Ибн Ашур · Тафсир · на арабском
Аль-Араф 7:163–166
7:163Страница 171
وَسۡـَٔلۡهُمۡ عَنِ ٱلۡقَرۡيَةِ ٱلَّتِي كَانَتۡ حَاضِرَةَ ٱلۡبَحۡرِ إِذۡ يَعۡدُونَ فِي ٱلسَّبۡتِ إِذۡ تَأۡتِيهِمۡ حِيتَانُهُمۡ يَوۡمَ سَبۡتِهِمۡ شُرَّعٗا وَيَوۡمَ لَا يَسۡبِتُونَ لَا تَأۡتِيهِمۡۚ كَذَٰلِكَ نَبۡلُوهُم بِمَا كَانُواْ يَفۡسُقُونَ ١٦٣
Спроси их о селении на берегу моря. Они нарушили субботу, поскольку рыбы приплывали к ним открыто по субботам и не приплывали в не субботние дни. Так Мы подвергли их испытанию за то, что они отказались повиноваться.
﴿واسْألْهم عَنِ القَرْيَةِ الَّتِي كانَتْ حاضِرَةَ البَحْرِ إذْ يَعْدُونَ في السَّبْتِ إذْ تَأْتِيهِمْ حِيتانُهم يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا ويَوْمَ لا يِسْبِتُونَ لا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهم بِما كانُوا يَفْسُقُونَ﴾
غُيِّرَ أُسْلُوبُ الخَبَرِ عَنْ بَنِي إسْرائِيلَ هُنا: فابْتُدِئَ ذِكْرُ هَذِهِ القِصَّةِ بِطَلَبِ أنْ يَسْألَ سائِلٌ بَنِي إسْرائِيلَ الحاضِرِينَ عَنْها، فَنَعْلَمُ مِن ذَلِكَ أنَّ لِهَذِهِ القَصَصِ الآتِيَةِ شَأْنًا غَيْرَ شَأْنِ القِصَصِ الماضِيَةِ، ولا أحْسَبُ ذَلِكَ إلّا مِن أجْلِ أنَّ هَذِهِ القِصَّةَ لَيْسَتْ مِمّا كُتِبَ في تَوْراةِ اليَهُودِ ولا في كُتُبِ أنْبِيائِهِمْ، ولَكِنَّها مِمّا كانَ مَرْوِيًّا عَنْ أحْبارِهِمْ، ولِذَلِكَ افْتُتِحَتْ بِالأمْرِ بِسُؤالِهِمْ عَنْها، لِإشْعارِ يَهُودِ العَصْرِ النَّبَوِيِّ بِأنَّ اللَّهَ أطْلَعَ نَبِيَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - عَلَيْها، وهم كانُوا يَكْتُمُونَها، وذَلِكَ أنَّ الحَوادِثَ الَّتِي تَكُونُ مَواعِظَ لِلْأُمَّةِ فِيما
صفحة ١٤٧
اجْتَرَحَتْهُ مِنَ المُخالَفاتِ والمَعاصِي تُبْقِي لَها عَقِبَ المَوْعِظَةِ أثَرًا قَدْ تُعَيَّرُ الأُمَّةُ بِهِ، ولَكِنَّ ذَلِكَ التَّعْبِيرَ لا يُؤْبَهُ بِهِ في جانِبِ ما يَحْصُلُ مِنَ النَّفْعِ لَها بِالمَوْعِظَةِ، فالأُمَّةُ في خُوَيِّصَّتِها لا يَهْتَمُّ قادَتُها ونُصَحاؤُها إلّا بِإصْلاحِ الحالِ، وإنْ كانَ في ذِكْرِ بَعْضِ تِلْكَ الأحْوالِ غَضاضَةٌ عِنْدَها وامْتِعاضٌ، فَإذا جاءَ حُكْمُ التّارِيخِ العامِّ بَيْنَ الأُمَمِ تَناوَلَتِ الأُمَمُ أحْوالَ تِلْكَ الأُمَّةِ بِالحُكْمِ لَها وعَلَيْها، فَبَقِيَتْ حَوادِثُ فَلَتاتِها مَغْمَزًا عَلَيْها ومَعَرَّةً تُعَيَّرُ بِها. وكَذَلِكَ كانَ شَأْنُ اليَهُودِ لَمّا أضاعُوا مُلْكَهم ووَطَنَهم وجاوَرُوا أُمَمًا أُخْرى فَأصْبَحُوا يَكْتُمُونَ عَنْ أُولَئِكَ الجِيرَةِ مَساوِئَ تارِيخِهِمْ، حَتّى أرْسَلَ اللَّهُ مُحَمَّدًا ﷺ فَعَلَّمَهُ مِن أحْوالِهِمْ ما فِيهِ مُعْجِزَةٌ لِأسْلافِهِمْ، وما بَقِيَ مَعَرَّةً لِأخْلافِهِمْ، وذَلِكَ تَحَدٍّ لَهم، ووَخْزٌ عَلى سُوءِ تَلَقِّيهِمُ الدَّعْوَةَ المُحَمَّدِيَّةَ بِالمَكْرِ والحَسَدِ.
فالسُّؤالُ هُنا في مَعْنى التَّقْرِيرِ لِتَقْرِيعِ بَنِي إسْرائِيلَ وتَوْبِيخِهِمْ وعَدِّ سَوابِقِ عِصْيانِهِمْ، أيْ لَيْسَ عِصْيانُهم إيّاكَ بِبِدْعٍ، فَإنَّ ذَلِكَ شِنْشِنَةٌ قَدِيمَةٌ فِيهِمْ، ولَيْسَ سُؤالَ الِاسْتِفادَةِ لِأنَّ الرَّسُولَ ﷺ قَدْ أُعْلِمَ بِذَلِكَ مِن جانِبِ رَبِّهِ - تَعالى - . وهو نَظِيرُ هَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ التَّقْرِيرِيِّ فَوِزانُ (﴿واسْألْهم عَنِ القَرْيَةِ﴾) وزِانُ: أعَدَوْتُمْ في السَّبْتِ، فَإنَّ السُّؤالَ في كَلامِ العَرَبِ عَلى نَوْعَيْنِ أشْهَرُهُما أنْ يَسْألَ السّائِلُ عَمّا لا يَعْلَمُهُ لِيَعْلَمَهُ، والآخَرُ أنْ يَسْألَ عَلى وجْهِ التَّقْرِيرِ حِينَ يَكُونُ السّائِلُ يَعْلَمُ حُصُولَ المَسْئُولِ عَنْهُ، ويَعْلَمُ المَسْئُولُ أنَّ السّائِلَ عالِمٌ وأنَّهُ إنَّما سَألَهُ لِيُقَرِّرَهُ.
وجُمْلَةُ (واسْألْهم) عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿وإذْ قِيلَ لَهُمُ اسْكُنُوا هَذِهِ القَرْيَةَ﴾ [الأعراف: ١٦١] واقِعَةٌ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ قَصَصِ الِامْتِنانِ وقَصَصِ الِانْتِقامِ الآتِيَةِ في قَوْلِهِ وقَطَّعْناهم، ومُناسَبَةُ الِانْتِقالِ إلى هَذِهِ القِصَّةِ أنَّ في كِلْتا القِصَّتَيْنِ حَدِيثًا يَتَعَلَّقُ بِأهْلِ قَرْيَةٍ مِن قُرى بَنِي إسْرائِيلَ.
وتَقَدَّمَ ذِكْرُ القَرْيَةِ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى - ﴿ولَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنكم في السَّبْتِ﴾ [البقرة: ٦٥] الآيَةَ مِن سُورَةِ البَقَرَةِ.
وهَذِهِ القَرْيَةُ قِيلَ (أيْلَةُ) وهي المُسَمّاةُ اليَوْمَ (العَقَبَةَ) وهي مَدِينَةٌ عَلى ساحِلِ البَحْرِ الأحْمَرِ قُرْبَ شِبْهِ جَزِيرَةِ طُورِ سِينا، وهي مَبْدَأُ أرْضِ الشّامِ مِن جِهَةِ مِصْرَ، وكانَتْ مِن مَمْلَكَةِ إسْرائِيلَ في زَمانِ داوُدَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، ووُصِفَتْ بِأنَّها حاضِرَةُ البَحْرِ بِمَعْنى الِاتِّصالِ بِالبَحْرِ والقُرْبِ مِنهُ؛ لِأنَّ الحُضُورَ يَسْتَلْزِمُ القُرْبَ، وكانَتْ (أيْلَةُ) مُتَّصِلَةً بِخَلِيجٍ مِنَ البَحْرِ الأحْمَرِ وهو القُلْزُمُ.
صفحة ١٤٨
وقِيلَ هي (طَبَرِيَّةُ) وكانَتْ طَبَرِيَّةُ تُدْعى بُحَيْرَةَ طَبَرِيَّةَ، وقَدْ قالَ المُفَسِّرُونَ: أنَّ هَذِهِ القِصَّةَ الَّتِي أُشِيرَ إلَيْها في هَذِهِ الآيَةِ كانَتْ في مُدَّةِ داوُدَ.
وأُطْلِقَتِ القَرْيَةُ عَلى أهْلِها بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ إذْ يَعْدُونَ أيْ أهْلُها.
والمُرادُ السُّؤالُ عَنِ اعْتِدائِهِمْ في السَّبْتِ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ ﴿إذْ يَعْدُونَ في السَّبْتِ﴾ إلَخْ فَقَوْلُهُ ﴿إذْ يَعْدُونَ في السَّبْتِ﴾ بَدَلُ اشْتِمالٍ مِنَ القَرْيَةِ وهو المَقْصُودُ بِالحُكْمِ، فَتَقْدِيرُ الكَلامِ: واسْألْهم إذْ يَعْدُو أهْلُ القَرْيَةِ في السَّبْتِ. و(إذْ) فِيهِ اسْمُ زَمانٍ لِلْماضِي، ولَيْسَتْ ظَرْفًا.
والعُدْوانُ الظُّلْمُ ومُخالَفَةُ الحَقِّ، وهو مُشْتَقٌّ مِنَ العَدْوِ بِسُكُونِ الدّالِ وهو التَّجاوُزُ.
والسَّبْتُ عَلَمٌ لِلْيَوْمِ الواقِعِ بَعْدَ يَوْمِ الجُمُعَةِ، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى - ﴿وقُلْنا لَهم لا تَعْدُوا في السَّبْتِ﴾ [النساء: ١٥٤] في سُورَةِ النِّساءِ.
واخْتِيارُ صِيغَةِ المُضارِعِ لِلدَّلالَةِ عَلى تَكَرُّرِ ذَلِكَ مِنهم.
وتَعْدِيَةُ فِعْلِ يَعْدُونَ إلى في السَّبْتِ مُؤْذِنٌ بِأنَّ العُدْوانَ لِأجْلِ يَوْمِ السَّبْتِ، نَظَرًا إلى ما دَلَّتْ عَلَيْهِ صِيغَةُ المُضارِعِ مِنَ التَّكْرِيرِ المُقْتَضِي أنَّ عُدْوانَهم يَتَكَرَّرُ في كُلِّ سَبْتٍ، ونَظَرًا إلى أنَّ ذِكْرَ وقْتِ العُدْوانِ لا يَتَعَلَّقُ بِهِ غَرَضُ البَلِيغِ ما لَمْ يَكُنْ لِذَلِكَ الوَقْتِ مَزِيدُ اخْتِصاصٍ بِالفِعْلِ فَيُعْلَمُ أنَّ الِاعْتِداءَ كانَ مَنُوطًا بِحَقٍّ خاصٍّ بِيَوْمِ السَّبْتِ، وذَلِكَ هو حَقُّ عَدَمِ العَمَلِ فِيهِ، إذْ لَيْسَ لِيَوْمِ السَّبْتِ حَقٌّ في شَرِيعَةِ مُوسى سِوى أنَّهُ يُحَرَّمُ العَمَلُ فِيهِ، وهَذا العَمَلُ هو الصَّيْدُ كَما تَدُلُّ عَلَيْهِ بَقِيَّةُ القِصَّةِ.
وهَدَفُ (في) لِلظَّرْفِيَّةِ لِأنَّ العُدْوانَ وقَعَ في شَأْنِ نَقْضِ حُرْمَةِ السَّبْتِ.
وقَوْلُهُ ﴿إذْ تَأْتِيهِمْ حِيتانُهُمْ﴾ ظَرْفٌ لِـ يَعْدُونَ أيْ يَعْدُونَ حِينَ تَأْتِيهِمْ حِيتانُهم.
والحِيتانُ جَمْعُ حُوتٍ، وهو السَّمَكَةُ، ويُطْلَقُ الحُوتُ عَلى الجَمْعِ فَهو مِمّا اسْتَوى فِيهِ المُفْرَدُ والجَمْعُ مِثْلُ فُلْكٍ، وأكْثَرُ ما يُطْلَقُ الحُوتُ عَلى الواحِدِ، والجَمْعُ حِيتانُ.
وقَوْلُهُ شُرَّعًا وهو جَمْعُ شارِعٍ، صِفَةٌ لِلْحُوتِ الَّذِي هو المُفْرَدُ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أيْ ظاهِرَةً عَلى الماءِ، يَعْنِي أنَّها قَرِيبَةٌ مِن سَطْحِ البَحْرِ آمِنَةً مِن أنْ تُصادَ، أيْ أنَّ اللَّهَ ألْهَمَها ذَلِكَ لِتَكُونَ آيَةً لِبَنِي إسْرائِيلَ عَلى أنَّ احْتِرامَ السَّبْتِ مِنَ العَمَلِ فِيهِ هو مِن أمْرِ اللَّهِ، وقالَ الضَّحّاكُ: شُرَّعًا مُتَتابِعَةً مُصْطَفَّةً، أيْ فَهو كِنايَةٌ عَنْ كَثْرَةِ ما يَرِدُ مِنها يَوْمَ السَّبْتِ.
صفحة ١٤٩
وأحْسَبُ أنَّ ذَلِكَ وصْفٌ مِن شَرَعَتِ الإبِلُ نَحْوَ الماءِ أيْ: دَخَلَتْ لِتَشْرَبَ، وهي إذا شَرَعَها الرُّعاةُ تَسابَقَتْ إلى الماءِ فاكْتَظَّتْ وتَراكَمَتْ ورُبَّما دَخَلَتْ فِيهِ، فَمُثِّلَتْ هَيْئَةُ الحِيتانِ، في كَثْرَتِها في الماءِ بِالنَّعَمِ الشّارِعَةِ إلى الماءِ وحَسَّنَ ذَلِكَ وُجُودُ الماءِ في الحالَتَيْنِ وهَذا أحْسَنُ تَفْسِيرًا.
والمَعْنى: أنَّهم يَعْدُونَ في السَّبْتِ ولَمْ يَمْتَثِلُوا أمْرَ اللَّهِ بِتَرْكِ العَمَلِ فِيهِ، ولا اتَّعَظُوا بِآيَةِ إلْهامِ الحُوتِ أنْ يَكُونَ آمِنًا فِيهِ.
وقَوْلُهُ ﴿يَوْمَ سَبْتِهِمْ﴾ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ لَفْظُ سَبْتٍ مَصْدَرَ (سَبَتَ) إذا قُطِعَ العَمَلُ بِقَرِينَةِ ظاهِرِ قَوْلِهِ ﴿ويَوْمَ لا يَسْبِتُونَ﴾ فَإنَّهُ مُضارِعُ سَبَتَ، فَيَتَطابَقُ المُثْبَتُ والمَنفِيُّ فَيَكُونُ المَعْنى: إنَّهم إذا حَفِظُوا حُرْمَةَ السَّبْتِ، فَأمْسَكُوا عَنِ الصَّيْدِ في يَوْمِ السَّبْتِ، جاءَتِ الحِيتانُ يَوْمَئِذٍ شُرَّعًا آمِنَةً، وإذا بَعَثَهُمُ الطَّمَعُ في وفْرَةِ الصَّيْدِ فَأعَدُّوا لَهُ، آلاتِهِ وعَزَمُوا عَلى الصَّيْدِ لَمْ تَأْتِهِمْ.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ لَفْظُ سَبْتِهِمْ بِمَعْنى الِاسْمِ العَلَمِ لِلْيَوْمِ المَعْرُوفِ بِهَذا الِاسْمِ مِن أيّامِ الأُسْبُوعِ، وإضافَتُهُ إلى ضَمِيرِهِمِ اخْتِصاصُهُ بِهِمْ بِما أنَّهم يَهُودُ، تَعْرِيضًا بِهِمْ لِاسْتِحْلالِهِمْ حُرْمَةَ السَّبْتِ فَإنَّ الِاسْمَ العَلَمَ قَدْ يُضافُ بِهَذا القَصْدِ، كَقَوْلِ أحَدِ الطّائِيِّنَ:
عَلا زَيْدُنا يَوْمَ النَّقا رَأْسَ زَيْدِكم بِأبْيَضَ ماضِي الشَّفْرَتَيْنِ يِمانِ
وقَوْلِ رَبِيعَةَ بْنِ ثابِتٍ الأسَدِيِّ.
لَشَتّانَ ما بَيْنَ اليَزِيدَيْنِ في النَّدى ∗∗∗ يَزِيدِ سُلَيْمٍ والأغَرِّ ابْنِ حَـاتِـمٍ
وعَلى الوَجْهَيْنِ يَجُوزُ في قَوْلِهِ ﴿ويَوْمَ لا يَسْبِتُونَ﴾ أنْ يَكُونَ المَعْنى والأيّامَ الَّتِي لا يَحْرُمُ العَمَلُ فِيها، أيْ أيّامَ الأُسْبُوعِ، لا تَأْتِي فِيها الحِيتانُ، وأنْ يَكُونَ المَعْنى وأيّامَ السُّبُوتِ الَّتِي اسْتَحَلُّوها فَلَمْ يَكُفُّوا عَنِ الصَّيْدِ فِيها يَنْقَطِعُ فِيها إتْيانُ الحِيتانِ، ولا يَخْفى أنْ لا يُثارَ هَذا الأُسْلُوبُ في التَّعْبِيرِ عَنِ السَّبْتِ خُصُوصِيَّةٌ بَلاغِيَّةٌ، تَرْمِي إلى إرادَةِ كِلا المَعْنَيَيْنِ.
صفحة ١٥٠
فالمَقْصُودُ مِنَ الآيَةِ المَوْعِظَةُ والعِبْرَةُ ولَيْسَتْ مِنَّةً عَلَيْهِمْ، وقَرِينَتُهُ قَوْلُهُ - تَعالى - ﴿كَذَلِكَ نَبْلُوهم بِما كانُوا يَفْسُقُونَ﴾ أيْ نَمْتَحِنُ طاعَتَهم بِتَعْرِيضِهِمْ لِداعِي العِصْيانِ وهو وُجُودُ المُشْتَهى المَمْنُوعِ.
وجُمْلَةُ ﴿كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا لِجَوابِ سُؤالِ مَن يَقُولُ: ما فائِدَةُ هَذِهِ الآيَةِ مَعَ عِلْمِ اللَّهِ بِأنَّهم لا يَرْعَوُونَ عَنِ انْتِهاكِ حُرْمَةِ السَّبْتِ.
والإشارَةُ إلى البَلْوى الدّالِّ عَلَيْها نَبْلُوهم أيْ مِثْلَ هَذا الِابْتِلاءِ العَظِيمِ نَبْلُوهم وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ في نَظِيرِهِ مِن قَوْلِهِ - تَعالى - ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا﴾ [البقرة: ١٤٣] في سُورَةِ البَقَرَةِ.
وأصْلُ البَلْوى الِاخْتِبارُ والبَلْوى إذا أُسْنِدَتْ إلى اللَّهِ - تَعالى - كانَتْ مَجازًا عَقْلِيًّا أيْ لِيَبْلُوَ النّاسَ تَمَسُّكَهم بِشَرائِعِ دِينِهِمْ.
والباءُ لِلسَّبَبِيَّةِ و(ما) مَصْدَرِيَّةٌ، أيْ بِفِسْقِهِمْ، أيْ تَوَغُّلُهم في العِصْيانِ أضَرَّهم عَلى الزِّيادَةِ مِنهُ، فَإذا عَرَضَ لَهم داعِيهِ خَفُّوا إلَيْهِ ولَمْ يَرْقُبُوا أمْرَ اللَّهِ - تَعالى - .
7:164–166Страница 172
وَإِذۡ قَالَتۡ أُمَّةٞ مِّنۡهُمۡ لِمَ تَعِظُونَ قَوۡمًا ٱللَّهُ مُهۡلِكُهُمۡ أَوۡ مُعَذِّبُهُمۡ عَذَابٗا شَدِيدٗاۖ قَالُواْ مَعۡذِرَةً إِلَىٰ رَبِّكُمۡ وَلَعَلَّهُمۡ يَتَّقُونَ ١٦٤
Вот некоторые из них сказали: «Зачем вам увещевать людей, которых Аллах погубит или подвергнет тяжким мучениям?». Они сказали: «Чтобы оправдаться перед вашим Господом. Быть может, они устрашатся».
فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِۦٓ أَنجَيۡنَا ٱلَّذِينَ يَنۡهَوۡنَ عَنِ ٱلسُّوٓءِ وَأَخَذۡنَا ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ بِعَذَابِۭ بَـِٔيسِۭ بِمَا كَانُواْ يَفۡسُقُونَ ١٦٥
Когда они забыли о том, что им напоминали, Мы спасли тех, которые запрещали творить злодеяния, и подвергли ужасным мучениям беззаконников за то, что они поступали нечестиво.
فَلَمَّا عَتَوۡاْ عَن مَّا نُهُواْ عَنۡهُ قُلۡنَا لَهُمۡ كُونُواْ قِرَدَةً خَٰسِـِٔينَ ١٦٦
Когда они ослушались того, что им было запрещено, Мы сказали им: «Будьте обезьянами презренными!».
﴿وإذْ قالَتْ أُمَّةٌ مِنهم لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهم أوْ مُعَذِّبُهم عَذابًا شَدِيدًا قالُوا مَعْذِرَةٌ إلى رَبِّكم ولَعَلَّهم يَتَّقُونَ﴾ ﴿فَلَمّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ أنْجَيْنا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وأخَذْنا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذابٍ بَيِسٍ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ﴾ ﴿فَلَمّا عَتَوْا عَنْ ما نُهُوا عَنْهُ قُلْنا لَهم كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ﴾
جُمْلَةُ ﴿وإذْ قالَتْ أُمَّةٌ مِنهُمْ﴾ عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ ﴿إذْ يَعْدُونَ﴾ [الأعراف: ١٦٣] والتَّقْدِيرُ: واسْألْ بَنِي إسْرائِيلَ ﴿إذْ قالَتْ أُمَّةٌ مِنهُمْ﴾، فَإذْ فِيهِ اسْمُ زَمانٍ لِلْماضِي، ولَيْسَتْ ظَرْفًا، ولَها حُكْمُ (إذْ) أُخْتِها، المَعْطُوفَةِ هي عَلَيْها، فالتَّقْدِيرُ: واسْألْهم عَنْ وقْتِ قالَتْ أُمَّةٌ، أيْ عَنْ زَمَنِ قَوْلِ أُمَّةٍ مِنهم، والضَّمِيرُ المَجْرُورُ بِمِن عائِدٌ إلى ما عادَ إلَيْهِ ضَمِيرُ اسْألْهم ولَيْسَ عائِدًا إلى القَرْيَةِ؛ لِأنَّ المَقْصُودَ تَوْبِيخُ بَنِي إسْرائِيلَ كُلِّهِمْ، فَإنْ كانَ هَذا القَوْلُ حَصَلَ في تِلْكَ القَرْيَةِ كَما ذَكَرُوهُ المُفَسِّرُونَ كانَ غَيْرَ مَنظُورٍ إلى حُصُولِهِ في تِلْكَ القَرْيَةِ، بَلْ مَنظُورًا إلَيْهِ بِأنَّهُ مَظْهَرٌ آخَرُ مِن مَظاهِرِ عِصْيانِهِمْ وعُتُوِّهِمْ وقِلَّةِ جَدْوى المَوْعِظَةِ
صفحة ١٥١
فِيهِمْ، وأنَّ ذَلِكَ شَأْنٌ مَعْلُومٌ مِنهم عِنْدَ عُلَمائِهِمْ وصُلَحائِهِمْ، ولِذَلِكَ لَمّا عُطِفَتْ هَذِهِ القِصَّةُ أُعِيدَ مَعَها لَفْظُ اسْمِ الزَّمانِ فَقِيلَ ﴿وإذْ قالَتْ أُمَّةٌ﴾ ولَمْ يُقَلْ: وقالَتْ أُمَّةٌ.
والأُمَّةُ الجَماعَةُ مِنَ النّاسِ المُشْتَرِكَةُ في هَذا القَوْلِ، قالَ المُفَسِّرُونَ: أنَّ أُمَّةً مِن بَنِي إسْرائِيلَ كانَتْ دائِبَةً عَلى القِيامِ بِالمَوْعِظَةِ والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ، وأمَةً كانَتْ قامَتْ بِذَلِكَ ثُمَّ أيِسَتْ مِنَ اتِّعاظِ المَوْعُوظِينَ وأيْقَنَتْ أنْ قَدْ حَقَّتْ عَلى المَوْعُوظِينَ المُصِمِّينَ آذانَهم كَلِمَةُ العَذابِ، وأُمَّةً كانَتْ سادِرَةً في غُلَوائِها، لا تَرْعَوِي عَنْ ضَلالَتِها، ولا تَرْقُبُ اللَّهَ في أعْمالِها.
وقَدْ أجْمَلَتِ الآيَةُ ما كانَ مِنَ الأُمَّةِ القائِلَةِ إيجازًا في الكَلامِ، اعْتِمادًا عَلى القَرِينَةِ لِأنَّ قَوْلَهُمُ (﴿اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ﴾) يَدُلُّ عَلى أنَّهم كانُوا مُنْكِرِينَ عَلى المَوْعُوظِينَ. وأنَّهم ما عَلِمُوا أنَّ اللَّهَ مُهْلِكُهم إلّا بَعْدَ أنْ مارَسُوا أمْرَهم، وسَبَرُوا غَوْرَهم، ورَأوْا أنَّهم لا تُغْنِي مَعَهُمُ العِظاتُ، ولا يَكُونُ ذَلِكَ إلّا بَعْدَ التَّقَدُّمِ لَهم بِالمَوْعِظَةِ. وبِقَرِينَةِ قَوْلِهِ بَعْدَ ذَلِكَ ”﴿أنْجَيْنا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وأخَذْنا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذابٍ بَيِسٍ﴾“ إذْ جَعَلَ النّاسَ فَرِيقَيْنِ، فَعَلِمْنا أنَّ القائِلِينَ مِنَ الفَرِيقِ النّاجِي، لِأنَّهم لَيْسُوا بِظالِمِينَ. وعَلِمْنا أنَّهم يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ.
وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ الوَعْظِ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى - ﴿فَأعْرِضْ عَنْهم وعِظْهُمْ﴾ [النساء: ٦٣] في سُورَةِ النِّساءِ وعِنْدَ قَوْلِهِ آنِفًا ﴿مَوْعِظَةً وتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأعراف: ١٤٥] في هَذِهِ السُّورَةِ.
واللّامُ في (﴿لِمَ تَعِظُونَ﴾) لِلتَّعْلِيلِ، فالمُسْتَفْهَمُ عَنْهُ مِن نَوْعِ العِلَلِ، والِاسْتِفْهامُ إنْكارِيٌّ في مَعْنى النَّفْيِ، فَيَدُلُّ عَلى انْتِفاءِ جَمِيعِ العِلَلِ الَّتِي مِن شَأْنِها أنْ يُوعَظَ لِتَحْصِيلِها. وذَلِكَ يُفْضِي إلى اليَأْسِ مِن حُصُولِ اتِّعاظِهِمْ، والمُخاطَبُ بِـ تَعِظُونَ أُمَّةً أُخْرى.
ووَصْفُ القَوْمِ بِأنَّ اللَّهَ مُهْلِكُهم: مَبْنِيٌّ عَلى أنَّهم تَحَقَّقَتْ فِيهِمُ الحالُ الَّتِي أخْبَرَ اللَّهُ بِأنَّهُ يُهْلِكُ أوْ يُعَذِّبُ مَن تَحَقَّقَتْ فِيهِ، وقَدْ أيْقَنَ القائِلُونَ بِأنَّها قَدْ تَحَقَّقَتْ فِيهِمْ وأيْقَنَّ المَقُولُ لَهم بِذَلِكَ حَتّى جازَ أنْ يَصِفَهُمُ القائِلُونَ لِلْمُخاطَبِينَ بِهَذا الوَصْفِ الكاشِفِ لَهم بِأنَّهم مَوْصُوفُونَ بِالمَصِيرِ إلى أحَدِ الوَعِيدَيْنِ.
واسْما الفاعِلِ في قَوْلِهِ مُهْلِكُهم أوْ مُعَذِّبُهم مُسْتَعْمَلانِ في مَعْنى الِاسْتِقْبالِ بِقَرِينَةِ المَقامِ، وبِقَرِينَةِ التَّرَدُّدِ بَيْنَ الإهْلاكِ والعَذابِ، فَإنَّها تُؤْذِنُ بِأنَّ أحَدَ الأمْرَيْنِ غَيْرُ مُعَيَّنِ
صفحة ١٥٢
الحُصُولِ؛ لِأنَّهُ مُسْتَقْبَلٌ ولَكِنْ لا يَخْلُو حالُهم عَنْ أحَدِهِما.
وفُصِلَتْ جُمْلَةُ قالُوا لِوُقُوعِها في سِياقِ المُحاوَرَةِ، كَما تَقَدَّمَ غَيْرَ مَرَّةٍ أيْ قالَ المُخاطَبُونَ بِـ (﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا﴾) إلَخْ.
والمَعْذِرَةُ - بِفَتْحِ المِيمِ وكَسْرِ الذّالِ - مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ لِفِعْلِ (اعْتَذَرَ) عَلى غَيْرِ قِياسٍ، ومَعْنى اعْتَذَرَ أظْهَرَ العُذْرَ - بِضَمِّ العَيْنِ وسُكُونِ الذّالِ - والعُذْرُ السَّبَبُ الَّذِي تَبْطُلُ بِهِ المُؤاخَذَةُ بِذَنْبٍ أوْ تَقْصِيرٍ، فَهو بِمَنزِلَةِ الحُجَّةِ الَّتِي يُبْدِيها المُؤاخَذُ بِذَنْبٍ لِيُظْهِرَ أنَّهُ بَرِيءٌ مِمّا نُسِبَ إلَيْهِ، أوْ مُتَأوِّلٌ فِيهِ، ويُقالُ: عَذَرَهُ إذا قَبِلَ عُذْرَهُ وتَحَقَّقَ بَراءَتَهُ، ويُعَدّى فِعْلُ الِاعْتِذارِ بِإلى لِما فِيهِ مِن مَعْنى الإنْهاءِ والإبْلاغِ.
وارْتَفَعَ ”مَعْذِرَةٌ“ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُ السّائِلَيْنِ لِمَ تَعِظُونَ والتَّقْدِيرُ مَوْعِظَتُنا مَعْذِرَةٌ مِنّا إلى اللَّهِ.
وبِالرَّفْعِ قَرَأ الجُمْهُورُ، وقَرَأهُ حَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ بِالنَّصْبِ عَلى المَفْعُولِ لِأجْلِهِ أيْ وعَظْناهم لِأجْلِ المَعْذِرَةِ.
وقَوْلُهُ ولَعَلَّهم يَتَّقُونَ عِلَّةٌ ثانِيَةٌ لِلِاسْتِمْرارِ عَلى المَوْعِظَةِ أيْ لِتَأْثِيرِ المَوْعِظَةِ فِيهِمْ بِتَكْرارِها.
فالمَعْنى: أنَّ صُلَحاءَ القَوْمِ كانُوا فَرِيقَيْنِ، فَرِيقٌ مِنهم أيِسَ مِن نَجاحِ المَوْعِظَةِ وتَحَقَّقَ حُلُولَ الوَعِيدِ بِالقَوْمِ، لِتَوَغُّلِهِمْ في المَعاصِي، وفَرِيقٌ لَمْ يَنْقَطِعْ رَجاؤُهم مِن حُصُولِ أثَرِ المَوْعِظَةِ بِزِيادَةِ التَّكْرارِ، فَأنْكَرَ الفَرِيقُ الأوَّلُ عَلى الفَرِيقِ الثّانِي اسْتِمْرارَهم عَلى كُلْفَةِ المَوْعِظَةِ، واعْتَذَرَ الفَرِيقُ الثّانِي بِقَوْلِهِمْ ﴿مَعْذِرَةٌ إلى رَبِّكم ولَعَلَّهم يَتَّقُونَ﴾ فالفَرِيقُ الأوَّلُ أخَذُوا بِالطَّرَفِ الرّاجِحِ المُوجِبِ لِلظَّنِّ، والفَرِيقُ الثّانِي أخَذُوا بِالطَّرَفِ المَرْجُوحِ جَمْعًا بَيْنَهُ وبَيْنَ الرّاجِحِ لِقَصْدِ الِاحْتِياطِ، لِيَكُونَ لَهم عُذْرًا عِنْدَ اللَّهِ إنْ سَألَهم ”لِماذا أقْلَعْتُمْ عَنِ المَوْعِظَةِ ؟“ ولِما عَسى أنْ يَحْصُلَ مِن تَقْوى المَوْعُوظِينَ بِزِيادَةِ المَوْعِظَةِ. فاسْتِعْمالُ حَرْفِ الرَّجاءِ في مَوْقِعِهِ؛ لِأنَّ الرَّجاءَ يُقالُ عَلى جِنْسِهِ بِالتَّشْكِيكِ فَمِنهُ قَوِيٌّ ومِنهُ ضَعِيفٌ.
وضَمِيرُ نَسُوا عائِدٌ إلى (قَوْمًا) والنِّسْيانُ مُسْتَعْمَلٌ في الإعْراضِ المُفْضِي إلى النِّسْيانِ كَما تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى - ﴿فَلَمّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ﴾ [الأنعام: ٤٤] في سُورَةِ الأنْعامِ.
صفحة ١٥٣
و(الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ) هُمُ الفَرِيقانِ المَذْكُورانِ في قَوْلِهِ آنِفًا ﴿وإذْ قالَتْ أُمَّةٌ مِنهم لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا﴾ إلى قَوْلِهِ ولَعَلَّهم يَتَّقُونَ، و(﴿الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾) هُمُ القَوْمُ المَذْكُورُونَ في قَوْلِهِ (﴿قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ﴾) إلَخْ.
والظُّلْمُ هُنا بِمَعْنى العِصْيانِ، وهو ظُلْمُ النَّفْسِ وظُلْمُ حَقِّ اللَّهِ - تَعالى - في عَدَمِ الِامْتِثالِ لِأمْرِهِ.
و”بِيسٍ“ قَرَأهُ نافِعٌ وأبُو جَعْفَرٍ بِكَسْرِ الباءِ المُوَحَّدَةِ مُشْبَعَةً بِياءٍ تَحْتِيَّةٍ ساكِنَةٍ وبِتَنْوِينِ السِّينِ عَلى أنَّ أصْلَهُ (بِئْسَ) بِسُكُونِ الهَمْزَةِ فَخُفِّفَتِ الهَمْزَةُ ياءً مِثْلَ قَوْلِهِمْ ذِيبٌ في ذِئْبٍ.
وقَرَأهُ ابْنُ عامِرٍ ”بِئْسٍ“ بِالهَمْزَةِ السّاكِنَةِ وإبْقاءِ التَّنْوِينِ عَلى أنَّ أصْلَهُ (بَئِيسٍ) .
وقَرَأهُ الجُمْهُورُ (بَئِيسٍ) بِفَتْحِ المُوَحَّدَةِ وهَمْزَةٍ مَكْسُورَةٍ بَعْدَها تَحْتِيَّةٌ ساكِنَةٌ وتَنْوِينِ السِّينِ عَلى أنَّهُ مِثالُ مُبالَغَةٍ مِن فِعْلِ (بَؤُسَ) بِفَتْحِ المُوَحَّدَةِ وضَمِّ الهَمْزَةِ إذا أصابَهُ البُؤْسُ، وهو الشِّدَّةُ مِنَ الضُّرِّ. أوْ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ مِثْلُ عَذِيرٍ ونَكِيرٍ.
وقَرَأهُ أبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ ”بَيْئَسٍ“ بِوَزْنِ صَيْقَلٍ، عَلى أنَّهُ اسْمٌ لِلْمَوْصُوفِ بِفِعْلِ البُؤْسِ، والمَعْنى، عَلى جَمِيعِ القِراءاتِ: أنَّهُ عَذابٌ شَدِيدُ الضُّرِّ.
وقَوْلُهُ ﴿بِما كانُوا يَفْسُقُونَ﴾ تَقَدَّمَ القَوْلُ في نَظِيرِهِ قَرِيبًا.
وقَدْ أُجْمِلَ هَذا العَذابُ هُنا، فَقِيلَ هو عَذابٌ غَيْرُ المَسْخِ المَذْكُورِ بَعْدَهُ وهو عَذابٌ أُصِيبَ بِهِ الَّذِينَ نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ، فَيَكُونُ المَسْخُ عَذابًا ثانِيًا أُصِيبَ بِهِ فَرِيقٌ شاهَدُوا العَذابَ الَّذِي حَلَّ بِإخْوانِهِمْ، وهو عَذابٌ أشَدُّ، وقَعَ بَعْدَ العَذابِ البِيسِ، أيْ أنَّ اللَّهَ أعْذَرَ إلَيْهِمْ فابْتَدَأهم بِعَذابِ الشِّدَّةِ فَلَمّا لَمْ يَنْتَهُوا وعَتَوْا سَلَّطَ عَلَيْهِمْ عَذابَ المَسْخِ.
وقِيلَ العَذابُ البِئْسُ هو المَسْخُ، فَيَكُونُ قَوْلُهُ ﴿فَلَمّا عَتَوْا عَنْ ما نُهُوا عَنْهُ﴾ بَيانًا لِإجْمالِ العَذابِ البِئْسِ، ويَكُونُ قَوْلُهُ ﴿فَلَمّا عَتَوْا﴾ بِمَنزِلَةِ التَّأْكِيدِ لِقَوْلِهِ فَلَمّا نَسُوا صِيغَ بِهَذا الأُسْلُوبِ لِتَهْوِيلِ النِّسْيانِ والعُتُوِّ، ويَكُونُ المَعْنى: أنَّ النِّسْيانَ، وهو الإعْراضُ، وقَعَ مُقارِنًا لِلْعُتُوِّ.
وما ذُكِّرُوا بِهِ وما نُهُوا عَنْهُ ماصَدَقَهُما شَيْءٌ واحِدٌ، فَكانَ مُقْتَضى الظّاهِرِ
صفحة ١٥٤
أنْ يُقالَ: فَلَمّا نَسُوا وعَتَوا عَمّا نُهُوا عَنْهُ وذُكِّرُوا بِهِ قُلْنا لَهم إلَخْ فَعُدِلَ عَنْ مُقْتَضى الظّاهِرِ إلى هَذا الأُسْلُوبِ مِنَ الإطْنابِ لِتَهْوِيلِ أمْرِ العَذابِ، وتَكْثِيرِ أشْكالِهِ، ومَقامُ التَّهْوِيلِ مِن مُقْتَضَياتِ الإطْنابِ وهَذا كَإعادَةِ التَّشْبِيهِ في قَوْلِ لَبِيدٍ:
فَتَنازَعا سَبِطًا يَطِيرُ ظِلالُـهُ كَدُخانِ مُشْعَلَةٍ يُشَبُّ ضِرامُها
مَشْمُولَةٍ غُلِثَتْ بِنابِتٍ عَرْفَـجِ ∗∗∗ كَدُخانِ نارٍ ساطِعٍ أسْنامُهَـا
ولَكِنَّ أُسْلُوبَ الآيَةِ أبْلَغُ وأوْفَرُ فائِدَةً، وأبْعَدُ عَنِ التَّكْرِيرِ اللَّفْظِيِّ، فَما في بَيْتِ لَبِيدٍ كَلامٌ بَلِيغٌ، وما في الآيَةِ كَلامٌ مُعْجِزٌ.
والعُتُوُّ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى - ﴿فَعَقَرُوا النّاقَةَ وعَتَوْا عَنْ أمْرِ رَبِّهِمْ﴾ [الأعراف: ٧٧] في هَذِهِ السُّورَةِ.
وقَوْلُهُ ﴿قُلْنا لَهم كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ﴾ تَقَدَّمَ القَوْلُ في نَظِيرِهِ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى - ﴿ولَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنكم في السَّبْتِ فَقُلْنا لَهم كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ﴾ [البقرة: ٦٥] في سُورَةِ البَقَرَةِ، ولِأجْلِ التَّشابُهِ بَيْنَ الآيَتَيْنِ، وذِكْرِ العَدْوِ في السَّبْتِ فِيهِما، وذِكْرِهِ هُنا في الإخْبارِ عَنِ القَرْيَةِ، جَزَمَ المُفَسِّرُونَ بِأنَّ الَّذِينَ نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ وعَتَوْا عَمّا نُهُوا عَنْهُ هم أهْلُ هَذِهِ القَرْيَةِ، وبِأنَّ الأُمَّةَ القائِلَةَ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا هي أُمَّةٌ مِن هَذِهِ القَرْيَةِ فَجَزَمُوا بِأنَّ القِصَّةَ واحِدَةٌ، وهَذا وإنْ كانَ لا يَنْبُو عَنْهُ المَقامُ كَما أنَّهُ لا يَمْنَعُ تَشابُهَ فَرِيقَيْنِ في العَذابِ، فَقَدْ بَيَّنْتُ أنَّ ذَلِكَ لا يُنافِي جَعْلَ القِصَّةِ في مَعْنى قِصَّتَيْنِ مِن جِهَةِ الِاعْتِبارِ.
Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии