَّ قُرَيْشًا سَألُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ آيَةً مِثْلَ آيَةِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ إذْ ضَرَبَ بِعَصاهُ الحَجَرَ فانْفَجَرَتْ مِنهُ العُيُونُ، أوْ مِثْلَ آيَةِ صالِحٍ، أوْ مِثْلَ آيَةِ عِيسى عَلَيْهِمُ السَّلامُ، وأنَّهم قالُوا لَمّا

صفحة ٤٣٥

سَمِعُوا قَوْلَهُ تَعالى ﴿إنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ آيَةً فَظَلَّتْ أعْناقُهم لَها خاضِعِينَ﴾ [الشعراء: ٤] أقْسَمُوا أنَّهم إنْ جاءَتْهم آيَةٌ كَما سَألُوا أوْ كَما تَوَعَّدُوا لَيُوقِنُنَّ أجْمَعُونَ»، وأنَّ رَسُولَ اللَّهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ سَألَ اللَّهَ أنْ يَأْتِيَهم بِآيَةٍ كَما سَألُوا، حِرْصًا عَلى أنْ يُؤْمِنُوا. فَهَذِهِ الآيَةُ نازِلَةٌ في ذَلِكَ المَعْنى لِأنَّ هَذِهِ السُّورَةَ جَمَعَتْ كَثِيرًا مِن أحْوالِهِمْ ومُحاجّاتِهِمْ.

والكَلامُ عَلى قَوْلِهِ ﴿وأقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أيْمانِهِمْ﴾ هو نَحْوُ الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ في سُورَةِ العُقُودِ ﴿أهَؤُلاءِ الَّذِينَ أقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أيْمانِهِمْ﴾ [المائدة: ٥٣] .

والأيْمانُ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلَيْها عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ في أيْمانِكم ولَكِنْ يُؤاخِذُكم بِما كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٥] في سُورَةِ البَقَرَةِ.

وجُمْلَةُ ﴿لَئِنْ جاءَتْهم آيَةٌ﴾ إلَخْ مُبَيِّنَةٌ لِجُمْلَةِ ﴿وأقْسَمُوا بِاللَّهِ﴾ .

واللّامُ في ﴿لَئِنْ جاءَتْهم آيَةٌ﴾ مُوَطِّئَةٌ لِلْقَسَمِ، لِأنَّها تَدُلُّ عَلى أنَّ الشَّرْطَ قَدْ جُعِلَ شَرْطًا في القَسَمِ فَتَدُلُّ عَلى قَسَمٍ مَحْذُوفٍ غالِبًا، وقَدْ جاءَتْ هُنا مَعَ فِعْلِ القَسَمِ لِأنَّها صارَتْ مُلازِمَةً لِلشَّرْطِ الواقِعِ جَوابًا لِلْقَسَمِ فَلَمْ تَنْفَكَّ عَنْهُ مَعَ وُجُودِ فِعْلِ القَسَمِ. واللّامُ في ﴿لَيُؤْمِنُنَّ بِها﴾ لامُ القَسَمِ، أيْ لامُ جَوابِهِ.

والمُرادُ بِالآيَةِ ما اقْتَرَحُوهُ عَلى الرَّسُولِ ﷺ يَعْنُونَ بِها خارِقَ عادَةٍ تَدُلُّ عَلى أنَّ اللَّهَ أجابَ مُقْتَرَحَهم لِيُصَدِّقَ رَسُولَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، فَلِذَلِكَ نُكِّرَتْ ”آيَةٌ“، يَعْنِي: أيَّةَ آيَةٍ كانَتْ مِن جِنْسِ ما تَنْحَصِرُ فِيهِ الآياتُ في زَعْمِهِمْ.

ومَجِيءُ الآيَةِ مُسْتَعارٌ لِظُهُورِها لِأنَّ الشَّيْءَ الظّاهِرَ يُشْبِهُ حُضُورَ الغائِبِ فَلِذَلِكَ يُسْتَعارُ لَهُ المَجِيءُ.

وتَقَدَّمَ بَيانُ مَعْنى الآيَةِ واشْتِقاقِها عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا وكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولَئِكَ أصْحابُ النّارِ هم فِيها خالِدُونَ﴾ [البقرة: ٣٩] في سُورَةِ البَقَرَةِ.

صفحة ٤٣٦

ومَعْنى كَوْنِ الآياتِ عِنْدَ اللَّهِ أنَّ الآياتِ مِن آثارِ قُدْرَةِ اللَّهِ وإرادَتِهِ، فَأسْبابُ إيجادِ الآياتِ مِن صِفاتِهِ، فَهو قادِرٌ عَلَيْها، فَلِأجْلِ ذَلِكَ شُبِّهَتْ بِالأُمُورِ المُدَّخَرَةِ عِنْدَهُ، وأنَّهُ إذا شاءَ إبْرازَها لِلنّاسِ، فَكَلِمَةُ ”عند“ هُنا مَجازٌ. اسْتُعْمِلَ اسْمُ المَكانِ الشَّدِيدِ القُرْبِ في مَعْنى الِاسْتِبْدادِ والِاسْتِئْثارِ مَجازًا مُرْسَلًا، لِأنَّ الِاسْتِئْثارَ مِن لَوازِمِ حالَةِ المَكانِ الشَّدِيدِ القُرْبِ عُرْفًا، كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿وعِنْدَهُ مَفاتِحُ الغَيْبِ﴾ [الأنعام: ٥٩] .

والحَصْرُ بِـ ”إنَّما“ رَدَّ عَلى المُشْرِكِينَ ظَنَّهم بِأنَّ الآياتِ في مَقْدُورِ النَّبِيءِ ﷺ إنْ كانَ نَبِيئًا، فَجَعَلُوا عَدَمَ إجابَةِ النَّبِيءِ ﷺ اقْتِراحَهم آيَةً أمارَةً عَلى انْتِفاءِ نُبُوءَتِهِ، فَأمَرَهُ اللَّهُ أنْ يُجِيبَ بِأنَّ الآياتِ عِنْدَ اللَّهِ لا عِنْدَ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، واللَّهُ أعْلَمُ بِما يُظْهِرُهُ مِنَ الآياتِ.

وقَوْلُهُ ﴿وما يُشْعِرُكم أنَّها إذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ قَرَأ الأكْثَرُ أنَّها بِفَتْحِ هَمْزَةِ (أنْ) . وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، ويَعْقُوبُ، وخَلَفٌ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ في إحْدى رِوايَتَيْنِ عَنْ أبِي بَكْرٍ بِكَسْرِ هَمْزَةِ (إنَّ) .

وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿لا يُؤْمِنُونَ﴾ بِياءِ الغَيْبَةِ. وقَرَأهُ ابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، وخَلَفٌ بِتاءِ الخِطابِ، وعَلَيْهِ فالخِطابُ لِلْمُشْرِكِينَ.

وهَذِهِ الجُمْلَةُ عَقَبَةُ حَيْرَةٍ لِلْمُفَسِّرِينَ في الإبانَةِ عَنْ مَعْناها ونَظْمِها، ولْنَأْتِ عَلى ما لاحَ لَنا في مَوْقِعِها ونَظْمِها وتَفْسِيرِ مَعْناها، ثُمَّ نَعْقُبُهُ بِأقْوالِ المُفَسِّرِينَ. فالَّذِي يَلُوحُ لِي أنَّ الجُمْلَةَ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ الواوُ فِيها واوَ العَطْفِ، وأنْ تَكُونَ واوَ الحالِ.

فَأمّا وجْهُ كَوْنِها واوَ العَطْفِ فَأنْ تَكُونَ مَعْطُوفَةً عَلى جُمْلَةِ ﴿إنَّما الآياتُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ كَلامٍ مُسْتَقِلٍّ، وهي كَلامٌ مُسْتَقِلٌّ وجَّهَهُ اللَّهُ إلى المُؤْمِنِينَ، ولَيْسَتْ مِنَ القَوْلِ المَأْمُورِ بِهِ النَّبِيءُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿قُلْ إنَّما الآياتُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ .

صفحة ٤٣٧

والمُخاطَبُ بِـ ﴿يُشْعِرُكُمْ﴾ الأظْهَرُ أنَّهُ الرَّسُولُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ والمُؤْمِنُونَ، وذَلِكَ عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ قَوْلَهُ ﴿لا يُؤْمِنُونَ﴾ بِياءِ الغَيْبَةِ. والمُخاطَبُ بِـ ﴿يُشْعِرُكُمْ﴾ المُشْرِكُونَ عَلى قِراءَةِ ابْنِ عامِرٍ، وحَمْزَةَ، وخَلَفٍ (لا تُؤْمِنُونَ) بِتاءِ الخِطابِ، وتَكُونُ جُمْلَةُ ﴿وما يُشْعِرُكُمْ﴾ مِن جُمْلَةِ ما أُمِرَ الرَّسُولُ ﷺ أنْ يَقُولَهُ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿قُلْ إنَّما الآياتُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ .

وما اسْتِفْهامِيَّةٌ مُسْتَعْمَلَةٌ في التَّشْكِيكِ والإيقاظِ، لِئَلّا يَغُرَّهم قَسَمُ المُشْرِكِينَ ولا تُرَوَّجُ عَلَيْهِمْ تُرَّهاتُهم، فَإنْ كانَ الخِطابُ لِلْمُسْلِمِينَ فَلَيْسَ في الِاسْتِفْهامِ شَيْءٌ مِنَ الإنْكارِ ولا التَّوْبِيخِ ولا التَّغْلِيظِ؛ إذْ لَيْسَ في سِياقِ الكَلامِ ولا في حالِ المُسْلِمِينَ فِيما يُؤْثَرُ مِنَ الأخْبارِ ما يَقْتَضِي إرادَةَ تَوْبِيخِهِمْ ولا تَغْلِيظِهِمْ، إذْ لَمْ يَثْبُتُ أنَّ المُسْلِمِينَ طَمِعُوا في حُصُولِ إيمانِ المُشْرِكِينَ، أوْ أنْ يُجابُوا إلى إظْهارِ آيَةٍ حَسَبَ مُقْتَرَحِهِمْ، وكَيْفَ والمُسْلِمُونَ يَقْرَءُونَ قَوْلَهُ تَعالى ﴿إنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [يونس: ٩٦] ﴿ولَوْ جاءَتْهم كُلُّ آيَةٍ﴾ [يونس: ٩٧] وهي في سُورَةِ يُونُسَ وهي نازِلَةٌ قَبْلَ سُورَةِ الأنْعامِ، وقَدْ عَرَفَ المُسْلِمُونَ كَذِبَ المُشْرِكِينَ في الدِّينِ وتَلَوُّنَهم في اخْتِلاقِ المَعاذِيرِ. والمَقْصُودُ مِنَ الكَلامِ تَحْقِيقُ ذَلِكَ عِنْدَ المُسْلِمِينَ، وسِيقَ الخَبَرُ بِصِيغَةِ الِاسْتِفْهامِ؛ لِأنَّ الِاسْتِفْهامَ مِن شَأْنِهِ أنْ يُهَيِّئَ نَفْسَ السّامِعِ لِطَلَبِ جَوابِ ذَلِكَ الِاسْتِفْهامِ فَيَتَأهَّبُ لِوَعْيِ ما يَرُدُّ بَعْدَهُ.

والإشْعارُ: الإعْلامُ بِمَعْلُومٍ مِن شَأْنِهِ أنْ يَخْفى ويَدِقَّ. يُقالُ: شَعَرَ فُلانٌ بِكَذا، أيْ عَلِمَهُ وتَفَطَّنَ لَهُ، فالفِعْلُ يَقْتَضِي مُتَعَلِّقًا بِهِ بَعْدَ مَفْعُولِهِ ويَتَعَيَّنُ أنَّ قَوْلَهُ ﴿أنَّها إذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ هو المُتَعَلِّقُ بِهِ، فَهو عَلى تَقْدِيرِ باءِ الجَرِّ. والتَّقْدِيرُ: بِأنَّها إذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ، فَحَذْفُ الجارِّ مَعَ (أنَّ) المَفْتُوحَةِ حَذْفٌ مُطَّرِدٌ.

وهَمْزَةُ (أنَّ) مَفْتُوحَةٌ في قِراءَةِ الجُمْهُورِ. والمَعْنى أمُشْعِرٌ يُشْعِرُكم أنَّها إذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ، أيْ بِعَدَمِ إيمانِهِمْ.

صفحة ٤٣٨

فَهَذا بَيانُ المَعْنى والتَّرْكِيبِ، وإنَّما العُقْدَةُ في وُجُودِ حَرْفِ النَّفْيِ مِن قَوْلِهِ ﴿لا يُؤْمِنُونَ﴾ لِأنَّ ﴿وما يُشْعِرُكُمْ﴾ بِمَعْنى قَوْلِهِمْ: ما يُدْرِيكم، ومُعْتادُ الكَلامِ في نَظِيرِ هَذا التَّرْكِيبِ أنْ يُجْعَلَ مُتَعَلِّقُ فِعْلِ الدِّرايَةِ فِيهِ هو الشَّيْءُ الَّذِي شَأْنُهُ أنْ يَظُنَّ المُخاطَبُ وُقُوعَهُ، والشَّيْءُ الَّذِي يُظَنُّ وُقُوعُهُ في مِثْلِ هَذا المَقامِ هو أنَّهم يُؤْمِنُونَ لِأنَّهُ الَّذِي يَقْتَضِيهِ قَسَمُهم ﴿لَئِنْ جاءَتْهم آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ﴾ فَلَمّا جُعِلَ مُتَعَلِّقُ الشُّعُورِ نَفْيَ إيمانِهِمْ كانَ مُتَعَلِّقًا غَرِيبًا بِحَسَبِ العُرْفِ في اسْتِعْمالِ نَظِيرِ هَذا التَّرْكِيبِ.

والَّذِي يَقْتَضِيهِ النَّظَرُ في خَصائِصِ الكَلامِ البَلِيغِ وفُرُوقِهِ أنْ لا يُقاسَ قَوْلُهُ ﴿وما يُشْعِرُكُمْ﴾ عَلى ما شاعَ مِن قَوْلِ العَرَبِ (ما يُدْرِيكَ)، لِأنَّ تَرْكِيبَ ما يُدْرِيكَ شاعَ في الكَلامِ حَتّى جَرى مَجْرى المَثَلِ بِاسْتِعْمالٍ خاصٍّ لا يَكادُونَ يُخالِفُونَهُ كَما هي سُنَّةُ الأمْثالِ أنْ لا تُغَيَّرَ عَمّا اسْتُعْمِلَتْ فِيهِ، وهو أنْ يَكُونَ اسْمُ (ما) فِيهِ اسْتِفْهامًا إنْكارِيًّا، وأنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقُ ”يُدْرِيكَ“ هو الأمْرُ الَّذِي يُنْكِرُهُ المُتَكَلِّمُ عَلى المُخاطَبِ. فَلَوْ قِسْنا اسْتِعْمالَ ﴿وما يُشْعِرُكم أنَّها إذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ عَلى اسْتِعْمالِ (ما يُدْرِيكم) لَكانَ وُجُودُ حَرْفِ النَّفْيِ مُنافِيًا لِلْمَقْصُودِ، وذَلِكَ مُثارُ تَرَدُّدِ عُلَماءِ التَّفْسِيرِ والعَرَبِيَّةِ في مَحْمَلِ (لا) في هَذِهِ الآيَةِ. فَأمّا حِينَ نَتَطَلَّبُ وجْهَ العُدُولِ في الآيَةِ عَنِ اسْتِعْمالِ تَرْكِيبِ (ما يُدْرِيكم) وإلى إيثارِ تَرْكِيبِ ما يُشْعِرُكم فَإنَّنا نَعْلَمُ أنَّ ذَلِكَ العُدُولَ لِمُراعاةِ خُصُوصِيَّةٍ في المَعْدُولِ إلَيْهِ بِأنَّهُ تَرْكِيبٌ لَيْسَ مُتَّبَعًا فِيهِ طَرِيقٌ مَخْصُوصٌ في الِاسْتِعْمالِ، فَلِذَلِكَ فَهو جارٍ عَلى ما يَسْمَحُ بِهِ الوَضْعُ والنَّظْمُ في اسْتِعْمالِ الأدَواتِ والأفْعالِ ومَفاعِيلِها ومُتَعَلِّقاتِها.

صفحة ٤٣٩

فَلْنَحْمِلِ اسْمَ الِاسْتِفْهامِ هُنا عَلى مَعْنى التَّنْبِيهِ والتَّشْكِيكِ في الظَّنِّ، ونَحْمِلْ فِعْلَ ﴿يُشْعِرُكُمْ﴾ عَلى أصْلِ مُقْتَضى أمْثالِهِ مِن أفْعالِ العِلْمِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ كانَ نَفْيُ إيمانِ المُشْرِكِينَ بِإتْيانِ آيَةٍ وإثْباتِهِ سَواءً في الفَرْضِ الَّذِي اقْتَضاهُ الِاسْتِفْهامُ، فَكانَ المُتَكَلِّمُ بِالخِيارِ بَيْنَ أنْ يَقُولَ: إنَّها إذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ، وأنْ يَقُولَ: إنَّها إذا جاءَتْ يُؤْمِنُونَ. وإنَّما أُوثِرَ جانِبُ النَّفْيِ لِلْإيماءِ إلى أنَّهُ الطَّرَفُ الرّاجِحُ الَّذِي يَنْبَغِي اعْتِمادُهُ في هَذا الظَّنِّ.

هَذا وجْهُ الفَرْقِ بَيْنَ التَّرْكِيبَيْنِ. ولِلْفُرُوقِ في عِلْمِ المَعانِي اعْتِباراتٌ لا تَنْحَصِرُ ولا يَنْبَغِي لِصاحِبِ عِلْمِ المَعانِي غَضُّ النَّظَرِ عَنْها، وكَثِيرًا ما بَيْنَ عَبْدِ القاهِرِ أصْنافًا مِنها فَلْيُلْحَقْ هَذا الفَرْقُ بِأمْثالِهِ.

وإنْ أبَيْتَ إلّا قِياسَ ما يُشْعِرُكم عَلى ”ما يُدْرِيكم“ سَواءً، كَما سَلَكَهُ المُفَسِّرُونَ فاجْعَلِ الغالِبَ في اسْتِعْمالِ (ما يُدْرِيكَ) هو مُقْتَضى الظّاهِرِ في اسْتِعْمالِ ما يُشْعِرُكم واجْعَلْ تَعْلِيقَ المَنفِيِّ بِالفِعْلِ جَرْيًا عَلى خِلافِ مُقْتَضى الظّاهِرِ لِنُكْتَةِ ذَلِكَ الإيماءِ ويَسْهُلُ الخَطْبُ.

وأمّا وجْهُ كَوْنِ الواوِ في قَوْلِهِ ﴿وما يُشْعِرُكُمْ﴾ واوَ الحالِ فَتَكُونُ ”ما“ نَكِرَةً مَوْصُوفَةً بِجُمْلَةِ ﴿يُشْعِرُكُمْ﴾ . ومَعْناها شَيْءٌ مَوْصُوفٌ بِأنَّهُ يُشْعِرُكم أنَّها إذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ. وهَذا الشَّيْءُ هو ما سَبَقَ نُزُولُهُ مِنَ القُرْآنِ، مِثْلُ قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [يونس: ٩٦] ﴿ولَوْ جاءَتْهم كُلُّ آيَةٍ﴾ [يونس: ٩٧]، وكَذَلِكَ ما جَرَّبُوهُ مِن تَلَوُّنِ المُشْرِكِينَ في التَّفَصِّي مِن تَرْكِ دِينِ آبائِهِمْ، فَتَكُونُ الجُمْلَةُ حالًا، أيْ والحالُ أنَّ القُرْآنَ والِاسْتِقْراءَ أشْعَرَكم بِكَذِبِهِمْ فَلا تَطْمَعُوا في إيمانِهِمْ لَوْ جاءَتْهم آيَةٌ ولا في صِدْقِ أيْمانِهِمْ، قالَ تَعالى ﴿إنَّهم لا أيْمانَ لَهُمْ﴾ [التوبة: ١٢] . وإنِّي لَأعْجَبُ كَيْفَ غابَ عَنِ المُفَسِّرِينَ هَذا الوَجْهُ مِن جَعْلِ (ما) نَكِرَةً مَوْصُوفَةً في حِينِ إنَّهم تَطَرَّقُوا إلى ما هو أغْرَبُ مِن ذَلِكَ.

صفحة ٤٤٠

فَإذا جُعِلَ الخِطابُ في قَوْلِهِ ﴿وما يُشْعِرُكُمْ﴾ خِطابًا لِلْمُشْرِكِينَ، كانَ الِاسْتِفْهامُ لِلْإنْكارِ والتَّوْبِيخِ ومُتَعَلِّقُ فِعْلِ ﴿يُشْعِرُكُمْ﴾ مَحْذُوفًا دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ ﴿لَئِنْ جاءَتْهم آيَةٌ﴾ . والتَّقْدِيرُ: وما يُشْعِرُكم أنَّنا نَأْتِيكم بِآيَةٍ كَما تُرِيدُونَ.

ولا نَحْتاجُ إلى تَكَلُّفاتٍ تَكَلَّفَها المُفَسِّرُونَ، فَفي الكَشّافِ: أنَّ المُؤْمِنِينَ طَمِعُوا في إيمانِ المُشْرِكِينَ إذا جاءَتْهم آيَةٌ وتَمَنَّوْا مَجِيئَها فَقالَ اللَّهُ تَعالى: وما يُدْرِيكم أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ، أيْ أنَّكم لا تَدْرُونَ أنِّي أعْلَمُ أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ. وهو بِناءٌ عَلى جَعْلِ ما يُشْعِرُكم مُساوِيًا في الِاسْتِعْمالِ لِقَوْلِهِمْ (ما يُدْرِيكَ) .

ورَوى سِيبَوَيْهِ عَنِ الخَلِيلِ: أنَّ قَوْلَهُ تَعالى أنَّها مَعْناهُ لَعَلَّها، أيْ لَعَلَّ آيَةً إذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ بِها. وقالَ: تَأتّى (أنْ) بِمَعْنى ”لَعَلَّ“، يُرِيدُ أنَّ في ”لَعَلَّ“ لُغَةً تَقُولُ: لِأنَّ، بِإبْدالِ العَيْنِ هَمْزَةً وإبْدالِ اللّامِ الأخِيرَةِ نُونًا، وأنَّهم قَدْ يَحْذِفُونَ اللّامَ الأُولى تَخْفِيفًا كَما يَحْذِفُونَها في قَوْلِهِمْ: عَلَّكَ أنْ تَفْعَلَ، فَتَصِيرُ (أنَّ) أيْ (لَعَلَّ) . وتَبِعَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ وبَعْضُ أهْلِ اللُّغَةِ، وأنْشَدُوا أبْياتًا.

وعَنِ الفَرّاءِ، والكِسائِيِّ، وأبِي عَلِيٍّ الفارِسِيِّ: أنَّ (لا) زائِدَةٌ، كَما ادَّعَوْا زِيادَتَها في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وحَرامٌ عَلى قَرْيَةٍ أهْلَكْناها أنَّهم لا يَرْجِعُونَ﴾ [الأنبياء: ٩٥] .

وذَكَرَ ابْنُ عَطِيَّةَ: أنَّ أبا عَلِيٍّ الفارِسِيَّ جَعَلَ أنَّها تَعْلِيلًا لِقَوْلِهِ ﴿عِنْدَ اللَّهِ﴾ أيْ لا يَأْتِيهِمْ بِها لِأنَّها إذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ، أيْ عَلى أنْ يَكُونَ عِنْدَ كِنايَةً عَنْ مَنعِهِمْ مِنَ الإجابَةِ لِما طَلَبُوهُ.

وعَلى قِراءَةِ ابْنِ كَثِيرٍ، وأبِي عَمْرٍو، ويَعْقُوبَ، وخَلَفٍ، وأبِي بَكْرٍ، في إحْدى رِوايَتَيْنِ عَنْهُ (إنَّها) بِكَسْرِ الهَمْزَةِ يَكُونُ اسْتِئْنافًا. وحُذِفَ مُتَعَلِّقُ ﴿يُشْعِرُكُمْ﴾ لِظُهُورِهِ مِن قَوْلِهِ ﴿لَيُؤْمِنُنَّ بِها﴾ . والتَّقْدِيرُ: وما يُشْعِرُكم بِإيمانِهِمْ إنَّهم لا يُؤْمِنُونَ إذا جاءَتْ آيَةٌ.

وعَلى قِراءَةِ ابْنِ عامِرٍ، وحَمْزَةَ، وخَلَفٍ بِتاءِ المُخاطَبِ. فَتَوْجِيهُ قِراءَةِ خَلَفٍ الَّذِي قَرَأ (إنَّها) بِكَسْرِ الهَمْزَةِ، أنْ تَكُونَ جُمْلَةُ (أنَّها إذا جاءَتْ)

صفحة ٤٤١

إلَخْ خِطابًا مُوَجَّهًا إلى المُشْرِكِينَ. وأمّا عَلى قِراءَةِ ابْنِ عامِرٍ وحَمْزَةَ اللَّذَيْنِ قَرَآ ”أنَّها“ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ بِأنْ يُجْعَلَ ضَمِيرُ الخِطابِ في قَوْلِهِ ﴿وما يُشْعِرُكُمْ﴾ مُوَجَّهًا إلى المُشْرِكِينَ عَلى طَرِيقَةِ الِالتِفاتِ عَلى اعْتِبارِ الوَقْفِ عَلى ﴿يُشْعِرُكُمْ﴾ .

6:110Страница 141

وَنُقَلِّبُ أَفۡـِٔدَتَهُمۡ وَأَبۡصَٰرَهُمۡ كَمَا لَمۡ يُؤۡمِنُواْ بِهِۦٓ أَوَّلَ مَرَّةٖ وَنَذَرُهُمۡ فِي طُغۡيَٰنِهِمۡ يَعۡمَهُونَ ١١٠

Мы отворачиваем их сердца и умы, поскольку они не уверовали в него в первый раз, и оставляем их скитаться вслепую в собственном беззаконии.

﴿ونُقَلِّبُ أفْئِدَتَهم وأبْصارَهم كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أوَّلَ مَرَّةٍ ونَذَرُهم في طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ .

يَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَطْفًا عَلى جُمْلَةِ ﴿أنَّها إذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنعام: ١٠٩] فَتَكُونُ بَيانًا لِقَوْلِهِ ﴿لا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنعام: ١٠٩]، أيْ بِأنْ نُعَطِّلَ أبْصارَهم عَنْ تِلْكَ الآيَةِ وعُقُولَهم عَنِ الِاهْتِداءِ بِها فَلا يُبْصِرُونَ ما تَحْتَوِي عَلَيْهِ الآيَةُ مِنَ الدَّلائِلِ ولا تَفْقَهُ قُلُوبُهم وجْهَ الدَّلالَةِ فَيَتَعَطَّلُ تَصْدِيقُهم بِها، وذَلِكَ بِأنْ يَحْرِمَهُمُ اللَّهُ مِن إصْلاحِ إدْراكِهِمْ، وذَلِكَ أنَّهم قَدْ خُلِقَتْ عُقُولُهم نابِيَةً عَنِ العِلْمِ الصَّحِيحِ بِما هَيَّأ لَها ذَلِكَ مِنِ انْسِلالِها مِن أُصُولِ المُشْرِكِينَ، ومِن نَشْأتِها بَيْنَ أهْلِ الضَّلالِ وتَلَقِّي ضَلالَتِهِمْ، كَما بَيَّنْتُهُ آنِفًا. فَعَبَّرَ عَنْ ذَلِكَ الحالِ المُخالِفِ لِلْفِطْرَةِ السَّلِيمَةِ بِأنَّهُ تَقْلِيبٌ لِعُقُولِهِمْ وأبْصارِهِمْ، ولِأنَّها كانَتْ مَقْلُوبَةً عَنِ المَعْرُوفِ عِنْدَ أهْلِ العُقُولِ السَّلِيمَةِ، ولَيْسَ داعِيَ الشِّرْكِ فِيها تَقْلِيبًا عَنْ حالَةٍ كانَتْ صالِحَةً لِأنَّها لَمْ تَكُنْ كَذَلِكَ حِينًا، ولَكِنَّهُ تَقْلِيبٌ لِأنَّها جاءَتْ عَلى خِلافِ ما الشَّأْنِ أنْ تَجِيءَ عَلَيْهِ.

وضَمِيرُ بِهِ عائِدٌ إلى القُرْآنِ المَفْهُومِ مِن قَوْلِهِ ﴿لَئِنْ جاءَتْهم آيَةٌ﴾ [الأنعام: ١٠٩] فَإنَّهم عَنَوْا آيَةً غَيْرَ القُرْآنِ.

والكافُ في قَوْلِهِ ﴿كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أوَّلَ مَرَّةٍ﴾ لِتَشْبِيهِ حالَةِ انْتِفاءِ إيمانِهِمْ بَعْدَ أنْ تَجِيئَهم آيَةٌ مِمّا اقْتَرَحُوا. والمَعْنى ونُقَلِّبُ أيْدِيَهم وأبْصارَهم فَلا يُؤْمِنُونَ بِالآيَةِ الَّتِي تَجِيئُهم مِثْلَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِالقُرْآنِ مِن قَبْلُ، فَتَقْلِيبُ أفْئِدَتِهِمْ وأبْصارِهِمْ عَلى هَذا المَعْنى يَحْصُلُ في الدُّنْيا، وهو الخِذْلانُ.

ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ جُمْلَةُ ﴿ونُقَلِّبُ أفْئِدَتَهم وأبْصارَهُمْ﴾ مُسْتَأْنِفَةً والواوُ لِلِاسْتِئْنافِ،

صفحة ٤٤٢

أوْ أنْ تَكُونَ مَعْطُوفَةً عَلى جُمْلَةِ ﴿لا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنعام: ١٠٩] . والمَعْنى: ونَحْنُ نُقَلِّبُ أفْئِدَتَهم وأبْصارَهم، أيْ في نارِ جَهَنَّمَ، كِنايَةً عَنْ تَقْلِيبِ أجْسادِهِمْ كُلِّها. وخَصَّ مِن أجْسادِهِمْ أفْئِدَتَهم وأبْصارَهم لِأنَّها سَبَبُ إعْراضِهِمْ عَنِ العِبْرَةِ بِالآياتِ، كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿سَحَرُوا أعْيُنَ النّاسِ﴾ [الأعراف: ١١٦]، أيْ سَحَرُوا النّاسَ بِما تُخَيِّلُهُ لَهم أعْيُنُهم.

والكافُ في قَوْلِهِ ﴿كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ﴾ عَلى هَذا الوَجْهِ لِلتَّعْلِيلِ كَقَوْلِهِ ﴿واذْكُرُوهُ كَما هَداكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٨] .

وأقُولُ: هَذا الوَجْهُ يُؤَكِّدُهُ قَوْلُهُ ﴿أوَّلَ مَرَّةٍ﴾ إذْ لَيْسَ ثَمَّةَ مَرَّتانِ عَلى هَذا الوَجْهِ الثّانِي، فَيَتَعَيَّنُ تَأْوِيلِ ﴿أوَّلَ مَرَّةٍ﴾ بِأنَّها الحَياةُ الأُولى في الدُّنْيا.

والتَّقْلِيبُ مَصْدَرُ قَلَّبَ الدّالِّ عَلى شِدَّةِ قَلْبِ الشَّيْءِ عَنْ حالِهِ الأصْلِيَّةِ. والقَلْبُ يَكُونُ بِمَعْنى جَعْلِ المُقابِلِ لِلنَّظَرِ مِنَ الشَّيْءِ غَيْرَ مُقابِلٍ، كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿فَأصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلى ما أنْفَقَ فِيها﴾ [الكهف: ٤٢]، وقَوْلِهِمْ: قَلَبَ ظَهْرَ المِجَنِّ، وقَرِيبٌ مِنهُ قَوْلُهُ ﴿قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وجْهِكَ في السَّماءِ﴾ [البقرة: ١٤٤]، ويَكُونُ بِمَعْنى تَغْيِيرِ حالَةِ الشَّيْءِ إلى ضِدِّها لِأنَّهُ يُشْبِهُ قَلْبَ ذاتِ الشَّيْءِ.

والكافُ في قَوْلِهِ ﴿كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ﴾ الظّاهِرُ أنَّها لِلتَّشْبِيهِ في مَحَلِّ حالٍ مِن ضَمِيرِ ﴿لا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنعام: ١٠٩]، و(ما) مَصْدَرِيَّةٌ. والمَعْنى: لا يُؤْمِنُونَ مِثْلَ انْتِفاءِ إيمانِهِمْ أوَّلَ مَرَّةٍ. والضَّمِيرُ المَجْرُورُ بِالباءِ عائِدٌ إلى القُرْآنِ؛ لِأنَّهُ مَعْلُومٌ مِنَ السِّياقِ كَما في قَوْلِهِ ﴿وكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ﴾ [الأنعام: ٦٦]، أيْ أنَّ المُكابَرَةَ سَجِيَّتُهم فَكَما لَمْ يُؤْمِنُوا في الماضِي بِآيَةِ القُرْآنِ وفِيهِ أعْظَمُ دَلِيلٍ عَلى صِدْقِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لا يُؤْمِنُونَ في المُسْتَقْبَلِ بِآيَةٍ أُخْرى إذا جاءَتْهم. وعَلى هَذا الوَجْهِ يَكُونُ قَوْلُهُ ﴿ونُقَلِّبُ أفْئِدَتَهم وأبْصارَهُمْ﴾ مُعْتَرِضًا بِالعَطْفِ بَيْنَ الحالِ وصاحِبِها. ويَجُوزُ أنْ يَجْعَلَ التَّشْبِيهَ لِلتَّقْلِيبِ فَيَكُونُ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ في نُقَلِّبُ، أيْ نُقَلِّبُ أفْئِدَتَهم وأبْصارَهم عَنْ فِطْرَةِ الأفْئِدَةِ والأبْصارِ كَما قَلَّبْناها فَلَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أوَّلَ مَرَّةٍ إذْ جَمَحُوا عَنِ

صفحة ٤٤٣

الإيمانِ أوَّلَ ما دَعاهُمُ الرَّسُولُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، ويَصِيرُ هَذا التَّشْبِيهُ في قُوَّةِ البَيانِ لِلتَّقْلِيبِ المَجْعُولِ حالًا مِنِ انْتِفاءِ إيمانِهِمْ بِأنَّ سَبَبَ صُدُورِهِمْ عَنِ الإيمانِ لا يَزالُ قائِمًا لِأنَّ اللَّهَ حَرَمَهم إصْلاحَ قُلُوبِهِمْ.

وجَوَّزَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ أنْ تَكُونَ الكافُ لِلتَّعْلِيلِ عَلى القَوْلِ بِأنَّهُ مِن مَعانِيها، وخُرِّجَ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿واذْكُرُوهُ كَما هَداكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٨] . فالمَعْنى: نُقَلِّبُ أفْئِدَتَهم لِأنَّهم عَصَوْا وكابَرُوا فَلَمْ يُؤْمِنُوا بِالقُرْآنِ أوَّلَ ما تَحَدّاهم، فَنَجْعَلُ أفْئِدَتَهم وأبْصارَهم مُسْتَمِرَّةَ الِانْقِلابِ عَنْ شَأْنِ العُقُولِ والأبْصارِ، فَهو جَزاءٌ لَهم عَلى عَدَمِ الِاهْتِمامِ بِالنَّظَرِ في أمْرِ اللَّهِ تَعالى وبِعْثَةِ رَسُولِهِ، واسْتِخْفافِهِمْ بِالمُبادَرَةِ إلى التَّكْذِيبِ قَبْلَ التَّأمُّلِ الصّادِقِ.

وتَقْدِيمُ الأفْئِدَةِ عَلى الأبْصارِ لِأنَّ الأفْئِدَةَ بِمَعْنى العُقُولِ، وهي مَحَلُّ الدَّواعِي والصَّوارِفِ، فَإذا لاحَ لِلْقَلْبِ بارِقُ الِاسْتِدْلالِ وجَّهَ الحَواسَّ إلى الأشْياءِ وتَأمَّلَ مِنها. والظّاهِرُ أنَّ وجْهَ الجَمْعِ بَيْنَ الأفْئِدَةِ والأبْصارِ وعَدَمِ الِاسْتِغْناءِ بِالأفْئِدَةِ عَنِ الأبْصارِ؛ لِأنَّ الأفْئِدَةَ تَخْتَصُّ بِإدْراكِ الآياتِ العَقْلِيَّةِ المَحْضَةِ، مِثْلُ آيَةِ الأُمِّيَّةِ وآيَةِ الإعْجازِ. ولَمّا لَمْ تَكُفَّهُمُ الآياتُ العَقْلِيَّةُ ولَمْ يَنْتَفِعُوا بِأفْئِدَتِهِمْ لِأنَّها مُقَلَّبَةٌ عَنِ الفِطْرَةِ وسَألُوا آياتٍ مَرْئِيَّةً مُبْصَرَةً، كَأنْ يَرْقى في السَّماءِ ويُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتابًا في قِرْطاسٍ، وأخْبَرَ اللَّهُ رَسُولَهُ ﷺ والمُسْلِمِينَ بِأنَّهم لَوْ جاءَتْهم آيَةٌ مُبْصَرَةٌ لَما آمَنُوا لِأنَّ أبْصارَهم مُقَلَّبَةٌ أيْضًا مِثْلُ تَقْلِيبِ عُقُولِهِمْ.

وذُكِّرَ ”أوَّلَ“ مَعَ أنَّهُ مُضافٌ إلى ”مَرَّةٍ“ إضافَةَ الصِّفَةِ إلى المَوْصُوفِ لِأنَّ أصْلَ أوَّلَ اسْمُ تَفْضِيلٍ. واسْمُ التَّفْضِيلِ إذا أُضِيفَ إلى النَّكِرَةِ تَعَيَّنَ فِيهِ الإفْرادُ والتَّذْكِيرُ، كَما تَقُولُ: خَدِيجَةُ أوَّلُ النِّساءِ إيمانًا ولا تَقُولُ أُولى النِّساءِ.

والمُرادُ بِالمَرَّةِ مَرَّةٌ مِن مَرَّتَيْ مَجِيءِ الآياتِ، فالمَرَّةُ الأُولى هي مَجِيءُ القُرْآنِ، والمَرَّةُ الثّانِيَةُ هي مَجِيءُ الآيَةِ المُقْتَرَحَةِ، وهي مَرَّةٌ مَفْرُوضَةٌ.

صفحة ٤٤٤

ونَذَرُهم عَطْفٌ عَلى نُقَلِّبُ. فَحُقِّقَ أنَّ مَعْنى ﴿نُقَلِّبُ أفْئِدَتَهُمْ﴾ نَتْرُكُها عَلى انْقِلابِها الَّذِي خُلِقَتْ عَلَيْهِ، فَكانَتْ مَمْلُوءَةً طُغْيانًا ومُكابَرَةً لِلْحَقِّ، وكانَتْ تَصْرِفُ أبْصارَهم عَنِ النَّظَرِ والِاسْتِدْلالِ، ولِذَلِكَ أضافَ الطُّغْيانَ إلى ضَمِيرِهِمْ لِلدَّلالَةِ عَلى تَأصُّلِهِ فِيهِمْ ونَشْأتِهِمْ عَلَيْهِ وأنَّهم حُرِمُوا لِينَ الأفْئِدَةِ الَّذِي تَنْشَأُ عَنْهُ الخَشْيَةُ والذِّكْرى.

والطُّغْيانُ والعَمَهُ تَقَدَّما عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ويَمُدُّهم في طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [البقرة: ١٥] في سُورَةِ البَقَرَةِ.

والظَّرْفِيَّةُ مِن قَوْلِهِ ﴿فِي طُغْيانِهِمْ﴾ مَجازِيَّةٌ لِلدَّلالَةِ عَلى إحاطَةِ الطُّغْيانِ بِهِمْ، أيْ بِقُلُوبِهِمْ. وجُمْلَةُ ﴿ونَذَرُهُمْ﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى نُقَلِّبُ. وجُمْلَةُ ﴿يَعْمَهُونَ﴾ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ المَنصُوبِ في قَوْلِهِ ﴿ونَذَرُهُمْ﴾ . وفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ العَمَهَ ناشِئٌ عَنِ الطُّغْيانِ.

Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии

Содержание

Аят аль-Курси36Аль-Кахфстр. 42джуз 15Бухари 1Муслим 2999

Вид

Тема
Размер текста
Вид

Read in English