Ибн Ашур · Тафсир · на арабском
Аль-Анам 6:59–62
6:59Страница 134
۞ وَعِندَهُۥ مَفَاتِحُ ٱلۡغَيۡبِ لَا يَعۡلَمُهَآ إِلَّا هُوَۚ وَيَعۡلَمُ مَا فِي ٱلۡبَرِّ وَٱلۡبَحۡرِۚ وَمَا تَسۡقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلَّا يَعۡلَمُهَا وَلَا حَبَّةٖ فِي ظُلُمَٰتِ ٱلۡأَرۡضِ وَلَا رَطۡبٖ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَٰبٖ مُّبِينٖ ٥٩
У Него ключи к сокровенному, и знает о них только Он. Ему известно то, что на суше и в море. Даже лист падает только с Его ведома. Нет ни зернышка во мраках земли, ни чего-либо свежего или сухого, чего бы не было в ясном Писании.
﴿وعِنْدَهُ مَفاتِحُ الغَيْبِ لا يَعْلَمُها إلّا هو ويَعْلَمُ ما في البَرِّ والبَحْرِ وما تَسْقُطُ مِن ورَقَةٍ إلّا يَعْلَمُها ولا حَبَّةٍ في ظُلُماتِ الأرْضِ ولا رَطْبٍ ولا يابِسٍ إلّا في كِتابٍ مُبِينٍ﴾ .
عُطِفَ عَلى جُمْلَةِ ﴿واللَّهُ أعْلَمُ بِالظّالِمِينَ﴾ [الأنعام: ٥٨] عَلى طَرِيقَةِ التَّخَلُّصِ. والمُناسَبَةُ في هَذا التَّخَلُّصِ هي الإخْبارُ بِأنَّ اللَّهَ أعْلَمُ بِحالَةِ الظّالِمِينَ، فَإنَّها غائِبَةٌ عَنْ عَيانِ النّاسِ، فاللَّهُ أعْلَمُ بِما يُناسِبُ حالَهم مِن تَعْجِيلِ الوَعِيدِ أوْ تَأْخِيرِهِ، وهَذا انْتِقالٌ لِبَيانِ اخْتِصاصِهِ تَعالى بِعِلْمِ الغَيْبِ وسَعَةِ عِلْمِهِ ثُمَّ سَعَةِ قُدْرَتِهِ وأنَّ الخَلْقَ في قَبْضَةِ قُدْرَتِهِ.
وتَقْدِيمُ الظَّرْفِ لِإفادَةِ الِاخْتِصاصِ، أيْ عِنْدَهُ لا عِنْدَ غَيْرِهِ. والعِنْدِيَّةُ عِنْدِيَّةُ عِلْمٍ واسْتِئْثارٍ ولَيْسَتْ عِنْدِيَّةَ مَكانٍ.
والمَفاتِحُ جَمْعُ مِفْتَحٍ - بِكَسْرِ المِيمِ - وهو الآلَةُ الَّتِي يُفْتَحُ بِها المُغْلَقُ، وتُسَمّى المِفْتاحُ. وقَدْ قِيلَ: إنَّ مِفْتَحَ أفْصَحُ مِن مِفْتاحٍ، قالَ تَعالى ﴿وآتَيْناهُ مِنَ الكُنُوزِ ما إنَّ مَفاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالعُصْبَةِ أُولِي القُوَّةِ﴾ [القصص: ٧٦] .
والغَيْبُ ما غابَ عَلى عِلْمِ النّاسِ بِحَيْثُ لا سَبِيلَ لَهم إلى عِلْمِهِ، وذَلِكَ يَشْمَلُ الأعْيانَ المُغَيَّبَةَ كالمَلائِكَةِ والجِنِّ، والأعْراضَ الخَفِيَّةَ، ومَواقِيتَ الأشْياءِ.
و﴿مَفاتِحُ الغَيْبِ﴾ هُنا اسْتِعارَةٌ تَخْيِيلِيَّةٌ تَنْبَنِي عَلى مَكْنِيَّةٍ بِأنْ شُبِّهَتِ الأُمُورُ المُغَيَّبَةُ عَنِ النّاسِ بِالمَتاعِ النَّفِيسِ الَّذِي يُدَّخَرُ بِالمَخازِنِ والخَزائِنِ المُسْتَوْثَقِ عَلَيْها بِأقْفالٍ بِحَيْثُ لا يَعْلَمُ ما فِيها إلّا الَّذِي بِيَدِهِ مَفاتِحُها. وأُثْبِتَتْ لَها المَفاتِحُ عَلى سَبِيلِ التَّخْيِيلِيَّةِ. والقَرِينَةُ
صفحة ٢٧١
هِيَ إضافَةُ المَفاتِحِ إلى الغَيْبِ، فَقَوْلُهُ ﴿وعِنْدَهُ مَفاتِحُ الغَيْبِ﴾ بِمَنزِلَةِ أنْ يَقُولَ: عِنْدَهُ عَلِمُ الغَيْبِ الَّذِي لا يَعْلَمُهُ غَيْرُهُ.
ومَفاتِحُ الغَيْبِ جَمْعٌ مُضافٌ يَعُمُّ كُلَّ المُغَيَّباتِ، لِأنَّ عِلْمَها كُلَّها خاصٌّ بِهِ تَعالى، وأمّا الأُمُورُ الَّتِي لَها أماراتٌ مِثْلُ أماراتِ الأنْواءِ وعَلاماتِ الأمْراضِ عِنْدَ الطَّبِيبِ فَتِلْكَ لَيْسَتْ مِنَ الغَيْبِ بَلْ مِن أُمُورِ الشَّهادَةِ الغامِضَةِ. وغُمُوضُها مُتَفاوِتٌ والنّاسُ في التَّوَصُّلِ إلَيْها مُتَفاوِتُونَ ومَعْرِفَتُهم بِها مِن قَبِيلِ الظَّنِّ لا مِن قَبِيلِ اليَقِينِ فَلا تُسَمّى عِلْمًا، وقِيلَ: المَفاتِحُ جَمْعُ مَفْتَحٍ بِفَتْحِ المِيمِ وهو البَيْتُ أوِ المَخْزَنُ الَّذِي مِن شَأْنِهِ أنَّ يُغْلَقَ عَلى ما فِيهِ ثُمَّ يُفْتَحُ عِنْدَ الحاجَةِ إلى ما فِيهِ، ونُقِلَ هَذا عَنِ السُّدِّيِّ، فَيَكُونُ اسْتِعارَةً مُصَرَّحَةً والمُشَبَّهُ هو العِلْمُ بِالغَيْبِ شُبِّهَ في إحاطَتِهِ وحَجْبِهِ المُغَيَّباتِ بِبَيْتِ الخَزْنِ تَشْبِيهَ مَعْقُولٍ بِمَحْسُوسٍ.
وجُمْلَةُ ﴿لا يَعْلَمُها إلّا هُوَ﴾ مُبَيِّنَةٌ لِمَعْنًى عِنْدَهُ، فَهي بَيانٌ لِلْجُمْلَةِ الَّتِي قَبْلَها ومُفِيدَةٌ تَأْكِيدًا لِلْجُمْلَةِ الأُولى أيْضًا لِرَفْعِ احْتِمالِ أنْ يَكُونَ تَقْدِيمُ الظَّرْفِ لِمُجَرَّدِ الِاهْتِمامِ فَأُعِيدَ ما فِيهِ طَرِيقٌ مُتَعَيِّنٌ كَوْنُهُ لِلْقَصْرِ.
وضَمِيرُ يَعْلَمُها عائِدٌ إلى ﴿مَفاتِحُ الغَيْبِ﴾ عَلى حَذْفِ مُضافٍ مِن دَلالَةِ الِاقْتِضاءِ. تَقْدِيرُهُ: لا يَعْلَمُ مَكانَها إلّا هو، لِأنَّ العِلْمَ لا يَتَعَلَّقُ بِذَواتِ المَفاتِحِ، وهو تَرْشِيحٌ لِاسْتِعارَةِ مَفاتِحِ الغَيْبِ لِلْعِلْمِ بِالمُغَيَّباتِ، ونَفْيُ عِلْمِ غَيْرِهِ لَها كِنايَةٌ عَنْ نَفْيِ العِلْمِ بِما تُغْلَقُ عَلَيْهِ المَفاتِحُ مِن عِلْمِ المُغَيَّباتِ.
ومَعْنى ﴿لا يَعْلَمُها إلّا هُوَ﴾ أيْ عِلْمًا مُسْتَقِلًّا بِهِ، فَأمّا ما أطْلَعَ عَلَيْهِ بَعْضَ أصْفِيائِهِ، كَما قالَ تَعالى ﴿عالِمُ الغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أحَدًا إلّا مَنِ ارْتَضى مِن رَسُولٍ﴾ [الجن: ٢٦] فَذَلِكَ عِلْمٌ يَحْصُلُ لِمَن أطْلَعَهُ بِإخْبارٍ مِنهُ فَكانَ راجِعًا إلى عِلْمِهِ هو. والعِلْمُ مَعْرِفَةُ الأشْياءِ بِكَيْفِيَّةِ اليَقِينِ.
وفِي الصَّحِيحِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ «مَفاتِحُ الغَيْبِ خَمْسٌ ﴿إنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السّاعَةِ ويُنَزِّلُ الغَيْثَ ويَعْلَمُ ما في الأرْحامِ وما تَدْرِي نَفْسٌ ماذا تَكْسِبُ غَدًا وما تَدْرِي نَفْسٌ بِأيِّ أرْضٍ تَمُوتُ إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [لقمان»: ٣٤] .
صفحة ٢٧٢
وجُمْلَةُ ﴿ويَعْلَمُ ما في البَرِّ والبَحْرِ﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿لا يَعْلَمُها إلّا هُوَ﴾، أوْ عَلى جُمْلَةِ ﴿وعِنْدَهُ مَفاتِحُ الغَيْبِ﴾، لِأنَّ كِلْتَيْهِما اشْتَمَلَتْ عَلى إثْباتِ عِلْمٍ لِلَّهِ ونَفْيِ عِلْمٍ عَنْ غَيْرِهِ، فَعُطِفَتْ عَلَيْهِما هَذِهِ الجُمْلَةُ الَّتِي دَلَّتْ عَلى إثْباتِ عِلْمِ اللَّهِ تَعالى، دُونَ نَفْيِ عِلْمِ غَيْرِهِ وذَلِكَ عِلْمُ الأُمُورِ الظّاهِرَةِ الَّتِي قَدْ يَتَوَصَّلُ النّاسُ إلى عِلْمِ بَعْضِها، فَعَطْفُ هَذِهِ الجُمْلَةَ عَلى جُمْلَةِ ﴿وعِنْدَهُ مَفاتِحُ الغَيْبِ﴾ لِإفادَةِ تَعْمِيمِ عِلْمِهِ تَعالى بِالأشْياءِ الظّاهِرَةِ المُتَفاوِتَةِ في الظُّهُورِ بَعْدَ إفادَةِ عِلْمِهِ بِما لا يَظْهَرُ لِلنّاسِ.
وظُهُورُ ما في البَرِّ لِلنّاسِ عَلى الجُمْلَةِ أقْوى مِن ظُهُورِ ما في البَحْرِ. وذَكَرَ البَرَّ والبَحْرَ لِقَصْدِ الإحاطَةِ بِجَمِيعِ ما حَوَتْهُ هَذِهِ الكُرَةُ، لِأنَّ البَرَّ هو سَطْحُ الأرْضِ الَّذِي يَمْشِي فِيهِ الحَيَوانُ غَيْرَ سابِحٍ، والبَحْرَ هو الماءُ الكَثِيرُ الَّذِي يَغْمُرُ جُزْءًا مِنَ الأرْضِ سَواءٌ كانَ الماءُ مِلْحًا أمْ عَذْبًا. والعَرَبُ تُسَمِّي النَّهْرَ بَحْرًا كالفُراتِ ودِجْلَةَ.
والمَوْصُولُ لِلْعُمُومِ فَيَشْمَلُ الذَّواتِ والمَعانِيَ كُلَّها.
وجُمْلَةُ ﴿وما تَسْقُطُ مِن ورَقَةٍ﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿ويَعْلَمُ ما في البَرِّ والبَحْرِ﴾ لِقَصْدِ زِيادَةِ التَّعْمِيمِ في الجُزْئِيّاتِ الدَّقِيقَةِ. فَإحاطَةُ العِلْمِ بِالخَفايا مَعَ كَوْنِها مِن أضْعَفَ الجُزْئِيّاتِ مُؤْذِنٌ بِإحاطَةِ العِلْمِ بِما هو أعْظَمُ أوْلى بِهِ. وهَذِهِ مِن مُعْجِزاتِ القُرْآنِ فَإنَّ اللَّهَ عَلِمَ ما يَعْتَقِدُهُ الفَلاسِفَةُ وعَلِمَ أنْ سَيَقُولَ بِقَوْلِهِمْ مَن لا رُسُوخَ لَهُ في الدِّينِ مِن أتْباعِ الإسْلامِ فَلَمْ يَتْرُكْ لِلتَّأْوِيلِ في حَقِيقَةِ عِلْمِهِ مَجالًا، إذْ قالَ﴿وما تَسْقُطُ مِن ورَقَةٍ إلّا يَعْلَمُها ولا حَبَّةٍ في ظُلُماتِ الأرْضِ﴾ كَما سَنُبَيِّنُ الِاخْتِيارَ في وجْهِ إعْرابِهِ.
والمُرادُ بِالوَرَقَةِ ورَقَةٌ مِنَ الشَّجَرِ. وحَرْفُ (مِن) زائِدٌ لِتَأْكِيدِ النَّفْيِ لِيُفِيدَ العُمُومَ نَصًّا. وجُمْلَةُ يَعْلَمُها في مَوْضِعِ الحالِ مِن ورَقَةٍ الواقِعَةِ في حَيِّزِ النَّفْيِ المُسْتَغْنِيَةِ بِالعُمُومِ عَنِ الصِّفَةِ. وذَلِكَ لِأنَّ الِاسْتِثْناءَ مُفْرَغٌ مِن أحْوالٍ، وهَذِهِ الحالُ حالٌ لازِمَةٌ بَعْدَ النَّفْيِ حَصَلَ بِها مَعَ الفِعْلِ المَنفِيِّ الفائِدَةُ الِاسْتِثْناءُ مِن عُمُومِ الأحْوالِ، أيْ ما تَسْقُطُ مِن ورَقَةٍ في حالَةٍ إلّا حالَةً يَعْلَمُها.
والأظْهَرُ في نَظْمِ قَوْلِهِ ﴿وما تَسْقُطُ مِن ورَقَةٍ﴾ أنْ يَكُونَ ورَقَةً في مَحَلِّ المُبْتَدَأِ مَجْرُورٌ بِـ مِنَ الزّائِدَةِ، وجُمْلَةُ تَسْقُطُ صِفَةٌ لِـ ورَقَةٍ مُقَدَّمَةٌ عَلَيْها فَتُعْرَبُ حالًا،
صفحة ٢٧٣
وجُمْلَةُ ﴿إلّا يَعْلَمُها﴾ خَبَرٌ مُفْرَغٌ لَهُ حَرْفُ الِاسْتِثْناءِ. ﴿ولا حَبَّةٍ﴾ عُطِفَ عَلى المُبْتَدَأِ بِإعادَةِ حَرْفِ النَّفْيِ، و﴿فِي ظُلُماتِ الأرْضِ﴾ صِفَةٌ لِـ حَبَّةٍ، أيْ ولا حَبَّةٍ مِن بُذُورِ النَّبْتِ مَظْرُوفَةٍ في طَبَقاتِ الأرْضِ إلى أبْعَدِ عُمْقٍ يُمْكِنُ، فَلا يَكُونُ ”حَبَّةٍ“ مَعْمُولًا لِفِعْلِ ”تَسْقُطُ“ لِأنَّ الحَبَّةَ الَّتِي تَسْقُطُ لا تَبْلُغُ بِسُقُوطِها إلى ظُلُماتِ الأرْضِ. ﴿ولا رَطْبٍ ولا يابِسٍ﴾ مَعْطُوفانِ عَلى المُبْتَدَأِ المَجْرُورِ بِـ (مِن) . والخَبَرُ عَنْ هَذِهِ المُبْتَدَآتِ الثَّلاثَةِ هو قَوْلُهُ ﴿إلّا في كِتابٍ مُبِينٍ﴾ لِوُرُودِهِ بَعْدَ الثَّلاثَةِ، وذَلِكَ ظاهِرُ وُقُوعِ الإخْبارِ بِهِ عَنِ الثَّلاثَةِ، وأنَّ الخَبَرَ الأوَّلَ راجِعٌ إلى قَوْلِهِ مِن ورَقَةٍ.
والمُرادُ بِالكِتابِ المُبِينِ العِلْمُ الثّابِتُ الَّذِي لا يَتَغَيَّرُ، وما عَسى أنْ يَكُونَ عِنْدَ اللَّهِ مِن آثارِ العِلْمِ مِن كِتابَةٍ أوْ غَيْرِها لَمْ يُطْلِعْنا عَلى كُنْهِها.
وقِيلَ: جَرُّ حَبَّةٍ عَطْفٌ عَلى ورَقَةٍ مَعَ إعادَةِ حَرْفِ النَّفْيِ، و﴿فِي ظُلُماتِ الأرْضِ﴾ وصْفٌ لِـ ”حَبَّةٍ“ .
وكَذَلِكَ قَوْلُهُ ﴿ولا رَطْبٍ ولا يابِسٍ﴾ بِالجَرِّ عَطْفًا عَلى ”حَبَّةٍ“ و”ورِقَّةٍ“، فَيَقْتَضِي أنَّها مَعْمُولَةٌ لِفِعْلِ ”تَسْقُطُ“، أيْ ما يَسْقُطُ رَطْبٌ ولا يابِسٌ، ومُقَيَّدَةٌ بِالحالِ في قَوْلِهِ ﴿إلّا يَعْلَمُها﴾ .
وقَوْلُهُ ﴿إلّا في كِتابٍ مُبِينٍ﴾ تَأْكِيدٌ لِقَوْلِهِ ﴿إلّا يَعْلَمُها﴾ لِأنَّ المُرادَ بِالكِتابِ المُبِينِ عِلْمُ اللَّهِ تَعالى سَواءٌ كانَ الكِتابُ حَقِيقَةً أمْ مَجازًا عَنِ الضَّبْطِ وعَدَمِ التَّبْدِيلِ. وحَسَّنَ هَذا التَّأْكِيدَ تَجْدِيدُ المَعْنى لِبُعْدِ الأوَّلِ بِالمَعْطُوفاتِ وصِفاتِها، وأُعِيدَ بِعِبارَةٍ أُخْرى تَفَنُّنًا.
وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ في وجْهِ جَمْعِ ظُلُماتٍ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وجَعَلَ الظُّلُماتِ والنُّورَ﴾ [الأنعام: ١] في هَذِهِ السُّورَةِ. ومُبِينٌ إمّا مِن أبانَ المُتَعَدِّي، أيْ مُبَيِّنٌ لِبَعْضِ مَخْلُوقاتِهِ ما يُرِيدُهُ كالمَلائِكَةِ، أوْ مَن أبانَ القاصِرِ الَّذِي هو بِمَعْنى بانَ، أيْ بَيِّنٌ، أيْ فُصِّلَ بِما لا احْتِمالَ فِيهِ ولا تَرَدُّدَ.
وقَدْ عُلِمَ مَن هاتِهِ الآياتِ عُمُومُ عِلْمِهِ تَعالى بِالكُلِّيّاتِ والجُزْئِيّاتِ. وهَذا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ عِنْدَ أهْلِ الأدْيانِ دُونَ تَصْرِيحٍ بِهِ في الكُتُبِ السّابِقَةِ وما أعْلَنَهُ إلّا القُرْآنُ في نَحْوِ قَوْلِهِ
صفحة ٢٧٤
﴿وهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الأنعام: ١٠١] . وفِيهِ إبْطالٌ لِقَوْلِ جُمْهُورِ الفَلاسِفَةِ أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ الكُلِّيّاتِ خاصَّةً ولا يَعْلَمُ الجُزْئِيّاتِ، زَعْمًا مِنهم بِأنَّهم يُنَزِّهُونَ العِلْمَ الأعْلى عَنِ التَّجَزِّي؛ فَهم أثْبَتُوا صِفَةَ العِلْمِ لِلَّهِ تَعالى وأنْكَرُوا تَعَلُّقَ عِلْمِهِ بِجُزْئِيّاتِ المَوْجُوداتِ. وهَذا هو المَأْثُورُ عَنْهم عِنْدَ العُلَماءِ. وقَدْ تَأوَّلَهُ عَنْهُمُ ابْنُ رُشْدٍ الحَفِيدُ ونُصَيْرُ الدِّينِ الطُّوسِيُّ. وقالَ الإمامُ الرّازِيُّ في المَباحِثِ المَشْرِقِيَّةِ: ولا بُدَّ مِن تَفْصِيلِ مَذْهَبِ الفَلاسِفَةِ فَإنَّ اللّائِقَ بِأُصُولِهِمْ أنْ يُقالَ: الأُمُورُ أرْبَعَةُ أقْسامٍ؛ فَإنَّها إمّا أنْ لا تَكُونَ مُتَشَكِّلَةً ولا مُتَغَيِّرَةً، وإمّا أنْ تَكُونَ مُتَشَكِّلَةً غَيْرَ مُتَغَيِّرَةٍ، وإمّا أنْ تَكُونَ مُتَغَيِّرَةً غَيْرَ مُتَشَكِّلَةٍ، وإمّا أنْ تَكُونَ مُتَشَكِّلَةً ومُتَغَيِّرَةً مَعًا. فَأمّا ما لا تَكُونُ مُتَشَكِّلَةً ولا مُتَغَيِّرَةً فَإنَّهُ تَعالى عالِمٌ بِهِ سَواءٌ كانَ كُلِّيًّا أوْ جُزْئِيًّا. وكَيْفَ يُمْكِنُ القَوْلُ بِأنَّهُ تَعالى لا يَعْلَمُ الجُزْئِيّاتِ مِنها مَعَ اتِّفاقِ الأكْثَرِ مِنهم عَلى عِلْمِهِ تَعالى بِذاتِهِ المَخْصُوصَةِ وبِالعُقُولِ.
وأمّا المُتَشَكِّلَةُ غَيْرُ المُتَغَيِّرَةِ وهي الأجْرامُ العُلْوِيَّةُ فَهي غَيْرُ مَعْلُومَةٍ لَهُ تَعالى بِأشْخاصِها عِنْدَهم، لِأنَّ إدْراكَ الجُسْمانِيّاتِ لا يَكُونُ إلّا بِآلاتٍّ جُسْمانِيَّةٍ.
وأمّا المُتَغَيِّرَةُ غَيْرُ المُتَشَكِّلَةِ فَذَلِكَ مِثْلُ الصُّوَرِ والأعْراضِ الحادِثَةِ والنُّفُوسِ النّاطِقَةِ، فَإنَّها غَيْرُ مَعْلُومَةٍ لَهُ لِأنَّ تَعَلُّقَها يُحْوِجُ إلى آلَةٍ جُسْمانِيَّةٍ بَلْ لِأنَّها لَمّا كانَتْ مُتَغَيِّرَةً يَلْزَمُ مِن تَغَيُّرِها العِلْمُ.
وأمّا ما يَكُونُ مُتَشَكِّلًا ومُتَغَيِّرًا فَهو الأجْسامُ الكائِنَةُ الفاسِدَةُ. وهي يَمْتَنِعُ أنْ تَكُونَ مُدْرَكَةً لَهُ تَعالى لِلْوَجْهَيْنِ أيِ المَذْكُورَيْنِ في القِسْمَيْنِ الثّانِي والثّالِثِ اهـ.
وقَدْ عُدَّ إنْكارُ الفَلاسِفَةِ أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ الجُزْئِيّاتِ مِن أُصُولٍ ثَلاثَةٍ لَهم خالَفَتِ المَعْلُومَ بِالضَّرُورَةِ مِن دِينِ الإسْلامِ. وهي: إنْكارُ عِلْمِ اللَّهِ بِالجُزْئِيّاتِ؛ وإنْكارُ حَشْرِ الأجْسادِ، والقَوْلُ بِقِدَمِ العالَمِ. ذَكَرَ ذَلِكَ الغَزّالِيُّ في تَهافُتِ الفَلاسِفَةِ فَمَن يُوافِقُهم في
صفحة ٢٧٥
ذَلِكَ مِنَ المُسْلِمِينَ يُعْتَبَرُ قَوْلُهُ كُفْرًا، لَكِنَّهُ مِن قَبِيلِ الكُفْرِ بِاللّازِمِ فَلا يُعْتَبَرُ قائِلُهُ مُرْتَدًّا إلّا بَعْدَ أنْ يُوقَفَ عَلى ما يُفْضِي إلَيْهِ قَوْلُهُ ويَأْبى أنْ يَرْجِعَ عَنْهُ فَحِينَئِذٍ يُسْتَتابُ ثَلاثًا فَإنْ تابَ وإلّا حُكِمَ بِرِدَّتِهِ.
6:60Страница 135
وَهُوَ ٱلَّذِي يَتَوَفَّىٰكُم بِٱلَّيۡلِ وَيَعۡلَمُ مَا جَرَحۡتُم بِٱلنَّهَارِ ثُمَّ يَبۡعَثُكُمۡ فِيهِ لِيُقۡضَىٰٓ أَجَلٞ مُّسَمّٗىۖ ثُمَّ إِلَيۡهِ مَرۡجِعُكُمۡ ثُمَّ يُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ ٦٠
Он - Тот, Кто усыпляет вас ночью и знает, что вы делаете днем. Затем Он воскрешает вас днем, чтобы исполнился назначенный срок (завершился срок вашей жизни). Затем к Нему вам предстоит вернуться, и затем Он поведает вам о том, что вы совершали.
﴿وهْوَ الَّذِي يَتَوَفّاكم بِاللَّيْلِ ويَعْلَمُ ما جَرَحْتُمْ بِالنَّهارِ ثُمَّ يَبْعَثُكم فِيهِ لِيُقْضى أجَلٌ مُسَمًّى ثُمَّ إلَيْهِ مَرْجِعُكم ثُمَّ يُنَبِّئُكم بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ .
عَطَفَ جُمْلَةَ ﴿وهُوَ الَّذِي يَتَوَفّاكُمْ﴾ عَلى جُمْلَةِ ﴿وما تَسْقُطُ مِن ورَقَةٍ إلّا يَعْلَمُها﴾ [الأنعام: ٥٩] انْتِقالًا مِن بَيانِ سَعَةِ عِلْمِهِ إلى بَيانِ عَظِيمِ قُدْرَتِهِ لِأنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ مِن دَلائِلِ الإلَهِيَّةِ تَعْلِيمًا لِأوْلِيائِهِ ونَعْيًا عَلى المُشْرِكِينَ أعْدائِهِ. وقَدْ جَرَتْ عادَةُ القُرْآنِ بِذِكْرِ دَلائِلِ الوَحْدانِيَّةِ في أنْفُسِ النّاسِ عَقِبَ ذِكْرِ دَلائِلِها في الآفاقِ فَجُمِعَ ذَلِكَ هُنا عَلى وجْهٍ بَدِيعٍ مُؤْذِنٍ بِتَعْلِيمِ صِفاتِهِ في ضِمْنِ دَلِيلِ وحْدانِيَّتِهِ. وفي هَذا تَقْرِيبٌ لِلْبَعْثِ بَعْدَ المَوْتِ.
فَقَوْلُهُ ﴿وهُوَ الَّذِي يَتَوَفّاكُمْ﴾ صِيغَةُ قَصْرٍ لِتَعْرِيفِ جُزْأيِ الجُمْلَةِ، أيْ هو الَّذِي يَتَوَفّى الأنْفُسَ دُونَ الأصْنامِ فَإنَّها لا تَمْلِكُ مَوْتًا ولا حَياةً.
والخِطابُ مُوَجَّهٌ إلى المُشْرِكِينَ كَما يَقْتَضِيهِ السِّياقُ السّابِقُ مِن قَوْلِهِ ﴿لَقُضِيَ الأمْرُ بَيْنِي وبَيْنَكُمْ﴾ [الأنعام: ٥٨] واللّاحِقُ مِن قَوْلِهِ ﴿ثُمَّ أنْتُمْ تُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام: ٦٤] ويَقْتَضِيهِ طَرِيقُ القَصْرِ. ولَمّا كانَ هَذا الحالُ غَيْرَ خاصٍّ بِالمُشْرِكِينَ عُلِمَ مِنهُ أنَّ النّاسَ فِيهِ سَواءٌ.
والتَّوَفِّي حَقِيقَتُهُ الإماتَةُ، لِأنَّهُ حَقِيقَةٌ في قَبْضِ الشَّيْءِ مُسْتَوْفًى. وإطْلاقُهُ عَلى النَّوْمِ مُجازٌ لِشَبَهِ النَّوْمِ بِالمَوْتِ في انْقِطاعِ الإدْراكِ والعَمَلِ. ألا تَرى قَوْلَهُ تَعالى ﴿اللَّهُ يَتَوَفّى الأنْفُسَ حِينَ مَوْتِها والَّتِي لَمْ تَمُتْ في مَنامِها فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضى عَلَيْها المَوْتَ ويُرْسِلُ الأُخْرى إلى أجَلٍ مُسَمًّى﴾ [الزمر: ٤٢] . وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْصِيلُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿إذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسى إنِّي مُتَوَفِّيكَ﴾ [آل عمران: ٥٥] في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ.
صفحة ٢٧٦
والمُرادُ بِقَوْلِهِ يَتَوَفّاكم يُنِيمُكم بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ ﴿ثُمَّ يَبْعَثُكم فِيهِ﴾، أيْ في النَّهارِ، فَأرادَ بِالوَفاةِ هُنا النَّوْمَ عَلى التَّشْبِيهِ. وفائِدَتُهُ أنَّهُ تَقْرِيبٌ لِكَيْفِيَّةِ البَعْثِ يَوْمَ القِيامَةِ، ولِذا اسْتُعِيرَ البَعْثُ لِلْإفاقَةِ مِنَ النَّوْمِ لِيَتِمَّ التَّقْرِيبُ في قَوْلِهِ ﴿ثُمَّ يَبْعَثُكم فِيهِ﴾ .
ومَعْنى جَرَحْتُمْ كَسَبْتُمْ، وأصْلُ الجَرْحِ تَمْزِيقُ جِلْدِ الحَيِّ بِشَيْءٍ مُحَدَّدٍ مِثْلَ السِّكِّينِ والسَّيْفِ والظُّفُرِ والنّابِ. وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ ﴿والجُرُوحَ قِصاصٌ﴾ [المائدة: ٤٥] في سُورَةِ العُقُودِ. وأُطْلِقَ عَلى كِلابِ الصَّيْدِ وبُزاتِهِ ونَحْوِها اسْمُ الجَوارِحِ لِأنَّها تَجْرَحُ الصَّيْدَ لِيُمْسِكَهُ الصّائِدُ. قالَ تَعالى ﴿وما عَلَّمْتُمْ مِنَ الجَوارِحِ مُكَلِّبِينَ﴾ [المائدة: ٤] وتَقَدَّمَ في سُورَةِ العُقُودِ. كَما سَمَّوْها كَواسِبَ، كَقَوْلِ لَبِيَدٍ:
غُضْفًا كَواسِبَ ما يُمَنُّ طَعامُها
فَصارَ لَفْظُ الجَوارِحِ مُرادِفًا لِلْكَواسِبِ؛ وشاعَ ذَلِكَ فَأُطْلِقَ عَلى الكَسْبِ اسْمُ الجَرْحِ، وهو المُرادُ هُنا. وقالَ تَعالى ﴿أمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئاتِ أنْ نَجْعَلَهم كالَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ [الجاثية: ٢١] .
وجُمْلَةُ ﴿ويَعْلَمُ ما جَرَحْتُمْ بِالنَّهارِ﴾ مُعْتَرِضَةٌ لِقَصْدِ الِامْتِنانِ بِنِعْمَةِ الإمْهالِ، أيْ ولَوْلا فَضْلُهُ لَما بَعَثَكم في النَّهارِ مَعَ عِلْمِهِ بِأنَّكم تَكْتَسِبُونَ في النَّهارِ عِبادَةَ غَيْرِهِ ويَكْتَسِبُ بَعْضُكم بَعْضَ ما نَهاهم عَنْهُ كالمُؤْمِنِينَ.
ووَقَعَ الِاقْتِصارُ عَلى الإخْبارِ بِعِلْمِهِ تَعالى ما يَكْسِبُ النّاسُ في النَّهارِ دُونَ اللَّيْلِ رَعْيًا لِلْغالِبِ، لِأنَّ النَّهارَ هو وقْتُ أكْثَرِ العَمَلِ والِاكْتِسابِ، فَفي الإخْبارِ أنَّهُ يَعْلَمُ ما يَقَعُ فِيهِ تَحْذِيرٌ مِنِ اكْتِسابِ ما لا يَرْضى اللَّهُ بِاكْتِسابِهِ بِالنِّسْبَةِ لِلْمُؤْمِنِينَ، وتَهْدِيدٌ لِلْمُشْرِكِينَ.
وجُمْلَةُ ﴿ثُمَّ يَبْعَثُكم فِيهِ﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى ﴿يَتَوَفّاكم بِاللَّيْلِ﴾ فَتَكُونُ (ثُمَّ) لِلْمُهْلَةِ الحَقِيقِيَّةِ، وهو الأظْهَرُ. ولَكَ أنْ تَجْعَلَ (ثُمَّ) لِلتَّرْتِيبِ الرُّتَبِيِّ فَتَعْطِفَ عَلى جُمْلَةِ ﴿ويَعْلَمُ ما جَرَحْتُمْ﴾، أيْ وهو يَعْلَمُ ما تَكْتَسِبُونَ مِنَ المَناهِي ثُمَّ يَرُدُّكم ويُمْهِلُكم. وهَذا بِفَرِيقِ المُشْرِكِينَ أنْسَبُ.
و(في) لِلظَّرْفِيَّةِ. والضَّمِيرُ لِلنَّهارِ. والبَعْثُ مُسْتَعارٌ لِلْإفاقَةِ مِنَ النَّوْمِ لِأنَّ البَعْثَ شاعَ
صفحة ٢٧٧
فِي إحْياءِ المَيِّتِ وخاصَّةً في اصْطِلاحِ القُرْآنِ ﴿قالُوا أئِذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا وعِظامًا أئِنّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ [المؤمنون: ٨٢] وحَسَّنَ هَذِهِ الِاسْتِعارَةَ كَوْنُها مَبْنِيَّةً عَلى اسْتِعارَةِ التَّوَفِّي لِلنَّوْمِ تَقْرِيبًا لِكَيْفِيَّةِ البَعْثِ الَّتِي حارَتْ فِيها عُقُولُهم، فَكُلٌّ مِنَ الِاسْتِعارَتَيْنِ مُرَشِّحٌ لِلْأُخْرى.
واللّامُ في ﴿لِيُقْضى أجَلٌ مُسَمًّى﴾ لامُ التَّعْلِيلِ لِأنَّ مِنَ الحِكَمِ والعِلَلِ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَها نِظامَ اليَقَظَةِ والنَّوْمِ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ تَجْزِئَةً لِعُمُرِ الحَيِّ، وهو أجَلُهُ الَّذِي أُجِّلَتْ إلَيْهِ حَياتُهُ يَوْمَ خَلْقِهِ، كَما جاءَ في الحَدِيثِ «يُؤْمَرُ بِكَتْبِ رِزْقِهِ وأجَلِهِ وعَمَلِهِ» . فالأجْلُ مَعْدُودٌ بِالأيّامِ واللَّيالِي، وهي زَمانُ النُّوَّمِ واليَقَظَةِ. والعِلَّةُ الَّتِي بِمَعْنى الحِكْمَةِ لا يُلْزَمُ اتِّحادُها فَقَدْ يَكُونُ لِفِعْلِ اللَّهِ حِكَمٌ عَدِيدَةٌ. فَلا إشْكالَ في جَعْلِ اللّامِ لِلتَّعْلِيلِ.
وقَضاءُ الأجَلِ انْتِهاؤُهُ. ومَعْنى كَوْنِهِ مُسَمًّى أنَّهُ مُعَيَّنٌ مُحَدَّدٌ. والمَرْجِعُ مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ، فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ الرُّجُوعَ بِالمَوْتِ، لِأنَّ الأرْواحَ تَصِيرُ في قَبْضَةِ اللَّهِ ويُبْطِلُ ما كانَ لَها مِنَ التَّصَرُّفِ بِإرادَتِها. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالرُّجُوعِ الحَشْرَ يَوْمَ القِيامَةِ، وهَذا أظْهَرُ.
وقَوْلُهُ ﴿ثُمَّ يُنَبِّئُكم بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ أيْ يُحاسِبُكم عَلى أعْمالِكم بَعْدَ المَوْتِ، فالمُهْلَةُ في (ثُمَّ) ظاهِرَةٌ، أوْ بَعْدَ الحَشْرِ، فالمُهْلَةُ لِأنَّ بَيْنَ الحَشْرِ وبَيْنَ ابْتِداءِ الحِسابِ زَمَنًا، كَما ورَدَ في حَدِيثِ الشَّفاعَةِ.
6:61–62Страница 135
وَهُوَ ٱلۡقَاهِرُ فَوۡقَ عِبَادِهِۦۖ وَيُرۡسِلُ عَلَيۡكُمۡ حَفَظَةً حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءَ أَحَدَكُمُ ٱلۡمَوۡتُ تَوَفَّتۡهُ رُسُلُنَا وَهُمۡ لَا يُفَرِّطُونَ ٦١
Он - Одолевающий и находится над Своими рабами. Он посылает к вам хранителей. Когда же к кому-нибудь из вас приходит смерть, Наши посланцы умерщвляют его, и они не делают упущений.
ثُمَّ رُدُّوٓاْ إِلَى ٱللَّهِ مَوۡلَىٰهُمُ ٱلۡحَقِّۚ أَلَا لَهُ ٱلۡحُكۡمُ وَهُوَ أَسۡرَعُ ٱلۡحَٰسِبِينَ ٦٢
Потом их возвращают к Аллаху, их Истинному Покровителю. Он один принимает решение, и Он - Самый быстрый в расчете.
﴿وهْوَ القاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ﴾ .
عُطِفَ عَلى جُمْلَةِ ﴿وهُوَ الَّذِي يَتَوَفّاكُمْ﴾ [الأنعام: ٦٠]، وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ نَظِيرِهِ آنِفًا. والمُناسَبَةُ هُنا أنَّ النَّوْمَ والمَوْتَ خَلَقَهُما اللَّهُ فَغَلَبا شِدَّةَ الإنْسانِ كَيْفَما بَلَغَتْ فَبَيَّنَ عَقِبَ ذِكْرِهِما أنَّ اللَّهَ هو القادِرُ الغالِبُ دُونَ الأصْنامِ. فالنَّوْمُ قَهْرٌ، لِأنَّ الإنْسانَ قَدْ يُرِيدُ أنْ لا يَنامَ فَيَغْلِبُهُ النَّوْمُ، والمَوْتُ قَهْرٌ وهو أظْهَرُ، ومِنَ الكَلِمِ الحَقِّ: سُبْحانَ مَن قَهَرَ العِبادَ بِالمَوْتِ.
* * *
﴿ويُرْسِلُ عَلَيْكم حَفَظَةً حَتّى إذا جاءَ أحَدَكُمُ المَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنا وهم لا يُفَرِّطُونَ﴾ ﴿ثُمَّ رُدُّوا إلى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الحَقِّ ألا لَهُ الحُكْمُ وهْوَ أسْرَعُ الحاسِبِينَ﴾ .
صفحة ٢٧٨
ويُرْسِلُ عَطْفٌ عَلى القاهِرِ، فَيُعْتَبَرُ المُسْنَدُ إلَيْهِ مُقَدَّمًا عَلى الخَبَرِ الفِعْلِيِّ، فَيَدُلُّ عَلى التَّخْصِيصِ أيْضًا بِقَرِينَةِ المَقامِ، أيْ هو الَّذِي يُرْسِلُ عَلَيْكم حَفَظَةً دُونَ غَيْرِهِ. والقَصْرُ هُنا حَقِيقِيٌّ، فَلا يَسْتَدْعِي رَدَّ اعْتِقادٍ مُخالِفٍ. والمَقْصُودُ الإعْلامُ بِهَذا الخَبَرِ الحَقِّ لِيَحْذَرَ السّامِعُونَ مِنِ ارْتِكابِ المَعاصِي.
ومَعْنى (عَلى) في قَوْلِهِ ”عَلَيْكم“ الِاسْتِعْلاءُ المَجازِيُّ، أيْ إرْسالُ قَهْرٍ وإلْزامٍ، كَقَوْلِهِ ﴿بَعَثْنا عَلَيْكم عِبادًا لَنا﴾ [الإسراء: ٥]، لِأنَّ سِياقَ الكَلامِ خِطابٌ لِلْمُشْرِكِينَ كَما عَلِمْتَ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿كَلّا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ وإنَّ عَلَيْكم لَحافِظِينَ﴾ [الإنفطار: ٩] .
وعَلَيْكم مُتَعَلِّقٌ بِـ يُرْسِلُ، فَعُلِمَ أنَّ المُرادَ بِحِفْظِ الحَفَظَةِ الإحْصاءُ والضَّبْطُ مِن قَوْلِهِمْ: حَفِظْتُ عَلَيْهِ فِعْلَهُ كَذا. وهو ضِدُّ نَسِيَ. ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿وعِنْدَنا كِتابٌ حَفِيظٌ﴾ [ق: ٤] . ولَيْسَ هو مِن حِفْظِ الرِّعايَةِ والتَّعَهُّدِ مِثْلَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿حافِظاتٌ لِلْغَيْبِ بِما حَفِظَ اللَّهُ﴾ [النساء: ٣٤] .
فالحَفَظَةُ مَلائِكَةٌ وظِيفَتُهم إحْصاءُ أعْمالِ العِبادِ مِن خَيْرٍ وشَرٍّ. ووَرَدَ في الحَدِيثِ الصَّحِيحِ «يَتَعاقَبُونَ فِيكم مَلائِكَةٌ بِاللَّيْلِ ومَلائِكَةٌ بِالنَّهارِ» الحَدِيثَ.
وقَوْلُهُ ﴿إذا جاءَ أحَدَكُمُ المَوْتُ﴾ غايَةٌ لِما دَلَّ عَلَيْهِ اسْمُ الحَفَظَةِ مِن مَعْنى الإحْصاءِ، أيْ فَيَنْتَهِي الإحْصاءُ بِالمَوْتِ فَإذا جاءَ الوَقْتُ الَّذِي يَنْتَهِي إلَيْهِ أجْلُ الحَياةِ تَوَفّاهُ المَلائِكَةُ المُرْسَلُونَ لَقَبْضِ الأرْواحِ.
فَقَوْلُهُ ”رُسُلُنا“ في قُوَّةِ النَّكِرَةِ لِأنَّ المُضافَ مُشْتَقٌّ فَهو بِمَعْنى اسْمِ المَفْعُولِ فَلا تُفِيدُهُ الإضافَةُ تَعْرِيفًا، ولِذَلِكَ فالمُرادُ مِنَ الرُّسُلِ الَّتِي تَتَوَفّى رُسُلٌ غَيْرُ الحَفَظَةِ المُرْسَلِينَ عَلى العِبادِ، بِناءً عَلى الغالِبِ في مَجِيءِ نَكِرَةٍ عَقِبَ نَكِرَةٍ أنَّ الثّانِيَةَ غَيْرُ الأُولى. وظاهِرُ قَوْلِهِ ﴿تَوَفَّتْهُ رُسُلُنا﴾ أنَّ عَدَدًا مِنَ المَلائِكَةِ يَتَوَلّى تَوَفِّيَ الواحِدَ مِنَ النّاسِ.
صفحة ٢٧٩
وفِي الآيَةِ الأُخْرى ﴿قُلْ يَتَوَفّاكم مَلَكُ المَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ﴾ [السجدة: ١١]، وسُمِّيَ في الآثارِ عِزْرائِيلُ، ونُقِلَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّ لِمَلَكِ المَوْتَ أعْوانًا. فالجَمْعُ بَيْنَ الآيَتَيْنِ ظاهِرٌ.
وعُلِّقَ فِعْلُ التَّوَفِّي بِضَمِيرِ أحَدِكُمُ الَّذِي هو في مَعْنى الذّاتِ. والمَقْصُودُ تَعْلِيقُ الفِعْلِ بِحالٍ مِن أحْوالِ أحَدِكُمُ المُناسِبِ لِلتَّوَفِّي، وهو الحَياةُ، أيْ تَوَفَّتْ حَيّاتُهُ وخَتْمَتْها، وذَلِكَ بِقَبْضِ رُوحِهِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ تَوَفَّتْهُ بِمُثَنّاةٍ فَوْقِيَّةٍ بَعْدَ الفاءِ. وقَرَأ حَمْزَةُ وحْدَهُ (تَوَفّاهُ رُسُلُنا) وهي في المُصْحَفِ مَرْسُومَةٌ بِنُتْأةٍ بَعْدَ الفاءِ فَتَصْلُحُ لِأنَّ تَكُونُ مُثَنّاةً فَوْقِيَّةً وأنْ تَكُونَ مُثَنّاةً تَحْتِيَّةً عَلى لُغَةِ الإمالَةِ. وهي الَّتِي يُرْسَمُ بِها الألِفاتُ المُنْقَلِبَةُ عَنِ الياءاتِ. والوَجْهانِ جائِزانِ في إسْنادِ الفِعْلِ إلى جَمْعِ التَّكْسِيرِ.
وجُمْلَةُ ﴿وهم لا يُفَرِّطُونَ﴾ حالٌ. والتَّفْرِيطُ: التَّقْصِيرُ في العَمَلِ والإضاعَةُ في الذَّواتِ. والمَعْنى أنَّهم لا يَتْرُكُونَ أحَدًا قَدْ تَمَّ أجْلُهُ ولا يُؤَخِّرُونَ تَوَفِّيَهُ.
والضَّمِيرُ في قَوْلِهِ رُدُّوا عائِدٌ إلى أحَدٍ بِاعْتِبارِ تَنْكِيرِهِ الصّادِقِ بِكُلِّ أحَدٍ، أيْ ثُمَّ يُرَدُّ المُتَوَفَّوْنَ إلى اللَّهِ. والمُرادُ رُجُوعُ النّاسِ إلى أمْرِ اللَّهِ يَوْمَ القِيامَةِ، أيْ رُدُّوا إلى حُكْمِهِ مِن نَعِيمٍ وعَذابٍ، فَلَيْسَ في الضَّمِيرِ التِفاتٌ.
والمَوْلى هُنا بِمَعْنى السَّيِّدِ، وهو اسْمٌ مُشْتَرَكٌ يُطْلَقُ عَلى السَّيِّدِ وعَلى العَبْدِ.
و”الحَقِّ“ بِالجَرِّ صِفَةٌ لِـ مَوْلاهم، لِما في مَوْلاهم مِن مَعْنى مالِكِهِمْ، أيْ مالِكِهِمُ الحَقِّ الَّذِي لا يَشُوبُ مُلْكَهُ باطِلٌ يُوهِنُ مُلْكَهُ. وأصْلُ الحَقِّ أنَّهُ الأمْرُ الثّابِتُ فَإنَّ كُلَّ مُلْكٍ غَيْرَ مُلْكِ الخالِقِيَّةِ فَهو مَشُوبٌ بِاسْتِقْلالِ مَمْلُوكِهِ عَنْهُ اسْتِقْلالًا مُتَفاوِتًا، وذَلِكَ يُوهِنُ المُلْكَ ويُضْعِفُ حَقِّيَّتَهُ.
وجُمْلَةُ ﴿ألا لَهُ الحُكْمُ وهو أسْرَعُ الحاسِبِينَ﴾ تَذْيِيلٌ ولِذَلِكَ ابْتُدِئَ بِأداةِ الِاسْتِفْتاحِ المُؤْذِنَةِ بِالتَّنْبِيهِ إلى أهَمِّيَّةِ الخَبَرِ. والعَرَبُ يَجْعَلُونَ التَّذْيِيلاتِ مُشْتَمِلَةً عَلى اهْتِمامٍ أوْ عُمُومٍ أوْ كَلامٍ جامِعٍ.
صفحة ٢٨٠
وقَدَّمَ المَجْرُورَ في قَوْلِهِ ”لَهُ الحُكْمُ“ لِلِاخْتِصاصِ، أيْ لَهُ لا لِغَيْرِهِ، فَإنْ كانَ المُرادُ مِنَ الحُكْمِ جِنْسَ الحُكْمِ فَقَصْرُهُ عَلى اللَّهِ إمّا حَقِيقِيٌّ لِلْمُبالَغَةِ لِعَدَمِ الِاعْتِدادِ بِحُكْمِ غَيْرِهِ، وإمّا إضافِيٌّ لِلرَّدِّ عَلى المُشْرِكِينَ، أيْ لَيْسَ لِأصْنامِكم حُكْمٌ مَعَهُ، وإنْ كانَ المُرادُ مِنَ الحُكْمِ الحِسابَ، أيِ الحُكْمُ المَعْهُودُ يَوْمَ القِيامَةِ، فالقَصْرُ حَقِيقِيٌّ. ورُبَّما تَرَجَّحَ هَذا الِاحْتِمالُ بِقَوْلِهِ عَقِبَهُ ﴿وهُوَ أسْرَعُ الحاسِبِينَ﴾ أيْ ألا لَهُ الحِسابُ، وهو أسْرَعُ مَن يُحاسِبُ فَلا يَتَأخَّرُ جَزاؤُهُ.
وهَذا يَتَضَمَّنُ وعْدًا ووَعِيدًا لِأنَّهُ لَمّا أُتِيَ بِحَرْفِ المُهْلَةِ في الجُمَلِ المُتَقَدِّمَةِ وكانَ المُخاطَبُونَ فَرِيقَيْنِ: فَرِيقٌ صالِحٌ وفَرِيقٌ كافِرٌ، وذَكَرَ أنَّهم إلَيْهِ يَرْجِعُونَ كانَ المَقامُ مَقامَ طَماعِيَةٍ ومُخالَفَةٍ؛ فالصّالِحُونَ لا يُحِبُّونَ المُهْلَةَ والكافِرُونَ بِعَكْسِ حالِهِمْ، فَعُجِّلَتِ المَسَرَّةُ لِلصّالِحِينَ والمُساءَةُ لِلْمُشْرِكِينَ بِقَوْلُهُ ﴿وهُوَ أسْرَعُ الحاسِبِينَ﴾ .
Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии