Ибн Ашур · Тафсир · на арабском
Аль-Араф 7:204–206
7:204Страница 176
وَإِذَا قُرِئَ ٱلۡقُرۡءَانُ فَٱسۡتَمِعُواْ لَهُۥ وَأَنصِتُواْ لَعَلَّكُمۡ تُرۡحَمُونَ ٢٠٤
Когда читается Коран, то слушайте его и храните молчание, - быть может, вас помилуют.
﴿وإذا قُرِئَ القُرْآنُ فاسْتَمِعُوا لَهُ وأنْصِتُوا لَعَلَّكم تُرْحَمُونَ﴾
يُؤْذِنُ العَطْفُ بِأنَّ الخِطابَ بِالأمْرِ في قَوْلِهِ فاسْتَمِعُوا و﴿أنْصِتُوا﴾ [الأحقاف: ٢٩] وفي قَوْلِهِ ”لَعَلَّكم“ تابِعٌ لِلْخِطابِ في قَوْلِهِ ﴿هَذا بَصائِرُ مِن رَبِّكُمْ﴾ [الأعراف: ٢٠٣] إلَخْ، فَقَوْلُهُ ﴿وإذا قُرِئَ القُرْآنُ﴾ مِن جُمْلَةِ ما أُمِرَ الرَّسُولُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - بِأنْ يَقُولَهُ لَهم وذَلِكَ إعادَةُ تَذْكِيرٍ لِلْمُشْرِكِينَ تَصْرِيحًا أوْ تَعْرِيضًا بِأنْ لا يُعْرِضُوا عَنِ اسْتِماعِ القُرْآنِ وبِأنْ يَتَأمَّلُوهُ لِيَعْلَمُوا أنَّهُ آيَةٌ عَظِيمَةٌ، وأنَّهُ بَصائِرُ وهُدًى ورَحْمَةٌ، لِمَن يُؤْمِنُ بِهِ ولا يُعانِدُ، وقَدْ عُلِمَ مِن أحْوالِ المُشْرِكِينَ أنَّهم كانُوا يَتَناهَوْنَ عَنِ الإنْصاتِ إلى القُرْآنِ ”﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهَذا القُرْآنِ والغَوْا فِيهِ لَعَلَّكم تَغْلِبُونَ﴾ [فصلت: ٢٦]“ .
صفحة ٢٣٩
وذِكْرُ اسْمِ القُرْآنِ إظْهارٌ في مَقامِ الإضْمارِ، لِأنَّ القُرْآنَ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ بِواسِطَةِ اسْمِ الإشارَةِ فَنُكْتَةُ هَذا الإظْهارِ: التَّنْوِيهُ بِهَذا الأمْرِ، وجَعَلَ جُمْلَتَهُ مُسْتَقِلَّةً بِالدَّلالَةِ غَيْرَ مُتَوَقِّفَةٍ عَلى غَيْرِها، وهَذا مِن وُجُوهِ الِاهْتِمامِ بِالكَلامِ ومِن دَواعِي الإظْهارِ في مَقامِ الإضْمارِ اسْتَقْرَيْتُهُ مِن كَلامِ البُلَغاءِ.
والِاسْتِماعُ الإصْغاءُ، وصِيغَةُ الِافْتِعالِ دالَّةٌ عَلى المُبالَغَةِ في الفِعْلِ، والإنْصاتُ الِاسْتِماعُ مَعَ تَرْكِ الكَلامِ فَهَذا مُؤَكَّدُ لا تَسْمَعُوا. مَعَ زِيادَةِ مَعْنًى. وذَلِكَ مُقابِلُ قَوْلِهِمْ لا تَسْمَعُوا لِهَذا القُرْآنِ والغَوْا فِيهِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الِاسْتِماعُ مُسْتَعْمَلًا في مَعْناهُ المَجازِيِّ، وهو الِامْتِثالُ لِلْعَمَلِ بِما فِيهِ كَما تَقَدَّمَ آنِفًا في قَوْلِهِ ﴿وإنْ تَدْعُوهم إلى الهُدى لا يَسْمَعُوا﴾ [الأعراف: ١٩٨] ويَكُونُ الإنْصاتُ جامِعًا لِمَعْنى الإصْغاءِ وتَرْكِ اللَّغْوِ.
وهَذا الخِطابُ شامِلٌ لِلْكُفّارِ عَلى وجْهِ التَّبْلِيغِ، ولِلْمُسْلِمِينَ عَلى وجْهِ الإرْشادِ لِأنَّهم أرْجى لِلِانْتِفاعِ بِهَدْيِهِ لِأنَّ قَبْلَهُ قَوْلَهُ ﴿وهُدًى ورَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠٣] .
ولا شُبْهَةَ في أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في جُمْلَةِ الآياتِ الَّتِي قَبْلَها وعَلى مُناسَبَتِها، سَواءٌ أُرِيدَ بِضَمِيرِ الخِطابِ بِها المُشْرِكُونَ والمُسْلِمُونَ مَعًا، أمْ أُرِيدَ المُسْلِمُونَ تَصْرِيحًا والمُشْرِكُونَ تَعْرِيضًا، أمْ أُرِيدَ المُشْرِكُونَ لِلِاهْتِداءِ والمُسْلِمُونَ بِالأحْرى لِزِيادَتِهِ.
فالِاسْتِماعُ والإنْصاتُ المَأْمُورُ بِهِما هُما المُؤَدِّيانِ بِالسّامِعِ إلى النَّظَرِ والِاسْتِدْلالِ، والِاهْتِداءِ بِما يَحْتَوِي عَلَيْهِ القُرْآنُ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى صِدْقِ الرَّسُولِ ﷺ المَقْضِيِّ إلى الإيمانِ بِهِ، ولِما جاءَ بِهِ مِن إصْلاحِ النُّفُوسِ، فالأمْرُ بِالِاسْتِماعِ مَقْصُودٌ بِهِ التَّبْلِيغُ واسْتِدْعاءُ النَّظَرِ والعَمَلُ بِما فِيهِ، فالِاسْتِماعُ والإنْصاتُ مَراتِبُ بِحَسَبِ مَراتِبِ المُسْتَمِعِينَ.
فَهَذِهِ الآيَةُ مُجْمَلَةٌ في مَعْنى الِاسْتِماعِ والإنْصاتِ وفي مُقْتَضى الأمْرِ مِن قَوْلِهِ ”﴿فاسْتَمِعُوا لَهُ وأنْصِتُوا﴾“، يُبَيِّنُ بَعْضَ إجْمالِها سِياقُ الكَلامِ والحَمْلُ عَلى ما يُفَسِّرُ سَبَبَها مِن قَوْلِهِ - تَعالى - ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهَذا القُرْآنِ والغَوْا فِيهِ﴾ [فصلت: ٢٦]، ويُحالُ بَيانُ مُجْمَلِها فِيما زادَ عَلى ذَلِكَ عَلى أدِلَّةٍ أُخْرى. وقَدِ اتَّفَقَ عُلَماءُ الأُمَّةِ عَلى أنَّ ظاهِرَ الآيَةِ بِمُجَرَّدِهِ في صُوَرٍ كَثِيرَةٍ مُؤَوَّلٌ، فَلا يَقُولُ أحَدٌ مِنهم بِأنَّهُ
صفحة ٢٤٠
يَجِبُ عَلى كُلِّ مُسْلِمٍ إذا سَمِعَ أحَدًا يَقْرَأُ القُرْآنَ أنْ يَشْتَغِلَ بِالِاسْتِماعِ ويُنْصِتَ، إذْ قَدْ يَكُونُ القارِئُ يَقْرَأُ بِمَحْضَرِ صانِعٍ في صَنْعَتِهِ فَلَوْ وجَبَ عَلَيْهِ الِاسْتِماعُ لَأُمِرَ بِتَرْكِ عَمَلِهِ، ولَكِنَّهُمُ اخْتَلَفُوا في مَحْمَلِ تَأْوِيلِها: فَمِنهم مَن خَصَّها بِسَبَبٍ رَأوْا أنَّهُ سَبَبُ نُزُولِها، فَرَوَوْا عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ أنَّها نَزَلَتْ في قِراءَةِ الإمامِ في الجَهْرِ، «ورَوى بَعْضُهم أنَّ رَجُلًا مِنَ الأنْصارِ صَلّى وراءَ النَّبِيءِ ﷺ صَلاةً جَهْرِيَّةً فَكانَ يَقْرَأُ في الصَّلاةِ والنَّبِيءُ ﷺ يَقْرَأُ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ» في أمْرِ النّاسِ بِالِاسْتِماعِ لِقِراءَةِ الإمامِ. وهَؤُلاءِ قَصَرُوا أمْرَ الِاسْتِماعِ عَلى قِراءَةٍ خاصَّةٍ دَلَّ عَلَيْها سَبَبُ النُّزُولِ عِنْدَهم عَلى نَحْوٍ يَقْرُبُ مِن تَخْصِيصِ العامِ بِخُصُوصِ سَبَبِهِ، عِنْدَ مَن يُخَصِّصُ بِهِ، وهَذا تَأْوِيلٌ ضَعِيفٌ لِأنَّ نُزُولَ الآيَةِ عَلى هَذا السَّبَبِ لَمْ يَصِحَّ، ولا هو مِمّا يُساعِدُ عَلَيْهِ نَظْمُ الآيِ الَّتِي مَعَها، وما قالُوهُ في ذَلِكَ إنَّما هو تَفْسِيرٌ وتَأْوِيلٌ ولَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ مَأْثُورٌ عَنِ النَّبِيءِ ﷺ .
ومِنهم مَن أبْقى أمْرَ الِاسْتِماعِ عَلى إطْلاقِهِ القَرِيبِ مِنَ العُمُومِ، ولَكِنَّهم تَأوَّلُوهُ عَلى أمْرِ النَّدْبِ، وهَذا الَّذِي يُؤْخَذُ مِن كَلامِ فُقَهاءِ المالِكِيَّةِ، ولَوْ قالُوا المُرادُ مِن قَوْلِهِ ”قُرِئَ“ قِراءَةٌ خاصَّةٌ وهي أنْ يَقْرَأهُ الرَّسُولُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - عَلى النّاسِ لِعِلْمِ ما فِيهِ والعَمَلِ بِهِ لِلْكافِرِ والمُسْلِمِ، لَكانَ أحْسَنَ تَأْوِيلًا.
وفِي تَفْسِيرِ القُرْطُبِيِّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ: «كانَ المُشْرِكُونَ يَأْتُونَ رَسُولَ اللَّهِ إذا صَلّى فَيَقُولُ بَعْضُهم لِبَعْضٍ لا تَسْمَعُوا لِهَذا القُرْآنِ والغَوْا فِيهِ فَأنْزَلَ اللَّهُ - تَعالى - جَوابًا لَهم ﴿وإذا قُرِئَ القُرْآنُ فاسْتَمِعُوا لَهُ وأنْصِتُوا»﴾ .
عَلى أنَّ ما تَقَدَّمَ مِنَ الإخْبارِ في مَحْمَلِ سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ لا يَسْتَقِيمُ لِأنَّ الآيَةَ مَكِّيَّةٌ وتِلْكَ الحَوادِثُ حَدَثَتْ في المَدِينَةِ. أمّا اسْتِدْلالُ أصْحابِ أبِي حَنِيفَةَ عَلى تَرْكِ قِراءَةِ المَأْمُومِ إذا كانَ الإمامُ مُسِرًّا بِالقِراءَةِ فالآيَةُ بِمَعْزِلٍ عَنْهُ إذْ لا يَتَحَقَّقُ في ذَلِكَ التَّرْكِ مَعْنى الإنْصاتِ.
ويَجِبُ التَّنَبُّهُ إلى أنْ لَيْسَ في الآيَةِ صِيغَةٌ مِن صِيَغِ العُمُومِ لِأنَّ الَّذِي فِيها فِعْلانِ هُما قُرِئَ واسْتَمِعُوا، والفِعْلُ لا عُمُومَ لَهُ في الإثْباتِ.
ومَعْنى الشَّرْطِ المُسْتَفادِ مِن ”إذا“ يَقْتَضِي إلّا عُمُومَ الأحْوالِ أوِ الأزْمانِ دُونَ
صفحة ٢٤١
القِراءاتِ. وعُمُومُ الأزْمانِ أوِ الأحْوالِ لا يَسْتَلْزِمُ عُمُومَ الأشْخاصِ بِخِلافِ العَكْسِ كَما هو بَيِّنٌ.
7:205Страница 176
وَٱذۡكُر رَّبَّكَ فِي نَفۡسِكَ تَضَرُّعٗا وَخِيفَةٗ وَدُونَ ٱلۡجَهۡرِ مِنَ ٱلۡقَوۡلِ بِٱلۡغُدُوِّ وَٱلۡأٓصَالِ وَلَا تَكُن مِّنَ ٱلۡغَٰفِلِينَ ٢٠٥
Поминай Аллаха с покорностью и страхом про себя и не громко по утрам и перед закатом и не будь одним из беспечных невежд.
﴿واذْكُرْ رَبَّكَ في نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وخِيفَةً ودُونَ الجَهْرِ مِنَ القَوْلِ بِالغُدُوِّ والآصالِ ولا تَكُنْ مِنَ الغافِلِينَ﴾
إقْبالٌ بِالخِطابِ عَلى النَّبِيءِ ﷺ فِيما يَخْتَصُّ بِهِ، بَعْدَ أنْ أُمِرَ بِما أُمِرُ بِتَبْلِيغِهِ مِنَ الآياتِ المُتَقَدِّمَةِ، والمُناسَبَةُ في هَذا الِانْتِقالِ، أنَّ أمْرَ النّاسِ بِاسْتِماعِ القُرْآنِ يَسْتَلْزِمُ أمْرَ الرَّسُولِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - بِقِراءَةِ القُرْآنِ عَلَيْهِمْ قِراءَةً جَهْرِيَّةً يَسْمَعُونَها، فَلَمّا فَرَغَ الكَلامُ مِن حَظِّ النّاسِ نَحْوَ قِراءَةِ الرَّسُولِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -، أقْبَلَ عَلى الكَلامِ في حَظِّ الرَّسُولِ ﷺ مِنَ القُرْآنِ وغَيْرِهِ، وهو التَّذَكُّرُ الخاصُّ بِهِ، فَأُمِرَ بِأنْ يَذْكُرَ اللَّهَ ما اسْتَطاعَ وكَيْفَما تَسَنّى لَهُ وفي أوْقاتِ النَّهارِ المُخْتَلِفَةِ، فَجُمْلَةُ ﴿واذْكُرْ رَبَّكَ﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى الجُمَلِ السّابِقَةِ مِن قَوْلِهِ ﴿إنَّ ولِيِّيَ اللَّهُ﴾ [الأعراف: ١٩٦] إلى هُنا.
والنَّفْسُ اسْمٌ لِلْقُوَّةِ الَّتِي بِها الحَياةُ، فَهي مُرادِفَةُ الرُّوحِ، وتُطْلَقُ عَلى الذّاتِ المُرَكَّبَةِ مِنَ الجَسَدِ والرُّوحِ، ولِكَوْنِ مَقَرِّ النَّفْسِ في باطِنِ الإنْسانِ أُطْلِقَتْ عَلى أُمُورِ باطِنِ الإنْسانِ مِنَ الإدْراكِ والعَقْلِ كَما في قَوْلِهِ - تَعالى - حِكايَةً عَنْ عِيسى ﴿تَعْلَمُ ما في نَفْسِي﴾ [المائدة: ١١٦] وقَدْ مَضى في سُورَةِ المائِدَةِ، ومِن ذَلِكَ يَتَطَرَّقُ إلى إطْلاقِها عَلى خُوَيْصَّةِ المَرْءِ، ومِنهُ قَوْلُهُ في الحَدِيثِ القُدْسِيِّ في صَحِيحِ البُخارِيِّ ”«وإنْ ذَكَرَنِي في نَفْسِهِ ذَكَرْتُهُ في نَفْسِي وإنْ ذَكَرَنِي في مَلَأٍ ذَكَرْتُهُ في مَلَأٍ خَيْرٍ مِنهم“» فَقابَلَ قَوْلَهُ في نَفْسِهِ بِقَوْلِهِ في مَلَأٍ.
والمَعْنى: اذْكُرْ رَبَّكَ وأنْتَ في خَلْوَتِكَ كَما تَذْكُرُهُ في مَجامِعِ النّاسِ.
والذِّكْرُ حَقِيقَةٌ في ذِكْرِ اللِّسانِ، وهو المُرادُ هُنا، ويُعَضِّدُهُ قَوْلُهُ ﴿ودُونَ الجَهْرِ مِنَ القَوْلِ﴾ وذَلِكَ يَشْمَلُ قِراءَةَ القُرْآنِ وغَيْرِ القُرْآنِ مِنَ الكَلامِ الَّذِي فِيهِ تَمْجِيدُ اللَّهِ وشُكْرُهُ ونَحْوُ ذَلِكَ، مِثْلُ كَلِمَةِ التَّوْحِيدِ والحَوْقَلَةِ والتَّسْبِيحِ والتَّكْبِيرِ والدُّعاءِ ونَحْوِ ذَلِكَ.
و”التَّضَرُّعُ“ التَّذَلُّلُ، ولَمّا كانَ التَّذَلُّلُ يَسْتَلْزِمُ الخِطابَ بِالصَّوْتِ المُرْتَفِعِ في عادَةِ العَرَبِ كَنّى بِالتَّضَرُّعِ عَنْ رَفْعِ الصَّوْتِ مُرادًا بِهِ مَعْناهُ الأصْلِيُّ والكِنائِيُّ
صفحة ٢٤٢
ولِذَلِكَ قُوبِلَ بِالخُفْيَةِ في قَوْلِهِ ﴿ادْعُوا رَبَّكم تَضَرُّعًا وخُفْيَةً﴾ [الأعراف: ٥٥] في أوائِلِ هَذِهِ السُّورَةِ وقَدْ تَقَدَّمَ.
وقُوبِلَ التَّضَرُّعُ هُنا بِالخِيفَةِ وهي اسْمُ مَصْدَرِ الخَوْفِ، فَهو مِنَ المَصادِرِ الَّتِي جاءَتْ عَلى صِيغَةِ الهَيْئَةِ ولَيْسَ المُرادُ بِها الهَيْئَةَ، مِثْلَ الشِّدَّةِ، ولَمّا كانَتِ الخِيفَةُ انْفِعالًا نَفْسِيًّا يَجِدُهُ الإنْسانُ في خاصَّةِ نَفْسِهِ كانَتْ مُسْتَلْزِمَةً لِلتَّخافُتِ بِالكَلامِ خَشْيَةَ أنْ يَشْعُرَ بِالمَرْءِ مَن يَخافُهُ، فَلِذَلِكَ كُنِّيَ بِها هُنا عَنِ الإسْرارِ بِالقَوْلِ مَعَ الخَوْفِ مِنَ اللَّهِ، فَمُقابَلَتُها بِالتَّضَرُّعِ طِباقٌ في مَعْنَيَيِ اللَّفْظَيْنِ الصَّرِيحَيْنِ ومَعْنَيَيْهِما الكِناءَيْنِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ تَضَرُّعًا وإعْلانًا وخِيفَةً وإسْرارًا.
وقَوْلُهُ ﴿ودُونَ الجَهْرِ مِنَ القَوْلِ﴾ هو مُقابِلٌ لِكُلٍّ مِنَ التَّضَرُّعِ والخِيفَةِ وهو الذِّكْرُ المُتَوَسِّطُ بَيْنَ الجَهْرِ والإسْرارِ، والمَقْصُودُ مِن ذَلِكَ اسْتِيعابُ أحْوالِ الذَّكَرِ بِاللِّسانِ، لِأنَّ بَعْضَها قَدْ تَكُونُ النَّفْسُ أنْشَطَ إلَيْهِ مِنها إلى البَعْضِ الآخَرِ.
والغُدُوُّ اسْمٌ لِزَمَنِ الصَّباحِ وهو النِّصْفُ الأوَّلُ مِنَ النَّهارِ.
والآصالُ جَمْعُ أصِيلٍ وهو العَشِيُّ وهو النِّصْفُ الثّانِي مِنَ النَّهارِ إلى الغُرُوبِ.
والمَقْصُودُ اسْتِيعابُ أجْزاءِ النَّهارِ بِحَسَبِ المُتَعارَفِ فَأمّا اللَّيْلُ فَهو زَمَنُ النَّوْمِ، والأوْقاتُ الَّتِي تَحْصُلُ فِيها اليَقَظَةُ خُصَّتْ بِأمْرٍ خاصٍّ مِثْلَ قَوْلِهِ - تَعالى - ﴿قُمِ اللَّيْلَ إلّا قَلِيلًا﴾ [المزمل: ٢] عَلى أنَّها تَدْخُلُ في عُمُومِ قَوْلِهِ ﴿ولا تَكُنْ مِنَ الغافِلِينَ﴾ .
فَدَلَّ قَوْلُهُ ﴿ولا تَكُنْ مِنَ الغافِلِينَ﴾ عَلى التَّحْذِيرِ مِنَ الغَفْلَةِ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ ولا حَدَّ لِلْغَفْلَةِ، فَإنَّها تُحَدَّدُ بِحالِ الرَّسُولِ ﷺ وهو أعْلَمُ بِنَفْسِهِ، فَإنَّ لَهُ أوْقاتًا يَتَلَقّى فِيها الوَحْيَ وأوْقاتَ شُئُونٍ جِبِلِّيَّةٍ كالطَّعامِ.
وهَذا الأمْرُ خاصٌّ بِالرَّسُولِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -، وكُلُّ ما خُصَّ بِهِ الرَّسُولُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - مِنَ الوُجُوبِ يُسْتَحْسَنُ لِلْأُمَّةِ اقْتِداؤُهم بِهِ فِيهِ إلّا ما نُهُوا عَنْهُ مِثْلَ الوِصالِ في الصَّوْمِ.
وقَدْ تَقَدَّمَ أنَّ نَحْوَ ﴿ولا تَكُنْ مِنَ الغافِلِينَ﴾ أشَدُّ في الِانْتِفاءِ وفي النَّهْيِ مِن نَحْوِ: ولا تَغْفُلْ، لِأنَّهُ يَفْرِضُ جَماعَةً يَحِقُّ عَلَيْهِمْ وصْفُ الغافِلِينَ فَيُحَذَّرُ مِن أنْ يَكُونَ في زُمْرَتِهِمْ وذَلِكَ أبْيَنُ لِلْحالَةِ المَنهِيِّ عَنْها.
7:206Страница 176
إِنَّ ٱلَّذِينَ عِندَ رَبِّكَ لَا يَسۡتَكۡبِرُونَ عَنۡ عِبَادَتِهِۦ وَيُسَبِّحُونَهُۥ وَلَهُۥ يَسۡجُدُونَۤ۩ ٢٠٦
Те, которые находятся возле твоего Господа, не превозносятся над поклонением Ему, славословят Ему и падают перед Ним ниц.
صفحة ٢٤٣
﴿إنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ ويُسَبِّحُونَهُ ولَهُ يَسْجُدُونَ﴾
تَتَنَزَّلُ مُنْزِلَةَ العِلَّةِ لِلْأمْرِ بِالذِّكْرِ، ولِذَلِكَ صُدِّرَتْ بِ إنَّ الَّتِي هي لِمُجَرَّدِ الِاهْتِمامِ بِالخَبَرِ، لا لِرَدِّ تَرَدُّدٍ أوْ إنْكارٍ، لِأنَّ المُخاطَبَ مُنَزَّهٌ عَنْ أنْ يَتَرَدَّدَ في خَبَرِ اللَّهِ - تَعالى -، فَحَرْفُ التَّوْكِيدِ في مِثْلِ هَذا المَقامِ يُغْنِي غَناءَ فاءِ التَّفْرِيعِ، ويُفِيدُ التَّعْلِيلَ كَما تَقَدَّمَ غَيْرَ مَرَّةٍ، والمَعْنى: الحَثُّ عَلى تَكَرُّرِ ذِكْرِ اللَّهِ في مُخْتَلَفِ الأحْوالِ، لِأنَّ المُسْلِمِينَ مَأْمُورُونَ بِالِاقْتِداءِ بِأهْلِ الكَمالِ مِنَ المَلَأِ الأعْلى، وفِيها تَعْرِيضٌ بِالمُشْرِكِينَ المُسْتَكْبِرِينَ عَنْ عِبادَةِ اللَّهِ بِأنَّهم مُنْحَطُّونَ عَنْ تِلْكَ الدَّرَجاتِ.
والمُرادُ بِ ﴿الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ﴾ المَلائِكَةُ، ووَجْهُ جَعْلِ حالِ المَلائِكَةِ عِلَّةً لِأمْرِ النَّبِيءِ ﷺ بِالذِّكْرِ: أنَّ مَرْتَبَةَ الرِّسالَةِ تُلْحِقُ صاحِبَها مِنَ البَشَرِ بِرُتْبَةِ المَلائِكَةِ، فَهَذا التَّعْلِيلُ بِمَنزِلَةِ أنْ يُقالَ: اذْكُرْ رَبَّكَ لِأنَّ الذِّكْرَ هو شَأْنُ قَبِيلِكَ، كَقَوْلِ ابْنِ دارَةَ سالِمِ بْنِ مُسافِعٍ.
فَإنْ تَتَّقُوا شَرًّا فَمِثْلُكُمُ اتَّقى وإنْ تَفْعَلُوا خَيْرًا فَمِثْلُكُمُ فَعَلْ
فَلَيْسَ في هَذا التَّعْلِيلِ ما يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ المَلائِكَةُ أفْضَلَ مِنَ الرُّسُلِ، كَما يَتَوَهَّمُهُ المُعْتَزِلَةُ لِأنَّ التَّشَبُّهَ بِالمَلائِكَةِ مِن حَيْثُ كانَ المَلائِكَةُ أسْبَقَ في هَذا المَعْنى لِكَوْنِهِ حاصِلًا مِنهم بِالجِبِلَّةِ فَهم مُثُلٌ فِيهِ، ولا شُبْهَةَ في أنَّ الفَرِيقَ الَّذِينَ لَمْ يَكُونُوا مَجْبُولِينَ عَلى ما جُبِلَتْ عَلَيْهِ المَلائِكَةُ، إذا تَخَلَّقُوا بِمِثْلِ خَلْقِ المَلائِكَةِ، كانَ سُمُوُّهم إلى تِلْكَ المَرْتَبَةِ أعْجَبَ، واسْتِحْقاقُهُمُ الشُّكْرَ والفَضْلَ لَهُ أجْدَرَ.
ووَجْهُ العُدُولِ عَنْ لَفْظِ المَلائِكَةِ إلى المَوْصُولِيَّةِ: ما تُؤْذِنُ بِهِ الصِّلَةُ مِن رِفْعَةِ مَنزِلَتِهِمْ، فَيَتَذَرَّعُ بِذَلِكَ إلى إيجادِ المُنافِسَةِ في التَّخَلُّقِ بِأحْوالِهِمْ.
و”عِنْدَ“ مُسْتَعْمَلٌ مَجازًا في رِفْعَةِ المِقْدارِ، والحُظْوَةِ الإلَهِيَّةِ.
وقَوْلُهُ ﴿لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ﴾ لَيْسَ المَقْصُودُ بِهِ التَّنْوِيهُ بِشَأْنِ المَلائِكَةِ لِأنَّ التَّنْوِيهَ بِهِمْ يَكُونُ بِأفْضَلِ مِن ذَلِكَ، وإنَّما أُرِيدَ بِهِ التَّعْرِيضُ بِالمُشْرِكِينَ وأنَّهم عَلى النَّقِيضِ مِن أحْوالِ المَلائِكَةِ المُقَرَّبِينَ، فَخَلِيقٌ بِهِمْ أنْ يَكُونُوا بُعَداءَ عَنْ مَنازِلِ
صفحة ٢٤٤
الرِّفْعَةِ، والمَقْصُودُ هو قَوْلُهُ ويُسَبِّحُونَهُ أيْ يُنَزِّهُونَهُ بِالقَوْلِ والِاعْتِقادِ عَنْ صِفاتِ النَّقْصِ، وهَذِهِ الصِّلَةُ هي المَقْصُودَةُ مِنَ التَّعْلِيلِ لِلْأمْرِ بِالذِّكْرِ.
واخْتِيارُ صِيغَةِ المُضارِعِ لِدَلالَتِها عَلى التَّجْدِيدِ والِاسْتِمْرارِ، أوْ كَما هو المَقْصُودُ، وتَقْدِيمُ المَعْمُولِ مِن قَوْلِهِ ولَهُ يَسْجُدُونَ لِلدَّلالَةِ عَلى الِاخْتِصاصِ أيْ ولا يَسْجُدُونَ لِغَيْرِهِ، وهَذا أيْضًا تَعْرِيضٌ بِالمُشْرِكِينَ الَّذِينَ يَسْجُدُونَ لِغَيْرِهِ، والمُضارِعُ يُفِيدُ الِاسْتِمْرارَ أيْضًا.
وهُنا مَوْضِعُ سُجُودٍ مِن سُجُودِ القُرْآنِ، وهو أوَّلُها في تَرْتِيبِ الصُّحُفِ، وهو مِنَ المُتَّفَقِ عَلى السُّجُودِ فِيهِ بَيْنَ عُلَماءِ الأُمَّةِ، ومُقْتَضى السَّجْدَةِ هُنا أنَّ الآيَةَ جاءَتْ لِلْحَضِّ عَلى التَّخَلُّقِ بِأخْلاقِ المَلائِكَةِ في الذِّكْرِ، فَلَمّا أخْبَرَتْ عَنْ حالَةٍ مِن أحْوالِهِمْ في تَعْظِيمِ اللَّهِ وهو السُّجُودُ لِلَّهِ، أرادَ الرَّسُولُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - أنْ يُبادِرَ بِالتَّشَبُّهِ بِهِمْ تَحْقِيقًا لِلْمَقْصِدِ الَّذِي سِيقَ هَذا الخَبَرُ لِأجْلِهِ.
وأيْضًا جَرى قَبْلَ ذَلِكَ ذِكْرُ اقْتِراحِ المُشْرِكِينَ أنْ يَأْتِيَهُمُ النَّبِيءُ ﷺ بِآيَةٍ كَما يَقْتَرِحُونَ فَقالَ اللَّهُ لَهُ ﴿قُلْ إنَّما أتَّبِعُ ما يُوحى إلَيَّ مِن رَبِّي﴾ [الأعراف: ٢٠٣] وبِأنْ يَأْمُرَهم بِالِاسْتِماعِ لِلْقُرْآنِ وذَكَرَ أنَّ المَلائِكَةَ يَسْجُدُونَ لِلَّهِ شَرَعَ اللَّهُ عِنْدَ هَذِهِ الآيَةِ سُجُودًا لِيَظْهَرَ إيمانُ المُؤْمِنِينَ بِالقُرْآنِ وجُحُودُ الكافِرِينَ بِهِ حِينَ سَجَدَ المُؤْمِنُونَ ويُمْسِكُ المُشْرِكُونَ الَّذِينَ يَحْضُرُونَ مَجالِسَ نُزُولِ القُرْآنِ. وقَدْ دَلَّ اسْتِقْراءُ مَواقِعِ سُجُودِ القُرْآنِ أنَّها لا تَعْدُو أنْ تَكُونَ إغاظَةً لِلْمُشْرِكِينَ أوِ اقْتِداءً بِالأنْبِياءِ أوِ المُرْسَلِينَ كَما قالَ ابْنُ عَبّاسٍ في سَجْدَةِ ”﴿فاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وخَرَّ راكِعًا وأنابَ﴾ [ص: ٢٤]“ أنَّ اللَّهَ - تَعالى - قالَ ﴿فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهِ﴾ [الأنعام: ٩٠]، فَداوُدُ مِمَّنْ أُمِرَ مُحَمَّدٌ ﷺ بِأنْ يَقْتَدِيَ بِهِ.
* * *
صفحة ٢٤٥
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ الأنْفالِ
عُرِفَتْ بِهَذا الِاسْمِ مِن عَهْدِ أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: رَوى الواحِدِيُّ في أسْبابِ النُّزُولِ «عَنْ سَعْدِ بْنِ أبِي وقّاصٍ قالَ: ”لَمّا كانَ يَوْمُ بَدْرٍ قُتِلَ أخِي عُمَيْرٌ وقَتَلْتُ سَعِيدَ بْنَ العاصِي فَأخَذْتُ سَيْفَهُ فَأتَيْتُ بِهِ النَّبِيءَ ﷺ فَقالَ: اذْهَبِ القَبَضَ (بِفَتْحَتَيْنِ المَوْضِعُ الَّذِي تُجْمَعُ فِيهِ الغَنائِمُ) فَرَجَعْتُ في ما لا يَعْلَمُهُ إلّا اللَّهُ، قُتِلَ أخِي وأُخِذَ سَلَبِي. فَما جاوَزْتُ قَرِيبًا حَتّى نَزَلَتْ سُورَةُ الأنْفالِ» .
وأخْرَجَ البُخارِيُّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، قالَ: قُلْتُ لِابْنِ عَبّاسٍ سُورَةُ الأنْفالِ قالَ:“ نَزَلَتْ في بَدْرٍ. فَبِاسْمِ الأنْفالِ عُرِفَتْ بَيْنَ المُسْلِمِينَ وبِهِ كُتِبَتْ تَسْمِيَتُها في المُصْحَفِ حِينَ كُتِبَتْ أسْماءُ السُّوَرِ في زَمَنِ الحَجّاجِ، ولَمْ يَثْبُتْ في تَسْمِيَتِها حَدِيثٌ، وتَسْمِيَتُها سُورَةَ الأنْفالِ مِن أنَّها افْتُتِحَتْ بِآيَةٍ فِيها اسْمُ الأنْفالِ، ومِن أجْلِ أنَّها ذُكِرَ فِيها حُكْمُ الأنْفالِ كَما سَيَأْتِي.
وتُسَمّى أيْضًا ”سُورَةُ بَدْرٍ“ فَفي الإتْقانِ أخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قالَ: قُلْتُ لِابْنِ عَبّاسٍ: سُورَةُ الأنْفالِ قالَ: تِلْكَ سُورَةُ بَدْرٍ.
وقَدِ اتَّفَقَ رِجالُ الأثَرِ كُلُّهم عَلى أنَّها نَزَلَتْ في غَزْوَةِ بَدْرٍ: قالَ ابْنُ إسْحاقَ: أُنْزِلَتْ في أمْرِ بَدْرٍ سُورَةُ الأنْفالِ بِأسْرِها، وكانَتْ غَزْوَةُ بَدْرٍ في رَمَضانَ مِنَ العامِ الثّانِي لِلْهِجْرَةِ بَعْدَ عامٍ ونِصْفٍ مِن يَوْمِ الهِجْرَةِ، وذَلِكَ بَعْدَ تَحْوِيلِ القِبْلَةِ بِشَهْرَيْنِ، وكانَ ابْتِداءُ نُزُولِها قَبْلَ الِانْصِرافِ مِن بَدْرٍ فَإنَّ الآيَةَ الأُولى مِنها نَزَلَتْ والمُسْلِمُونَ في بَدْرٍ قَبْلَ قِسْمَةِ مَغانِمِها، كَما دَلَّ عَلَيْهِ حَدِيثُ سَعْدِ بْنِ أبِي وقّاصٍ والظّاهِرُ أنَّها اسْتَمَرَّ نُزُولُها إلى ما بَعْدَ الِانْصِرافِ مِن بَدْرٍ.
وفِي كَلامِ أهْلِ أسْبابِ النُّزُولِ ما يَقْتَضِي أنَّ آيَةَ الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكم وعَلِمَ أنَّ فِيكم ضَعْفًا إلى مَعَ الصّابِرِينَ نَزَلَتْ بَعْدَ نُزُولِ السُّورَةِ بِمُدَّةٍ طَوِيلَةٍ، كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وسَيَأْتِي تَحْقِيقُهُ هُنالِكَ.
صفحة ٢٤٦
وقالَ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: إنَّ آياتِ ﴿يا أيُّها النَّبِيءُ حَسْبُكَ اللَّهُ﴾ [الأنفال: ٦٤] إلى ﴿لا يَفْقَهُونَ﴾ [الأنفال: ٦٥] نَزَلَتْ بِالبَيْداءِ في غَزْوَةِ بَدْرٍ قَبْلَ ابْتِداءِ القِتالِ، فَتَكُونُ تِلْكَ الآيَةُ نَزَلَتْ قَبْلَ نُزُولِ أوَّلِ السُّورَةِ.
نَزَلَتْ هَذِهِ السُّورَةُ بَعْدَ سُورَةِ البَقَرَةِ، ثُمَّ قِيلَ هي الثّانِيَةُ نُزُولًا بِالمَدِينَةِ، وقِيلَ نَزَلَتِ البَقَرَةُ ثُمَّ آلُ عِمْرانَ ثُمَّ الأنْفالُ، والأصَحُّ أنَّها ثانِيَةُ السُّوَرِ بِالمَدِينَةِ نُزُولًا بَعْدَ سُورَةِ البَقَرَةِ.
وقَدْ بَيَّنْتُ في المُقَدِّماتِ أنَّ نُزُولَ سُورَةٍ بَعْدَ أُخْرى لا يُفْهَمُ مِنهُ أنَّ التّالِيَةَ تَنْزِلُ بَعْدَ انْقِضاءِ نُزُولِ الَّتِي قَبْلَها، بَلْ قَدْ يُبْتَدَأُ نُزُولُ سُورَةٍ قَبْلَ انْتِهاءِ السُّورَةِ الَّتِي ابْتُدِئَ نُزُولُها قَبْلُ، ولَعَلَّ سُورَةَ الأنْفالِ قَدِ انْتَهَتْ قَبْلَ انْتِهاءِ نُزُولِ سُورَةِ البَقَرَةِ، لِأنَّ الأحْكامَ الَّتِي تَضَمَّنَتْها سُورَةُ الأنْفالِ مِن جِنْسٍ واحِدٍ وهي أحْكامُ المَغانِمِ والقِتالِ، وتَفَنَّنَتْ أحْكامُ سُورَةِ البَقَرَةِ أفانِينَ كَثِيرَةً: مِن أحْكامِ المُعامَلاتِ الِاجْتِماعِيَّةِ، ومِنَ الجائِزِ أنْ تَكُونَ البَقَرَةُ نَزَلَتْ بَعْدَ نُزُولِها بِقَلِيلٍ سُورَةُ آلِ عِمْرانَ، وبَعْدَ نُزُولِ آلِ عِمْرانَ بِقَلِيلٍ نَزَلَتِ الأنْفالُ، فَكانَ ابْتِداءُ نُزُولِ الأنْفالِ قَبْلَ انْتِهاءِ نُزُولِ البَقَرَةِ وآلِ عِمْرانَ. وفي تَفْسِيرِ ابْنِ عَطِيَّةَ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى - ﴿وما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهم وأنْتَ فِيهِمْ﴾ [الأنفال: ٣٣] مِن هَذِهِ السُّورَةِ قالَتْ فِرْقَةٌ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ كُلُّها بِمَكَّةَ قالَ ابْنُ أبْزى: نَزَلَ قَوْلُهُ ﴿وما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ﴾ [الأنفال: ٣٣] بِمَكَّةَ إثْرَ قَوْلِهِمْ ﴿أوِ ائْتِنا بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ [الأنفال: ٣٢] ونَزَلَ قَوْلُهُ ﴿وما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهم وهم يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الأنفال: ٣٣] عِنْدَ خُرُوجِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إلى المَدِينَةِ وقَدْ بَقِيَ بِمَكَّةَ مُؤْمِنُونَ يَسْتَغْفِرُونَ ونَزَلَ قَوْلُهُ ﴿وما لَهم ألّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ﴾ [الأنفال: ٣٤] بَعْدَ بَدْرٍ.
وقَدْ عُدَّتِ السُّورَةُ التّاسِعَةَ والثَّمانِينَ في عِدادِ نُزُولِ سُوَرِ القُرْآنِ في رِوايَةِ جابِرِ بْنِ زَيْدٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وإنَّها نَزَلَتْ بَعْدَ سُورَةِ آلِ عِمْرانَ وقَبْلَ سُورَةِ الأحْزابِ.
وعَدَدُ آيِها، في عَدِّ أهْلِ المَدِينَةِ وأهْلِ مَكَّةَ وأهْلِ البَصْرَةِ: سِتٌّ وسَبْعُونَ، وفي عَدِّ أهْلِ الشّامِ سَبْعٌ وسَبْعُونَ، وفي عَدِّ أهْلِ الكُوفَةِ خَمْسٌ وسَبْعُونَ.
ونُزُولُها بِسَبَبِ اخْتِلافِ أهْلِ بَدْرٍ في غَنائِمِ يَوْمِ بَدْرٍ وأنْفالِهِ، وقِيلَ بِسَبَبِ ما سَألَهُ بَعْضُ الغُزاةِ النَّبِيءَ ﷺ أنْ يُعْطِيَهم مِنَ الأنْفالِ، كَما سَيَأْتِي عِنْدَ تَفْسِيرِ أوَّلِ آيَةٍ مِنها.
* * *
صفحة ٢٤٧
أغْراضُ هَذِهِ السُّورَةِ ابْتَدَأتْ بِبَيانِ أحْكامِ الأنْفالِ وهي الغَنائِمُ وقِسْمَتُها ومَصارِفُها.
والأمْرِ بِتَقْوى اللَّهِ في ذَلِكَ وغَيْرِهِ.
والأمْرِ بِطاعَةِ اللَّهِ ورَسُولِهِ، في أمْرِ الغَنائِمِ وغَيْرِها.
وأمْرِ المُسْلِمِينَ بِإصْلاحِ ذاتِ بَيْنِهِمْ، وأنَّ ذَلِكَ مِن مُقَوِّماتِ مَعْنى الإيمانِ الكامِلِ.
وذِكْرِ الخُرُوجِ إلى غَزْوَةِ بَدْرٍ وبِخَوْفِهِمْ مِن قُوَّةِ عَدَدِهِمْ وما لَقُوا فِيها مِن نَصْرٍ وتَأْيِيدٍ مِنَ اللَّهِ ولُطْفِهِ بِهِمْ.
وامْتِنانِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ بِأنْ جَعْلَهم أقْوِياءَ.
ووَعْدِهِمْ بِالنَّصْرِ والهِدايَةِ إنِ اتَّقَوْا بِالثَّباتِ لِلْعَدُوِّ، والصَّبْرِ.
والأمْرِ بِالِاسْتِعْدادِ لِحَرْبِ الأعْداءِ.
والأمْرِ بِاجْتِماعِ الكَلِمَةِ والنَّهْيِ عَنِ التَّنازُعِ.
والأمْرِ بِأنْ يَكُونَ قَصْدُ النُّصْرَةِ لِلدِّينِ نُصْبَ أعْيُنِهِمْ.
ووَصْفِ السَّبَبِ الَّذِي أخْرَجَ المُسْلِمِينَ إلى بَدْرٍ.
وذِكْرِ مَواقِعِ الجَيْشَيْنِ، وصِفاتِ ما جَرى مِنَ القِتالِ.
وتَذْكِيرِ النَّبِيءِ ﷺ بِنِعْمَةِ اللَّهِ عَلَيْهِ إذْ أنْجاهُ مِن مَكْرِ المُشْرِكِينَ بِهِ بِمَكَّةَ وخَلَّصَهُ مِن عِنادِهِمْ، وأنَّ مَقامَهُ بِمَكَّةَ كانَ أمانًا لِأهْلِها فَلَمّا فارَقَهم فَقَدْ حَقَّ عَلَيْهِمْ عَذابُ الدُّنْيا بِما اقْتَرَفُوا مِنَ الصَّدِّ عَنِ المَسْجِدِ الحَرامِ.
ودَعْوَةِ المُشْرِكِينَ لِلِانْتِهاءِ عَنْ مُناوَأةِ الإسْلامِ وإيذانِهِمْ بِالقِتالِ.
والتَّحْذِيرِ مِنَ المُنافِقِينَ.
وضَرْبِ المَثَلِ بِالأُمَمِ الماضِيَةِ الَّتِي عانَدَتْ رُسُلَ اللَّهِ ولَمْ يَشْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ.
وأحْكامِ العَهْدِ بَيْنَ المُسْلِمِينَ والكُفّارِ وما يَتَرَتَّبُ عَلى نَقْضِهِمُ العَهْدَ، ومَتى يَحْسُنُ السِّلْمُ.
وأحْكامِ الأسْرى.
وأحْكامِ المُسْلِمِينَ الَّذِينَ تَخَلَّفُوا في مَكَّةَ بَعْدَ الهِجْرَةِ. ووِلايَتِهِمْ وما يَتَرَتَّبُ عَلى تِلْكَ الوِلايَةِ.
Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии