Ибн Ашур · Тафсир · на арабском
Ат-Таквир 81:1–23, продолжение
واعْلَمْ أنَّ تَقْدِيمَ المُسْنَدِ إلَيْهِ في الجُمَلِ الثِّنْتَيْ عَشْرَةَ المُفْتَتَحاتِ بِكَلِمَةِ (إذا) مِن قَوْلِهِ: ﴿إذا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾ إلى هُنا، والإخْبارَ عَنْهُ بِالمُسْنَدِ الفِعْلِيِّ مَعَ إمْكانِ أنْ يُقالَ: إذا كُوِّرَتِ الشَّمْسُ وإذا انْكَدَرَتِ النُّجُومُ، وهَكَذا كَما قالَ: ﴿فَإذا انْشَقَّتِ السَّماءُ فَكانَتْ ورْدَةً كالدِّهانِ﴾ [الرحمن: ٣٧] أنَّ ذَلِكَ التَّقْدِيمَ لِإفادَةِ الِاهْتِمامِ بِتِلْكَ الأخْبارِ المَجْعُولَةِ عَلاماتٍ لِيَوْمِ البَعْثِ تَوَسُّلًا بِالِاهْتِمامِ بِأشْراطِهِ إلى الِاهْتِمامِ بِهِ وتَحْقِيقِ وُقُوعِهِ.
وإنَّ إطالَةَ ذِكْرِ تِلْكَ الجُمَلِ تَشْوِيقٌ لِلْجَوابِ الواقِعِ بَعْدَها بِقَوْلِهِ: ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ ما أحْضَرَتْ﴾ .
وجُمْلَةُ ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ ما أحْضَرَتْ﴾ يَتَنازَعُ التَّعَلُّقَ بِهِ كَلِماتُ إذا المُتَكَرِّرَةُ.
وعَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ أنَّهُ قَرَأ أوَّلَ هَذِهِ السُّورَةِ فَلَمّا بَلَغَ ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ ما أحْضَرَتْ﴾ قالَ: لِهَذا أُجْرِيَتِ القِصَّةُ أيْ: هو جَوابُ القَسَمِ ومَعْنى عَلِمَتْ أنَّها تُعْلَمُ بِما أحْضَرَتْ فَتَعْلَمُهُ.
وقَوْلُهُ: نَفْسٌ نَكِرَةٌ في سِياقِ الشَّرْطِ مُرادٌ بِها العُمُومُ، أيْ: عَلِمَتْ كُلُّ نَفْسٍ ما أحْضَرَتْ، واسْتِفادَةُ العُمُومِ مِنَ النَّكِرَةِ في سِياقِ الإثْباتِ تَحْصُلُ مِنَ القَرِينَةِ الدّالَّةِ عَلى عَدَمِ القَصْدِ إلى واحِدٍ مِنَ الجِنْسِ، والقَرِينَةُ هُنا وُقُوعُ لَفْظِ (نَفْسٌ) في جَوابِ هَذِهِ الشُّرُوطِ الَّتِي لا يَخْطُرُ بِالبالِ أنْ تَكُونَ شُرُوطًا لِشَخْصٍ واحِدٍ، وقَدْ
صفحة ١٥١
قالَ تَعالى: ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ مِن خَيْرٍ مُحْضَرًا وما عَمِلَتْ مِن سُوءٍ﴾ [آل عمران: ٣٠] .
والإحْضارُ: جَعْلُ الشَّيْءِ حاضِرًا.
ومَعْنى ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ ما أحْضَرَتْ﴾ حُصُولُ اليَقِينِ بِما لَمْ يَكُنْ لَها بِهِ عِلْمٌ مِن حَقائِقِ الأعْمالِ الَّتِي كانَ عِلْمُها بِها أشْتاتًا: بَعْضُهُ مَعْلُومٌ عَلى غَيْرِ وجْهِهِ، وبَعْضُهُ مَعْلُومٌ صُورَتُهُ مَجْهُولَةٌ عَواقِبُهُ، وبَعْضُهُ مَغْفُولٌ عَنْهُ. فَنُزِّلَ العِلْمُ الَّذِي كانَ حاصِلًا لِلنّاسِ في الحَياةِ الدُّنْيا مَنزِلَةَ عَدَمِ العِلْمِ، وأثْبَتَ العِلْمُ لَهم في ذَلِكَ اليَوْمِ عِلْمَ أعْمالِهِمْ مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ فَيَعْلَمُ ما لَمْ يَكُنْ لَهُ بِهِ عِلْمٌ مِمّا يُحَقِّرُهُ مِن أعْمالِهِ ويَتَذَكَّرُ ما كانَ قَدْ عَلِمَهُ مِن قَبْلُ، وتَذَكُّرُ المَنسِيِّ والمَغْفُولِ عَنْهُ نَوْعٌ مِنَ العِلْمِ.
وما أحْضَرَتْهُ هو ما أسْلَفَتْهُ مِنَ الأعْمالِ، ولَمّا كانَتِ الأعْمالُ تَظْهَرُ آثارُها مِن ثَوابٍ وعِقابٍ يَوْمَئِذٍ عُبِّرَ عَنْ ظُهُورِ آثارِها بِالإحْضارِ لِشَبَهِهِ بِهِ كَما يُحْضَرُ الزّادُ لِلْمُسافِرِ فَفي فِعْلِ أحْضَرَتِ اسْتِعارَةٌ. ويُطْلَقُ عَلى ذَلِكَ الإعْدادِ كَقَوْلِ النَّبِيءِ ﷺ لِلَّذِي سَألَهُ مَتى السّاعَةُ ؟ ماذا أعْدَدْتَ لَها.
وأُسْنِدَ الإحْضارُ إلى النُّفُوسِ لِأنَّها الفاعِلَةُ لِلْأعْمالِ الَّتِي يَظْهَرُ جَزاؤُها يَوْمَئِذٍ فَهَذا الإسْنادُ مِن إسْنادِ فِعْلِ الشَّيْءِ إلى سَبَبِ فِعْلِهِ، فَحَصَلَ هُنا مَجازانِ: مَجازٌ لُغَوِيٌّ، ومَجازٌ عَقْلِيٌّ، وحَقِيقَتُهُما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ مِن خَيْرٍ مُحْضَرًا وما عَمِلَتْ مِن سُوءٍ﴾ [آل عمران: ٣٠] .
وجُعِلَتْ مَعْرِفَةُ النُّفُوسِ لِجَزاءِ أعْمالِها حاصِلَةً عِنْدَ حُصُولِ مَجْمُوعِ الشُّرُوطِ الَّتِي ذُكِرَتْ في الجُمَلِ الثِّنْتَيْ عَشْرَةَ؛ لِأنَّ بَعْضَ الأحْوالِ الَّتِي تَضَمَّنَتْها الشُّرُوطُ مُقارَنٌ لِحُصُولِ عِلْمِ النُّفُوسِ بِأعْمالِها وهي الأحْوالُ السِّتَّةُ المَذْكُورَةُ أخِيرًا، وبَعْضَ الأحْوالِ حاصِلٌ مِن قَبْلُ بِقَلِيلٍ وهي الأحْوالُ السِّتَّةُ المَذْكُورَةُ أوَّلًا، فَنَزَلَ القَرِيبُ مَنزِلَةَ المُقارَنِ، فَلِذَلِكَ جُعِلَ الجَمِيعُ شُرُوطًا لِ إذا.
81:15–21Страница 586
فَلَآ أُقۡسِمُ بِٱلۡخُنَّسِ ١٥
Но нет! Клянусь телами небесными - отступающими,
ٱلۡجَوَارِ ٱلۡكُنَّسِ ١٦
передвигающимися и исчезающими!
وَٱلَّيۡلِ إِذَا عَسۡعَسَ ١٧
Клянусь ночью, когда она наступила (или отступила)!
وَٱلصُّبۡحِ إِذَا تَنَفَّسَ ١٨
Клянусь рассветом, когда он забрезжил!
إِنَّهُۥ لَقَوۡلُ رَسُولٖ كَرِيمٖ ١٩
Это - слова благородного посланца,
ذِي قُوَّةٍ عِندَ ذِي ٱلۡعَرۡشِ مَكِينٖ ٢٠
обладателя силы при Владыке Трона, почитаемого,
مُّطَاعٖ ثَمَّ أَمِينٖ ٢١
которому там (на небесах) повинуются, доверенного.
صفحة ١٥٢
﴿فَلا أُقْسِمُ بِالخُنَّسِ﴾ ﴿الجِوارِ الكُنَّسِ﴾ ﴿واللَّيْلِ إذا عَسْعَسَ﴾ ﴿والصُّبْحِ إذا تَنَفَّسَ﴾ ﴿إنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ ﴿ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي العَرْشِ مَكِينٍ﴾ ﴿مُطاعٍ ثَمَّ أمِينٍ﴾ .
الفاءُ لِتَفْرِيعِ القَسَمِ وجَوابُهُ عَلى الكَلامِ السّابِقِ لِلْإشارَةِ إلى ما تَقَدَّمَ مِنَ الكَلامِ هو بِمَنزِلَةِ التَّمْهِيدِ لِما بَعْدَ الفاءِ، فَإنَّ الكَلامَ السّابِقَ أفادَ تَحْقِيقَ وُقُوعِ البَعْثِ والجَزاءِ وهم قَدْ أنْكَرُوهُ وكَذَّبُوا القُرْآنَ الَّذِي أنْذَرَهم بِهِ، فَلَمّا قُضِيَ حَقُّ الإنْذارِ بِهِ وذُكِرَ أشْراطُهُ فُرِّعَ عَنْهُ تَصْدِيقُ القُرْآنِ الَّذِي أنْذَرَهم بِهِ وأنَّهُ مُوحًى بِهِ مِن عِنْدِ اللَّهِ.
فالتَّفْرِيعُ هُنا تَفْرِيعُ مَعْنًى وتَفْرِيعُ ذِكْرٍ مَعًا، وقَدْ جاءَ تَفْرِيعُ القَسَمِ لِمُجَرَّدِ تَفْرِيعِ ذِكْرِ كَلامٍ عَلى كَلامٍ آخَرَ كَقَوْلِ زُهَيْرٍ:
فَأقْسَمْتُ بِالبَيْتِ الَّذِي طافَ حَوْلَهُ رِجالٌ بَنَوْهُ مِن قُرَيْشٍ وجُرْهُمِ
عَقِبَ نَسِيبِ مُعَلَّقَتِهِ الَّذِي لا يَتَفَرَّعُ عَنْ مَعانِيهِ ما بَعْدَ القَسَمِ، وإنَّما قَصَدَ بِهِ أنَّ ما تَقَدَّمَ مِنَ الكَلامِ إنَّما هو لِلْإقْبالِ عَلى ما بَعْدَ الفاءِ، وبِذَلِكَ يَظْهَرُ تَفَوُّقُ التَّفْرِيعِ الَّذِي في هَذِهِ الآيَةِ عَلى تَفْرِيعِ بَيْتِ زُهَيْرٍ: ومَعْنى لا أُقْسِمُ: إيقاعُ القَسَمِ، وقَدْ عُدَّتْ (لا) زائِدَةً، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ﴾ [الواقعة: ٧٥] في سُورَةِ الواقِعَةِ.
والقَسَمُ مُرادٌ بِهِ تَأْكِيدُ الخَبَرِ وتَحْقِيقُهُ، وأُدْمِجَ فِيهِ أوْصافُ الأشْياءِ المُقْسَمِ بِها لِلدِّلالَةِ عَلى تَمامِ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى.
والخُنَّسِ: جَمْعُ خانِسَةٍ، وهي الَّتِي تَخْنِسُ، أيْ: تَخْتَفِي، يُقالُ: خَنِسَتِ البَقَرَةُ والظَّبْيَةُ، إذا اخْتَفَتْ في الكِناسِ.
والجَوارِي: جَمْعُ جارِيَةٍ، وهي الَّتِي تَجْرِي، أيْ: تَسِيرُ سَيْرًا حَثِيثًا.
والكُنَّسِ: جَمْعُ كانِسَةٍ، يُقالُ: كَنَسَ الظَّبْيُّ، إذا دَخَلَ كِناسَهُ - بِكَسْرِ الكافِ - وهو البَيْتُ الَّذِي يَتَّخِذُهُ لِلْمَبِيتِ.
وهَذِهِ الصِّفاتُ أُرِيدَ بِها صِفاتٌ مَجازِيَّةٌ؛ لِأنَّ الجُمْهُورَ عَلى أنَّ المُرادَ بِمَوْصُوفاتِها
صفحة ١٥٣
الكَواكِبُ، وُصِفْنَ بِذَلِكَ لِأنَّها تَكُونُ في النَّهارِ مُخْتَفِيَةً عَنِ الأنْظارِ، فَشُبِّهَتْ بِالوَحْشِيَّةِ المُخْتَفِيَةِ في شَجَرٍ ونَحْوِهِ، فَقِيلَ: الخُنَّسُ وهو مِن بَدِيعِ التَّشْبِيهِ؛ لِأنَّ الخُنُوسَ اخْتِفاءُ الوَحْشِ عَنْ أنْظارِ الصَّيّادِينَ ونَحْوِهِمْ دُونَ السُّكُونِ في كِناسٍ، وكَذَلِكَ الكَواكِبُ لِأنَّها لا تُرى في النَّهارِ لِغَلَبَةِ شُعاعِ الشَّمْسِ عَلى أُفُقِها وهي مَعَ ذَلِكَ مَوْجُودَةٌ في مَطالِعِها.
فَشُبِّهَ طُلُوعُ الكَوْكَبِ بِخُرُوجِ الوَحْشِيَّةِ مِن كِناسِها، وشُبِّهَ تَنَقُّلُ مَرْآها لِلنّاظِرِ بِجَرْيِ الوَحْشِيَّةِ عِنْدَ خُرُوجِها مِن كِناسِها صَباحًا، قالَ لَبِيدٌ:
حَتّى إذا انْحَسَرَ الظَّلامُ وأسْفَرَتْ بَكَرَتْ تَزِلُّ عَنِ الثَّرى أزْلامُها
وشُبِّهَ غُرُوبُها بَعْدَ سَيْرِها بِكُنُوسِ الوَحْشِيَّةِ في كِناسِها وهو تَشْبِيهُ بَدِيعٌ، فَكانَ قَوْلُهُ: بِالخُنَّسِ اسْتِعارَةً وكانَ ﴿الجَوارِي الكُنَّسِ﴾ تَرْشِيحَيْنِ لِلِاسْتِعارَةِ.
وقَدْ حَصَلَ مِن مَجْمُوعِ الأوْصافِ الثَّلاثِ ما يُشْبِهُ اللُّغْزَ يُحْسَبُ بِهِ أنَّ المَوْصُوفاتِ ظِباءٌ أوْ وُحُوشٌ؛ لِأنَّ تِلْكَ الصِّفاتِ حَقائِقُها مِن أحْوالِ الوُحُوشِ، والألْغازُ طَرِيقَةٌ مُسْتَمْلَحَةٌ عِنْدَ بُلَغاءِ العَرَبِ وهي عَزِيزَةٌ في كَلامِهِمْ، قالَ بَعْضُ شُعَرائِهِمْ وهو مِن شَواهِدِ العَرَبِيَّةِ:
فَقُلْتُ أعِيرانِي القُدُومَ لَعَلَّنِي ∗∗∗ أخُطُّ بِها قَبْرًا لِأبْيَضَ ماجِدِ
أرادَ أنَّهُ يَصْنَعُ بِها غِمْدًا لِسَيْفٍ صَقِيلٍ مُهَنَّدٍ.
وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وجابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، وابْنِ عَبّاسٍ: حَمْلُ هَذِهِ الأوْصافِ عَلى حَقائِقِها المَشْهُورَةِ، وإنَّ اللَّهَ أقْسَمَ بِالظِّباءِ وبَقَرِ الوَحْشِ.
صفحة ١٥٤
والمَعْرُوفُ في أقْسامِ القُرْآنِ أنْ تَكُونَ بِالأشْياءِ العَظِيمَةِ الدّالَّةِ عَلى قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى أوِ الأشْياءِ المُبارَكَةِ.
ثُمَّ عُطِفَ القَسَمُ بِ اللَّيْلِ عَلى القَسَمِ بِ (الكَواكِبِ) لِمُناسَبَةِ جَرَيانِ الكَواكِبِ في اللَّيْلِ، ولِأنَّ تَعاقُبَ اللَّيْلِ والنَّهارِ مِن أجَلِّ مَظاهِرِ الحِكْمَةِ الإلَهِيَّةِ في هَذا العالَمِ.
وعَسْعَسَ اللَّيْلُ عَسْعاسًا وعَسْعَسَةً، قالَ مُجاهِدٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أقْبَلَ بِظَلامِهِ، وقالَ مُجاهِدٌ أيْضًا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مَعْناهُ: أدْبَرَ ظَلامُهُ، وقالَهُ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ وجَزَمَ بِهِ الفَرّاءُ وحَكى عَلَيْهِ الإجْماعَ. وقالَ المُبَرِّدُ، والخَلِيلُ: هو مِنَ الأضْدادِ، يُقالُ: عَسْعَسَ، إذا أقْبَلَ ظَلامُهُ، وعَسْعَسَ، إذا أدْبَرَ ظَلامُهُ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: قالَ المُبَرِّدُ: أقْسَمَ اللَّهُ بِإقْبالِ اللَّيْلِ وإدْبارِهِ مَعًا اهـ.
وبِذَلِكَ يَكُونُ إيثارُ هَذا الفِعْلِ لِإفادَتِهِ كِلا حالَيْنِ صالِحَيْنِ لِلْقَسَمِ بِهِ فِيهِما؛ لِأنَّهُما مِن مَظاهِرِ القُدْرَةِ إذْ يَعْقُبُ الظَّلامَ الضِّياءُ، ثُمَّ يَعْقُبُ الضِّياءَ الظَّلامُ، وهَذا إيجازٌ.
وعُطِفَ عَلَيْهِ القَسَمُ بِالصُّبْحِ حِينَ تَنَفُّسِهِ، أيِ: انْشِقاقِ ضَوْئِهِ لِمُناسَبَةِ ذِكْرِ اللَّيْلِ، ولِأنَّ تَنَفُّسَ الصُّبْحِ مِن مَظاهِرِ بَدِيعِ النِّظامِ الَّذِي جَعَلَهُ اللَّهُ في هَذا العالَمِ.
والتَّنَفُّسُ: حَقِيقَتُهُ خُرُوجُ النَّفَسِ مِنَ الحَيَوانِ، اسْتُعِيرَ لِظُهُورِ الضِّياءِ مَعَ بَقايا الظَّلامِ عَلى تَشْبِيهِ خُرُوجِ الضِّياءِ بِخُرُوجِ النَّفَسِ عَلى طَرِيقَةِ الِاسْتِعارَةِ المُصَرِّحَةِ، أوْ لِأنَّهُ إذا بَدا الصَّباحُ أقَبَلَ مَعَهُ نَسِيمٌ فَجُعِلَ ذَلِكَ كالتَّنَفُّسِ لَهُ عَلى طَرِيقَةِ المَكْنِيَّةِ بِتَشْبِيهِ الصُّبْحِ بِذِي نَفَسٍ مَعَ تَشْبِيهِ النَّسِيمِ بِالأنْفاسِ.
وضَمِيرُ إنَّهُ عائِدٌ إلى القُرْآنِ ولَمْ يَسْبِقْ لَهُ ذِكْرٌ، ولَكِنَّهُ مَعْلُومٌ مِنَ المَقامِ في سِياقِ الإخْبارِ بِوُقُوعِ البَعْثِ، فَإنَّهُ مِمّا أخْبَرَهم بِهِ القُرْآنُ وكَذَّبُوا بِالقُرْآنِ لِأجْلِ ذَلِكَ.
والرَّسُولُ الكَرِيمُ يَجُوزُ أنْ يُرادَ بِهِ جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وُصِفَ جِبْرِيلُ بِرَسُولٍ لِأنَّهُ مُرْسَلٌ مِنَ اللَّهِ إلى النَّبِيءِ ﷺ بِالقُرْآنِ.
صفحة ١٥٥
وإضافَةُ قَوْلُ إلى رَسُولٍ إمّا لِأدْنى مُلابَسَةٍ بِأنَّ جِبْرِيلَ يُبَلِّغُ ألْفاظَ القُرْآنِ إلى النَّبِيءِ ﷺ فَيَحْكِيها كَما أمَرَهُ اللَّهُ تَعالى فَهو قائِلُها، أيْ: صادِرَةٌ مِنهُ ألْفاظُها.
وفِي التَّعْبِيرِ عَنْ جِبْرِيلَ بِوَصْفِ رَسُولٍ إيماءٌ إلى أنَّ القَوْلَ الَّذِي يُبَلِّغُهُ هو رِسالَةٌ مِنَ اللَّهِ مَأْمُورٌ بِإبْلاغِها كَما هي.
قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وقالَ آخَرُونَ الرَّسُولُ هو مُحَمَّدٌ ﷺ في الآيَةِ كُلِّها اهـ. ولَمْ يُعَيِّنِ اسْمَ أحَدٍ مِمَّنْ قالُوا هَذا مِنَ المُفَسِّرِينَ.
واسْتُطْرِدَ في خِلالِ الثَّناءِ عَلى القُرْآنِ الثَّناءُ عَلى المَلَكِ المُرْسَلِ بِهِ تَنْوِيهًا بِالقُرْآنِ، فَإجْراءُ أوْصافِ الثَّناءِ عَلى رَسُولٍ لِلتَّنْوِيهِ بِهِ أيْضًا، ولِلْكِنايَةِ عَلى أنَّ ما نَزَلَ بِهِ صِدْقٌ؛ لِأنَّ كَمالَ القائِلِ يَدُلُّ عَلى صِدْقِ القَوْلِ.
ووُصِفَ رَسُولٍ بِخَمْسَةِ أوْصافٍ: الأوَّلُ: كَرِيمٍ وهو النَّفِيسُ في نَوْعِهِ.
والوَصْفانِ الثّانِي والثّالِثُ: ﴿ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي العَرْشِ مَكِينٍ﴾ . فالقُوَّةُ حَقِيقَتُها مَقْدِرَةُ الذّاتِ عَلى الأعْمالِ العَظِيمَةِ الَّتِي لا يُقْدَرُ عَلَيْها غالِبًا. ومِن أوْصافِهِ تَعالى (القَوِيُّ)، ومِنها مَقْدِرَةُ الذّاتِ مِن إنْسانٍ أوْ حَيَوانٍ عَلى كَثِيرٍ مِنَ الأعْمالِ الَّتِي لا يَقْدِرُ عَلَيْها أبْناءُ نَوْعِهِ.
وضِدُّها الضَّعْفُ قالَ تَعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكم مِن ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وشَيْبَةً﴾ [الروم: ٥٤] .
وتُطْلَقُ القُوَّةُ مَجازًا عَلى ثَباتِ النَّفْسِ عَلى مُرادِها والإقْدامِ ورِباطَةِ الجَأْشِ. قالَ تَعالى: ﴿يا يَحْيى خُذِ الكِتابَ بِقُوَّةٍ﴾ [مريم: ١٢] وقالَ: ﴿خُذُوا ما آتَيْناكم بِقُوَّةٍ﴾ [البقرة: ٦٣]، فَوَصْفُ جِبْرِيلَ بِ ذِي قُوَّةٍ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ شِدَّةَ المَقْدِرَةِ كَما وُصِفَ بِذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ذُو مِرَّةٍ﴾ [النجم: ٦]، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِنَ القُوَّةِ المَجازِيَّةِ وهي الثَّباتُ في أداءِ ما أُرْسِلَ بِهِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ القُوى﴾ [النجم: ٥]؛ لِأنَّ المُناسِبَ لِلتَّعْلِيمِ هو قُوَّةُ النَّفْسِ، وأمّا إذا كانَ المُرادُ مُحَمَّدًا ﷺ فَوَصْفُهُ بِ ﴿ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي العَرْشِ﴾ يُرادُ بِها المَعْنى المَجازِيُّ وهو الكَرامَةُ والِاسْتِجابَةُ لَهُ.
صفحة ١٥٦
والمَكِينُ: فَعِيلٌ، صِفَةٌ مُشَبَّهَةٌ مِن مَكُنَ بِضَمِّ الكافِ مَكانَةً، إذا عَلَتْ رُتْبَتُهُ عِنْدَ غَيْرِهِ، قالَ تَعالى في قِصَّةِ يُوسُفَ مَعَ المَلِكِ ﴿فَلَمّا كَلَّمَهُ قالَ إنَّكَ اليَوْمَ لَدَيْنا مَكِينٌ أمِينٌ﴾ [يوسف: ٥٤] .
وتَوْسِيطُ قَوْلِهِ: ﴿عِنْدَ ذِي العَرْشِ﴾ بَيْنَ ذِي قُوَّةٍ ومَكِينٍ لِيَتَنازَعَهُ كِلا الوَصْفَيْنِ عَلى وجْهِ الإيجازِ، أيْ: هو ذُو قُوَّةٍ عِنْدَ اللَّهِ، أيْ: جَعَلَ اللَّهُ مَقْدِرَةَ جِبْرِيلَ تُخَوِّلُهُ أنْ يَقُومَ بِعَظِيمِ ما يُوَكِّلُهُ اللَّهُ بِهِ مِمّا يَحْتاجُ إلى قُوَّةِ القُدْرَةِ وقُوَّةِ التَّدْبِيرِ، وهو ذُو مَكانَةٍ عِنْدَ اللَّهِ وزُلْفى.
ووُصِفَ النَّبِيءُ ﷺ بِذَلِكَ عَلى نَحْوِ ما تَقَدَّمَ.
والعِنْدِيَّةُ عِنْدِيَّةُ تَعْظِيمٍ وعِنايَةٍ، فَ عِنْدَ لِلْمَكانِ المَجازِيِّ الَّذِي هو بِمَعْنى الِاخْتِصاصِ والزُّلْفى.
وعُدِلَ عَلى اسْمِ الجَلالَةِ إلى ذِي العَرْشِ بِالنِّسْبَةِ إلى جِبْرِيلَ لِتَمْثِيلِ حالِ جِبْرِيلَ ومَكانَتِهِ عِنْدَ اللَّهِ بِحالَةِ الأمِيرِ الماضِي في تَنْفِيذِ أمْرِ المَلِكِ وهو بِمَحَلِّ الكَرامَةِ لَدَيْهِ.
وأمّا بِالنِّسْبَةِ إلى النَّبِيءِ ﷺ فَلِلْإشارَةِ إلى عَظِيمِ شَأْنِهِ إذْ كانَ ذا قُوَّةٍ عِنْدَ أعْظَمِ مَوْجُودٍ شَأْنًا.
الوَصْفُ الرّابِعُ مُطاعٍ أنْ يُطِيعَهُ مَن مَعَهُ مِنَ المَلائِكَةِ كَما يُطِيعُ الجَيْشُ قائِدَهم، أوِ النَّبِيءُ ﷺ مُطاعٌ: أيْ: مَأْمُورٌ النّاسُ بِطاعَةِ ما يَأْمُرُهم بِهِ.
وثَمَّ بِفَتْحِ الثّاءِ اسْمُ إشارَةٍ إلى المَكانِ، والمُشارُ إلَيْهِ هو المَكانُ المُجازِيُّ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿عِنْدَ ذِي العَرْشِ﴾ فَيَجُوزُ تَعَلُّقُ الظَّرْفِ بِ مُطاعٍ وهو أنْسَبُ لِإجْراءِ الوَصْفِ عَلى جِبْرِيلَ، أيْ: مُطاعٌ في المَلَأِ الأعْلى فِيما يَأْمُرُ بِهِ المَلائِكَةَ والنَّبِيءُ ﷺ مُطاعٌ في العالَمِ العُلْوِيِّ، أيْ: مُقَرَّرٌ عِنْدَ اللَّهِ أنْ يُطاعَ فِيما يَأْمُرُ بِهِ.
ويَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِ أمِينٍ، وتَقْدِيمُهُ عَلى مُتَعَلَّقِهِ لِلِاهْتِمامِ بِذَلِكَ المَكانِ، فَوَصْفُ جِبْرِيلَ بِهِ ظاهِرٌ أيْضًا، ووَصْفُ النَّبِيءِ ﷺ بِهِ لِأنَّهُ مُقَرَّرَةٌ أمانَتُهُ في المَلَأِ الأعْلى.
صفحة ١٥٧
والأمِينُ: الَّذِي يَحْفَظُ ما عُهِدَ لَهُ بِهِ حَتّى يُؤَدِّيَهُ دُونَ نَقْصٍ ولا تَغْيِيرٍ، وهو فَعِيلٌ إمّا بِمَعْنى مَفْعُولٍ، أيْ: مَأْمُونٌ مِن أمِنَهُ عَلى كَذا. وعَلى هَذا يُقالُ: امْرَأةٌ أمِينٌ، ولا يُقالُ: أمِينَةٌ، وإمّا صِفَةٌ مُشَبَّهَةٌ مِن: أمُنَ بِضَمِّ المِيمِ إذا صارَتِ الأمانَةُ سَجِيَّتَهُ، وعَلى هَذا الوَجْهِ يُقالُ: امْرَأةٌ أمِينَةٌ، ومِنهُ قَوْلُ الفُقَهاءِ في المَرْأةِ المُشْتَكِيَةِ أضْرارَ زَوْجِها: يُجْعَلانِ عِنْدَ أمِينَةٍ وأمِينٍ.
﴿وما صاحِبُكم بِمَجْنُونٍ﴾
عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿إنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ [التكوير: ١٩] فَهو داخِلٌ في خَبَرِ القَسَمِ جَوابًا ثانِيًا عَنِ القَسَمِ، والمَعْنى: وما هو أيِ: القُرْآنُ بِقَوْلِ مَجْنُونٍ كَما تَزْعُمُونَ. فَبَعْدَ أنْ أثْنى اللَّهُ عَلى القُرْآنِ بِأنَّهُ قَوْلُ رَسُولٍ مُرْسَلٍ مِنَ اللَّهِ وكانَ قَدْ تَضَمَّنَ ذَلِكَ ثَناءً عَلى النَّبِيءِ ﷺ بِأنَّهُ صادِقٌ فِيما بَلَّغَهُ عَنِ اللَّهِ تَعالى، أعْقَبَهُ بِإبْطالِ بُهْتانِ المُشْرِكِينَ فِيما اخْتَلَقُوهُ عَلى النَّبِيءِ ﷺ مِن قَوْلِهِمْ مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ وقَوْلِهِمْ ﴿أفْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا أمْ بِهِ جِنَّةٌ﴾ [سبإ: ٨]، فَأبْطَلَ قَوْلَهم إبْطالًا مُؤَكَّدًا ومُؤَيَّدًا، فَتَأْكِيدُهُ بِالقَسَمِ وبِزِيادَةِ الباءِ بَعْدَ النَّفْيِ، وتَأْيِيدُهُ بِما أوْمَأ إلَيْهِ وصْفُهُ بِأنَّ الَّذِي بَلَّغَهُ صاحِبُهم، فَإنَّ وصْفَ صاحِبٍ كِنايَةٌ عَنْ كَوْنِهِمْ يَعْلَمُونَ خُلُقَهُ وعَقْلَهُ ويَعْلَمُونَ أنَّهُ لَيْسَ بِمَجْنُونٍ، إذْ شَأْنُ الصّاحِبِ أنْ لا تَخْفى دَقائِقُ أحْوالِهِ عَلى أصْحابِهِ.
والمَعْنى: نَفْيُ أنْ يَكُونَ القُرْآنُ مِن وساوِسِ المَجانِينِ، فَسَلامَةُ مُبَلِّغِهِ مِنَ الجُنُونِ تَقْتَضِي سَلامَةَ قَوْلِهِ عَنْ أنْ يَكُونَ وسْوَسَةً.
ويَجْرِي عَلى ما تَقَدَّمَ مِنَ القَوْلِ بِأنَّ المُرادَ بِ رَسُولٍ كَرِيمٍ النَّبِيءُ مُحَمَّدٌ ﷺ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: صاحِبُكم هُنا إظْهارًا في مَقامِ الإضْمارِ لِلتَّعْرِيضِ بِأنَّهُ مَعْرُوفٌ عِنْدَهم بِصِحَّةِ العَقْلِ وأصالَةِ الرَّأْيِ.
والصّاحِبُ حَقِيقَتُهُ: ذُو الصُّحْبَةِ، وهي المُلازَمَةُ في أحْوالِ التَّجَمُّعِ والِانْفِرادِ لِلْمُؤانَسَةِ والمُوافَقَةِ، ومِنهُ قِيلَ لِلزَّوْجِ: صاحِبَةٌ، ولِلْمُسافِرِ مَعَ غَيْرِهِ صاحِبٌ، قالَ امْرُؤُ القَيْسِ:
بَكى صاحِبِي لَمّا رَأى الدَّرْبَ دُونَهُ
صفحة ١٥٨
وقالَ تَعالى حِكايَةً عَنْ يُوسُفَ: ﴿يا صاحِبَيِ السِّجْنِ﴾ [يوسف: ٣٩] وقالَ الحَرِيرِيُّ في المَقامَةِ الحادِيَةِ والعِشْرِينَ: ”ولا لَكم مِنِّي إلّا صُحْبَةُ السَّفِينَةِ“ .
وقَدْ يَتَوَسَّعُونَ في إطْلاقِهِ عَلى المُخالِطِ في أحْوالٍ كَثِيرَةٍ ولَوْ في الشَّرِّ، كَقَوْلِ الحَجّاجِ يُخاطِبُ الخَوارِجَ: ”ألَسْتُمْ أصْحابِي بِالأهْوازِ حِينَ رُمْتُمُ الغَدْرَ واسْتَبْطَنْتُمُ الكُفْرَ“ . وقَوْلِ الفَضْلِ اللَّهَبِيِّ:
كُلٌّ لَهُ نِيَّةٌ في بُغْضِ صاحِبِهِ ∗∗∗ بِنِعْمَةِ اللَّهِ نَقْلِيكم وتَقْلُونا
والمَعْنى: أنَّ الَّذِي تُخاصِمُونَهُ وتُكَذِّبُونَهُ وتَصِفُونَهُ بِالجُنُونِ لَيْسَ بِمَجْنُونٍ وأنَّكم مُخالِطُوهُ ومُلازِمُوهُ وتَعْلَمُونَ حَقِيقَتَهُ، فَما قَوْلُكم عَلَيْهِ إنَّهُ مَجْنُونٌ إلّا لِقَصْدِ البُهْتانِ وإساءَةِ السُّمْعَةِ.
فَهَذا مَوْقِعُ هَذِهِ الجُمْلَةِ مَعَ ما قَبْلَها وما بَعْدَها، والقَصْدُ مِن ذَلِكَ إثْباتُ صِدْقِ مُحَمَّدٍ ﷺ ولا يَخْطُرُ بِالبالِ أنَّها مَسُوقَةٌ في مَعْرِضِ المُوازَنَةِ والمُفاضَلَةِ بَيْنَ جِبْرِيلَ ومُحَمَّدٍ - عَلَيْهِما السَّلامُ - والشَّهادَةُ لَهُما بِمَزاياهُما حَتّى يُشَمَّ مِن وفْرَةِ الصِّفاتِ المُجْراةِ عَلى جِبْرِيلَ أنَّهُ أفْضَلُ مِن مُحَمَّدٍ ﷺ ولا أنَّ المُبالَغَةَ في أوْصافِ جِبْرِيلَ مَعَ الِاقْتِصادِ في أوْصافِ مُحَمَّدٍ ﷺ تُؤْذِنُ بِتَفْضِيلِ أوَّلِهِما عَلى الثّانِي.
ومِن أسْمَجِ الكَلامِ وأضْعَفِ الِاسْتِدْلالِ قَوْلُ صاحِبِ الكَشّافِ: ”وناهِيكَ بِهَذا دَلِيلًا عَلى جَلالَةِ مَكانَةِ جِبْرِيلَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ومُبايَنَةِ مَنزِلَتِهِ لِمَنزِلَةِ أفْضَلِ الإنْسِ مُحَمَّدٍ ﷺ إذا وازَنْتَ بَيْنَ الذِّكْرَيْنِ وقايَسْتَ بَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿إنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ [التكوير: ١٩] ﴿ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي العَرْشِ مَكِينٍ﴾ [التكوير: ٢٠] ﴿مُطاعٍ ثَمَّ أمِينٍ﴾ [التكوير: ٢١]، وبَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿وما صاحِبُكم بِمَجْنُونٍ﴾“ ا ه.
وكَيْفَ انْصَرَفَ نَظَرُهُ عَنْ سِياقِ الآيَةِ في الرَّدِّ عَلى أقْوالِ المُشْرِكِينَ في النَّبِيءِ ﷺ ولَمْ يَقُولُوا في جِبْرِيلَ شَيْئًا؛ لِأنَّ الزَّمَخْشَرِيَّ رامَ أنْ يَنْتَزِعَ مِنَ الآيَةِ دَلِيلًا لِمَذْهَبِ أصْحابِ الِاعْتِزالِ مِن تَفْضِيلِ المَلائِكَةِ عَلى الأنْبِياءِ، وهي مَسْألَةٌ لَها مَجالٌ آخَرُ، عَلى أنَّكَ قَدْ عَلِمْتَ أنَّ الصِّفاتِ الَّتِي أُجْرِيَتْ عَلى رَسُولٍ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ [التكوير: ١٩] إلى قَوْلِهِ: أمِينٍ غَيْرُ مُتَعَيَّنٍ انْصِرافُها إلى جِبْرِيلَ،
صفحة ١٥٩
فَإنَّها مُحْتَمِلَةُ الِانْصِرافِ إلى مُحَمَّدٍ ﷺ . وقَدْ يَطْغى عَلَيْهِ حُبُّ الِاسْتِدْلالِ لِعَقائِدِ أهْلِ الِاعْتِزالِ طُغْيانًا يَرْمِي بِفَهْمِهِ في مَهاوِي الضَّآلَةِ، وهَلْ يَسْمَحُ بالُ ذِي مُسْكَةٍ مِن عِلْمٍ بِمَجارِي كَلامِ العُقَلاءِ أنْ يَتَصَدّى مُتَصَدٍّ لِبَيانِ فَضْلِ أحَدٍ بِأنْ يَنْفِيَ عَنْهُ أنَّهُ مَجْنُونٌ، وهَذا كُلُّهُ مَبْنِيٌّ عَلى تَفْسِيرِ ﴿رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ [التكوير: ١٩] بِجِبْرِيلَ، فَأمّا إنْ أُرِيدَ بِهِ مُحَمَّدٌ ﷺ أوْ هو وجِبْرِيلُ - عَلَيْهِما السَّلامُ - فَهَذا مُقْتَلَعٌ مِن جِذْرِهِ.
ولا يَخْفى أنَّ العُدُولَ عَنِ اسْمِ النَّبِيءِ العَلَمِ إلى صاحِبُكم لِما يُؤْذِنُ بِهِ صاحِبُكم مِن كَوْنِهِمْ عَلى عِلْمٍ بِأحْوالِهِ، وأمّا العُدُولُ عَنْ ضَمِيرِهِ إنْ كانَ المُرادُ بِـ رَسُولٍ خُصُوصَ النَّبِيءِ ﷺ فَمِنَ الإظْهارِ في مَقامِ الإضْمارِ لِلْوَجْهِ المَذْكُورِ وإذا أُرِيدَ بِ رَسُولٍ كِلاهُما فَذِكْرُ صاحِبُكم لِتَخْصِيصِ الكَلامِ بِهِ.
81:23Страница 586
وَلَقَدۡ رَءَاهُ بِٱلۡأُفُقِ ٱلۡمُبِينِ ٢٣
Он видел его (Джибрила) на ясном горизонте
﴿ولَقَدْ رَآهُ بِالأُفُقِ المُبِينِ﴾
عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿وما صاحِبُكم بِمَجْنُونٍ﴾ [التكوير: ٢٢] .
والمُناسَبَةُ بَيْنَ الجُمْلَتَيْنِ أنَّ المُشْرِكِينَ كانُوا إذا بَلَغَهم أنَّ الرَّسُولَ ﷺ يُخْبِرُ أنَّهُ نَزَلَ عَلَيْهِ جِبْرِيلُ بِالوَحْيِ مِن وقْتِ غارِ حِراءٍ فَما بَعْدَهُ اسْتَهْزَؤُوا وقالُوا: إنَّ ذَلِكَ الَّذِي يَتَراءى لَهُ هو جِنِّيٌّ، فَكَذَّبَهُمُ اللَّهُ بِنَفْيِ الجُنُونِ عَنْهُ، ثُمَّ بِتَحْقِيقِ أنَّهُ إنَّما رَأى جِبْرِيلَ القَوِيَّ الأمِينَ. فَضَمِيرُ الرَّفْعِ عائِدٌ إلى صاحِبٍ مِن قَوْلِهِ: وما صاحِبُكم وضَمِيرُ النَّصْبِ عائِدٌ إلى رَسُولٍ كَرِيمٍ وسِياقُ الكَرَمِ يُبَيِّنُ مَعادَ الرّائِي والمَرْئِيِّ.
والأُفُقِ: الفَضاءُ الَّذِي يَبْدُو لِلْعَيْنِ مِنَ الكُرَةِ الهَوائِيَّةِ بَيْنَ طَرَفَيْ مَطْلَعِ الشَّمْسِ ومَغْرِبِها مِن حَيْثُ يَلُوحُ ضَوْءُ الفَجْرِ ويَبْدُو شَفَقُ الغُرُوبِ وهو يَلُوحُ كَأنَّهُ قُبَّةٌ زَرْقاءُ، والمَعْنى رَآهُ ما بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ.
والمُبِينِ: وصْفُ الأُفُقِ، أيْ: لِلْأُفُقِ الواضِحِ البَيِّنِ.
والمَقْصُودُ مِن هَذا الوَصْفِ نَعْتُ الأُفُقِ الَّذِي تَراءى مِنهُ جِبْرِيلُ لِلنَّبِيءِ - عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ - بِأنَّهُ أُفُقٌ واضِحٌ بَيِّنٌ لا تَشْتَبِهُ فِيهِ المَرْئِيّاتُ ولا يُتَخَيَّلُ فِيهِ الخَيالُ،
صفحة ١٦٠
وجُعِلَتْ تِلْكَ الصِّفَةُ عَلامَةً عَلى أنَّ المَرْئِيَّ مَلَكٌ ولَيْسَ بِخَيالٍ؛ لِأنَّ الأخْيِلَةَ الَّتِي يَتَخَيَّلُها المَجانِينُ إنَّما يَتَخَيَّلُونَها عَلى الأرْضِ تابِعَةً لَهم عَلى ما تَعَوَّدُوهُ مِن وقْتِ الصِّحَّةِ، وقَدْ وصَفَ النَّبِيءُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - المَلَكَ الَّذِي رَآهُ عِنْدَ نُزُولِ سُورَةِ المُدَّثِّرِ بِأنَّهُ عَلى كُرْسِيٍّ جالِسٌ بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ، ولِهَذا تَكَرَّرَ ذِكْرُ ظُهُورِ المَلَكِ بِالأُفُقِ في سُورَةِ النَّجْمِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ القُوى﴾ [النجم: ٥] ﴿ذُو مِرَّةٍ فاسْتَوى﴾ [النجم: ٦] ﴿وهُوَ بِالأُفُقِ الأعْلى﴾ [النجم: ٧] ﴿ثُمَّ دَنا فَتَدَلّى﴾ [النجم: ٨] ﴿فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أوْ أدْنى﴾ [النجم: ٩] إلى أنْ قالَ: ﴿أفَتُمارُونَهُ عَلى ما يَرى﴾ [النجم: ١٢] ولَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى ﴿عِنْدَ سِدْرَةِ المُنْتَهى﴾ [النجم: ١٤] ﴿عِنْدَها جَنَّةُ المَأْوى﴾ [النجم: ١٥] الآياتِ، قِيلَ: رَأى النَّبِيءُ جِبْرِيلَ - عَلَيْهِما السَّلامُ - بِمَكَّةَ مِن جِهَةِ جَبَلِ أجْيادٍ مِن شَرْقِيِّهِ.
Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии