Ибн АшурАль‑Анам · 6:1–4

Ибн Ашур · Тафсир · на арабском

الأنعام

Аль-Анам

Скот · Мекканская · 165 аятов

6:1Страница 128

ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ وَجَعَلَ ٱلظُّلُمَٰتِ وَٱلنُّورَۖ ثُمَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمۡ يَعۡدِلُونَ ١

Хвала Аллаху, Который сотворил небеса и землю и установил мраки и свет. Но даже после этого те, которые не уверовали, приравнивают к своему Господу других.

﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ وجَعَلَ الظُّلُماتِ والنُّورَ﴾ .

جُمْلَةُ ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ﴾ تُفِيدُ اسْتِحْقاقَ اللَّهِ تَعالى الحَمْدَ وحْدَهُ دُونَ غَيْرِهِ لِأنَّها تَدُلُّ عَلى الحَصْرِ. واللّامُ لِتَعْرِيفِ الجِنْسِ، فَدَلَّتْ عَلى انْحِصارِ اسْتِحْقاقِ هَذا الجِنْسِ لِلَّهِ تَعالى. وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ ذَلِكَ مُسْتَوْفًى في أوَّلِ سُورَةِ الفاتِحَةِ.

ثُمَّ إنَّ جُمْلَةَ ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ﴾ هُنا خَبَرٌ لَفْظًا ومَعْنًى إذْ لَيْسَ هُنا ما يَصْرِفُ إلى قَصْدِ إنْشاءِ الحَمْدِ بِخِلافِ ما في سُورَةِ الفاتِحَةِ لِأنَّهُ عَقَّبَ بِقَوْلِهِ: ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ﴾ [الفاتحة: ٥] إلى آخِرِ السُّورَةِ، فَمَن جَوَّزَ في هَذِهِ أنْ تَكُونَ إنْشاءَ مَعْنًى لَمْ يَجِدِ التَّأمُّلَ.

صفحة ١٢٦

فالمَعْنى هُنا أنَّ الحَمْدَ كُلَّهُ لا يَسْتَحِقُّهُ إلّا اللَّهُ، وهَذا قَصْرٌ إضافِيٌّ لِلرَّدِّ عَلى المُشْرِكِينَ الَّذِينَ حَمِدُوا الأصْنامَ عَلى ما تَخَيَّلُوهُ مِن إسْدائِها إلَيْهِمْ نِعَمًا ونَصْرًا وتَفْرِيجَ كُرُباتٍ، فَقَدْ قالَ أبُو سُفْيانَ حِينَ انْتَصَرَ هو وفَرِيقُهُ يَوْمَ أُحُدٍ: اعْلُ هُبَلُ، لَنا العُزّى ولا عُزّى لَكم. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ قَصْرًا حَقِيقِيًّا عَلى مَعْنى الكَمالِ وأنَّ حَمْدَ غَيْرِهِ تَعالى مِنَ المُنْعِمِينَ تَسامُحٌ لِأنَّهُ في الحَقِيقَةِ واسِطَةٌ صُورِيَّةٌ لِجَرَيانِ نِعْمَةِ اللَّهِ عَلى يَدَيْهِ. والمَقْصُودُ هو هو، وهو الرَّدُّ عَلى المُشْرِكِينَ، لِأنَّ الأصْنامَ لا تَسْتَحِقُّ الحَمْدَ الصُّورِيَّ بَلْهَ الحَقِيقِيَّ كَما قالَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿لِمَ تَعْبُدُ ما لا يَسْمَعُ ولا يُبْصِرُ ولا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا﴾ [مريم: ٤٢] . ولِذَلِكَ عُقِّبَتْ جُمْلَةُ الحَمْدِ عَلى عَظِيمِ خَلْقِ اللَّهِ تَعالى بِجُمْلَةِ ﴿ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ .

والمَوْصُولُ في مَحَلِّ الصِّفَةِ لِاسْمِ الجَلالَةِ، أفادَ مَعَ صِلَتِهِ التَّذْكِيرَ بِعَظِيمِ صِفَةِ الخَلْقِ الَّذِي عَمَّ السَّماواتِ والأرْضَ وما فِيهِنَّ مِنَ الجَواهِرِ والأعْراضِ. وذَلِكَ أوْجَزُ لَفْظٍ في اسْتِحْضارِ عَظَمَةِ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى. ولَيْسَ في التَّعْرِيفِ بِالمَوْصُولِيَّةِ هُنا إيذانٌ بِتَعْلِيلِ الجُمْلَةِ الَّتِي ذُكِرَتْ قَبْلَهُ، إذْ لَيْسَتِ الجُمْلَةُ إنْشائِيَّةً كَما عَلِمْتَ. والجُمْلَةُ الخَبَرِيَّةُ لا تُعَلَّلُ، لِأنَّ الخَبَرَ حِكايَةُ ما في الواقِعِ فَلا حاجَةَ لِتَعْلِيلِهِ. فالمَقْصُودُ مِنَ الأوْصافِ التَّمْهِيدُ لِقَوْلِهِ بَعْدُ: ﴿ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ .

وجَمَعَ السَّماواتِ لِأنَّها عَوالِمُ كَثِيرَةٌ، إذْ كُلُّ كَوْكَبٍ مِنها عالَمٌ مُسْتَقِلٌّ عَنْ غَيْرِهِ، ومِنها الكَواكِبُ السَّبْعَةُ المَشْهُورَةُ المُعَبَّرُ عَنْها في القُرْآنِ بِالسَّماواتِ السَّبْعِ فِيما نَرى. وأفْرَدَ الأرْضَ لِأنَّها عالَمٌ واحِدٌ، ولِذَلِكَ لَمْ يَجِئْ لَفْظُ الأرْضِ في القُرْآنِ جَمْعًا.

وقَوْلُهُ: ﴿وجَعَلَ الظُّلُماتِ والنُّورَ﴾ أشارَ في الكَشّافِ أنَّ (جَعَلَ) إذا تَعَدّى إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ فَهو بِمَعْنى أحْدَثَ وأنْشَأ فَيُقارِبُ مُرادِفَةَ مَعْنى (خَلَقَ) . والفَرْقُ بَيْنَهُ وبَيْنَ (خَلَقَ)؛ فَإنَّ في الخَلْقِ مُلاحَظَةَ مَعْنى التَّقْدِيرِ، وفي الجَعْلِ مُلاحَظَةَ مَعْنى الِانْتِسابِ، يَعْنِي كَوْنَ المَجْعُولِ مَخْلُوقًا لِأجْلِ غَيْرِهِ أوْ مُنْتَسِبًا إلى غَيْرِهِ، فَيُعْرَفُ المُنْتَسِبُ إلَيْهِ بِمَعُونَةِ المَقامِ. فالظُّلُماتُ والنُّورُ لَمّا كانا عَرَضَيْنِ كانَ خَلْقُهُما تَكْوِينًا لِتَكَيُّفِ مَوْجُوداتِ السَّماواتِ والأرْضِ بِهِما. ويُعْرَفُ ذَلِكَ بِذِكْرِ ﴿الظُّلُماتِ والنُّورَ﴾ عَقِبَ ذِكْرِ ﴿السَّماواتِ والأرْضَ﴾، وبِاخْتِيارِ لَفْظِ الخَلْقِ لِلسَّماواتِ والأرْضِ، ولَفْظِ الجَعْلِ لِلظُّلُماتِ

صفحة ١٢٧

والنُّورِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكم مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ وجَعَلَ مِنها زَوْجَها﴾ [الأعراف: ١٨٩] فَإنَّ الزَّوْجَ - وهو الأُنْثى - مُراعًى في إيجادِهِ أنْ يَكُونَ تَكْمِلَةً لِخَلْقِ الذِّكْرِ، ولِذَلِكَ عَقَّبَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿لِيَسْكُنَ إلَيْها﴾ [الأعراف: ١٨٩] والخَلْقُ أعَمُّ في الإطْلاقِ ولِذَلِكَ قالَ تَعالى في آيَةٍ أُخْرى: ﴿يا أيُّها النّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكم مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ وخَلَقَ مِنها زَوْجَها﴾ [النساء: ١] لِأنَّ كُلَّ تَكْوِينٍ لا يَخْلُو مِن تَقْدِيرٍ ونِظامٍ.

وخَصَّ بِالذِّكْرِ مِنَ الجَواهِرِ والأعْراضِ عَرَضَيْنِ عَظِيمَيْنِ، وهُما: الظُّلُماتُ والنُّورُ فَقالَ: ﴿وجَعَلَ الظُّلُماتِ والنُّورَ﴾ لِاسْتِواءِ جَمِيعِ النّاسِ في إدْراكِهِما والشُّعُورِ بِهِما. وبِذِكْرِ هَذِهِ الأُمُورِ الأرْبَعَةِ حَصَلَتِ الإشارَةُ إلى جِنْسَيِ المَخْلُوقاتِ مِن جَواهِرَ وأعْراضٍ. فالتَّفْرِقَةُ بَيْنَ فِعْلِ (خَلَقَ) وفِعْلِ (جَعَلَ) هُنا مَعْدُودٌ مِن فَصاحَةِ الكَلِماتِ. وإنَّ لِكُلِّ كَلِمَةٍ مَعَ صاحِبَتِها مَقامًا، وهو ما يُسَمّى في عُرْفِ الأُدَباءِ بِرَشاقَةِ الكَلِمَةِ، فَفِعْلُ (خَلَقَ) ألْيَقُ بِإيجادِ الذَّواتِ، وفِعْلُ (جَعَلَ) ألْيَقُ بِإيجادِ أعْراضِ الذَّواتِ وأحْوالِها ونِظامِها.

والِاقْتِصارُ في ذِكْرِ المَخْلُوقاتِ عَلى هَذِهِ الأرْبَعَةِ تَعْرِيضٌ بِإبْطالِ عَقائِدِ كُفّارِ العَرَبِ فَإنَّهم بَيْنَ مُشْرِكِينَ وصابِئَةٍ ومَجُوسٍ ونَصارى، وكُلُّهم قَدْ أثْبَتُوا آلِهَةً غَيْرَ اللَّهِ؛ فالمُشْرِكُونَ أثْبَتُوا آلِهَةً مِنَ الأرْضِ، والصّابِئَةُ أثْبَتُوا آلِهَةً مِنَ الكَواكِبِ السَّماوِيَّةِ، والنَّصارى أثْبَتُوا إلَهِيَّةَ عِيسى أوْ عِيسى ومَرْيَمَ وهُما مِنَ المَوْجُوداتِ الأرْضِيَّةِ، والمَجُوسُ وهُمُ المانَوِيَّةُ ألَّهُوا النُّورَ والظُّلْمَةَ، فالنُّورُ إلَهُ الخَيْرِ والظُّلْمَةُ إلَهُ الشَّرِّ عِنْدَهم.

فَأخْبَرَهُمُ اللَّهُ تَعالى أنَّهُ خالِقُ السَّماواتِ والأرْضِ، أيْ بِما فِيهِنَّ، وخالِقُ الظُّلُماتِ والنُّورِ.

ثُمَّ إنَّ في إيثارِ الظُّلُماتِ والنُّورِ بِالذِّكْرِ دُونَ غَيْرِهِما مِنَ الأعْراضِ إيماءً وتَعْرِيضًا بِحالَيِ المُخاطَبِينَ بِالآيَةِ مِن كُفْرِ فَرِيقٍ وإيمانِ فَرِيقٍ، فَإنَّ الكُفْرَ يُشْبِهُ الظُّلْمَةَ لِأنَّهُ انْغِماسٌ في جَهالَةٍ وحَيْرَةٍ، والإيمانُ يُشْبِهُ النُّورَ لِأنَّهُ اسْتِبانَةُ الهُدى والحَقِّ. قالَ تَعالى: ﴿يُخْرِجُهم مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ﴾ [البقرة: ٢٥٧] . وقَدَّمَ ذِكْرَ الظُّلُماتِ مُراعاةً لِلتَّرَتُّبِ في الوُجُودِ لِأنَّ الظُّلْمَةَ سابِقَةٌ النُّورَ، فَإنَّ النُّورَ حَصَلَ بَعْدَ خَلْقِ الذَّواتِ المُضِيئَةِ، وكانَتِ الظُّلْمَةُ عامَّةً. وإنَّما جَمَعَ الظُّلُماتِ وأفْرَدَ النُّورَ اتِّباعًا لِلِاسْتِعْمالِ، لِأنَّ لَفْظَ الظُّلُماتِ بِالجَمْعِ أخَفُّ، ولَفْظَ النُّورِ بِالإفْرادِ أخَفُّ، ولِذَلِكَ لَمْ يَرِدْ لَفْظُ الظُّلُماتِ في القُرْآنِ إلّا جَمْعًا

صفحة ١٢٨

ولَمْ يَرِدْ لَفْظُ النُّورِ إلّا مُفْرَدًا. وهُما مَعًا دالّانِ عَلى الجِنْسِ، والتَّعْرِيفُ الجِنْسِيُّ يَسْتَوِي فِيهِ المُفْرَدُ والجَمْعُ فَلَمْ يَبْقَ لِلِاخْتِلافِ سَبَبٌ لِاتِّباعِ الِاسْتِعْمالِ، خِلافًا لِما في الكَشّافِ.

* * *

﴿ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ .

عُطِفَتْ جُمْلَةُ ﴿ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ عَلى جُمْلَةِ ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ﴾ . فَـ ثُمَّ لِلتَّراخِي الرُّتْبِيِّ الدّالِّ عَلى أنَّ ما بَعْدَها يَتَضَمَّنُ مَعْنى مِن نَوْعِ ما قَبْلَهُ، وهو أهَمُّ في بابِهِ. وذَلِكَ شَأْنُ (ثُمَّ) إذا ورَدَتْ عاطِفَةً جُمْلَةً عَلى أُخْرى، فَإنَّ عُدُولَ المُشْرِكِينَ عَنْ عِبادَةِ اللَّهِ مَعَ عِلْمِهِمْ بِأنَّهُ خالِقُ الأشْياءِ أمْرٌ غَرِيبٌ فِيهِمْ أعْجَبُ مِن عِلْمِهِمْ بِذَلِكَ.

والحُجَّةُ ناهِضَةٌ عَلى الَّذِينَ كَفَرُوا لِأنَّ جَمِيعَهم عَدا المانَوِيَّةَ يَعْتَرِفُونَ بِأنَّ اللَّهَ هو الخالِقُ والمُدَبِّرُ لِلْكَوْنِ، ولِذَلِكَ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿أفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لا يَخْلُقُ أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل: ١٧] .

والخَبَرُ مُسْتَعْمَلٌ في التَّعْجِيبِ عَلى وجْهِ الكِنايَةِ بِقَرِينَةِ مَوْقِعِ ثُمَّ ودَلالَةِ المُضارِعِ عَلى التَّجَدُّدِ، فالتَّعْجِيبُ مِن شَأْنِ المُشْرِكِينَ ظاهِرٌ وأمّا المانَوِيَّةُ فالتَّعْجِيبُ مِن شَأْنِهِمْ في أنَّهم لَمْ يَهْتَدُوا إلى الخالِقِ وعَبَدُوا بَعْضَ مَخْلُوقاتِهِ. فالمُرادُ بِـ ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الأنعام: ٧] كُلُّ مَن كَفَرَ بِإثْباتِ إلَهٍ غَيْرِ اللَّهِ تَعالى سَواءً في ذَلِكَ مَن جَعَلَ لَهُ شَرِيكًا مِثْلَ مُشْرِكِي العَرَبِ والصّابِئَةِ ومَن خَصَّ غَيْرَ اللَّهِ بِالإلَهِيَّةِ كالمانَوِيَّةِ. وهَذا المُرادُ دَلَّتْ عَلَيْهِ القَرِينَةُ وإنْ كانَ غالِبَ عُرْفِ القُرْآنِ إطْلاقُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلى المُشْرِكِينَ.

ومَعْنى يَعْدِلُونَ يُسَوُّونَ. والعَدْلُ: التَّسْوِيَةُ. تَقُولُ: عَدَلْتُ فُلانًا بِفُلانٍ، إذا سَوَّيْتَهُ بِهِ، كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿أوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيامًا﴾ [المائدة: ٩٥]، فَقَوْلُهُ: بِرَبِّهِمْ مُتَعَلِّقٌ بِـ يَعْدِلُونَ ولا يَصِحُّ تَعْلِيقُهُ بِـ ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الأنعام: ٧] لِعَدَمِ الحاجَةِ إلى ذَلِكَ.

وحَذْفُ مَفْعُولِ يَعْدِلُونَ، أيْ يَعْدِلُونَ بِرَبِّهِمْ غَيْرَهُ وقَدْ عَلِمَ كُلُّ فَرِيقٍ ماذا عَدَلَ بِاللَّهِ. والمُرادُ يَعْدِلُونَهُ بِاللَّهِ في الإلَهِيَّةِ، وإنْ كانَ بَعْضُهم يَعْتَرِفُ بِأنَّ اللَّهَ أعْظَمُ كَما كانَ

صفحة ١٢٩

مُشْرِكُو العَرَبِ يَقُولُونَ: لَبَّيْكَ لا شَرِيكَ لَكَ إلّا شَرِيكًا هو لَكَ تَمْلِكُهُ وما مَلَكَ. وكَما قالَتِ الصّابِئَةُ في الأرْواحِ، والنَّصارى في الِابْنِ والرُّوحِ القُدُسِ.

ومَعْنى التَّعْجِيبِ عامٌّ في أحْوالِ الَّذِينَ ادَّعَوُا الإلَهِيَّةَ لِغَيْرِ اللَّهِ تَعالى سَواءً فِيهِمْ مَن كانَ أهْلًا لِلِاسْتِدْلالِ والنَّظَرِ في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ ومَن لَمْ يَكُنْ أهْلًا لِذَلِكَ، لِأنَّ مَحَلَّ التَّعْجِيبِ أنَّهُ يَخْلُقُهم ويَخْلُقُ مَعْبُوداتِهِمْ فَلا يَهْتَدُونَ إلَيْهِ بَلْ ويَخْتَلِقُونَ إلَهِيَّةَ غَيْرِهِ. ومَعْلُومٌ أنَّ التَّعْجِيبَ مِن شَأْنِهِمْ مُتَفاوِتٌ عَلى حَسَبِ تَفاوُتِ كُفْرِهِمْ وضَلالِهِمْ.

6:2Страница 128

هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَكُم مِّن طِينٖ ثُمَّ قَضَىٰٓ أَجَلٗاۖ وَأَجَلٞ مُّسَمًّى عِندَهُۥۖ ثُمَّ أَنتُمۡ تَمۡتَرُونَ ٢

Он - Тот, Кто сотворил вас из глины, а затем назначил срок для вашей смерти. У Него есть также назначенный срок для воскрешения, но после этого вы все еще препираетесь.

﴿هو الَّذِي خَلَقَكم مِن طِينٍ ثُمَّ قَضى أجَلًا وأجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ ثُمَّ أنْتُمْ تَمْتَرُونَ﴾ .

اسْتِئْنافٌ لِغَرَضٍ آخَرَ لِلتَّعْجِيبِ مِن حالِ المُشْرِكِينَ إذْ أنْكَرُوا البَعْثَ، فَإنَّهُ ذَكَّرَهُمُ ابْتِداءً بِخَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ، وعَجِبَ مِن حالِهِمْ في تَسْوِيَتِهِمْ ما لَمْ يَخْلُقِ السَّماواتِ ولا الأرْضَ بِاللَّهِ تَعالى في الإلَهِيَّةِ. ثُمَّ ذَكَّرَهم بِخَلْقِهِمُ الأوَّلِ، وعَجِبَ مِن حالِهِمْ كَيْفَ جَمَعُوا بَيْنَ الِاعْتِرافِ بِأنَّ اللَّهَ هو خالِقُهُمُ الخَلْقَ الأوَّلَ فَكَيْفَ يَمْتَرُونَ في الخَلْقِ الثّانِي ؟

وأُتِيَ بِضَمِيرِ (هو) في قَوْلِهِ: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾ لِيَحْصُلَ تَعْرِيفُ المُسْنَدِ والمُسْنَدِ إلَيْهِ مَعًا، فَتُفِيدُ الجُمْلَةُ القَصْرَ في رُكْنَيِ الإسْنادِ وفي مُتَعَلِّقِها، أيْ هو خالِقُكم لا غَيْرُهُ، مَن طِينٍ لا مَن غَيْرِهِ، وهو الَّذِي قَضى أجَلًا وعِنْدَهُ أجَلٌ مُسَمًّى فَيَنْسَحِبُ حُكْمُ القَصْرِ عَلى المَعْطُوفِ عَلى المَقْصُورِ. والحالُ الَّذِي اقْتَضى القَصْرَ هو حالُ إنْكارِهِمُ البَعْثَ لِأنَّهم لَمّا أنْكَرُوهُ وهو الخَلْقُ الثّانِي نَزَلُوا مَنزِلَةَ مَن أنْكَرَ الخَلْقَ الأوَّلَ إذْ لا فَرْقَ بَيْنَ الخَلْقَيْنِ بَلِ الإعادَةُ في مُتَعارَفِ الصّانِعِينَ أيْسَرُ كَما قالَ تَعالى: ﴿وهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وهو أهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم: ٢٧] وقالَ: ﴿أفَعَيِينا بِالخَلْقِ الأوَّلِ بَلْ هم في لَبْسٍ مِن خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [ق: ١٥] . والقَصْرُ أفادَ نَفْيَ جَمِيعِ هَذِهِ التَّكْوِيناتِ عَنْ غَيْرِ اللَّهِ مِن أصْنامِهِمْ، فَهو كَقَوْلِهِ: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكم ثُمَّ رَزَقَكم ثُمَّ يُمِيتُكم ثُمَّ يُحْيِيكم هَلْ مِن شُرَكائِكم مَن يَفْعَلُ مِن ذَلِكم مِن شَيْءٍ﴾ [الروم: ٤٠] .

والخِطابُ في قَوْلِهِ خَلَقَكم مُوَجَّهٌ إلى الَّذِينَ كَفَرُوا، فَفِيهِ التِفاتٌ مِنَ الغِيبَةِ إلى الخِطابِ لِقَصْدِ التَّوْبِيخِ.

صفحة ١٣٠

وذَكَرَ مادَّةَ ما مِنهُ الخَلْقُ بِقَوْلِهِ ﴿مِن طِينٍ﴾ [الأعراف: ١٢] لِإظْهارِ فَسادِ اسْتِدْلالِهِمْ عَلى إنْكارِ الخَلْقِ الثّانِي، لِأنَّهُمُ اسْتَبْعَدُوا أنْ يُعادَ خَلْقُ الإنْسانِ بَعْدَ أنْ صارَ تُرابًا. وتَكَرَّرَتْ حِكايَةُ ذَلِكَ عَنْهم في القُرْآنِ، فَقَدِ اعْتَرَفُوا بِأنَّهم يَصِيرُونَ تُرابًا بَعْدَ المَوْتِ، وهم يَعْتَرِفُونَ بِأنَّهم خُلِقُوا مِن تُرابٍ، لِأنَّ ذَلِكَ مُقَرَّرٌ بَيْنَ النّاسِ في سائِرِ العُصُورِ، فاسْتَدَلُّوا عَلى إنْكارِ البَعْثِ بِما هو جَدِيرٌ بِأنْ يَكُونَ اسْتِدْلالًا عَلى إمْكانِ البَعْثِ، لِأنَّ مَصِيرَهم إلى تُرابٍ يُقَرِّبُ إعادَةَ خَلْقِهِمْ، إذْ صارُوا إلى مادَّةِ الخَلْقِ الأوَّلِ، فَلِذَلِكَ قالَ اللَّهُ هُنا: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكم مِن طِينٍ﴾ وقالَ في آياتِ الِاعْتِبارِ بِعَجِيبِ تَكْوِينِهِ: ﴿إنّا خَلَقْنا الإنْسانَ مِن نُطْفَةٍ أمْشاجٍ﴾ [الإنسان: ٢]، وأمْثالَ ذَلِكَ.

وهَذا القَدْحُ في اسْتِدْلالِهِمْ يُسَمّى في اصْطِلاحِ عِلْمِ الجَدَلِ القَوْلَ بِالمُوجِبِ، والمُنَبَّهُ عَلَيْهِ مِن خَطَأِ اسْتِدْلالِهِمْ يُسَمّى فَسادَ الوَضْعِ.

ومَعْنى ﴿خَلَقَكم مِن طِينٍ﴾ أنَّهُ خَلَقَ أصْلَ النّاسِ وهو البَشَرُ الأوَّلُ مِن طِينٍ، فَكانَ كُلُّ البَشَرِ راجِعًا إلى الخَلْقِ مِنَ الطِّينِ، فَلِذَلِكَ قالَ: ﴿خَلَقَكم مِن طِينٍ﴾ . وقالَ في مَوْضِعٍ آخَرَ: ﴿إنّا خَلَقْنا الإنْسانَ مِن نُطْفَةٍ أمْشاجٍ﴾ [الإنسان: ٢] أيِ الإنْسانَ المُتَناسِلَ مِن أصْلِ البَشَرِ.

وثُمَّ لِلتَّرْتِيبِ والمُهْلَةِ، عاطِفَةٌ فِعْلَ قَضى عَلى فِعْلِ خَلَقَ فَهو عَطْفُ فِعْلٍ عَلى فِعْلٍ ولَيْسَ عَطْفَ جُمْلَةٍ عَلى جُمْلَةٍ. والمُهْلَةُ هُنا بِاعْتِبارِ التَّوْزِيعِ، أيْ خَلَقَ كُلَّ فَرْدٍ مِنَ البَشَرِ ثُمَّ قَضى لَهُ أجَلَهُ، أيِ اسْتَوْفاهُ لَهُ، فَـ قَضى هُنا لَيْسَ بِمَعْنى (قَدَّرَ) لِأنَّ تَقْدِيرَ الأجَلِ مُقارِنٌ لِلْخَلْقِ أوْ سابِقٌ لَهُ ولَيْسَ مُتَأخِّرًا عَنْهُ ولَكِنْ قَضى هُنا بِمَعْنى (أوْفى) أجَلَ كُلِّ مَخْلُوقٍ كَقَوْلِهِ: ﴿فَلَمّا قَضَيْنا عَلَيْهِ المَوْتَ﴾ [سبإ: ١٤]، أيْ أمَتْناهُ. ولَكَ أنْ تَجْعَلَ (ثُمَّ) لِلتَّراخِي الرُّتْبِيِّ.

وإنَّما اخْتِيرَ هُنا ما يَدُلُّ عَلى تَنْهِيَةِ أجَلِ كُلِّ مَخْلُوقٍ مِن طِينٍ دُونَ أنْ يُقالَ إلى أجَلٍ، لِأنَّ دَلالَةَ تَنْهِيَةِ الأجَلِ عَلى إمْكانِ الخَلْقِ الثّانِي، وهو البَعْثُ - أوْضَحُ مِن دَلالَةِ تَقْدِيرِ الأجَلِ، لِأنَّ التَّقْدِيرَ خَفِيٌّ والَّذِي يَعْرِفُهُ النّاسُ هو انْتِهاءُ أجَلِ الحَياةِ، ولِأنَّ انْتِهاءَ أجَلِ الحَياةِ مُقَدِّمَةٌ لِلْحَياةِ الثّانِيَةِ.

وجُمْلَةُ ﴿وأجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ﴾ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ جُمْلَةِ ﴿ثُمَّ قَضى أجَلًا﴾ . وجُمْلَةِ ﴿ثُمَّ أنْتُمْ تَمْتَرُونَ﴾ . وفائِدَةُ هَذا الِاعْتِراضِ إعْلامُ الخَلْقِ بِأنَّ اللَّهَ عالِمٌ آجالَ النّاسِ رَدًّا عَلى

صفحة ١٣١

قَوْلِ المُشْرِكِينَ: ﴿وما يُهْلِكُنا إلّا الدَّهْرُ﴾ [الجاثية: ٢٤] .

وقَدْ خُولِفَتْ كَثْرَةُ الِاسْتِعْمالِ في تَقْدِيمِ الخَبَرِ الظَّرْفِ عَلى كُلِّ مُبْتَدَأٍ نَكِرَةٍ مَوْصُوفَةٍ، نَحْوَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولِيَ نَعْجَةٌ واحِدَةٌ﴾ [ص: ٢٣] حَتّى قالَ صاحِبُ الكَشّافِ: إنَّهُ الكَلامُ السّائِرُ، فَلَمْ يُقَدِّمِ الظَّرْفَ في هَذِهِ الآيَةِ لِإظْهارِ الِاهْتِمامِ بِالمُسْنَدِ إلَيْهِ حَيْثُ خُولِفَ الِاسْتِعْمالُ الغالِبُ مِن تَأْخِيرِهِ فَصارَ بِهَذا التَّقْدِيمِ تَنْكِيرُهُ مُفِيدًا لِمَعْنى التَّعْظِيمِ، أيْ وأجَلٌ عَظِيمٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ.

ومَعْنى مُسَمًّى مُعَيَّنٌ، لِأنَّ أصْلَ السِّمَةِ العَلامَةُ الَّتِي يَتَعَيَّنُ بِها المُعَلَّمُ. والتَّعْيِينُ هُنا تَعْيِينُ الحَدِّ والوَقْتِ.

والعِنْدِيَّةُ في قَوْلِهِ: عِنْدَهُ عِنْدِيَّةُ العِلْمِ، أيْ مَعْلُومٌ لَهُ دُونَ غَيْرِهِ. فالمُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿وأجَلٌ مُسَمًّى﴾ أجَلُ بَعْثِ النّاسِ إلى الحَشْرِ، فَإنَّ إعادَةَ النَّكِرَةِ بَعْدَ نَكِرَةٍ يُفِيدُ أنَّ الثّانِيَةَ غَيْرُ الأُولى، فَصارَ المَعْنى: ثُمَّ قَضى لَكم أجَلَيْنِ: أجَلًا تَعْرِفُونَ مُدَّتَهُ بِمَوْتِ صاحِبِهِ، وأجَلًا مُعَيَّنَ المُدَّةِ في عِلْمِ اللَّهِ. فالمُرادُ بِالأجَلِ الأوَّلِ عُمُرُ كُلِّ إنْسانٍ، فَإنَّهُ يَعْلَمُهُ النّاسُ عِنْدَ مَوْتِ صاحِبِهِ، فَيَقُولُونَ: عاشَ كَذا وكَذا سَنَةً، وهو وإنْ كانَ عِلْمُهُ لا يَتَحَقَّقُ إلّا عِنْدَ انْتِهائِهِ فَما هو إلّا عِلْمٌ حاصِلٌ لِكَثِيرٍ مِنَ النّاسِ بِالمُقايَسَةِ. والأجَلُ المَعْلُومُ وإنْ كانَ قَدِ انْتَهى فَإنَّهُ في الأصْلِ أجَلٌ مُمْتَدٌّ.

والمُرادُ بِالأجَلِ الثّانِي ما بَيْنَ مَوْتِ كُلِّ أحَدٍ وبَيْنَ يَوْمِ البَعْثِ الَّذِي يُبْعَثُ فِيهِ جَمِيعُ النّاسِ، فَإنَّهُ لا يَعْلَمُهُ في الدُّنْيا أحَدٌ ولا يَعْلَمُونَهُ يَوْمَ القِيامَةِ، قالَ تَعالى: ﴿ويَوْمَ نَحْشُرُهم كَأنْ لَمْ يَلْبَثُوا إلّا ساعَةً مِنَ النَّهارِ يَتَعارَفُونَ بَيْنَهُمْ﴾ [يونس: ٤٥]، وقالَ: ﴿ويَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ يُقْسِمُ المُجْرِمُونَ ما لَبِثُوا غَيْرَ ساعَةٍ﴾ [الروم: ٥٥] .

وقَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ أنْتُمْ تَمْتَرُونَ﴾ عُطِفَتْ عَلى جُمْلَةِ ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكم مِن طِينٍ﴾، فَحَرْفُ (ثُمَّ) لِلتَّراخِي الرُّتْبِيِّ كَغالِبِ وُقُوعِها في عَطْفِ الجُمَلِ لِانْتِقالٍ مِن خَبَرٍ إلى أعْجَبَ مِنهُ، كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ [الأنعام: ١]، أيْ فالتَّعْجِيبُ حَقِيقٌ مِمَّنْ يَمْتَرُونَ في أمْرِ البَعْثِ مَعَ عِلْمِهِمْ بِالخَلْقِ الأوَّلِ وبِالمَوْتِ.

والمُخاطَبُ بِقَوْلِهِ: ﴿أنْتُمْ تَمْتَرُونَ﴾ هُمُ المُشْرِكُونَ. وجِيءَ بِالمُسْنَدِ إلَيْهِ ضَمِيرًا بارِزًا لِلتَّوْبِيخِ.

صفحة ١٣٢

والِامْتِراءُ الشَّكُّ والتَّرَدُّدُ في الأمْرِ، وهو بِوَزْنِ الِافْتِعالِ، مُشْتَقٌّ مِنِ المِرْيَةِ بِكَسْرِ المِيمِ اسْمٌ لِلشَّكِّ، ولَمْ يَرِدْ فِعْلُهُ إلّا بِزِيادَةِ التّاءِ، ولَمْ يُسْمَعْ لَهُ فِعْلٌ مُجَرَّدٌ.

وحُذِفَ مُتَعَلِّقُ تَمْتَرُونَ لِظُهُورِهِ مِنَ المَقامِ، أيْ تَمْتَرُونَ في إمْكانِ البَعْثِ وإعادَةِ الخَلْقِ. والَّذِي دَلَّ عَلى أنَّ هَذا هو المُمارِي فِيهِ قَوْلُهُ: ﴿خَلَقَكم مِن طِينٍ ثُمَّ قَضى أجَلًا وأجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ﴾ إذْ لَوْلا قَصْدُ التَّذْكِيرِ بِدَلِيلِ إمْكانِ البَعْثِ لَما كانَ لِذِكْرِ الخَلْقِ مِنَ الطِّينِ وذِكْرِ الأجَلِ الأوَّلِ والأجْلِ الثّانِي - مُرَجِّحٌ لِلتَّخْصِيصِ بِالذِّكْرِ.

6:3Страница 128

وَهُوَ ٱللَّهُ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَفِي ٱلۡأَرۡضِ يَعۡلَمُ سِرَّكُمۡ وَجَهۡرَكُمۡ وَيَعۡلَمُ مَا تَكۡسِبُونَ ٣

Он - Аллах на небесах и на земле. Он знает то, что вы утаиваете и совершаете открыто, и знает то, что вы приобретаете.

﴿وهْوَ اللَّهُ في السَّماواتِ وفي الأرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكم وجَهْرَكم ويَعْلَمُ ما تَكْسِبُونَ﴾ .

عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكم مِن طِينٍ﴾ [الأنعام: ٢] أيْ خَلَقَكم ولَمْ يُهْمِلْ مُراقَبَتَكم، فَهو يَعْلَمُ أحْوالَكم كُلَّها.

فالضَّمِيرُ مُبْتَدَأٌ عائِدٌ إلى اسْمِ الجَلالَةِ مِن قَوْلِهِ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ﴾ [الأنعام: ١] ولَيْسَ ضَمِيرَ فَصْلٍ؛ إذْ لا يَقَعُ ضَمِيرُ الفَصْلِ بَعْدَ حَرْفِ العَطْفِ. وقَوْلُهُ: اللَّهُ خَبَرٌ عَنِ المُبْتَدَأِ. وإذْ كانَ المُبْتَدَأُ ضَمِيرًا عائِدًا إلى اسْمِ اللَّهِ لَمْ يَكُنِ المَقْصُودُ الإخْبارَ بِأنَّ هَذا الَّذِي خَلَقَ وقَضى هو اللَّهُ إذْ قَدْ عُلِمَ ذَلِكَ مِن مُعادِ الضَّمائِرِ، فَتَعَيَّنَ أنْ يَكُونَ المَقْصُودُ مِنَ الإخْبارِ عَنْهُ بِأنَّهُ اللَّهُ مَعْنًى يُفِيدُهُ المَقامُ، وذَلِكَ هو أنْ يَكُونَ كالنَّتِيجَةِ لِلْأخْبارِ الماضِيَةِ ابْتِداءً مِن قَوْلِهِ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ﴾ [الأنعام: ١] فَنَبَّهَ عَلى فَسادِ اعْتِقادِ الَّذِينَ أثْبَتُوا الإلَهِيَّةَ لِغَيْرِ اللَّهِ وحَمِدُوا آلِهَتَهم بِأنَّهُ خالِقُ الأكْوانِ وخالِقُ الإنْسانِ ومُعِيدُهُ، ثُمَّ أعْلَنَ أنَّهُ المُنْفَرِدُ بِالإلَهِيَّةِ في السَّماواتِ وفي الأرْضِ؛ إذْ لا خالِقَ غَيْرُهُ كَما تَقَرَّرَ آنِفًا. وإذْ هو عالِمُ السِّرِّ والجَهْرِ، وغَيْرُهُ لا إحْساسَ لَهُ فَضْلًا عَنِ العَقْلِ فَضْلًا عَنْ أنْ يَكُونَ عالِمًا.

ولَمّا كانَ اسْمُ الجَلالَةِ مَعْرُوفًا عِنْدَهم لا يَلْتَبِسُ بِغَيْرِهِ صارَ قَوْلُهُ: ﴿وهُوَ اللَّهُ﴾ في مَعْنى المَوْصُوفِ بِهَذِهِ الصِّفاتِ هو صاحِبُ هَذا الِاسْمِ لا غَيْرُهُ.

وقَوْلُهُ: ﴿فِي السَّماواتِ وفي الأرْضِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِالكَوْنِ المُسْتَفادِ مِن جُمْلَةِ القَصْرِ، أوْ بِما

صفحة ١٣٣

فِي ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ﴾ [الأنعام: ١] مِن مَعْنى الِانْفِرادِ بِالإلَهِيَّةِ، كَما يَقُولُ مَن يَذْكُرُ جَوّادًا ثُمَّ يَقُولُ: هو حاتِمٌ في العَرَبِ، وهَذا لِقَصْدِ التَّنْصِيصِ عَلى أنَّهُ لا يُشارِكُهُ أحَدٌ في صِفاتِهِ في الكائِناتِ كُلِّها.

وقَوْلُهُ: ﴿يَعْلَمُ سِرَّكم وجَهْرَكُمْ﴾ جُمْلَةٌ مُقَرِّرَةٌ لِمَعْنى جُمْلَةِ ﴿وهُوَ اللَّهُ﴾؛ ولِذَلِكَ فُصِلَتْ، لِأنَّها تَتَنَزَّلُ مِنها مَنزِلَةَ التَّوْكِيدِ لِأنَّ انْفِرادَهُ بِالإلَهِيَّةِ في السَّماواتِ وفي الأرْضِ مِمّا يَقْتَضِي عِلْمَهُ بِأحْوالِ بَعْضِ المَوْجُوداتِ الأرْضِيَّةِ.

ولا يَجُوزُ تَعْلِيقُ ﴿فِي السَّماواتِ وفي الأرْضِ﴾ بِالفِعْلِ في قَوْلِهِ: ﴿يَعْلَمُ سِرَّكُمْ﴾ لِأنَّ سِرَّ النّاسِ وجَهْرَهم وكَسْبَهم حاصِلٌ في الأرْضِ خاصَّةً دُونَ السَّماواتِ، فَمَن قَدَّرَ ذَلِكَ فَقَدْ أخْطَأ خَطَأً خَفِيًّا.

وذَكَرَ السِّرَّ لِأنَّ عِلْمَ السِّرِّ دَلِيلُ عُمُومِ العِلْمِ، وذَكَرَ الجَهْرَ لِاسْتِيعابِ نَوْعَيِ الأقْوالِ. والمُرادُ بِـ ﴿ما تَكْسِبُونَ﴾ جَمِيعُ الِاعْتِقاداتِ والأعْمالِ مِن خَيْرٍ وشَرٍّ فَهو تَعْرِيضٌ بِالوَعْدِ والوَعِيدِ.

والخِطابُ لِجَمِيعِ السّامِعِينَ؛ فَدَخَلَ فِيهِ الكافِرُونَ، وهُمُ المَقْصُودُ الأوَّلُ مِن هَذا الخِطابِ، لِأنَّهُ تَعْلِيمٌ وإيقاظٌ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِمْ، وتَذْكِيرٌ بِالنِّسْبَةِ إلى المُؤْمِنِينَ.

6:4Страница 128

وَمَا تَأۡتِيهِم مِّنۡ ءَايَةٖ مِّنۡ ءَايَٰتِ رَبِّهِمۡ إِلَّا كَانُواْ عَنۡهَا مُعۡرِضِينَ ٤

Какое бы знамение из знамений их Господа ни являлось к ним, они отворачивались от него.

﴿وما تَأْتِيهِمْ مِن آيَةٍ مِن آياتِ رَبِّهِمْ إلّا كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ﴾ .

هَذا انْتِقالٌ إلى كُفْرانِ المُشْرِكِينَ في تَكْذِيبِهِمْ رِسالَةَ مُحَمَّدٍ ﷺ بَعْدَ أنْ أُقِيمَتْ عَلَيْهِمُ الحُجَّةُ بِبُطْلانِ كُفْرِهِمْ في أمْرِ الشِّرْكِ بِاللَّهِ في الإلَهِيَّةِ، وقَدْ عُطِفَ لِأنَّ الأمْرَيْنِ مِن أحْوالِ كُفْرِهِمْ ولِأنَّ الَّذِي حَمَلَهم عَلى تَكْذِيبِ الرَّسُولِ ﷺ هو دَعْوَتُهُ إيّاهم إلى التَّوْحِيدِ، فَمِن أجْلِهِ نَشَأ النِّزاعُ بَيْنَهم وبَيْنَهُ فَكَذَّبُوهُ وسَألُوهُ الآياتِ عَلى صِدْقِهِ.

وضَمائِرُ جَمْعِ الغائِبِينَ مُرادٌ مِنها المُشْرِكُونَ الَّذِينَ هم بَعْضُ مَن شَمِلَتْهُ ضَمائِرُ الخِطابِ في الآيَةِ الَّتِي قَبْلَها؛ فَفي العُدُولِ عَنِ الخِطابِ إلى الغَيْبَةِ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِمِ التِفاتٌ أوْجَبَهُ تَشْهِيرُهم بِهَذا الحالِ الذَّمِيمِ، تَنْصِيصًا عَلى ذَلِكَ، وإعْراضًا عَنْ خِطابِهِمْ،

صفحة ١٣٤

وتَمْحِيضًا لِلْخِطابِ لِلْمُؤْمِنِينَ، وهو مِن أحْسَنِ الِالتِفاتِ، لِأنَّ الِالتِفاتَ يُحَسِّنُهُ أنْ يَكُونَ لَهُ مُقْتَضًى زائِدٌ عَلى نَقْلِ الكَلامِ مِن أُسْلُوبٍ إلى أُسْلُوبٍ المُرادُ مِنهُ تَجْدِيدُ نَشاطِ السّامِعِ. وتَكُونُ الواوُ اسْتِئْنافِيَّةً وما بَعْدَها كَلامًا مُسْتَأْنَفًا ابْتِدائِيًّا.

واسْتَعْمَلَ المُضارِعَ في قَوْلِهِ: تَأْتِيهِمْ لِلدَّلالَةِ عَلى التَّجَدُّدِ وإنْ كانَ هَذا الإتْيانُ ماضِيًا أيْضًا بِقَرِينَةِ المُضِيِّ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا كانُوا﴾ .

والمُرادُ بِإتْيانِها بُلُوغُها إلَيْهِمْ وتَحَدِّيهِمْ بِها، فَشَبَّهَ البُلُوغَ بِمَجِيءِ الجائِي، كَقَوْلِ النّابِغَةِ:

أتانِي أبَيْتَ اللَّعْنَ أنَّكَ لُمْتَنِي

وحَذَفَ ما يَدُلُّ عَلى الجانِبِ المَأْتِيِّ مِنهُ لِظُهُورِهِ مِن قَوْلِهِ: ﴿مِن آياتِ رَبِّهِمْ﴾، أيْ ما تَأْتِيهِمْ مِن عِنْدِ رَبِّهِمْ آيَةٌ مِن آياتِهِ إلّا كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ.

ومِن في قَوْلِهِ: ﴿مِن آيَةٍ﴾ لِتَأْكِيدِ النَّفْيِ لِقَصْدِ عُمُومِ أنْواعِ الآياتِ الَّتِي أتَتْ وتَأْتِي. ومِنَ الَّتِي في قَوْلِهِ: ﴿مِن آياتِ رَبِّهِمْ﴾ تَبْعِيضِيَّةٌ. والمُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿مِن آيَةٍ﴾ كُلُّ دَلالَةٍ تَدُلُّ عَلى انْفِرادِ اللَّهِ تَعالى بِالإلَهِيَّةِ. مِن ذَلِكَ آياتُ القُرْآنِ الَّتِي لِإعْجازِها لَهم كانَتْ دَلائِلَ عَلى صِدْقِ الرَّسُولِ ﷺ فِيما أخْبَرَ بِهِ مِنَ الوَحْدانِيَّةِ. وكَذَلِكَ مُعْجِزاتُ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِثْلُ انْشِقاقِ القَمَرِ. وتَقَدَّمَ مَعْنى الآيَةِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا وكَذَّبُوا بِآياتِنا﴾ [البقرة: ٣٩] في سُورَةِ البَقَرَةِ.

وإضافَةُ الرَّبِّ إلى ضَمِيرِ (هم) لِقَصْدِ التَّسْجِيلِ عَلَيْهِمْ بِالعُقُوقِ لِحَقِّ العُبُودِيَّةِ، لِأنَّ مِن حَقِّ العَبْدِ أنْ يُقْبِلَ عَلى ما يَأْتِيهِ مِن رَبِّهِ وعَلى مَن يَأْتِيهِ يَقُولُ لَهُ: إنِّي مُرْسَلٌ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ، ثُمَّ يَتَأمَّلَ ويَنْظُرَ، ولَيْسَ مِن حَقِّهِ أنْ يُعْرِضَ عَنْ ذَلِكَ إذْ لَعَلَّهُ يُعْرِضُ عَمّا إنْ تَأمَّلَهُ عَلِمَ أنَّهُ مِن عِنْدِ رَبِّهِ.

والِاسْتِثْناءُ مُفَرَّغٌ مِن أحْوالٍ مَحْذُوفَةٍ.

وجُمْلَةُ ﴿كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ. واخْتِيرَ الإتْيانُ في خَبَرِ كانَ بِصِيغَةِ اسْمِ الفاعِلِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ هَذا الإعْراضَ مُتَحَقِّقٌ مِن دَلالَةِ فِعْلِ الكَوْنِ، ومُتَجَدِّدٌ مِن دَلالَةِ صِيغَةِ اسْمِ الفاعِلِ لِأنَّ المُشْتَقّاتِ في قُوَّةِ الفِعْلِ المُضارِعِ. والِاسْتِثْناءُ دَلَّ عَلى أنَّهم لَمْ يَكُنْ لَهم حالٌ إلّا الإعْراضُ.

صفحة ١٣٥

وإنَّما يَنْشَأُ الإعْراضُ عَنِ اعْتِقادِ عَدَمِ جَدْوى النَّظَرِ والتَّأمُّلِ، فَهو دَلِيلٌ عَلى أنَّ المُعْرِضَ مُكَذِّبٌ لِلْمُخْبِرِ المُعْرِضِ عَنْ سَماعِهِ.

وأصْلُ الإعْراضِ صَرْفُ الوَجْهِ عَنِ النَّظَرِ في الشَّيْءِ. وهو هُنا مَجازٌ في إباءِ المَعْرِفَةِ، فَيَشْمَلُ المَعْنى الحَقِيقِيَّ بِالنِّسْبَةِ إلى الآياتِ المُبْصَراتِ كانْشِقاقِ القَمَرِ، ويَشْمَلُ تَرْكَ الِاسْتِماعِ لِلْقُرْآنِ، ويَشْمَلُ المُكابَرَةَ عَنِ الِاعْتِرافِ بِإعْجازِهِ وكَوْنِهِ حَقًّا بِالنِّسْبَةِ لِلَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ القُرْآنَ ويُكابِرُونَهُ، كَما يَجِيءُ في قَوْلِهِ: ﴿ومِنهم مَن يَسْتَمِعُ إلَيْكَ﴾ [الأنعام: ٢٥] . وتَقْدِيمُ المَجْرُورِ لِلرِّعايَةِ عَلى الفاصِلَةِ.

Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии

Содержание

Аят аль-Курси36Аль-Кахфстр. 42джуз 15Бухари 1Муслим 2999

Вид

Тема
Размер текста
Вид

Read in English