Ибн АшурАс‑Сафф · 61:1–5

Ибн Ашур · Тафсир · на арабском

الصف

Ас-Сафф

Ряды · Мединская · 14 аятов

61:1Страница 551

سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِۖ وَهُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ ١

Славит Аллаха то, что на небесах, и то, что на земле. Он - Могущественный, Мудрый.

﴿سَبَّحَ لِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ وهْوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ .

صفحة ١٧٤

مُناسَبَةُ هَذِهِ الفاتِحَةِ لِما بَعْدَها مِنَ السُّورَةِ بَيانُ أنَّ الكافِرِينَ مَحْقُوقُونَ بِأنْ تُقاتِلُوهم لِأنَّهم شَذُّوا عَنْ جَمِيعِ المَخْلُوقاتِ فَلَمْ يُسَبِّحُوا اللَّهَ ولَمْ يَصِفُوهُ بِصِفاتِ الكَمالِ إذْ جَعَلُوا لَهُ شُرَكاءَ في الإلَهِيَّةِ. وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِالَّذِينَ أخْلَفُوا ما وعَدُوا بِأنَّهم لَمْ يُؤَدُّوا حَقَّ تَسْبِيحِ اللَّهِ، لِأنَّ اللَّهَ مُسْتَحِقٌّ لِأنْ يُوَفّى بِعَهْدِهِ في الحَياةِ الدُّنْيا وأنَّ اللَّهَ ناصِرُ الَّذِينَ آمَنُوا عَلى عَدُوِّهِمْ.

وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى نَظِيرِ قَوْلِهِ (سَبَّحَ لِلَّهِ) إلى (الحَكِيمُ) في أوَّلِ سُورَةِ الحَشْرِ وسُورَةِ الحَدِيدِ.

وفِي إجْراءِ وصْفِ (العَزِيزُ) عَلَيْهِ تَعالى هُنا إيماءٌ إلى أنَّهُ الغالِبُ لِعَدُوِّهِ فَما كانَ لَكم أنْ تَرْهَبُوا أعْداءَهُ فَتَفِرُّوا مِنهم عِنْدَ اللِّقاءِ.

وإجْراءُ صِفَةِ (الحَكِيمُ) إنْ حُمِلَتْ عَلى مَعْنى المُتَّصِفِ بِالحِكْمَةِ أنَّ المَوْصُوفَ بِالحِكْمَةِ لا يَأْمُرُكم بِجِهادِ العَدُوِّ عَبَثًا ولا يُخَلِّيهِمْ يَغْلِبُونَكم. وإنْ حُمِلَتْ عَلى مَعْنى المُحْكِمِ لِلْأُمُورِ فَكَذَلِكَ.

61:2–3Страница 551

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفۡعَلُونَ ٢

О те, которые уверовали! Почему вы говорите то, чего не делаете?

كَبُرَ مَقۡتًا عِندَ ٱللَّهِ أَن تَقُولُواْ مَا لَا تَفۡعَلُونَ ٣

Велика ненависть Аллаха к тому, что вы говорите то, чего не делаете.

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ﴾ ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أنْ تَقُولُوا ما لا تَفْعَلُونَ﴾ .

ناداهم بِوَصْفِ الإيمانِ تَعْرِيضًا بِأنَّ الإيمانَ مِن شَأْنِهِ أنْ يَزَعَ المُؤْمِنُ عَنْ أنْ يُخالِفَ فِعْلُهُ قَوْلَهُ في الوَعْدِ بِالخَيْرِ.

واللّامُ لِتَعْلِيلِ المُسْتَفْهَمِ عَنْهُ وهو الشَّيْءُ المُبْهَمُ الَّذِي هو مَدْلُولُ ما الِاسْتِفْهامِيَّةِ لِأنَّها تَدُلُّ عَلى أمْرٍ مُبْهَمٍ يُطْلَبُ تَعْيِينُهُ.

والتَّقْدِيرُ: تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ لِأيِّ سَبَبٍ أوْ لِأيَّةِ عِلَّةٍ.

وتَتَعَلَّقُ اللّامُ بِفِعْلِ (تَقُولُونَ) المَجْرُورِ مَعَ حَرْفِ الجَرِّ لِصَدارَةِ الِاسْتِفْهامِ.

والِاسْتِفْهامُ عَنِ العِلَّةِ مُسْتَعْمَلٌ هُنا في إنْكارِ أنْ يَكُونَ سَبَبُ ذَلِكَ مُرْضِيًا لِلَّهِ تَعالى، أيْ أنَّ ما يَدْعُوهم إلى ذَلِكَ هو أمْرٌ مُنْكَرٌ وذَلِكَ كِنايَةٌ عَنِ اللَّوْمِ والتَّحْذِيرِ مِن ذَلِكَ كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أنْبِياءَ اللَّهِ مِن قَبْلُ﴾ [البقرة: ٩١] في سُورَةِ البَقَرَةِ.

صفحة ١٧٥

فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ القَوْلُ الَّذِي قالُوهُ وعْدًا وعَدُوهُ ولَمْ يَفُوا بِهِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ خَبَرًا أخْبَرُوا بِهِ عَنْ أنْفُسِهِمْ لَمْ يُطابِقِ الواقِعَ. وقَدْ مَضى اسْتِيفاءُ ذَلِكَ في الكَلامِ عَلى صَدْرِ السُّورَةِ.

وهَذا كِنايَةٌ عَنْ تَحْذِيرِهِمْ مِنَ الوُقُوعِ في مِثْلِ ما فَعَلُوهُ يَوْمَ أُحُدٍ بِطَرِيقِ الرَّمْزِ، وكِنايَةٌ عَنِ اللَّوْمِ عَلى ما فَعَلُوهُ يَوْمَ أُحُدٍ بِطَرِيقِ التَّلْوِيحِ.

وتَعْقِيبُ الآيَةِ بِقَوْلِهِ ﴿إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقاتِلُونَ في سَبِيلِهِ صَفًّا﴾ [الصف: ٤] إلَخْ. يُؤْذِنُ بِأنَّ اللَّوْمَ عَلى وعْدٍ يَتَعَلَّقُ بِالجِهادِ في سَبِيلِ اللَّهِ. وبِذَلِكَ يَلْتَئِمُ مَعْنى الآيَةِ مَعَ حَدِيثِ التِّرْمِذِيِّ في سَبَبِ النُّزُولِ وتَنْدَحِضُ رِواياتٌ أُخْرى رُوِيَتْ في سَبَبِ نُزُولِها ذَكَرَها في الكَشّافِ.

وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِالمُنافِقِينَ إذْ يُظْهِرُونَ الإيمانَ بِأقْوالِهِمْ وهم لا يَعْمَلُونَ أعْمالَ أهْلِ الإيمانِ بِالقَلْبِ ولا بِالجَسَدِ. قالَ ابْنُ زَيْدٍ: هو قَوْلُ المُنافِقِينَ لِلْمُؤْمِنِينَ نَحْنُ مِنكم ومَعَكم ثُمَّ يَظْهَرُ مِن أفْعالِهِمْ خِلافُ ذَلِكَ.

وجُمْلَةُ ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أنْ تَقُولُوا ما لا تَفْعَلُونَ﴾ بَيانٌ لِجُمْلَةِ ﴿لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ﴾ تَصْرِيحًا بِالمَعْنى المُكَنّى عَنْهُ بِها.

وهُوَ خَبَرٌ عَنْ كَوْنِ قَوْلِهِمْ ﴿ما لا تَفْعَلُونَ﴾ أمْرًا كَبِيرًا في جِنْسِ المَقْتِ.

والكِبَرُ: مُسْتَعارٌ لِلشِّدَةِ لِأنَّ الكَبِيرَ فِيهِ كَثْرَةٌ وشِدَّةٌ في نَوْعِهِ.

و(أنْ تَقُولُوا) فاعِلُ (كَبُرَ) .

والمَقْتُ: البُغْضُ الشَّدِيدُ. وهو هُنا بِمَعْنى اسْمِ المَفْعُولِ.

وانْتَصَبَ مَقْتًا عَلى التَّمْيِيزِ لِجِهَةِ الكِبَرِ. وهو تَمْيِيزُ نِسْبَةٍ.

والتَّقْدِيرُ: كَبُرَ مَمْقُوتًا قَوْلُكم ما لا تَفْعَلُونَهُ.

ونُظِمَ هَذا الكَلامُ بِطَرِيقَةِ الإجْمالِ ثُمَّ التَّفْصِيلِ بِالتَّمْيِيزِ لِتَهْوِيلِ هَذا الأمْرِ في قُلُوبِ السّامِعِينَ لِكَوْنِ الكَثِيرِ مِنهم بِمِظَنَّةِ التَّهاوُنِ في الحَيْطَةِ مِنهُ حَتّى وقَعُوا فِيما وقَعُوا يَوْمَ أُحُدٍ. فَفِيهِ وعِيدٌ عَلى تَجَدُّدِ مِثْلِهِ، وزِيدَ المَقْصُودُ اهْتِمامًا بِأنْ وُصِفَ المَقْتُ بِأنَّهُ عِنْدَ اللَّهِ، أيْ مَقْتٌ لا تَسامُحَ فِيهِ.

صفحة ١٧٦

وعَدَلَ عَنْ جَعْلِ فاعِلِ (كَبُرَ) ضَمِيرَ القَوْلِ بِأنْ يَقْتَصِرَ عَلى ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ﴾ أوْ يُقالُ: كَبُرَ ذَلِكَ مَقْتًا، لِقَصْدِ زِيادَةِ التَّهْوِيلِ بِإعادِةِ لَفْظِهِ، ولِإفادَةِ التَّأْكِيدِ.

و(ما) في قَوْلِهِ (ما لا تَفْعَلُونَ) في المَوْضِعَيْنِ مَوْصُولَةٌ، وهي بِمَعْنى لامِ العَهْدِ، أيِ الفِعْلُ الَّذِي وعَدْتُمْ أنْ تَفْعَلُوهُ وهو أحَبُّ الأعْمالِ إلى اللَّهِ أوِ الجِهادُ. فاقْتَضَتِ الآيَةُ أنَّ الوَعْدَ في مِثْلِ هَذا يَجِبُ الوَفاءُ بِهِ لِأنَّ المَوْعُودَ بِهَ طاعَةٌ فالوَعْدُ بِهِ مِن قَبِيلِ النَّذْرِ المَقْصُودِ مِنهُ القِرْبَةُ فَيَجِبُ الوَفاءُ بِهِ.

61:4Страница 551

إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلَّذِينَ يُقَٰتِلُونَ فِي سَبِيلِهِۦ صَفّٗا كَأَنَّهُم بُنۡيَٰنٞ مَّرۡصُوصٞ ٤

Воистину, Аллах любит тех, которые сражаются на Его пути рядами, словно они - прочное строение.

﴿إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقاتِلُونَ في سَبِيلِهِ صَفًّا كَأنَّهم بُنْيانٌ مَرْصُوصٌ﴾ .

هَذا جَوابٌ عَلى تَمَنِّيهِمْ مَعْرِفَةَ أحَبِّ الأعْمالِ إلى اللَّهِ كَما في حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ المُتَقَدِّمِ وما قَبْلُهُ تَوْطِئَةٌ لَهُ عَلى أُسْلُوبِ الخُطَبِ ومُقَدِّماتِها.

والصَّفُّ: عَدَدٌ مِن أشْياءَ مُتَجانِبَةٍ مُنْتَظِمَةِ الأماكِنَ، فَيُطْلَقُ عَلى صَفِّ المُصَلِّينَ، وصَفِّ المَلائِكَةِ، وصَفِّ الجَيْشِ في مَيْدانِ القِتالِ بِالجَيْشِ إذا حَضَرَ القِتالُ كانَ صَفًّا مِن رَجّالَةٍ أوْ فُرْسانٍ ثُمَّ يَقَعُ تَقَدُّمُ بَعْضِهِمْ إلى بَعْضٍ فُرادى أوْ زَرافاتٍ.

فالصَّفُّ هُنا: كِنايَةٌ عَنْ الِانْتِظامِ والمُقاتَلَةِ عَنْ تَدَبُّرِ.

وأمّا حَرَكاتُ القِتالِ فَتَعْرِضُ بِحَسَبِ مَصالِحِ الحَرْبِ في اجْتِماعٍ وتَفَرُّقٍ وكَرٍّ وفَرٍّ. وانْتَصَبَ (صَفًّا) عَلى الحالِ بِتَأْوِيلِ: صافِّينَ، أوْ مَصْفُوفِينَ.

والمَرْصُوصُ: المُتَلاصِقُ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ. والتَّشْبِيهُ في الثَّباتِ وعَدَمِ الِانْفِلاتِ وهو الَّذِي اقْتَضاهُ التَّوْبِيخُ السّابِقُ في قَوْلِهِ ﴿لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: ٢] .

61:5Страница 551

وَإِذۡ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوۡمِهِۦ يَٰقَوۡمِ لِمَ تُؤۡذُونَنِي وَقَد تَّعۡلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ ٱللَّهِ إِلَيۡكُمۡۖ فَلَمَّا زَاغُوٓاْ أَزَاغَ ٱللَّهُ قُلُوبَهُمۡۚ وَٱللَّهُ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلۡفَٰسِقِينَ ٥

Вот сказал Муса (Моисей) своему народу: «О мой народ! Почему вы причиняете мне страдания, зная, что я послан к вам Аллахом?». Когда же они уклонились, Аллах совратил их сердца. Аллах не ведет прямым путем людей нечестивых.

﴿وإذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي وقَدْ تَعْلَمُونَ أنِّي رَسُولُ اللَّهِ إلَيْكم فَلَمّا زاغُوا أزاغَ اللَّهُ قُلُوبَهم واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الفاسِقِينَ﴾ .

صفحة ١٧٧

مَوْقِعُ هَذِهِ الآيَةِ هُنا خَفِيُّ المُناسِبَةِ. فَيَجُوزُ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ مُعْتَرِضَةً اسْتِئْنافًا ابْتِدائِيًّا انْتُقِلَ بِهِ مِنَ النَّهْيِ عَنْ عَدَمِ الوَفاءِ بِما وعَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ إلى التَّعْرِيضِ بِقَوِمٍ آذَوُا النَّبِيءَ ﷺ بِالقَوْلِ أوْ بِالعِصْيانِ أوْ نَحْوِ ذَلِكَ، فَيَكُونُ الكَلامُ مُوَجَّهًا إلى المُنافِقِينَ، فَقَدْ وُسِمُوا بِأذى الرَّسُولِ ﷺ قَوْلُهُ تَعالى ﴿إنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ في الدُّنْيا والآخِرَةِ﴾ [الأحزاب: ٥٧] الآيَةَ. وقَوْلُهُ تَعالى ﴿والَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ [التوبة: ٦١] وقَوْلُهُ ”ومِنهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيءَ ويَقُولُونَ هو أُذُنٌ“ .

وعَلى هَذا الوَجْهِ فَهو اقْتِضابٌ نُقِلَ بِهِ الكَلامُ مِنَ الغَرَضِ الَّذِي قَبْلَهُ لِتَمامِهِ إلى هَذا الغَرَضِ، أوْ تَكُونُ مُناسِبَةُ وقْعِهِ في هَذا المَوْقِعِ حُدُوثَ سَبَبٍ اقْتَضى نُزُولَهُ مِن أذًى قَدْ حَدَثَ لَمْ يَطَّلِعْ عَلَيْهِ المُفَسِّرُونَ ورُواةُ الأخْبارِ وأسْبابِ النُّزُولِ.

والواوُ عَلى هَذا الوَجْهِ عَطْفُ غَرَضٍ عَلى غَرَضٍ. وهو المُسَمّى بِعَطْفِ قِصَّةٍ عَلى قِصَّةٍ.

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِن تَتِمَّةِ الكَلامِ الَّذِي قَبْلَها ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلْمُسْلِمِينَ لِتَحْذِيرِهِمْ مِن إتْيانِ ما يُؤْذِي رَسُولَهُ ﷺ ويَسُوءُهُ مِنَ الخُرُوجِ عَنْ جادَّةِ الكَمالِ الدِّينِيِّ مِثْلِ عَدَمِ الوَفاءِ بِوَعْدِهِمْ في الإتْيانِ بِأحَبِّ الأعْمالِ إلى اللَّهِ تَعالى. وأشْفَقَهم مِن أنْ يَكُونَ ذَلِكَ سَبَبًا لِلزَّيْغِ والضَّلالِ كَما حَدَثَ لِقَوْمِ مُوسى لَمّا آذَوْهُ.

وعَلى هَذا الوَجْهِ فالمُرادُ بِأذى قَوْمِ مُوسى إيّاهُ: عَدَمُ تَوَخِّي طاعَتِهِ ورِضاهُ، فَيَكُونُ ذَلِكَ مُشِيرًا إلى ما حَكاهُ اللَّهُ عَنْهُ مِن قَوْلِهِ ﴿يا قَوْمِ ادْخُلُوا الأرْضَ المُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكم ولا تَرْتَدُّوا عَلى أدْبارِكم فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِينَ﴾ [المائدة: ٢١]، إلى قَوْلِهِ ﴿قالُوا يا مُوسى إنّا لَنْ نَدْخُلَها أبَدًا ما دامُوا فِيها فاذْهَبْ أنْتَ ورَبُّكَ فَقاتِلا إنّا هاهُنا قاعِدُونَ﴾ [المائدة: ٢٤] . فَإنَّ قَوْلَهم ذَلِكَ اسْتِخْفافٌ يَدُلُّ لِذَلِكَ قَوْلُهُ عَقِبَهُ ﴿قالَ رَبِّ إنِّي لا أمْلِكُ إلّا نَفْسِي وأخِي فافْرُقْ بَيْنَنا وبَيْنَ القَوْمِ الفاسِقِينَ﴾ [المائدة: ٢٥] .

وقَدْ يَكُونُ وصْفُهم في هَذِهِ الآيَةِ بِقَوْلِهِ ﴿واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الفاسِقِينَ﴾ ناظِرًا إلى وصْفِهِمْ بِذَلِكَ مَرَّتَيْنِ في آيَةِ سُورَةِ العُقُودِ في قَوْلِهِ ﴿فافْرُقْ بَيْنَنا وبَيْنَ القَوْمِ الفاسِقِينَ﴾ [المائدة: ٢٥] وقَوْلِهِ ﴿فَلا تَأْسَ عَلى القَوْمِ الفاسِقِينَ﴾ [المائدة: ٢٦] .

صفحة ١٧٨

فَيَكُونُ المَقْصُودُ الأهَمُّ مِنَ القِصَّةِ هو ما تَفَرَّعَ عَلى ذِكْرِها مِن قَوْلِهِ ﴿فَلَمّا زاغُوا أزاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ . ويُناسِبُ أنْ تَكُونَ هَذِهِ الآيَةُ تَحْذِيرًا مِن مُخالَفَةِ أمْرِ الرَّسُولِ ﷺ وعِبْرَةً بِما عَرَضَ لَهم مِنَ الهَزِيمَةِ يَوْمَ أُحُدٍ لَمّا خالَفُوا أمْرَهُ مِن عَدَمِ ثَباتِ الرُّماةِ في مَكانِهِمْ.

وقَدْ تَشابَهَتِ القِصَّتانِ في أنَّ القَوْمَ فَرُّوا يَوْمَ أُحُدٍ كَما فَرَّ قَوْمُ مُوسى يَوْمَ أرِيحا، وفي أنَّ الرُّماةَ الَّذِينَ أمَرَهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أنْ لا يَبْرَحُوا مَكانَهم («ولَوْ تَخَطَّفَنا الطَّيْرُ» ) وأنْ يَنْضَحُوا عَنِ الجَيْشِ بِالنِّبالِ خَشْيَةَ أنْ يَأْتِيَهُ العَدُوُّ مِن خَلْفِهِ لَمْ يَفْعَلُوا ما أمَرَهم بِهِ وعَصَوْا أمْرَ أمِيرِهِمْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جُبَيْرٍ وفارَقُوا مَوْقِفَهم طَلَبًا لِلْغَنِيمَةِ فَكانَ ذَلِكَ سَبَبَ هَزِيمَةِ المُسْلِمِينَ يَوْمَ أُحُدٍ.

والواوُ عَلى هَذا الوَجْهِ عَطْفُ تَحْذِيرٍ مَأْخُوذٌ مِن قَوْلِهِ ﴿فَلَمّا زاغُوا أزاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ عَلى النَّهْيِ الَّذِي في قَوْلِهِ ﴿لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: ٢] الآيَةَ.

ويَتْبَعُ ذَلِكَ تَسْلِيَةُ الرَّسُولِ ﷺ عَلى ما حَصَلَ مِن مُخالَفَةِ الرُّماةِ حَتّى تَسَبَّبُوا في هَزِيمَةِ النّاسِ.

و(إذْ) مُتَعَلِّقَةٌ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: اذْكُرْ، ولَهُ نَظائِرُ كَثِيرَةٌ في القُرْآنِ، أيِ اذْكُرْ لَهم أيْضًا وقْتَ قَوْلِ مُوسى لِقَوْمِهِ أوِ اذْكُرْ لَهم مَعَ هَذا النَّهْيِ وقْتَ قَوْلِ مُوسى لِقَوْمِهِ.

وابْتِداءُ كَلامِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِـ (يا قَوْمِ) تَعْرِيضٌ بِأنَّ شَأْنَ قَوْمِ الرَّسُولِ أنْ يُطِيعُوهُ بَلْهَ أنْ لا يُؤْذُوهُ. فَفي النِّداءِ بِوَصْفِ (قَوْمِ) تَمْهِيدٌ لِلْإنْكارِ في قَوْلِهِ لِمَ تُؤْذُونَنِي.

والِاسْتِفْهامُ لِلْإنْكارِ، أيْ إنْكارِ أنْ يَكُونَ لِلْإذايَةِ سَبَبٌ كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: ٢] .

وقَدْ جاءَتْ جُمْلَةُ الحالِ مِن قَوْلِهِ ﴿وقَدْ تَعْلَمُونَ أنِّي رَسُولُ اللَّهِ﴾ مُصادِفَةَ المَحَلِّ مِنَ التَّرَقِّي في الإنْكارِ.

و(مِن) لِتَحْقِيقِ مَعْنى الحالِيَّةِ، أيْ وعِلْمُكم بِرِسالَتِي عَنِ اللَّهِ أمْرٌ مُحَقَّقٌ لِما

صفحة ١٧٩

شاهَدُوهُ مِن دَلائِلِ رِسالَتِهِ، وكَما أُكِّدَ عِلْمُهم بِـ (قَدْ) أُكِّدَ حُصُولُ المَعْلُومِ بِـ (أنَّ) المَفْتُوحَةِ، فَحَصَلَ تَأْكِيدانِ لِلرِّسالِةِ. والمَعْنى: فَكَيْفَ لا يَجْرِي أمْرُكم عَلى وفْقِ هَذا العِلْمِ.

والإتْيانُ بَعْدَ (قَدْ) بِالمُضارِعِ هُنا لِلدِّلالَةِ عَلى أنَّ عِلْمَهم بِذَلِكَ مُجَدَّدٌ بِتَجَدُّدِ الآياتِ والوَحْيِ، وذَلِكَ أجْدى بِدَوامِ امْتِثالِهِ لِأنَّهُ لَوْ جِيءَ بِفِعْلِ المُضِيَّ لَمّا دَلَّ عَلى أكْثَرِ مِن حُصُولِ ذَلِكَ العِلْمِ فِيما مَضى. ولَعَلَّهُ قَدْ طَرَأ عَلَيْهِ ما يُبْطِلُهُ، وهَذا كالمُضارِعِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ المُعَوِّقِينَ مِنكُمْ﴾ [الأحزاب: ١٨] في سُورَةِ الأحْزابِ.

والزَّيْغُ: المَيْلُ عَنِ الحَقِّ، أيْ لَمّا خالَفُوا ما أمَرَهم رَسُولُهم جَعَلَ اللَّهُ في قُلُوبِهِمْ زَيْغًا، أيْ تَمَكَّنَ الزَّيْغُ مِن نُفُوسِهِمْ فَلَمْ يَنْفَكُّوا عَنِ الضَّلالِ.

وجُمْلَةُ ﴿واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الفاسِقِينَ﴾ تَذْيِيلٌ، أيْ وهَذِهِ سُنَّةُ اللَّهِ في النّاسِ فَكانَ قَوْمُ مُوسى الَّذِينَ آذَوْهُ مِن أهْلِ ذَلِكَ العُمُومِ.

وذُكِرَ وصْفُ (الفاسِقِينَ) جارِيًا عَلى لَفْظِ (القَوْمِ) لِلْإيماءِ إلى الفُسُوقِ الَّذِي دَخَلَ في مُقَوِّماتِ قَوْمِيَّتِهِمْ. كَما تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنَّ في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [البقرة: ١٦٤] إلى قَوْلِهِ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ في البَقَرَةِ.

فالمَعْنى: الَّذِينَ كانَ الفُسُوقُ عَنِ الحَقِّ سَجِيَّةً لَهم لا يَلْطُفُ اللَّهُ بِهِمْ ولا يَعْتَنِي بِهِمْ عِنايَةً خاصَّةً تَسُوقُهم إلى الهُدى، وإنَّما هو طَوْعُ الأسْبابِ والمُناسَباتِ.

Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии

Содержание

Аят аль-Курси36Аль-Кахфстр. 42джуз 15Бухари 1Муслим 2999

Вид

Тема
Размер текста
Вид

Read in English