Ибн Ашур · Тафсир · на арабском
Аль-Анам 6:115–116
6:115Страница 142
وَتَمَّتۡ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدۡقٗا وَعَدۡلٗاۚ لَّا مُبَدِّلَ لِكَلِمَٰتِهِۦۚ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡعَلِيمُ ١١٥
Слово твоего Господа исполнилось правдиво и справедливо! Никто не изменит Его Слов. Он - Слышащий, Знающий.
﴿وتَمَّتْ كَلِماتُ رَبِّكَ صِدْقًا وعَدْلًا لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ وهْوَ السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾
صفحة ١٨
هَذِهِ الجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿أفَغَيْرَ اللَّهِ أبْتَغِي حَكَمًا﴾ [الأنعام: ١١٤] لِأنَّ تِلْكَ الجُمْلَةَ مَقُولُ قَوْلٍ مُقَدَّرٍ؛ إذِ التَّقْدِيرُ قُلْ أفَغَيْرَ اللَّهِ أبْتَغِي حَكَمًا، بِاعْتِبارِ ما في تِلْكَ الجُمْلَةِ مِن قَوْلِهِ: (﴿وهُوَ الَّذِي أنْزَلَ إلَيْكُمُ الكِتابَ مُفَصَّلًا﴾ [الأنعام: ١١٤]) فَلَمّا وُصِفَ الكِتابُ بِأنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنَ اللَّهِ، ووُصِفَ بِوُضُوحِ الدَّلالَةِ بِقَوْلِهِ: (﴿وهُوَ الَّذِي أنْزَلَ إلَيْكُمُ الكِتابَ مُفَصَّلًا﴾ [الأنعام: ١١٤]) ثُمَّ بِشَهادَةِ عُلَماءِ أهْلِ الكِتابِ بِأنَّهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ بِقَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ يَعْلَمُونَ أنَّهُ مُنَزَّلٌ مِن رَبِّكَ﴾ [الأنعام: ١١٤] أعْلَمَ رَسُولَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ والمُؤْمِنِينَ بِأنَّ هَذا الكِتابَ تامُّ الدَّلالَةِ، ناهِضُ الحُجَّةِ، عَلى كُلِّ فَرِيقٍ مِن مُؤْمِنٍ وكافِرٍ، صادِقٌ وعْدُهُ ووَعِيدُهُ، عادِلٌ أمْرُهُ ونَهْيُهُ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مَعْطُوفَةً عَلى جُمْلَةِ (جَعَلَنا لِكُلِّ نَبِيءٍ عَدُوًّا) وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ، كَما سَنُبَيِّنُهُ.
والمُرادُ بِالتَّمامِ مَعْنًى مَجازِيٌّ إمّا بِمَعْنى بُلُوغِ الشَّيْءِ إلى أحْسَنِ ما يَبْلُغُهُ مِمّا يُرادُ مِنهُ، فَإنَّ التَّمامَ حَقِيقَتُهُ كَوْنُ الشَّيْءِ وافِرًا أجْزاءَهُ، والنُّقْصانُ كَوْنُهُ فاقِدًا بَعْضَ أجْزائِهِ، فَيُسْتَعارُ لِوَفْرَةِ الصِّفاتِ الَّتِي تُرادُ مِن نَوْعِهِ؛ وإمّا بِمَعْنى التَّحَقُّقِ فَقَدْ يُطْلَقُ التَّمامُ عَلى حُصُولِ المُنْتَظَرِ وتَحَقُّقِهِ، يُقالُ: تَمَّ ما أخْبَرَ بِهِ فُلانٌ، ويُقالُ: أتَمَّ وعْدَهُ؛ أيْ: حَقَّقَهُ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذِ ابْتَلى إبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ فَأتَمَّهُنَّ﴾ [البقرة: ١٢٤] أيْ: عَمِلَ بِهِنَّ دُونَ تَقْصِيرٍ ولا تَرَخُّصٍ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ الحُسْنى عَلى بَنِي إسْرائِيلَ بِما صَبَرُوا﴾ [الأعراف: ١٣٧] أيْ: ظَهَرَ وعْدُهُ لَهم بِقَوْلِهِ: ﴿ونُرِيدُ أنْ نَمُنَّ عَلى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا في الأرْضِ﴾ [القصص: ٥] الآيَةَ، ومِن هَذا المَعْنى قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ﴾ [الصف: ٨] أيْ: مُحَقِّقٌ دِينَهُ ومُثَبِّتُهُ؛ لِأنَّهُ جَعَلَ الإتْمامَ في مُقابَلَةِ الإطْفاءِ المُسْتَعْمَلِ في الإزالَةِ مَجازًا أيْضًا.
وقَوْلُهُ: كَلِماتُ رَبِّكَ قَرَأهُ الجُمْهُورُ بِصِيغَةِ الجَمْعِ وقَرَأهُ عاصِمٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ ويَعْقُوبُ وخَلَفٌ: (كَلِمَةُ) بِالإفْرادِ فَقِيلَ: المُرادُ بِالكَلِماتِ أوِ الكَلِمَةِ القُرْآنُ، وهو قَوْلُ جُمْهُورِ المُفَسِّرِينَ
صفحة ١٩
ونُقِلَ عَنْ قَتادَةَ، وهو الأظْهَرُ المُناسِبُ لِجَعْلِ الجُمْلَةِ مَعْطُوفَةً عَلى جُمْلَةِ ﴿والَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ﴾ [الأنعام: ١١٤] فَأمّا عَلى قِراءَةِ الإفْرادِ فَإطْلاقُ الكَلِمَةِ عَلى القُرْآنِ بِاعْتِبارِ أنَّهُ كِتابٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ، فَهو مِن كَلامِهِ وقَوْلِهِ، والكَلِمَةُ والكَلامُ يَتَرادَفانِ، ويَقُولُ العَرَبُ كَلِمَةُ زُهَيْرٍ، يَعَنُونَ قَصِيدَتَهُ، وقَدْ أُطْلِقَ في القُرْآنِ (الكَلِماتُ) عَلى الكُتُبِ السَّماوِيَّةِ في قَوْلِهِ تَعالى: (﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ النَّبِيءِ الأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وكَلِماتِهِ﴾ [الأعراف: ١٥٨]) أيْ: كُتُبِهِ، وأمّا عَلى قِراءَةِ الكَلِماتِ بِالجَمْعِ فَإطْلاقُها عَلى القُرْآنِ بِاعْتِبارِ ما يَشْتَمِلُ عَلَيْهِ مِنَ الجُمَلِ والآياتِ، أوْ بِاعْتِبارِ أنْواعِ أغْراضِهِ مِن أمْرٍ ونَهْيٍ وتَبْشِيرٍ وإنْذارٍ ومَواعِظَ وإخْبارٍ واحْتِجاجٍ وإرْشادٍ وغَيْرِ ذَلِكَ. ومَعْنى تَمامِها أنَّ كُلَّ غَرَضٍ جاءَ في القُرْآنِ فَقَدْ جاءَ وافِيًا بِما يَتَطَلَّبُهُ القاصِدُ مِنهُ.
واسْتَبْعَدَ ابْنُ عَطِيَّةَ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِن (كَلِماتِ رَبِّكَ) بِالجَمْعِ أوِ الإفْرادِ القُرْآنَ، واسْتَظْهَرَ أنَّ المُرادَ مِنها قَوْلُ اللَّهِ؛ أيْ: نَفَذَ قَوْلُهُ وحُكْمُهُ، وقَرِيبٌ مِنهُ ما أُثِرَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: كَلِماتُ اللَّهِ وعْدُهُ. وقِيلَ: كَلِماتُ اللَّهِ أمْرُهُ ونَهْيُهُ ووَعْدُهُ ووَعِيدُهُ، وفُسِّرَ بِهِ في الكَشّافِ، وهو قَرِيبٌ مِن كَلامِ ابْنِ عَطِيَّةَ، لَكِنَّ السِّياقَ يَشْهَدُ بِأنَّ تَفْسِيرَ الكَلِماتِ بِالقُرْآنِ أظْهَرُ.
وانْتَصَبَ صِدْقًا وعَدْلًا عَلى الحالِ عِنْدَ أبِي عَلِيٍّ الفارِسِيِّ، بِتَأْوِيلِ المَصْدَرِ بِاسْمِ الفاعِلِ؛ أيْ: صادِقَةً وعادِلَةً، فَهو حالٌ مِن (كَلِماتُ) وهو المُناسِبُ لِكَوْنِ التَّمامِ بِمَعْنى التَّحَقُّقِ. وجَعَلَهُما الطَّبَرِيُّ مَنصُوبَيْنِ عَلى التَّمْيِيزِ؛ أيْ: تَمْيِيزِ النِّسْبَةِ؛ أيْ: تَمَّتْ مِن جِهَةِ الصِّدْقِ والعَدْلِ، فَكَأنَّهُ قالَ: تَمَّ صِدْقُها وعَدْلُها، وهو المُناسِبُ لِكَوْنِ التَّمامِ بِمَعْنى بُلُوغِ الشَّيْءِ أحْسَنَ ما يُطْلَبُ مِن نَوْعِهِ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هَذا غَيْرُ صَوابٍ، وقُلْتُ: لا وجْهَ لِعَدَمِ تَصْوِيبِهِ.
والصِّدْقُ: المُطابَقَةُ لِلْواقِعِ في الإخْبارِ، وتَحْقِيقُ الخَبَرِ في الوَعْدِ والوَعِيدِ والنُّفُوذِ في الأمْرِ والنَّهْيِ، فَيَشْمَلُ الصِّدْقُ كُلَّ ما في كَلِماتِ اللَّهِ مِن نَوْعِ الإخْبارِ عَنْ شُئُونِ اللَّهِ وشُئُونِ الخَلائِقِ.
صفحة ٢٠
ويُطْلَقُ الصِّدْقُ مَجازًا عَلى كَوْنِ الشَّيْءِ كامِلًا في خَصائِصِ نَوْعِهِ.
والعَدْلُ: إعْطاءُ مَن يَسْتَحِقُّ ما يَسْتَحِقُّ، ودَفْعُ الِاعْتِداءِ والظُّلْمِ عَلى المَظْلُومِ، وتَدْبِيرُ أُمُورِ النّاسِ بِما فِيهِ صَلاحُهم، وتَقَدَّمَ بَيانُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النّاسِ أنْ تَحْكُمُوا بِالعَدْلِ﴾ [النساء: ٥٨] في سُورَةِ النِّساءِ.
فَيَشْمَلُ العَدْلُ كُلَّ ما في كَلِماتِ اللَّهِ مِن تَدْبِيرِ شُئُونِ الخَلائِقِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ.
فَعَلى التَّفْسِيرِ الأوَّلِ لِلْكَلِماتِ أوِ الكَلِمَةِ، يَكُونُ المَعْنى: أنَّ القُرْآنَ بَلَغَ أقْصى ما تَبْلُغُهُ الكُتُبُ: في وُضُوحِ الدَّلالَةِ، وبَلاغَةِ العِبارَةِ، وأنَّهُ الصّادِقُ في أخْبارِهِ، العادِلُ في أحْكامِهِ، لا يُعْثَرُ في أخْبارِهِ عَلى ما يُخالِفُ الواقِعَ، ولا في أحْكامِهِ عَلى ما يُخالِفُ الحَقَّ؛ فَذَلِكَ ضَرْبٌ مِنَ التَّحَدِّي والِاحْتِجاجِ عَلى أحَقِّيَّةِ القُرْآنِ.
وعَلى التَّفْسِيرَيْنِ الثّانِي والثّالِثِ، يَكُونُ المَعْنى: نَفَذَ ما قالَهُ اللَّهُ وما وعَدَ وأوْعَدَ وما أمَرَ ونَهى، صادِقًا ذَلِكَ كُلُّهُ؛ أيْ: غَيْرُ مُتَخَلِّفٍ، وعادِلًا؛ أيْ: غَيْرُ جائِرٍ، وهَذا تَهْدِيدٌ لِلْمُشْرِكِينَ بِأنْ سَيَحِقُّ عَلَيْهِمُ الوَعِيدُ الَّذِي تَوَعَّدَهم بِهِ، فَيَكُونُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ الحُسْنى عَلى بَنِي إسْرائِيلَ بِما صَبَرُوا﴾ [الأعراف: ١٣٧] أيْ: تَمَّ ما وعَدَهم بِهِ مِنِ امْتِلاكِ مَشارِقِ الأرْضِ ومَغارِبِها الَّتِي بارَكَ فِيها، وقَوْلُهُ: ﴿وكَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلى الَّذِينَ كَفَرُوا أنَّهم أصْحابُ النّارِ﴾ [غافر: ٦] أيْ: حَقَّتْ كَلِماتُ وعِيدِهِ.
ومَعْنى: ﴿لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ﴾ نَفْيُ جِنْسِ مَن يُبَدِّلُ كَلِماتِ اللَّهِ؛ أيْ: مَن يُبْطِلُ ما أرادَهُ في كَلِماتِهِ.
والتَّبْدِيلُ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالَ أتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هو أدْنى بِالَّذِي هو خَيْرٌ﴾ [البقرة: ٦١] مِن سُورَةِ البَقَرَةِ، وتَقَدَّمَ هُناكَ بَيانُ أنَّهُ لا يُوجَدُ لَهُ فِعْلٌ مُجَرَّدٌ، وأنَّ أصْلَ مادَّتِهِ هو التَّبْدِيلُ، والتَّبْدِيلُ حَقِيقَتُهُ جَعْلُ شَيْءٍ مَكانَ شَيْءٍ آخَرَ، فَيَكُونُ في الذَّواتِ كَما قالَ تَعالى: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرْضُ غَيْرَ الأرْضِ﴾ [إبراهيم: ٤٨] وقالَ النّابِغَةُ:
صفحة ٢١
عَهِدْتُ بِها حَيًّا كِرامًا فَبُدِّلَـتْ خَناظِيلَ آجالِ النِّعاجِ الجَوافِلِ
ويَكُونُ في الصِّفاتِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ( ﴿ولَيُبَدِّلَنَّهم مِن بَعْدِ خَوْفِهِمُ أمْنًا﴾ [النور: ٥٥] .
ويُسْتَعْمَلُ مَجازًا في إبْطالِ الشَّيْءِ ونَقْضِهِ، قالَ تَعالى: ﴿يُرِيدُونَ أنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ﴾ [الفتح: ١٥] أيْ: يُخالِفُوهُ ويَنْقُضُوا ما اقْتَضاهُ، وهو قَوْلُهُ: ﴿قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونا كَذَلِكم قالَ اللَّهُ مِن قَبْلُ﴾ [الفتح: ١٥] وذَلِكَ أنَّ النَّقْضَ يَسْتَلْزِمُ الإتْيانَ بِشَيْءٍ ضِدِّ الشَّيْءِ المَنقُوضِ، فَكانَ ذَلِكَ اللُّزُومُ هو عَلاقَةُ المُجاوِزِ وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَمَن بَدَّلَهُ بَعْدَما سَمِعَهُ﴾ [البقرة: ١٨١] في سُورَةِ البَقَرَةِ، وقَدِ اسْتَعْمَلَ في قَوْلِهِ: ﴿لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ﴾ مَجازًا في مَعْنى المُعارَضَةِ أوِ النَّقْضِ عَلى الِاحْتِمالَيْنِ في مَعْنى التَّمامِ مِن قَوْلِهِ: وتَمَّتْ كَلِماتُ رَبِّكَ ونَفْيُ المُبَدِّلِ كِنايَةٌ عَنْ نَفْيِ التَّبْدِيلِ.
فَإنْ كانَ المُرادُ بِالكَلِماتِ القُرْآنَ كَما تَقَدَّمَ، فَمَعْنى انْتِفاءِ المُبَدِّلِ لِكَلِماتِهِ انْتِفاءُ الإتْيانِ بِما يَنْقُضُهُ ويُبْطِلُهُ أوْ يُعارِضُهُ، بِأنْ يُظْهِرَ أنَّ فِيهِ ما لَيْسَ بِتَمامٍ، فَإنْ جاءَ أحَدٌ بِما يَنْقُضُهُ كَذِبًا وزُورًا فَلَيْسَ ذَلِكَ بِنَقْضٍ، وإنَّما هو مُكابَرَةٌ في صُورَةِ النَّقْضِ، بِالنِّسْبَةِ إلى ألْفاظِ القُرْآنِ ونَظْمِهِ، وانْتِفاءُ ما يُبْطِلُ مَعانِيَهُ وحَقائِقَ حِكْمَتِهِ، وانْتِفاءُ تَغْيِيرِ ما شَرَّعَهُ وحَكَمَ بِهِ، وهَذا الِانْتِفاءُ الأخِيرُ كِنايَةٌ عَنِ النَّهْيِ عَنْ أنْ يُخالِفَهُ المُسْلِمُونَ، وبِذَلِكَ يَكُونُ التَّبْدِيلُ مُسْتَعْمَلًا في حَقِيقَتِهِ ومَجازِهِ وكِنايَتِهِ.
ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ جُمْلَةُ (وتَمَّتْ كَلِماتُ رَبِّكَ) عَطْفًا عَلى جُمْلَةِ (جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيءٍ عَدُوًّا) وما بَيْنَهُما اعْتِراضًا، فالكَلِماتُ مُرادٌ بِها ما سَنَّهُ اللَّهُ وقَدَّرَهُ مِن جَعْلِ أعْداءٍ لِكُلِّ نَبِيءٍ يُزَخْرِفُونَ القَوْلَ في التَّضْلِيلِ، لِتَصْغى إلَيْهِمْ قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ ويَتْبَعُوهم ويَقْتَرِفُوا السَّيِّئاتِ، وأنَّ المُرادَ بِالتَّمامِ التَّحَقُّقُ، ويَكُونُ قَوْلُهُ (﴿لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ﴾) نَفْيٌ أنْ يَقْدِرَ أحَدٌ أنْ يُغَيِّرَ سُنَّةَ اللَّهِ وما قَضاهُ وقَدَّرَهُ، كَقَوْلِهِ: ﴿فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا ولَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَحْوِيلًا﴾ [فاطر: ٤٣]
صفحة ٢٢
فَتَكُونُ هَذِهِ الآيَةُ في مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِن قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلى ما كُذِّبُوا وأُوذُوا حَتّى أتاهم نَصْرُنا ولا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ﴾ [الأنعام: ٣٤] فَفِيها تَأْنِيسٌ لِلرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وتَطْمِينٌ لَهُ ولِلْمُؤْمِنِينَ بِحُلُولِ النَّصْرِ المَوْعُودِ بِهِ في إبّانِهِ.
وقَوْلُهُ: ﴿وهُوَ السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ تَذْيِيلٌ لِجُمْلَةِ (﴿وتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وعَدْلًا لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ﴾) أيْ: وهو المُطَّلِعُ عَلى الأقْوالِ، العَلِيمُ بِما في الضَّمائِرِ، وهَذا تَعْرِيضٌ بِالوَعِيدِ لِمَن يَسْعى لِتَبْدِيلِ كَلِماتِهِ، فالسَّمِيعُ العالِمُ بِأصْواتِ المَخْلُوقاتِ، الَّتِي مِنها ما تُوحِي بِهِ شَياطِينُ الإنْسِ والجِنِّ، بَعْضُهم إلى بَعْضٍ، فَلا يَفُوتُهُ مِنها شَيْءٌ؛ والعالِمُ أيْضًا بِمَن يُرِيدُ أنْ يُبَدِّلَ كَلِماتِ اللَّهِ، عَلى المَعانِي المُتَقَدِّمَةِ، فَلا يَخْفى عَلَيْهِ ما يَخُوضُونَ فِيهِ مِن تَبْيِيتِ الكَيْدِ والإبْطالِ لَهُ.
والعَلِيمُ أعَمُّ؛ أيْ: العَلِيمُ بِأحْوالِ الخَلْقِ، والعَلِيمُ بِمَواقِعِ كَلِماتِهِ ومَحالِّ تَمامِها، والمُنَظِّمُ بِحِكْمَتِهِ لِتَمامِها، والمُوَقِّتُ لِآجالِ وُقُوعِها.
فَذَكَرَ هاتَيْنِ الصِّفَتَيْنِ هُنا: وعِيدٌ لِمَن شَمِلَتْهُ آياتُ الذَّمِّ السّابِقَةِ، ووَعْدٌ لِمَن أُمِرَ بِالإعْراضِ عَنْهم وعَنِ افْتِرائِهِمْ، وبِالتَّحاكُمِ مَعَهم إلى اللَّهِ، والَّذِينَ يَعْلَمُونَ أنَّ اللَّهَ أنْزَلَ كِتابَهُ بِالحَقِّ.
6:116Страница 142
وَإِن تُطِعۡ أَكۡثَرَ مَن فِي ٱلۡأَرۡضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِۚ إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا ٱلظَّنَّ وَإِنۡ هُمۡ إِلَّا يَخۡرُصُونَ ١١٦
Если ты станешь повиноваться большинству тех, кто на земле, они собьют тебя с пути Аллаха. Они следуют лишь предположениям и только измышляют.
﴿وإنْ تُطِعْ أكْثَرَ مَن في الأرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إنْ يَتَّبِعُونَ إلّا الظَّنَّ وإنْ هم إلّا يَخْرُصُونَ﴾
أعْقَبَ ذِكْرَ عِنادِ المُشْرِكِينَ، وعَداوَتِهِمْ لِلرَّسُولِ ﷺ، ووِلايَتِهِمْ لِلشَّياطِينِ، ورِضاهم بِما تُوَسْوِسُ لَهم شَياطِينُ الجِنِّ والإنْسِ، واقْتِرافِهِمِ السَّيِّئاتِ طاعَةً
صفحة ٢٣
لِأوْلِيائِهِمْ، وما طَمْأنَ بِهِ قَلْبَ الرَّسُولِ ﷺ مِن أنَّهُ لَقِيَ سُنَّةَ الأنْبِياءِ قَبْلَهُ مِن آثارِ عَداوَةِ شَياطِينِ الإنْسِ والجِنِّ، بِذِكْرِ ما يُهَوِّنُ عَلى الرَّسُولِ ﷺ والمُسْلِمِينَ ما يَرَوْنَهُ مِن كَثْرَةِ المُشْرِكِينَ وعِزَّتِهِمْ، ومِن قِلَّةِ المُسْلِمِينَ وضَعْفِهِمْ، مَعَ تَحْذِيرِهِمْ مِنَ الثِّقَةِ بِقَوْلِهِمْ، والإرْشادِ إلى مُخالَفَتِهِمْ في سائِرِ أحْوالِهِمْ، وعَدَمِ الإصْغاءِ إلى رَأْيِهِمْ؛ لِأنَّهم يُضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ، وأمْرِهِمْ بِأنْ يَلْزَمُوا ما يُرْشِدُهُمُ اللَّهُ إلَيْهِ. فَجُمْلَةُ ﴿وإنْ تُطِعْ﴾ مُتَّصِلَةٌ بِجُمْلَةِ (﴿وكَذَلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيءٍ عَدُوًّا شَياطِينَ الإنْسِ والجِنِّ﴾ [الأنعام: ١١٢]) وبِجُمْلَةِ ﴿أفَغَيْرَ اللَّهِ أبْتَغِي حَكَمًا﴾ [الأنعام: ١١٤] وما بَعْدَها إلى ( ﴿وهُوَ السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ [الأنعام: ١١٥] .
والخِطابُ لِلنَّبِيءِ ﷺ، والمَقْصُودُ بِهِ المُسْلِمُونَ مِثْلُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَئِنْ أشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر: ٦٥] .
وجِيءَ مَعَ فِعْلِ الشَّرْطِ بِحَرْفِ (إنْ) الَّذِي الأصْلُ فِيهِ أنْ يَكُونَ في الشَّرْطِ النّادِرِ الوُقُوعِ، أوِ المُمْتَنَعِ إذا كانَ ذِكْرُهُ عَلى سَبِيلِ الفَرْضِ كَما يُفْرَضُ المُحالُ، والظّاهِرُ أنَّ المُشْرِكِينَ لَمّا أيَسُوا مِنِ ارْتِدادِ المُسْلِمِينَ، كَما أنْبَأ بِذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ أنَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُنا ولا يَضُرُّنا﴾ [الأنعام: ٧١] الآيَةَ، جَعَلُوا يُلْقُونَ عَلى المُسْلِمِينَ الشُّبَهَ والشُّكُوكَ في أحْكامِ دِينِهِمْ، كَما أشارَ إلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى عَقِبَ هَذا: ( ﴿وإنَّ الشَّياطِينَ لَيُوحُونَ إلى أوْلِيائِهِمْ لِيُجادِلُوكم وإنْ أطَعْتُمُوهم إنَّكم لَمُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام: ١٢١] .
وقَدْ رَوى الطَّبَرِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وعِكْرِمَةَ: «أنَّ المُشْرِكِينَ قالُوا: يا مُحَمَّدُ أخْبِرْنا عَنِ الشّاةِ إذا ماتَتْ مَن قَتَلَها - يُرِيدُونَ أكْلَ الشّاةِ إذا ماتَتْ حَتْفَ أنْفِها دُونَ ذَبْحٍ - قالَ: اللَّهُ قَتَلَها، فَتَزْعُمُ أنَّ ما قَتَلْتَ أنْتَ وأصْحابُكَ حَلالٌ، وما قَتَلَ الكَلْبُ والصَّقْرُ حَلالٌ، وما قَتَلَهُ اللَّهُ حَرامٌ ! فَوَقَعَ في نَفْسِ ناسٍ مِنَ المُسْلِمِينَ مِن ذَلِكَ شَيْءٌ» .
وفِي سُنَنِ التِّرْمِذِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: قالَ: أتى أُناسٌ النَّبِيءَ ﷺ فَقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ أنَأْكَلُ ما نَقْتُلُ ولا نَأْكُلُ ما يَقْتُلُ اللَّهُ
صفحة ٢٤
فَأنْزَلَ اللَّهُ (﴿فَكُلُوا مِمّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١١٨]) الآيَةَ، قالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ، فَمِن هَذا ونَحْوِهِ حَذَّرَ اللَّهُ المُسْلِمِينَ مِن هَؤُلاءِ، وثَبَّتَهم عَلى أنَّهم عَلى الحَقِّ، وإنْ كانُوا قَلِيلًا، كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿قُلْ لا يَسْتَوِي الخَبِيثُ والطَّيِّبُ ولَوْ أعْجَبَكَ كَثْرَةُ الخَبِيثِ﴾ [المائدة: ١٠٠] .
والطّاعَةُ: اسْمٌ لِلطَّوْعِ الَّذِي هو مَصْدَرُ طاعَ يَطُوعُ، بِمَعْنى انْقادَ، وفِعْلُ ما يُؤْمَرُ بِهِ عَنْ رِضا دُونَ مُمانَعَةٍ، فالطّاعَةُ ضِدُّ الكُرْهِ، ويُقالُ: طاعَ وأطاعَ، وتُسْتَعْمَلُ مَجازًا في قَبُولِ القَوْلِ، ومِنهُ ما جاءَ في الحَدِيثِ «فَإنْ هم طاعُوا لَكَ بِذَلِكَ فَأخْبِرْهم أنَّ اللَّهَ قَدْ فَرَضَ عَلَيْهِمْ زَكاةَ أمْوالِهِمْ»، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا شَفِيعٍ يُطاعُ﴾ [غافر: ١٨] أيْ: يُقْبَلُ قَوْلُهُ، وإلّا فَإنَّ المَشْفُوعَ إلَيْهِ أرْفَعُ مِنَ الشَّفِيعِ، فَلَيْسَ المَعْنى أنَّهُ يَمْتَثِلُ إلَيْهِ، والطّاعَةُ هُنا مُسْتَعْمَلَةٌ في هَذا المَعْنى المَجازِيِّ وهو قَبُولُ القَوْلِ.
و﴿أكْثَرَ مَن في الأرْضِ﴾ هم أكْثَرُ سُكّانِ الأرْضِ.
والأرْضُ: يُطْلَقُ عَلى جَمِيعِ الكُرَةِ الأرْضِيَّةِ الَّتِي يَعِيشُ عَلى وجْهِها الإنْسانُ والحَيَوانُ والنَّباتُ، وهي الدُّنْيا كُلُّها، ويُطْلَقُ الأرْضُ عَلى جُزْءٍ مِنَ الكُرَةِ الأرْضِيَّةِ مَعْهُودٌ بَيْنَ المُخاطَبِينَ وهو إطْلاقٌ شائِعٌ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وقُلْنا مِن بَعْدِهِ لِبَنِي إسْرائِيلَ اسْكُنُوا الأرْضَ﴾ [الإسراء: ١٠٤] يَعْنِي الأرْضَ المُقَدَّسَةَ، وقَوْلُهُ: ﴿أوْ يُنْفَوْا مِنَ الأرْضِ﴾ [المائدة: ٣٣] أيِ: الأرْضِ الَّتِي حارَبُوا اللَّهَ فِيها، والأظْهَرُ أنَّ المُرادَ في الآيَةِ المَعْنى المَشْهُورُ وهو جَمِيعُ الكُرَةِ الأرْضِيَّةِ كَما هو غالِبُ اسْتِعْمالِها في القُرْآنِ، وقِيلَ: أُرِيدَ بِها مَكَّةَ؛ لِأنَّها الأرْضُ المَعْهُودَةُ لِلرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وأيّا ما كانَ فَأكْثَرُ مَن في الأرْضِ ضالُّونَ مُضِلُّونَ، أمّا الكُرَةُ الأرْضِيَّةُ فَلِأنَّ جَمْهَرَةَ سُكّانِها أهْلُ عَقائِدَ ضالَّةٍ، وقَوانِينَ غَيْرِ عادِلَةٍ.
فَأهْلُ العَقائِدِ الفاسِدَةِ في أمْرِ الإلَهِيَّةِ: كالمَجُوسِ، والمُشْرِكِينَ، وعَبَدَةِ الأوْثانِ، وعَبَدَةِ الكَواكِبِ، والقائِلِينَ بِتَعَدُّدِ الإلَهِ؛ وفي أمْرِ النُّبُوَّةِ: كاليَهُودِ والنَّصارى؛
صفحة ٢٥
وأهْلِ القَوانِينِ الجائِرَةِ مِنَ الجَمِيعِ، وكُلُّهم إذا أُطِيعَ إنَّما يَدْعُو إلى دِينِهِ ونِحْلَتِهِ، فَهو مُضِلٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ، وهم مُتَفاوِتُونَ في هَذا الضَّلالِ كَثْرَةً وقِلَّةً، واتِّباعُ شَرائِعِهِمْ لا يَخْلُو مِن ضَلالٍ وإنْ كانَ في بَعْضِها بَعْضٌ مِنَ الصَّوابِ، والقَلِيلُ مِنَ النّاسِ مَن هم أهْلُ هُدًى، وهم يَوْمَئِذٍ المُسْلِمُونَ، ومَن لَمْ تَبْلُغْهم دَعْوَةُ الإسْلامِ مِنَ المُوَحِّدِينَ الصّالِحِينَ في مَشارِقِ الأرْضِ ومَغارِبِها الطّالِبِينَ لِلْحَقِّ.
وسَبَبُ هَذِهِ الأكْثَرِيَّةِ أنَّ الحَقَّ والهُدى يَحْتاجُ إلى عُقُولٍ سَلِيمَةٍ، ونُفُوسٍ فاضِلَةٍ، وتَأمُّلٍ في الصّالِحِ والضّارِّ، وتَقْدِيمِ الحَقِّ عَلى الهَوى، والرُّشْدِ عَلى الشَّهْوَةِ، ومَحَبَّةِ الخَيْرِ لِلنّاسِ؛ وهَذِهِ صِفاتٌ إذا اخْتَلَّ واحِدٌ مِنها تَطَرَّقَ الضَّلالُ إلى النَّفْسِ بِمِقْدارِ ما انْثَلَمَ مِن هَذِهِ الصِّفاتِ، واجْتِماعُها في النُّفُوسِ لا يَكُونُ إلّا عَنِ اعْتِدالٍ تامٍّ في العَقْلِ والنَّفْسِ، وذَلِكَ بِتَكْوِينِ اللَّهِ وتَعْلِيمِهِ، وهي حالَةُ الرُّسُلِ والأنْبِياءِ، أوْ بِإلْهامٍ إلَهِيٍّ كَما كانَ أهْلُ الحَقِّ مِن حُكَماءِ اليُونانِ وغَيْرِهِمْ مِن أصْحابِ المُكاشَفاتِ وأصْحابِ الحِكْمَةِ الإشْراقِيَّةِ، وقَدْ يُسَمُّونَها الذَّوْقَ، أوْ عَنِ اقْتِداءٍ بِمُرْشِدٍ مَعْصُومٍ كَما كانَ عَلَيْهِ أصْحابُ الرُّسُلِ والأنْبِياءِ وخِيرَةِ أُمَمِهِمْ؛ فَلا جَرَمَ كانَ أكْثَرُ مَن في الأرْضِ ضالِّينَ وكانَ المُهْتَدُونَ قِلَّةً، فَمَنِ اتَّبَعَهم أضَلُّوهُ.
والآيَةُ لَمْ تَقْتَضِ أنَّ أكْثَرَ أهْلِ الأرْضِ مُضِلُّونَ؛ لِأنَّ مُعْظَمَ أهْلِ الأرْضِ غَيْرُ مُتَصَدِّينَ لِإضْلالِ النّاسِ، بَلْ هم في ضَلالِهِمْ قانِعُونَ بِأنْفُسِهِمْ، مُقْبِلُونَ عَلى شَأْنِهِمْ؛ وإنَّما اقْتَضَتْ أنَّ أكْثَرَهم، إنْ قَبِلَ المُسْلِمُ قَوْلَهم، لَمْ يَقُولُوا لَهُ إلّا ما هو تَضْلِيلٌ؛ لِأنَّهم لا يُلْقُونَ عَلَيْهِ إلّا ضَلالَهم، فالآيَةُ تَقْتَضِي أنَّ أكْثَرَ أهْلِ الأرْضِ ضالُّونَ بِطَرِيقِ الِالتِزامِ؛ لِأنَّ المُهْتَدِيَ لا يَضِلُّ مُتَّبِعُهُ، وكُلُّ إناءٍ يَرْشَحُ بِما فِيهِ، وفي مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ تَعالى في آيَةِ سُورَةِ العُقُودِ: ( ﴿قُلْ لا يَسْتَوِي الخَبِيثُ والطَّيِّبُ ولَوْ أعْجَبَكَ كَثْرَةُ الخَبِيثِ﴾ [المائدة: ١٠٠] .
واعْلَمْ أنَّ هَذا لا يَشْمَلُ أهْلَ الخَطَأِ في الِاجْتِهادِ مِنَ المُسْلِمِينَ؛ لِأنَّ المُجْتَهِدَ
صفحة ٢٦
فِي مَسائِلِ الخِلافِ يَتَطَلَّبُ مُصادَفَةَ الصَّوابِ بِاجْتِهادِهِ، بِتَتَبُّعِ الأدِلَّةِ الشَّرْعِيَّةِ ولا يَزالُ يَبْحَثُ عَنْ مُعارِضِ اجْتِهادِهِ، وإذا اسْتَبانَ لَهُ الخَطَأُ رَجَعَ عَنْ رَأْيِهِ، فَلَيْسَ في طاعَتِهِ ضَلالٌ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ؛ لِأنَّ مِن سَبِيلِ اللَّهِ طُرُقَ النَّظَرِ والجَدَلِ في التَّفَقُّهِ في الدِّينِ.
وقَوْلُهُ: ﴿يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ تَمْثِيلٌ لِحالِ الدّاعِي إلى الكُفْرِ والفَسادِ مَن يَقْبَلُ قَوْلَهُ، بِحالِ مَن يُضِلُّ مُسْتَهْدِيهِ إلى الطَّرِيقِ، فَيَنْعَتُ لَهُ طَرِيقًا غَيْرَ الطَّرِيقِ المُوَصِّلَةِ، وهو تَمْثِيلٌ قابِلٌ لِتَوْزِيعِ التَّشْبِيهِ بِأنْ يُشَبِّهَ كُلَّ جُزْءٍ مِن أجْزاءِ الهَيْئَةِ المُشَبَّهَةِ بِجُزْءٍ مِن أجْزاءِ الهَيْئَةِ المُشَبَّهِ بِها، وإضافَةُ السَّبِيلِ إلى اسْمِ اللَّهِ قَرِينَةٌ عَلى الِاسْتِعارَةِ، وسَبِيلُ اللَّهِ هو أدِلَّةُ الحَقِّ، أوْ هو الحَقُّ نَفْسُهُ.
ثُمَّ بَيَّنَ اللَّهُ سَبَبَ ضَلالِهِمْ وإضْلالِهِمْ بِأنَّهم ما يَعْتَقِدُونَ ويَدِينُونَ إلّا عَقائِدَ ضالَّةً، وأدْيانًا سَخِيفَةً، ظَنُّوها حَقًّا لِأنَّهم لَمْ يَسْتَفْرِغُوا مَقْدِرَةَ عُقُولِهِمْ في تَرَسُّمِ أدِلَّةِ الحَقِّ، فَقالَ: ( ﴿إنْ يَتَّبِعُونَ إلّا الظَّنَّ﴾ .
والِاتِّباعُ: مَجازٌ في قَبُولِ الفِكْرِ لِما يُقالُ وما يَخْطُرُ لِلْفِكْرِ مِنَ الآراءِ والأدِلَّةِ وتَقَلُّدِ ذَلِكَ، فَهَذا أتَمُّ مَعْنى الِاتِّباعِ، عَلى أنَّ الِاتِّباعَ يُطْلَقُ عَلى عَمَلِ المَرْءِ بِرَأْيِهِ كَأنَّهُ يَتَّبِعُهُ.
والظَّنُّ في اصْطِلاحِ القُرْآنِ، هو الِاعْتِقادُ المُخْطِئُ عَنْ غَيْرِ دَلِيلٍ، الَّذِي يَحْسَبُهُ صاحِبُهُ حَقًّا وصَحِيحًا، قالَ تَعالى: ﴿وما يَتَّبِعُ أكْثَرُهم إلّا ظَنًّا إنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الحَقِّ شَيْئًا﴾ [يونس: ٣٦] ومِنهُ قَوْلُ النَّبِيءِ ﷺ: «إيّاكم والظَّنَّ فَإنَّ الظَّنَّ أكْذَبُ الحَدِيثِ» ولَيْسَ هو الظَّنُّ الَّذِي اصْطَلَحَ عَلَيْهِ فُقَهاؤُنا في الأُمُورِ التَّشْرِيعِيَّةِ، فَإنَّهم أرادُوا بِهِ العِلْمَ الرّاجِحَ في النَّظَرِ، مَعَ احْتِمالِ الخَطَأِ احْتِمالًا مَرْجُوحًا؛ لِتَعَسُّرِ اليَقِيِنِ في الأدِلَّةِ التَّكْلِيفِيَّةِ؛ لِأنَّ اليَقِينَ فِيها إنْ كانَ اليَقِينَ المُرادَ لِلْحُكَماءِ، فَهو مُتَوَقِّفٌ عَلى الدَّلِيلِ المُنْتَهِي إلى الضَّرُورَةِ أوِ البُرْهانِ، وهُما لا يَجْرِيانِ إلّا في أُصُولِ مَسائِلِ التَّوْحِيدِ، وإنْ
صفحة ٢٧
كانَ بِمَعْنى الإيقانِ بِأنَّ اللَّهَ أمَرَ أوْ نَهى، فَذَلِكَ نادِرٌ في مُعْظَمِ مَسائِلِ التَّشْرِيعِ، عَدا ما عُلِمَ مِنَ الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ أوْ حَصَلَ لِصاحِبِهِ بِالحِسِّ، وهو خاصٌّ بِما تَلَقّاهُ بَعْضُ الصَّحابَةِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مُباشَرَةً، أوْ حَصَلَ بِالتَّواتُرِ، وهو عَزِيزُ الحُصُولِ بَعْدَ عَصْرِ الصَّحابَةِ والتّابِعِينَ، كَما عُلِمَ مِن أُصُولِ الفِقْهِ.
وجُمْلَةُ ﴿إنْ يَتَّبِعُونَ إلّا الظَّنَّ﴾ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ، نَشَأ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ فَبَيَّنَ سَبَبَ ضَلالِهِمْ أنَّهُمُ اتَّبَعُوا الشُّبْهَةَ مِن غَيْرِ تَأمُّلٍ في مَفاسِدِها، فالمُرادُ بِالظَّنِّ ظَنُّ أسْلافِهِمْ، كَما أشْعَرَ بِهِ ظاهِرُ قَوْلِهِ: يَتَّبِعُونَ.
وجُمْلَةُ ﴿وإنْ هم إلّا يَخْرُصُونَ﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿إنْ يَتَّبِعُونَ إلّا الظَّنَّ﴾ ووُجُودُ حَرْفِ العَطْفِ يَمْنَعُ أنْ تَكُونَ هَذِهِ الجُمْلَةُ تَأْكِيدًا لِلْجُمْلَةِ الَّتِي قَبْلَها، أوْ تَفْسِيرًا لَها، فَتَعَيَّنَ أنَّ المُرادَ بِهَذِهِ الجُمْلَةِ غَيْرُ المُرادِ بِجُمْلَةِ ( ﴿إنْ يَتَّبِعُونَ إلّا الظَّنَّ﴾ .
وقَدْ تَرَدَّدَتْ آراءُ المُفَسِّرِينَ في مَحْمَلِ قَوْلِهِ: (﴿وإنْ هم إلّا يَخْرُصُونَ﴾) فَقِيلَ: (يَخْرُصُونَ) يَكْذِبُونَ فِيما ادَّعَوْا أنَّ ما اتَّبَعُوهُ يَقِينٌ، وقِيلَ: الظَّنُّ؛ ظَنُّهم أنَّ آباءَهم عَلى الحَقِّ، والخَرْصُ: تَقْدِيرُهم أنْفُسَهم عَلى الحَقِّ.
والوَجْهُ: أنَّ مَحْمَلَ الجُمْلَةِ الأُولى عَلى ما تَلَقَّوْهُ مِن أسْلافِهِمْ، كَما أشْعَرَ بِهِ قَوْلُهُ: ( يَتَّبِعُونَ وأنَّ مَحْمَلَ الجُمْلَةِ الثّانِيَةِ عَلى ما يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنَ الزِّياداتِ عَلى ما تَرَكَ لَهم أسْلافُهم وعَلى شُبَهاتِهِمِ الَّتِي يَحْسَبُونَها أدِلَّةً مُفْحِمَةً، كَقَوْلِهِمْ: كَيْفَ نَأْكُلُ ما قَتَلْناهُ وقَتَلَهُ الكَلْبُ والصَّقْرُ، ولا نَأْكُلُ ما قَتَلَهُ اللَّهُ كَما تَقَدَّمَ آنِفًا، كَما أشْعَرَ بِهِ فِعْلُ يَخْرُصُونَ مِن مَعْنى التَّقْدِيرِ والتَّأمُّلِ.
صفحة ٢٨
والخَرْصُ: الظَّنُّ النّاشِئُ عَنْ وِجْدانٍ في النَّفْسِ مُسْتَنِدٍ إلى تَقْرِيبٍ، ولا يَسْتَنِدُ إلى دَلِيلٍ يَشْتَرِكُ العُقَلاءُ فِيهِ، وهو يُرادِفُ الحَزْرَ والتَّخْمِينَ، ومِنهُ خَرْصُ النَّخْلِ والكَرْمِ؛ أيْ: تَقْدِيرُ ما فِيهِ مِنَ الثَّمَرَةِ بِحَسَبِ ما يَجِدُهُ النّاظِرُ فِيما تَعَوَّدَهُ. وإطْلاقُ الخَرْصِ عَلى ظُنُونِهِمُ الباطِلَةِ في غايَةِ الرَّشاقَةِ؛ لِأنَّها ظُنُونٌ لا دَلِيلَ عَلَيْها غَيْرُ ما حَسُنَ لِظانِّيها، ومِنَ المُفَسِّرِينَ وأهْلِ اللُّغَةِ مَن فَسَّرَ الخَرْصَ بِالكَذِبِ، وهو تَفْسِيرٌ قاصِرٌ، نَظَرَ أصْحابُهُ إلى حاصِلِ ما يُفِيدُهُ السِّياقُ في نَحْوِ هَذِهِ الآيَةِ، ونَحْوِ قَوْلِهِ: ﴿قُتِلَ الخَرّاصُونَ﴾ [الذاريات: ١٠]؛ ولَيْسَ السِّياقُ لِوَصْفِ أكْثَرِ مَن في الأرْضِ بِأنَّهم كاذِبُونَ، بَلْ لِوَصْمِهِمْ بِأنَّهم يَأْخُذُونَ الِاعْتِقادَ مِنَ الدَّلائِلِ الوَهْمِيَّةِ، فالخَرْصُ ما كانَ غَيْرَ عِلْمٍ، قالَ تَعالى: ﴿ما لَهم بِذَلِكَ مِن عِلْمٍ إنْ هم إلّا يَخْرُصُونَ﴾ [الزخرف: ٢٠] ولَوْ أُرِيدَ وصْفُهم بِالكَذِبِ لَكانَ لَفْظُ (يَكْذِبُونَ) أصْرَحَ مَن لَفْظِ يَخْرُصُونَ.
واعْلَمْ أنَّ السِّياقَ اقْتَضى ذَمَّ الِاسْتِدْلالِ بِالخَرْصِ؛ لِأنَّهُ حَزْرٌ وتَخْمِينٌ لا يَنْضَبِطُ، ويُعارِضُهُ ما ورَدَ عَنْ عَتّابِ بْنِ أسِيدٍ قالَ: «أمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أنْ يُخْرَصَ العِنَبُ كَما يُخْرَصَ التَّمْرُ» . فَأخَذَ بِهِ مالِكٌ والشّافِعِيُّ، ومَحْمَلُهُ عَلى الرُّخْصَةِ تَيْسِيرًا عَلى أرْبابِ النَّخِيلِ والكُرُومِ لِيَنْتَفِعُوا بِأكْلِ ثِمارِهِمْ رَطْبَةً، فَتُؤْخَذُ الزَّكاةُ مِنهم عَلى ما يُقَدِّرُهُ الخَرْصُ، وكَذَلِكَ في قِسْمَةِ الثِّمارِ بَيْنَ الشُّرَكاءِ، وكَذَلِكَ في العَرِيَّةِ يَشْتَرِيها المُعْرِي مِمَّنْ أعْراهُ، وخالَفَ أبُو حَنِيفَةَ في ذَلِكَ وجَعَلَ حَدِيثَ عَتّابٍ مَنسُوخًا.
Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии