Ибн Ашур · Тафсир · на арабском
Аль-Анам 6:130–132
6:130Страница 144
يَٰمَعۡشَرَ ٱلۡجِنِّ وَٱلۡإِنسِ أَلَمۡ يَأۡتِكُمۡ رُسُلٞ مِّنكُمۡ يَقُصُّونَ عَلَيۡكُمۡ ءَايَٰتِي وَيُنذِرُونَكُمۡ لِقَآءَ يَوۡمِكُمۡ هَٰذَاۚ قَالُواْ شَهِدۡنَا عَلَىٰٓ أَنفُسِنَاۖ وَغَرَّتۡهُمُ ٱلۡحَيَوٰةُ ٱلدُّنۡيَا وَشَهِدُواْ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِمۡ أَنَّهُمۡ كَانُواْ كَٰفِرِينَ ١٣٠
Мы скажем: «О сонмище джиннов и людей! Разве к вам не приходили посланники из вашего числа, которые читали вам Мои аяты и предупреждали вас о встрече с этим днем вашим?». Они скажут: «Мы свидетельствуем против самих себя». Мирская жизнь обольстила их, и они принесут свидетельство против самих себя о том, что они были неверующими.
﴿يا مَعْشَرَ الجِنِّ والإنْسِ ألَمْ يَأْتِكم رُسُلٌ مِنكم يَقُصُّونَ عَلَيْكم آياتِي ويُنْذِرُونَكم لِقاءَ يَوْمِكم هَذا قالُوا شَهِدْنا عَلى أنْفُسِنا وغَرَّتْهُمُ الحَياةُ الدُّنْيا وشَهِدُوا عَلى أنْفُسِهِمُ أنَّهم كانُوا كافِرِينَ﴾
هَذا مِن جُمْلَةِ المُقاوَلَةِ الَّتِي تَجْرِي يَوْمَ الحَشْرِ، وفُصِلَتِ الجُمْلَةُ؛ لِأنَّها في مَقامِ تَعْدادِ جَرائِمِهِمِ الَّتِي اسْتَحَقُّوا بِها الخُلُودَ، إبْطالًا لِمَعْذِرَتِهِمْ، وإعْلانًا بِأنَّهم مَحْقُوقُونَ بِما جُزُوا بِهِ، فَأعادَ نِداءَهم كَما يُنادى المُنَدَّدُ عَلَيْهِ المُوَبَّخُ فَيَزْدادُ رَوْعًا.
والهَمْزَةُ في ﴿ألَمْ يَأْتِكُمْ﴾ لِلِاسْتِفْهامِ التَّقْرِيرِيِّ، وإنَّما جُعِلَ السُّؤالُ عَنْ نَفْيِ إتْيانِ الرُّسُلِ إلَيْهِمْ؛ لِأنَّ المُقَرَّرَ إذا كانَ حالُهُ في مُلابَسَةِ المُقَرَّرِ عَلَيْهِ حالُ مَن يُظَنُّ بِهِ أنْ يُجِيبَ بِالنَّفْيِ، يُؤْتى بِتَقْرِيرِهِ داخِلًا عَلى نَفْيِ الأمْرِ الَّذِي المُرادُ إقْرارُهُ بِإثْباتِهِ، حَتّى إذا أقَرَّ بِإثْباتِهِ كانَ إقْرارُهُ أقْطَعَ لِعُذْرِهِ في المُؤاخَذَةِ بِهِ، كَما يُقالُ لِلْجانِي: ألَسْتَ الفاعِلَ كَذا وكَذا، وألَسْتَ القائِلَ كَذا.
وقَدْ يَسْلُكُ ذَلِكَ في مَقامِ اخْتِبارِ مِقْدارِ تَمَكُّنِ المَسْئُولِ المُقَرَّرِ مِنَ اليَقِينِ في المُقَرَّرِ عَلَيْهِ، فَيُؤْتى بِالِاسْتِفْهامِ داخِلًا عَلى نَفْيِ الشَّيْءِ المُقَرَّرِ عَلَيْهِ، حَتّى إذا كانَتْ لَهُ شُبْهَةٌ فِيهِ ارْتَبَكَ وتَلَعْثَمَ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأشْهَدَهم عَلى أنْفُسِهِمُ ألَسْتُ بِرَبِّكُمْ﴾ [الأعراف: ١٧٢] ولَمّا كانَ حالُ هَؤُلاءِ الجِنِّ والإنْسِ في التَّمَرُّدِ عَلى اللَّهِ، ونَبْذِ العَمَلِ الصّالِحِ ظِهْرِيًّا، والإعْراضِ عَنِ الإيمانِ حالَ مَن لَمْ يَطْرُقْ سَمْعَهُ أمْرٌ بِمَعْرُوفٍ ولا نَهْيٌ عَنْ مُنْكَرٍ، جِيءَ
صفحة ٧٦
فِي تَقْرِيرِهِمْ عَلى بِعْثَةِ الرُّسُلِ بِصِيغَةِ الِاسْتِفْهامِ عَنْ نَفْيِ مَجِيءِ الرُّسُلِ إلَيْهِمْ، حَتّى إذا لَمْ يَجِدُوا لِإنْكارِ مَجِيءِ الرُّسُلِ مَساغًا، واعْتَرَفُوا بِمَجِيئِهِمْ، كانَ ذَلِكَ أحْرى لِأخْذِهِمْ بِالعِقابِ.
والرُّسُلُ: ظاهِرُهُ أنَّهُ جَمْعُ رَسُولٍ بِالمَعْنى المَشْهُورِ في اصْطِلاحِ الشَّرْعِ؛ أيْ: مُرْسَلٌ مِنَ اللَّهِ إلى العِبادِ بِما يُرْشِدُهم إلى ما يَجِبُ عَلَيْهِمْ مِنِ اعْتِقادٍ وعَمَلٍ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ جَمْعُ رَسُولٍ بِالمَعْنى اللُّغَوِيِّ، وهو مَن أرْسَلَهُ غَيْرُهُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إذْ جاءَها المُرْسَلُونَ﴾ [يس: ١٣] وهم رُسُلُ الحَوارِيِّينَ بَعْدَ عِيسى.
فَوَصْفُ الرُّسُلِ بِقَوْلِهِ: (مِنكم) لِزِيادَةِ إقامَةِ الحُجَّةِ؛ أيْ: رُسُلٌ تَعْرِفُونَهم وتَسْمَعُونَهم، فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ ”مِن“ اتِّصالِيَّةً مِثْلُ الَّتِي في قَوْلِهِمْ: لَسْتُ مِنكَ ولَسْتَ مِنِّي، ولَيْسَتْ لِلتَّبْعِيضِ، فَلَيْسَتْ مِثْلَ الَّتِي في قَوْلِهِ: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ في الأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنهُمْ﴾ [الجمعة: ٢] وذَلِكَ أنَّ رُسُلَ اللَّهِ لا يَكُونُونَ إلّا مِنَ الإنْسِ؛ لِأنَّ مَقامَ الرِّسالَةِ عَنِ اللَّهِ لا يَلِيقُ أنْ يُجْعَلَ إلّا في أشْرَفِ الأجْناسِ مِنَ المَلائِكَةِ والبَشَرِ، وجِنْسُ الجِنِّ أحَطُّ مِنَ البَشَرِ؛ لِأنَّهم خُلِقُوا مِن نارٍ.
وتَكُونُ ”مِن“ تَبْعِيضِيَّةً، ويَكُونُ المُرادُ بِضَمِيرِ (مِنكم) خُصُوصَ الإنْسِ عَلى طَرِيقَةِ التَّغْلِيبِ، أوْ عَوْدَ الضَّمِيرِ إلى بَعْضِ المَذْكُورِ قَبْلَهُ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَخْرُجُ مِنهُما اللُّؤْلُؤُ والمَرْجانُ﴾ [الرحمن: ٢٢] وإنَّما يَخْرُجُ اللُّؤْلُؤُ والمَرْجانُ مِنَ البَحْرِ المِلْحِ، فَأمّا مُؤاخَذَةُ الجِنِّ بِمُخالَفَةِ الرُّسُلِ فَقَدْ يَخْلُقُ اللَّهُ في الجِنِّ إلْهامًا بِوُجُوبِ الِاسْتِماعِ إلى دَعْوَةِ الرُّسُلِ والعَمَلِ بِها، كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى في سُورَةِ الجِنِّ: ﴿قُلْ أُوحِيَ إلَيَّ أنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الجِنِّ فَقالُوا إنّا سَمِعْنا قُرْآنًا عَجَبًا﴾ [الجن: ١] الآيَةَ، وقالَ في سُورَةِ الأحْقافِ: ﴿قالُوا يا قَوْمَنا إنّا سَمِعْنا كِتابًا أُنْزِلَ مِن بَعْدِ مُوسى مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إلى الحَقِّ وإلى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الأحقاف: ٣٠] ﴿يا قَوْمَنا أجِيبُوا داعِيَ اللَّهِ وآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكم مِن ذُنُوبِكم ويُجِرْكم مِن عَذابٍ ألِيمٍ﴾ [الأحقاف: ٣١] ذَلِكَ أنَّ الظَّواهِرَ تَقْتَضِي أنَّ الجِنَّ لَهُمُ اتِّصالٌ بِهَذا العالَمِ، واطِّلاعٌ عَلى أحْوالِ أهْلِهِ ﴿إنَّهُ يَراكم هو وقَبِيلُهُ مِن حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ﴾ [الأعراف: ٢٧] .
صفحة ٧٧
فَضَعُفَ قَوْلُ مَن قالَ بِوُجُودِ رُسُلٍ مِنَ الجِنِّ إلى جِنْسِهِمْ، ونُسِبَ إلى الضَّحّاكِ، ولِذَلِكَ فَقَوْلُهُ: ﴿ألَمْ يَأْتِكُمْ﴾ مَصْرُوفٌ عَنْ ظاهِرِهِ مِن شُمُولِهِ الإنْسَ والجِنَّ، ولَمْ يَرِدْ عَنِ النَّبِيءِ ﷺ ما يَثْبُتُ بِهِ أنَّ اللَّهَ أرْسَلَ رُسُلًا مِنَ الجِنِّ إلى جِنْسِهِمْ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ رُسُلُ الجِنِّ طَوائِفَ مِنهم يَسْتَمِعُونَ إلى الأنْبِياءِ ويَفْهَمُونَ ما يَدْعُونَ إلَيْهِ، ويُبَلِّغُونَ ذَلِكَ إلى أقْوامِهِمْ، كَما تَقْتَضِيهِ الآيَةُ في سُورَةِ الأحْقافِ، فَمُؤاخَذَةُ الجِنِّ عَلى الإشْراكِ بِاللَّهِ يَقْتَضِيها بُلُوغُ تَوْحِيدِ اللَّهِ إلى عِلْمِهِمْ؛ لِأنَّ أدِلَّةَ الوَحْدانِيَّةِ عَقْلِيَّةٌ لا تَحْتاجُ إلّا إلى ما يُحَرِّكُ النَّظَرَ، فَلَمّا خَلَقَ اللَّهُ لِلْجِنِّ عِلْمًا بِما تَجِيءُ بِهِ رُسُلُ اللَّهِ مِنَ الدُّعاءِ إلى النَّظَرِ في التَّوْحِيدِ فَقَدْ تَوَجَّهَتْ عَلَيْهِمُ المُؤاخَذَةُ بِتَرْكِ الإيمانِ بِوَحْدانِيَّةِ اللَّهِ تَعالى، فاسْتَحَقُّوا العَذابَ عَلى الإشْراكِ دُونَ تَوَقُّفٍ عَلى تَوْجِيهِ الرُّسُلِ دَعْوَتَهم إلَيْهِمْ.
ومِن حُسْنِ عِباراتِ أئِمَّتِنا أنَّهم يَقُولُونَ: الإيمانُ واجِبٌ عَلى مَن بَلَغَتْهُ الدَّعْوَةُ، دُونَ أنْ يَقُولُوا: عَلى مَن وُجِّهَتْ إلَيْهِ الدَّعْوَةُ. وطُرُقُ بُلُوغِ الدَّعْوَةِ عَدِيدَةٌ، ولَمْ يَثْبُتْ في القُرْآنِ ولا في صَحِيحِ الآثارِ أنَّ النَّبِيءَ مُحَمَّدًا ﷺ، ولا غَيْرَهُ مِنَ الرُّسُلِ، بُعِثَ إلى الجِنِّ لِانْتِفاءِ الحِكْمَةِ مِن ذَلِكَ؛ ولِعَدَمِ المُناسَبَةِ بَيْنَ الجِنْسَيْنِ، وتَعَذُّرِ تَخالُطِهِما، وعَنِ الكَلْبِيِّ أنَّ مُحَمَّدًا ﷺ بُعِثَ إلى الإنْسِ والجِنِّ، وقالَهُ ابْنُ حَزْمٍ، واخْتارَهُ أبُو عُمَرَ بْنُ عَبْدِ البَرِّ، وحَكى الِاتِّفاقَ عَلَيْهِ، فَيَكُونُ مِن خَصائِصَ النَّبِيءِ مُحَمَّدٍ ﷺ تَشْرِيفًا لِقَدْرِهِ.
والخَوْضُ في هَذا يَنْبَغِي لِلْعالِمِ أنْ يَرْبَأ بِنَفْسِهِ عَنْهُ؛ لِأنَّهُ خَوْضٌ في أحْوالِ عالَمٍ لا يَدْخُلُ تَحْتَ مُدْرَكاتِنا، فَإنَّ اللَّهَ أنْبَأنا بِأنَّ العَوالِمَ كُلَّها خاضِعَةٌ لِسُلْطانِهِ، حَقِيقٌ عَلَيْها طاعَتُهُ، إذا كانَتْ مُدْرِكَةً صالِحَةً لِلتَّكْلِيفِ، والمَقْصُودُ مِنَ الآيَةِ الَّتِي نَتَكَلَّمُ عَلَيْها إعْلامُ المُشْرِكِينَ بِأنَّهم مَأْمُورُونَ بِالتَّوْحِيدِ والإسْلامِ، وأنَّ أوْلِياءَهم مِن شَياطِينِ الإنْسِ والجِنِّ غَيْرُ مُفْلِتِينَ مِنَ المُؤاخَذَةِ عَلى نَبْذِ الإسْلامِ، بَلْهَ أتْباعُهم ودَهْمائُهم، فَذِكْرُ الجِنَّ مَعَ الإنْسِ في قَوْلِهِ: ﴿يا مَعْشَرَ الجِنِّ والإنْسِ﴾ يَوْمَ القِيامَةِ لِتَبْكِيتِ المُشْرِكِينَ وتَحْسِيرِهِمْ عَلى ما فَرَطَ مِنهم في الدُّنْيا مِن عِبادَةِ الجِنِّ أوِ الِالتِجاءِ إلَيْهِمْ،
صفحة ٧٨
عَلى حَدِّ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ويَوْمَ يَحْشُرُهم وما يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَيَقُولُ أأنْتُمْ أضْلَلْتُمْ عِبادِي هَؤُلاءِ﴾ [الفرقان: ١٧]، وقَوْلِهِ: ﴿وإذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ أأنْتَ قُلْتَ لِلنّاسِ اتَّخِذُونِي وأُمِّيَ إلَهَيْنِ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ [المائدة: ١١٦] .
والقَصُّ كالقَصَصِ: الإخْبارُ، ومِنهُ القِصَّةُ لِلْخَبَرِ، والمَعْنى: يُخْبِرُونَكُمُ الأخْبارَ الدّالَّةَ عَلى وحْدانِيَّةِ اللَّهِ وأمْرِهِ ونَهْيِهِ ووَعْدِهِ ووَعِيدِهِ، فَسَمّى ذَلِكَ قَصًّا؛ لِأنَّ أكْثَرَهُ أخْبارٌ عَنْ صِفاتِ اللَّهِ تَعالى وعَنِ الرُّسُلِ وأُمَمِهِمْ وما حَلَّ بِهِمْ، وعَنِ الجَزاءِ بِالنَّعِيمِ أوِ العَذابِ، فالمُرادُ مِنَ الآياتِ آياتُ القُرْآنِ، والأقْوالُ الَّتِي تُتْلى فَيَفْهَمُها الجِنُّ بِإلْهامٍ، كَما تَقَدَّمَ آنِفًا، وفَهِمَها الإنْسُ مِمَّنْ يَعْرِفُ العَرَبِيَّةَ مُباشَرَةً، ومَن لا يَعْرِفُ العَرَبِيَّةَ بِالتَّرْجَمَةِ.
والإنْذارُ: الإخْبارُ بِمَ يُخِيفُ ويُكْرَهُ، وهو ضِدُّ البِشارَةِ، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنّا أرْسَلْناكَ بِالحَقِّ بَشِيرًا ونَذِيرًا﴾ [البقرة: ١١٩] في سُورَةِ البَقَرَةِ، وهو يَتَعَدّى إلى مَفْعُولٍ بِنَفْسِهِ وهو المُلْقى إلَيْهِ الخَبَرُ، ويَتَعَدّى إلى الشَّيْءِ المُخْبَرِ عَنْهُ بِالباءِ وبِنَفْسِهِ، يُقالُ: أنْذَرْتُهُ بِكَذا وأنْذَرْتُهُ كَذا قالَ تَعالى: ﴿فَأنْذَرْتُكم نارًا تَلَظّى﴾ [الليل: ١٤]، ﴿فَقُلْ أنْذَرْتُكم صاعِقَةً﴾ [فصلت: ١٣]، ﴿وتُنْذِرَ يَوْمَ الجَمْعِ﴾ [الشورى: ٧] ولَمّا كانَ اللِّقاءُ يَوْمَ الحَشْرِ يَتَضَمَّنُ خَيْرًا لِأهْلِ الخَيْرِ وشَرًّا لِأهْلِ الشَّرِّ، وكانَ هَؤُلاءِ المُخاطَبُونَ قَدْ تَمَحَضُّوا لِلشَّرِّ، جُعِلَ إخْبارُ الرُّسُلِ إيّاهم بِلِقاءِ ذَلِكَ اليَوْمِ إنْذارًا؛ لِأنَّهُ الطَّرَفُ الَّذِي تَحَقَّقَ فِيهِمْ مِن جُمْلَةِ إخْبارِ الرُّسُلِ إيّاهم ما في ذَلِكَ اليَوْمِ وشَرِّهِ. ووَصْفُ اليَوْمِ بِاسْمِ الإشارَةِ في قَوْلِهِ: ﴿يَوْمِكم هَذا﴾ لِتَهْوِيلِ أمْرِ ذَلِكَ بِما يُشاهَدُ فِيهِ، بِحَيْثُ لا تُحِيطُ العِبارَةُ بِوَصْفِهِ، فَيُعْدَلُ عَنْها إلى الإشارَةِ كَقَوْلِهِ: ﴿هَذِهِ النّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ﴾ [الطور: ١٤] .
ومَعْنى قَوْلِهِمْ: ﴿شَهِدْنا عَلى أنْفُسِنا﴾ الإقْرارُ بِما تَضَمَّنَهُ الِاسْتِفْهامُ مِن إتْيانِ الرُّسُلِ إلَيْهِمْ؛ وذَلِكَ دَلِيلٌ عَلى أنَّ دُخُولَ حَرْفِ النَّفْيِ في جُمْلَةِ الِاسْتِفْهامِ لَيْسَ المَقْصُودُ مِنهُ إلّا قَطْعَ المَعْذِرَةِ، وأنَّهُ أمْرٌ لا يَسَعُ المَسْئُولَ نَفْيُهُ، فَلِذَلِكَ أجْمَلُوا الجَوابَ: فَـ ﴿قالُوا شَهِدْنا عَلى أنْفُسِنا﴾ أيْ: أقْرَرْنا بِإتْيانِ الرُّسُلِ إلَيْنا.
صفحة ٧٩
واسْتُعْمِلَتِ الشَّهادَةُ في مَعْنى الإقْرارِ؛ لِأنَّ أصْلَ الشَّهادَةِ الإخْبارُ عَنْ أمْرٍ تَحَقَّقَهُ المُخْبِرُ وبَيَّنَهُ، ومِنهُ: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أنَّهُ لا إلَهَ إلّا هو والمَلائِكَةُ وأُولُو العِلْمِ قائِمًا بِالقِسْطِ﴾ [آل عمران: ١٨] وشَهِدَ عَلَيْهِ؛ أخْبَرَ عَنْهُ خَبَرَ المُتَثَبِّتِ المُتَحَقِّقِ، فَلِذَلِكَ قالُوا: ﴿شَهِدْنا عَلى أنْفُسِنا﴾ أيْ: أقْرَرْنا بِإتْيانِ الرُّسُلِ إلَيْنا، ولا تَنافِيَ بَيْنَ هَذا الإقْرارِ وبَيْنَ إنْكارِهِمُ الشِّرْكَ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا أنْ قالُوا واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٢٣] لِاخْتِلافِ المُخْبَرِ عَنْهُ في الآيَتَيْنِ.
وفُصِلَتْ جُمْلَةُ (قالُوا)؛ لِأنَّها جارِيَةٌ في طَرِيقَةِ المُحاوَرَةِ.
وجُمْلَةُ ﴿وغَرَّتْهُمُ الحَياةُ الدُّنْيا﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿قالُوا شَهِدْنا﴾ بِاعْتِبارِ كَوْنِ الأُولى خَبَرًا عَنْ تَبَيُّنِ الحَقِيقَةِ لَهم، وعِلْمُهم حِينَئِذٍ أنَّهم عَصَوُا الرُّسُلَ ومَن أرْسَلَهم، وأعْرَضُوا عَنْ لِقاءِ يَوْمِهِمْ ذَلِكَ، فَعَلِمُوا وعَلِمَ السّامِعُ لِخَبَرِهِمْ أنَّهم ما وقَعُوا في هَذِهِ الرِّبْقَةِ إلّا؛ لِأنَّهم غَرَّتْهُمُ الحَياةُ الدُّنْيا، ولَوْلا ذَلِكَ الغُرُورُ لَما كانَ عَمَلُهم مِمّا يَرْضاهُ العاقِلُ لِنَفْسِهِ.
والمُرادُ بِالحَياةِ أحْوالُها الحاصِلَةُ لَهم؛ مِنَ اللَّهْوِ والتَّفاخُرِ والكِبْرِ والعِنادِ والِاسْتِخْفافِ بِالحَقائِقِ والِاغْتِرارِ بِما لا يَنْفَعُ في العاجِلِ والآجِلِ.
والمَقْصُودُ مِن هَذا الخَبَرِ عَنْهم كَشْفُ حالِهِمْ، وتَحْذِيرُ السّامِعِينَ مِن دَوامِ التَّوَرُّطِ في مِثْلِهِ، فَإنَّ حالَهم سَواءٌ.
وجُمْلَةُ ﴿وشَهِدُوا عَلى أنْفُسِهِمُ أنَّهم كانُوا كافِرِينَ﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿وغَرَّتْهُمُ الحَياةُ الدُّنْيا﴾ وهو خَبَرٌ مُسْتَعْمَلٌ في التَّعْجِيبِ مِن حالِهِمْ، وتَخْطِئَةِ رَأْيِهِمْ في الدُّنْيا، وسُوءِ نَظَرِهِمْ في الآياتِ، وإعْراضِهِمْ عَنِ التَّدَبُّرِ في العَواقِبِ، وقَدْ رُتِّبَ هَذا الخَبَرُ عَلى الخَبَرِ الَّذِي قَبْلَهُ، وهو اغْتِرارُهم بِالحَياةِ الدُّنْيا؛ لِأنَّ ذَلِكَ الِاغْتِرارَ كانَ السَّبَبُ في وُقُوعِهِمْ في هَذِهِ الحالِ حَتّى اسْتَسْلَمُوا وشَهِدُوا عَلى أنْفُسِهِمْ أنَّهم كانُوا في الدُّنْيا كافِرِينَ بِاللَّهِ، فَأمّا الإنْسُ فَلِأنَّهم أشْرَكُوا بِهِ وعَبَدُوا الجِنَّ، وأمّا الجِنُّ فَلِأنَّهم أغْرُوا
صفحة ٨٠
الإنْسَ بِعِبادَتِهِمْ ووَضَعُوا أنْفُسَهم شُرَكاءَ لِلَّهِ تَعالى، فَكِلا الفَرِيقَيْنِ مِن هَؤُلاءِ كافِرٌ، وهَذا مِثْلُ ما أخْبَرَ اللَّهُ عَنْهم أوْ عَنْ أمْثالِهِمْ بِمِثْلِ هَذا الخَبَرِ التَّعْجِيبِيِّ في قَوْلِهِ: ﴿وقالُوا لَوْ كُنّا نَسْمَعُ أوْ نَعْقِلُ ما كُنّا في أصْحابِ السَّعِيرِ﴾ [الملك: ١٠] ﴿فاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ﴾ [الملك: ١١] فانْظُرْ كَيْفَ فَرَّعَ عَلى قَوْلِهِمْ أنَّهُمُ اعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ، مَعَ أنَّ قَوْلَهم هو عَيْنُ الِاعْتِرافِ، فَلا يُفَرَّعُ الشَّيْءُ عَنْ نَفْسِهِ، ولَكِنْ أُرِيدَ مِنَ الخَبَرِ التَّعْجِيبُ مِن حالِهِمْ والتَّسْمِيعُ بِهِمْ، حِينَ أُلْجِئُوا إلى الِاعْتِرافِ في عاقِبَةِ الأمْرِ.
وشَهادُتُهم عَلى أنْفُسِهِمْ بِالكُفْرِ كانَتْ بَعْدَ التَّمْحِيصِ والإلْجاءِ، فَلا تُنافِي أنَّهم أنْكَرُوا الكُفْرَ في أوَّلِ أمْرِ الحِسابِ، إذْ قالُوا: ﴿واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٢٣] قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: قالَ رَجُلٌ لِابْنِ عَبّاسٍ: إنِّي أجِدُ أشْياءَ تَخْتَلِفُ عَلَيَّ قالَ اللَّهُ: ﴿ولا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ [النساء: ٤٢]، وقالَ: ﴿إلّا أنْ قالُوا واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٢٣] فَقَدْ كَتَمُوا. فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ لِأهْلِ الإخْلاصِ ذُنُوبَهم، فَقالَ المُشْرِكُونَ: تَعالَوْا نَقُلْ: ما كُنّا مُشْرِكِينَ، فَخَتَمَ اللَّهُ عَلى أفْواهِهِمْ فَتَنْطِقُ أيْدِيهِمْ.
6:131Страница 144
ذَٰلِكَ أَن لَّمۡ يَكُن رَّبُّكَ مُهۡلِكَ ٱلۡقُرَىٰ بِظُلۡمٖ وَأَهۡلُهَا غَٰفِلُونَ ١٣١
Это произойдет потому, что твой Господь не губит города несправедливо, пока их жители пребывают в неведении.
﴿ذَلِكَ أنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ القُرى بِظُلْمٍ وأهْلُها غافِلُونَ﴾
اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ تَهْدِيدٌ ومَوْعِظَةٌ وعِبْرَةٌ بِتَفْرِيطِ أهْلِ الضَّلالَةِ في فائِدَةِ دَعْوَةِ الرُّسُلِ، وتَنْبِيهٌ لِجَدْوى إرْسالِ الرُّسُلِ إلى الأُمَمِ؛ لِيُعِيدَ المُشْرِكُونَ نَظَرًا في أمْرِهِمْ ما دامُوا في هَذِهِ الدّارِ قَبْلَ يَوْمِ الحَشْرِ، ويَعْلَمُوا أنَّ عاقِبَةَ الإعْراضِ عَنْ دَعْوَةِ الرَّسُولِ ﷺ خُسْرى، فَيَتَدارَكُوا أمْرَهم خَشْيَةَ الفَواتِ، وإنْذارٌ بِاقْتِرابِ نُزُولِ العَذابِ بِهِمْ، وإيقاظٌ لِلْمُشْرِكِينَ بِأنَّ حالَهم كَحالِ المُتَحَدَّثِ عَنْهم إذا ماتُوا عَلى شِرْكِهِمْ.
والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: (ذَلِكَ) إلى مَذْكُورٍ في الكَلامِ السّابِقِ، وهو أقْرَبُ مَذْكُورٍ، كَما هو شَأْنُ الإشارَةِ إلى غَيْرِ مَحْسُوسٍ، فالمُشارُ إلَيْهِ هو المَذْكُورُ
صفحة ٨١
قَبْلُ، أوْ هو إتْيانُ الرُّسُلِ الَّذِي جَرى الكَلامُ عَلَيْهِ في حِكايَةِ تَقْرِيرِ المُشْرِكِينَ في يَوْمِ الحَشْرِ عَنْ إتْيانِ رُسُلِهِمْ إلَيْهِمْ، وهو المَصْدَرُ المَأْخُوذُ مِن قَوْلِهِ: ﴿ألَمْ يَأْتِكم رُسُلٌ مِنكُمْ﴾ [الأنعام: ١٣٠] فَإنَّهُ لَمّا حَكى ذَلِكَ القَوْلَ لِلنّاسِ السّامِعِينَ، صارَ ذَلِكَ القَوْلُ المَحْكِيُّ كالحاضِرِ، فَصَحَّ أنْ يُشارَ إلى شَيْءٍ يُؤْخَذُ مِنهُ.
واسْمُ الإشارَةِ إمّا مُبْتَدَأٌ أوْ خَبَرٌ لِمَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: ذَلِكَ الأمْرُ أوِ الأمْرُ ذَلِكَ، كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ ضَمِيرُ الشَّأْنِ المُقَدَّرُ بَعْدَ (أنْ) .
و(أنْ) مُخَفَّفَةٌ مِنَ الثَّقِيلَةِ، واسْمُها ضَمِيرُ شَأْنٍ مَحْذُوفٍ، كَما هو اسْتِعْمالُها عِنْدَ التَّخْفِيفِ؛ وذَلِكَ لِأنَّ هَذا الخَبَرَ لَهُ شَأْنٌ يَجْدُرُ أنْ يُعْرَفَ، والجُمْلَةُ خَبْرُ (أنْ) وحُذِفَتْ لامُ التَّعْلِيلِ الدّاخِلَةُ عَلى أنْ لِأنَّ حَذْفَ جارِّ (أنَّ) كَثِيرٌ شائِعٌ، والتَّقْدِيرُ: ذَلِكَ الأمْرُ، أوِ الأمْرُ ذَلِكَ؛ لِأنَّهُ أيِ الشَّأْنُ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ القُرى.
وجُمْلَةُ ﴿لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ القُرى بِظُلْمٍ وأهْلُها غافِلُونَ﴾ هو شَأْنٌ عَظِيمٌ مِن شُئُونِ اللَّهِ تَعالى، وهو شَأْنُ عَدْلِهِ ورَحْمَتِهِ، ورِضاهُ لِعِبادِهِ الخَيْرَ والصَّلاحَ، وكَراهِيَتُهُ سُوءَ أعْمالِهِمْ، وإظْهارُهُ أثَرَ رُبُوبِيَّتِهِ إيّاهم بِهِدايَتِهِمْ إلى سُبُلِ الخَيْرِ، وعَدَمِ مُباغَتَتِهِمْ بِالهَلاكِ قَبْلَ التَّقَدُّمِ إلَيْهِمْ بِالإنْذارِ والتَّنْبِيهِ.
وفِي الكَلامِ إيجازٌ؛ إذْ عُلِمَ مِنهُ: أنَّ اللَّهَ يُهْلِكُ القُرى المُسْتَرْسِلَ أهْلُها عَلى الشِّرْكِ إذا أعْرَضُوا عَنْ دَعْوَةِ الرُّسُلِ، وأنَّهُ لا يُهْلِكُهم إلّا بَعْدَ أنْ يُرْسِلَ إلَيْهِمْ رُسُلًا مُنْذِرِينَ، وأنَّهُ أرادَ حَمْلَ تَبِعَةِ هَلاكِهِمْ عَلَيْهِمْ، حَتّى لا يَبْقى في نُفُوسِهِمْ أنْ يَقُولُوا: لَوْلا رَحِمَنا رَبُّنا فَأنْبَأنا وأعْذَرَ إلَيْنا، كَما قالَ تَعالى: ﴿ولَوْ أنّا أهْلَكْناهم بِعَذابٍ مِن قَبْلِهِ﴾ [طه: ١٣٤] أيْ: مُحَمَّدٍ ﷺ أوْ قَبْلَ القُرْآنِ ﴿لَقالُوا رَبَّنا لَوْلا أرْسَلْتَ إلَيْنا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آياتِكَ مِن قَبْلِ أنْ نَذِلَّ ونَخْزى﴾ [طه: ١٣٤]
صفحة ٨٢
فاقْتَصَرَ مِن هَذا المَعْنى عَلى مَعْنى أنَّ عِلَّةَ الإرْسالِ هي عَدَمُ إهْلاكِ القُرى عَلى غَفْلَةٍ، فَدَلَّ عَلى المَعْنى المَحْذُوفِ.
والإهْلاكُ: إعْدامُ ذاتِ المَوْجُودِ وإماتَةُ الحَيِّ، قالَ تَعالى: ﴿لِيَهْلِكَ مَن هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ ويَحْيا مَن حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ﴾ [الأنفال: ٤٢] فَإهْلاكُ القُرى إبادَةُ أهْلِها وتَخْرِيبُها، وإحْياؤُها إعادَةُ عُمْرانِها بِالسُّكّانِ والبِناءِ، قالَ تَعالى: ﴿أنّى يُحْيِي هَذِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٩] - أيِ: القَرْيَةَ - ﴿اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِها﴾ [البقرة: ٢٥٩] وإهْلاكُ القُرى هُنا شامِلٌ لِإبادَةِ سُكّانِها؛ لِأنَّ الإهْلاكَ تَعَلَّقَ بِذاتِ القُرى، فَلا حاجَةَ إلى التَّمَجُّزِ في إطْلاقِ القُرى عَلى أهْلِ القُرى كَما في: ﴿واسْألِ القَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢] لِصِحَّةِ الحَقِيقَةِ هُنا؛ ولِأنَّهُ يَمْنَعُ مِنهُ قَوْلَهُ: ﴿وأهْلُها غافِلُونَ﴾ ألا تَرى إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإذا أرَدْنا أنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أمَرْنا مُتْرَفِيها فَفَسَقُوا فِيها فَحَقَّ عَلَيْها القَوْلُ فَدَمَّرْناها تَدْمِيرًا﴾ [الإسراء: ١٦] فَجَعَلَ إهْلاكَها تَدْمِيرَها، وإلى قَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ أتَوْا عَلى القَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ أفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَها﴾ [الفرقان: ٤٠]
والباءُ في (بِظُلْمٍ) لِلسَّبَبِيَّةِ، والظُّلْمُ: الشِّرْكُ؛ أيْ: مُهْلِكُهم بِسَبَبِ شِرْكٍ يَقَعُ فِيها، فَيُهْلِكُها ويُهْلِكُ أهْلَها الَّذِينَ أوْقَعُوهُ، ولِذَلِكَ لَمْ يَقُلْ: بِظُلْمِ أهْلِها؛ لِأنَّهُ أُرِيدَ أنَّ وُجُودَ الظُّلْمِ فِيها سَبَبُ هَلاكِها، وهَلاكُ أهْلِها بِالأحْرى؛ لِأنَّهُمُ المَقْصُودُ بِالهَلاكِ.
وجُمْلَةُ ﴿وأهْلُها غافِلُونَ﴾ حالٌ مِنَ القُرى وصَرَّحَ هُنا بِـ (أهْلُها) تَنْبِيهًا عَلى أنَّ هَلاكَ القُرى مِن جَرّاءِ أفْعالِ سُكّانِها ﴿فَتِلْكَ بُيُوتُهم خاوِيَةً بِما ظَلَمُوا﴾ [النمل: ٥٢] .
6:132Страница 145
وَلِكُلّٖ دَرَجَٰتٞ مِّمَّا عَمِلُواْۚ وَمَا رَبُّكَ بِغَٰفِلٍ عَمَّا يَعۡمَلُونَ ١٣٢
Для всех будут ступени, соответствующие тому, что они совершили. Господь твой не находится в неведении относительно того, что они совершают.
﴿ولِكُلٍّ دَرَجاتٌ مِمّا عَمِلُوا وما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمّا يَعْمَلُونَ﴾
صفحة ٨٣
احْتِراسٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ أنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ القُرى بِظُلْمٍ﴾ [الأنعام: ١٣١] لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ الصّالِحِينَ مِن أهْلِ القُرى الغالِبِ عَلى أهْلِها الشِّرْكُ والظُّلْمُ لا يُحْرَمُونَ جَزاءَ صَلاحِهِمْ.
والتَّنْوِينُ في (ولِكُلٍّ) عِوَضٌ عَنِ المُضافِ إلَيْهِ؛ أيْ: ولِكُلِّهِمْ؛ أيْ: كُلِّ أهْلِ القُرى المُهْلَكَةِ دَرَجاتٌ، يَعْنِي أنَّ أهْلَها تَتَفاوَتُ أحْوالُهم في الآخِرَةِ، فالمُؤْمِنُونَ مِنهم لا يُضاعُ إيمانُهم، والكافِرُونَ يُحْشَرُونَ إلى العَذابِ في الآخِرَةِ، بَعْدَ أنْ عُذِّبُوا في الدُّنْيا، فاللَّهُ قَدْ يُنْجِي المُؤْمِنِينَ مِن أهْلِ القُرى قَبْلَ نُزُولِ العَذابِ، فَتِلْكَ دَرَجَةٌ نالُوها في الدُّنْيا، وهي دَرَجَةُ إظْهارِ عِنايَةِ اللَّهِ بِهِمْ، وتُرْفَعُ دَرَجَتُهم في الآخِرَةِ، والكافِرُونَ يَحِيقُ بِهِمْ عَذابُ الإهْلاكِ ثُمَّ يَصِيرُونَ إلى عَذابِ الآخِرَةِ.
وقَدْ تَهْلِكُ القَرْيَةُ بِمُؤْمِنِيها ثُمَّ يَصِيرُونَ إلى النَّعِيمِ فَيَظْهَرُ تَفاوُتُ دَرَجاتِهِمْ في الآخِرَةِ، وهَذِهِ حالَةٌ أُخْرى وهي المُرادُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿واتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكم خاصَّةً﴾ [الأنفال: ٢٥] رَوى البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إذا أنْزَلَ اللَّهُ بِقَوْمٍ عَذابًا أصابَ العَذابُ مَن كانَ فِيهِمْ ثُمَّ بُعِثُوا عَلى أعْمالِهِمْ» وفي حَدِيثِ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها عِنْدَ البَيْهَقِيِّ في الشُّعَبِ مَرْفُوعًا «أنَّ اللَّهَ تَعالى إذا أنْزَلَ سَطْوَتَهُ بِأهْلِ نِقْمَتِهِ وفِيهِمُ الصّالِحُونَ، قُبِضُوا مَعَهم ثُمَّ بُعِثُوا عَلى نِيّاتِهِمْ وأعْمالِهِمْ»، صَحَّحَهُ ابْنُ حِبّانَ، وفي صَحِيحِ البُخارِيِّ مِن حَدِيثِ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ أُمِّ المُؤْمِنِينَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها قالَتْ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «ويْلٌ لِلْعَرَبِ مِن شَرٍّ قَدِ اقْتَرَبَ فُتِحَ اليَوْمُ مِن رَدْمِ يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ هَكَذا، وعَقَدَ تِسْعِينَ - أيْ: عَقَدَ إصْبَعَيْنِ بِعَلامَةِ تِسْعِينَ في الحِسابِ المُعَبَّرِ عَنْهُ بِالعُقَدِ بِضَمِّ العَيْنِ وفَتْحِ القافِ - قِيلَ: أنَهْلِكُ وفِينا الصّالِحُونَ، قالَ: نَعَمْ إذا كَثُرَ الخَبَثُ» .
والدَّرَجاتُ هي ما يُرْتَقى عَلَيْهِ مِن أسْفَلَ إلى أعْلى، في سُلَّمٍ أوْ بِناءٍ، وإنْ قُصِدَ بِها النُّزُولُ إلى مَحَلٍّ مُنْخَفِضٍ مِن جُبٍّ أوْ نَحْوِهِ فَهي دَرَكاتٌ،
صفحة ٨٤
ولِذَلِكَ قالَ تَعالى: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكم والَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ دَرَجاتٍ﴾ [المجادلة: ١١]، وقالَ: ﴿إنَّ المُنافِقِينَ في الدَّرْكِ الأسْفَلِ مِنَ النّارِ﴾ [النساء: ١٤٥] ولَمّا كانَ لَفْظُ (كُلٍّ) مُرادًا بِهِ جَمِيعُ أهْلِ القَرْيَةِ، وأتى بِلَفْظِ (الدَّرَجاتِ) كانَ إيماءً إلى تَغْلِيبِ حالِ المُؤْمِنِينَ لِتَطْمَئِنَّ نُفُوسُ المُسْلِمِينَ مِن أهْلِ مَكَّةَ بِأنَّهم لا بَأْسَ عَلَيْهِمْ مِن عَذابِ مُشْرِكِيها، فَفِيهِ إيماءٌ إلى أنَّ اللَّهَ مُنْجِيهِمْ مِنَ العَذابِ في الدُّنْيا بِالهِجْرَةِ، وفي الآخِرَةِ بِحَشْرِهِمْ عَلى أعْمالِهِمْ ونِيّاتِهِمْ؛ لِأنَّهم لَمْ يُقَصِّرُوا في الإنْكارِ عَلى المُشْرِكِينَ، فَفي هَذِهِ الآيَةِ إيذانٌ بِأنَّهم سَيَخْرُجُونَ مِنَ القَرْيَةِ الَّتِي حَقَّ عَلى أهْلِها العَذابُ، فَإنَّ اللَّهَ أصابَ أهْلَ مَكَّةَ بِالجُوعِ والخَوْفِ ثُمَّ بِالغَزْوِ بَعْدَ أنْ أنْجى رَسُولَهُ ﷺ والمُؤْمِنِينَ، وقَدْ عُلِمَ مِنَ الدَّرَجاتِ أنَّ أسافِلَها دَرَكاتٌ فَغُلِّبَ (دَرَجاتٌ) لِنُكْتَةِ الإشْعارِ بِبِشارَةِ المُؤْمِنِينَ بَعْدَ نِذارَةِ المُشْرِكِينَ.
و(مِن) في قَوْلِهِ: ﴿مِمّا عَمِلُوا﴾ تَعْلِيلِيَّةٌ؛ أيْ: مِن أعْمالِهِمْ؛ أيْ: بِسَبَبِ تَفاوُتِ أعْمالِهِمْ.
وقَوْلُهُ: ﴿وما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمّا يَعْمَلُونَ﴾ خِطابٌ لِلرَّسُولِ ﷺ .
وقَرَأ الجُمْهُورُ: (يَعْمَلُونَ) بِياءِ الغَيْبَةِ فَيَعُودُ الضَّمِيرُ إلى أهْلِ القُرى، والمَقْصُودُ مُشْرِكُو مَكَّةَ، فَهو لِلتَّسْلِيَةِ والتَّطْمِينِ لِئَلّا يَسْتَبْطِئَ وعْدَ اللَّهِ بِالنَّصْرِ، وهو تَعْرِيضٌ بِالوَعِيدِ لِلْمُشْرِكِينَ مِن بابِ: واسْمَعِي يا جارَةُ، وقَرَأهُ ابْنُ عامِرٍ بِتاءِ المُخاطَبِ، فالخِطابُ لِلرَّسُولِ ﷺ ومَن مَعَهُ مِنَ المُسْلِمِينَ، فَهو وعْدٌ بِالجَزاءِ عَلى صالِحِ أعْمالِهِمْ، تَرْشِيحًا لِلتَّعْبِيرِ بِالدَّرَجاتِ حَسْبَما قَدَّمْناهُ، لِيَكُونَ سَلًّا لَهم مِن وعِيدِ أهْلِ القُرى أصْحابِ الظُّلْمِ، وكِلْتا القِراءَتَيْنِ مُرادٌ لِلَّهِ تَعالى فِيما أحْسِبُ.
Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии