Ибн Ашур · Тафсир · на арабском
Аль-Гашия 88:17–26
88:17–20Страница 592
أَفَلَا يَنظُرُونَ إِلَى ٱلۡإِبِلِ كَيۡفَ خُلِقَتۡ ١٧
Неужели они не видят, как созданы верблюды,
وَإِلَى ٱلسَّمَآءِ كَيۡفَ رُفِعَتۡ ١٨
как вознесено небо,
وَإِلَى ٱلۡجِبَالِ كَيۡفَ نُصِبَتۡ ١٩
как водружены горы,
وَإِلَى ٱلۡأَرۡضِ كَيۡفَ سُطِحَتۡ ٢٠
как распростерта земля?
﴿أفَلا يَنْظُرُونَ إلى الإبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ﴾ ﴿وإلى السَّماءِ كَيْفَ رُفِعَتْ﴾ ﴿وإلى الجِبالِ كَيْفَ نُصِبَتْ﴾ ﴿وإلى الأرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ﴾
لَمّا تَقَدَّمَ التَّذْكِيرُ بِيَوْمِ القِيامَةِ ووَصْفُ حالِ أهْلِ الشَّقاءِ بِما وُصِفُوا بِهِ، وكانَ قَدْ تَقَرَّرُ فِيما نَزَلَ مِنَ القُرْآنِ أنَّ أهْلَ الشَّقاءِ هم أهْلُ الإشْراكِ بِاللَّهِ، فُرِّعَ عَلى ذَلِكَ إنْكارٌ عَلَيْهِمْ إعْراضَهم عَنِ النَّظَرِ في دَلائِلِ الوَحْدانِيَّةِ، فالفاءُ في قَوْلِهِ: ﴿أفَلا يَنْظُرُونَ﴾ تَفْرِيعُ التَّعْلِيلِ عَلى المُعَلَّلِ؛ لِأنَّ فَظاعَةَ ذَلِكَ الوَعِيدِ تَجْعَلُ المَقامَ مَقامَ اسْتِدْلالِ عَلى أنَّهم مَحْقُوقُونَ بِوُجُوبِ النَّظَرِ في دَلائِلِ الوَحْدانِيَّةِ الَّتِي هي أصِلُ الِاهْتِداءِ إلى تَصْدِيقِ ما أخْبَرَهم بِهِ القُرْآنُ مِنَ البَعْثِ والجَزاءِ، وإلى الِاهْتِداءِ إلى أنَّ مُنْشِئَ النَّشْأةِ الأوْلى عَنْ عَدَمٍ بِما فِيها مِن عَظِيمِ المَوْجُوداتِ كالجِبالِ والسَّماءِ، لا يُسْتَبْعَدُ في جانِبِ قُدْرَتِهِ إعادَةُ إنْشاءِ الإنْسانِ بَعْدَ فَنائِهِ عَنْ عَدَمٍ، وهو دُونَ
صفحة ٣٠٤
تِلْكَ المَوْجُوداتِ العَظِيمَةِ الأحْجامِ، فَكانَ إعْراضُهم عَنِ النَّظَرِ مَجْلَبَةً لِما يُجَشِّمُهم مِنَ الشَّقاوَةِ وما وقَعَ بَيْنَ هَذا التَّفْرِيعِ وبَيْنَ المُفَرَّعِ عَنْهُ مِن جُمْلَةِ ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناعِمَةٌ﴾ [الغاشية: ٨] كانَ في مَوْقِعِ الِاعْتِراضِ كَما عَلِمْتَ.
فَضَمِيرُ يَنْظُرُونَ عائِدٌ إلى مَعْلُومٍ مِن سِياقِ الكَلامِ.
والهَمْزَةُ لِلِاسْتِفْهامِ الإنْكارِيِّ إنْكارًا عَلَيْهِمْ إهْمالَ النَّظَرِ في الحالِ إلى دَقائِقِ صُنْعِ اللَّهِ في بَعْضِ مَخْلُوقاتِهِ.
والنَّظَرُ: نَظَرُ العَيْنِ المُفِيدِ الِاعْتِبارَ بِدَقائِقِ المَنظُورِ، وتَعْدِيَتُهُ بِحَرْفِ (إلى) تَنْبِيهٌ عَلى إمْعانِ النَّظَرِ لِيَشْعُرَ النّاظِرُ مِمّا في المَنظُورِ مِنَ الدَّقائِقِ، فَإنَّ قَوْلَهم نَظَرَ إلى كَذا أشَدُّ في تَوْجِيهِ النَّظَرِ مِن نَظَرَ كَذا، لِما في (إلى) مِن مَعْنى الِانْتِهاءِ حَتّى كَأنَّ النَّظَرَ انْتَهى عِنْدَ المَجْرُورِ بِـ (إلى) انْتِهاءَ تَمَكُّنٍ واسْتِقْرارٍ كَما قالَ تَعالى: ﴿فَإذا جاءَ الخَوْفُ رَأيْتَهم يَنْظُرُونَ إلَيْكَ﴾ [الأحزاب: ١٩] وقَوْلُهُ: ﴿إلى رَبِّها ناظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٣] .
ولِزِيادَةِ التَّنْبِيهِ عَلى إنْكارِ هَذا الإهْمالِ قُيِّدَ فِعْلُ يَنْظُرُونَ بِالكَيْفِيّاتِ المَعْدُودَةِ في قَوْلِهِ: ﴿كَيْفَ خُلِقَتْ﴾، ﴿كَيْفَ رُفِعَتْ﴾، ﴿كَيْفَ نُصِبَتْ﴾، ﴿كَيْفَ سُطِحَتْ﴾ أيْ: لَمْ يَنْظُرُوا إلى دَقائِقِ هَيْئاتِ خَلْقِها.
وجُمْلَةُ ﴿كَيْفَ خُلِقَتْ﴾ بَدَلُ اشْتِمالٍ مِنَ الإبِلِ والعامِلُ فِيهِ هو العامِلُ في المُبْدَلِ مِنهُ وهو فِعْلُ يَنْظُرُونَ لا حَرْفُ الجَرِّ، فَإنَّ حَرْفَ الجَرِّ آلَةٌ لِتَعْدِيَةِ الفِعْلِ إلى مَفْعُولِهِ فالفِعْلُ إنِ احْتاجَ إلى حَرْفِ الجَرِّ في التَّعْدِيَةِ إلى المَفْعُولِ لا يَحْتاجُ إلَيْهِ في العَمَلِ في البَدَلِ، وشَتّانَ بَيْنَ ما يَقْتَضِيهِ إعْمالُ المَتْبُوعِ وما يَقْتَضِيهِ إعْمالُ التّابِعِ فَكُلٌّ عَلى ما يَقْتَضِيهِ مَعْناهُ ومَوْقِعُهُ، فَكَيْفَ مَنصُوبٌ عَلى الحالِ بِالفِعْلِ الَّذِي يَلِيهِ.
والمَعْنى والتَّقْدِيرُ: أفَلا يَنْظُرُونَ إلى الإبِلِ هَيْئَةَ خَلْقِها.
وقَدْ عُدَّتْ أشْياءُ أرْبَعَةٌ هي مِنَ النّاظِرِينَ، عَنْ كَثَبٍ لا تَغِيبُ عَنْ أنْظارِهِمْ، وعُطِفَ بَعْضُها عَلى بَعْضٍ، فَكانَ اشْتِراكُها في مَرْآهم جِهَةً جامِعَةً بَيْنَها بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِمْ، فَإنَّهُمُ المَقْصُودُونَ بِهَذا الإنْكارِ والتَّوْبِيخِ، فالَّذِي حَسَّنَ اقْتِرانَ الإبِلِ مَعَ
صفحة ٣٠٥
السَّماءِ والجِبالِ والأرْضِ في الذِّكْرِ هُنا، هو أنَّها تَنْتَظِمُ في نَظَرِ جُمْهُورِ العَرَبِ مِن أهْلِ تِهامَةَ والحِجازِ ونَجِدٍ وأمْثالِها مِن بِلادِ أهْلِ الوَبَرِ والِانْتِجاعِ.
فالإبِلُ أمْوالُهم ورَواحِلُهم، ومِنها عَيْشُهم ولِباسُهم ونَسْجُ بُيُوتِهِمْ وهي حَمّالَةُ أثْقالِهِمْ، وقَدْ خَلَقَها اللَّهُ خَلْقًا عَجِيبًا بِقُوَّةِ قَوائِمِها ويُسْرِ بَرُوكِها لِتَيْسِيرَ حَمْلِ الأمْتِعَةِ عَلَيْها، وجَعَلَ أعْناقَها طَوِيلَةً قَوِيَّةً لِيُمْكِنَها النُّهُوضُ بِما عَلَيْها مِنَ الأثْقالِ بَعْدَ تَحْمِيلِها أوْ بَعْدَ اسْتِراحَتِها في المَنازِلِ والمَبارَكِ، وجَعَلَ في بُطُونِها أمْعاءً تَخْتَزِنُ الطَّعامَ والماءَ بِحَيْثُ تَصْبِرُ عَلى العَطَشِ إلى عَشَرَةِ أيّامٍ في السَّيْرِ في المَفاوِزِ مِمّا يَهْلِكُ فِيما دُونَهُ غَيْرُها مِنَ الحَيَوانِ.
وكَمْ قَدْ جَرى ذِكْرُ الرَّواحِلِ وصِفاتِها وحَمْدِها في شِعْرِ العَرَبِ ولا تَكادُ تَخْلُو قَصِيدَةٌ مِن طُوالِها عَنْ وصْفِ الرَّواحِلِ ومَزاياها. وناهِيكَ بِما في المُعَلَّقاتِ وما في قَصِيدَةِ كَعْبِ بْنِ زُهَيْرٍ.
والإبِلُ: اسْمُ جَمْعٍ لِلْبُعْرانِ لا واحِدَ لَهُ مِن لَفْظِهِ، وقَدْ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ومِنَ البَقَرِ والغَنَمِ حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُما﴾ [الأنعام: ١٤٦] في سُورَةِ الأنْعامِ.
وعَنِ المُبَرِّدِ أنَّهُ فَسَّرَ الإبِلَ في هَذِهِ الآيَةِ بِالأسْحِبَةِ وتَأوَّلَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ بِأنَّهُ لَمْ يُرِدْ أنَّ الإبِلَ مِن أسْماءِ السَّحابِ، ولَكِنَّهُ أرادَ أنَّهُ مِن قَبِيلِ التَّشْبِيهِ، أيْ: هو عَلى نَحْوِ قَوْلِ عَنْتَرَةَ:
جادَتْ عَلَيْهِ كُلَّ بَكَرَةِ حُرَّةٍ فَتَرْكَنُ كُلُّ قَرارَةٍ كالدِّرْهَمِ
ونُقِلَ بِهِمْ إلى التَّدَبُّرِ في عَظِيمِ خَلْقِ السَّماءِ إذْ هم يَنْظُرُونَها نَهارَهم ولَيْلَهم في إقامَتِهِمْ وظَعْنِهِمْ، يَرْقُبُونَ أنْواءَ المَطَرِ ويَشِيمُونَ لَمْعَ البُرُوقِ، فَقَدْ عُرِفَ العَرَبُ بِأنَّهم بَنُو ماءِ السَّماءِ، قالَ زِيادَةُ الحارِثِيُّ (عَلى تَرَدُّدٍ لِشُرّاحِ الحَماسَةِ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ بَنُو ماءِ السَّماءِ):
ونَحْنُ بَنُو ماءِ السَّماءِ فَلا ∗∗∗ نَرى لِأنْفُسِنا مِن دُونِ مَمْلَكَةٍ قَصْرُ
وفِي كَلامِ أبِي هُرَيْرَةَ وقَدْ ذَكَرَ قِصَّةَ هاجَرَ، فَقالَ أبُو هُرَيْرَةَ في آخِرِها: ”إنَّها لَأُمُّكم يا بَنِي ماءِ السَّماءِ“ ويَتَعَرَّفُونَ مِنَ النُّجُومِ ومَنازِلِ الشَّمْسِ أوْقاتَ اللَّيْلِ والنَّهارِ ووِجْهَةَ السَّيْرِ.
صفحة ٣٠٦
وأتْبَعَ ذِكْرَ السَّماءِ بِذِكْرِ الجِبالِ وكانَتِ الجِبالُ مَنازِلَ لِكَثِيرٍ مِنهم مِثْلَ جَبَلَيْ أجَأٍ وسَلْمى لِطَيٍّ. ويَنْزِلُونَ سُفُوحَها لِيَكُونُوا أقْرَبَ إلى الِاعْتِصامِ بِها عِنْدَ الخَوْفِ ويَتَّخِذُونَ فِيها مَراقِبَ لِلْحِراسَةِ.
والنَّصْبُ: الرَّفْعُ أيْ: كَيْفَ رُفِعَتْ وهي مَعَ ارْتِفاعِها ثابِتَةٌ راسِخَةٌ لا تَمِيلُ.
ثُمَّ نَزَلَ بِأنْظارِهِمْ إلى الأرْضِ وهي تَحْتَ أقْدامِهِمْ وهي مَرْعاهم ومُفْتَرَشُهم، وقَدْ سَطَحَها اللَّهُ، أيْ: خَلَقَها مُمَهَّدَةً لِلْمَشْيِ والجُلُوسِ والِاضْطِجاعِ. ومَعْنى سُطِحَتْ: يُقالُ سَطَحَ الشَّيْءَ إذا سَوّاهُ ومِنهُ سَطْحُ الدّارِ.
والمُرادُ بِالأرْضِ أرْضُ كُلِّ قَوْمٍ لا مَجْمُوعَ الكُرَةِ الأرْضِيَّةِ.
وبُنِيَتِ الأفْعالُ الأرْبَعَةُ إلى المَجْهُولِ لِلْعِلْمِ بِفاعِلِ ذَلِكَ.
88:21–24Страница 592
فَذَكِّرۡ إِنَّمَآ أَنتَ مُذَكِّرٞ ٢١
Наставляй же, ведь ты - наставник,
لَّسۡتَ عَلَيۡهِم بِمُصَيۡطِرٍ ٢٢
и ты не властен над ними.
إِلَّا مَن تَوَلَّىٰ وَكَفَرَ ٢٣
А тех, кто отвернется и не уверует,
فَيُعَذِّبُهُ ٱللَّهُ ٱلۡعَذَابَ ٱلۡأَكۡبَرَ ٢٤
Аллах подвергнет величайшим мучениям.
﴿فَذَكِّرْ إنَّما أنْتَ مُذَكِّرٌ﴾ ﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾ ﴿إلّا مَن تَوَلّى وكَفَرَ﴾ ﴿فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ العَذابَ الأكْبَرَ﴾ .
الفاءُ فَصِيحَةُ تَفْرِيعٍ عَلى مُحَصَّلِ ما سَبَقَ مِن أوَّلِ السُّورَةِ الَّذِي هو التَّذْكِيرُ بِالغاشِيَةِ وما اتَّصَلَ بِهِ مِن ذِكْرِ إعْراضِهِمْ وإنْذارِهِمْ، رَتَّبَ عَلى ذَلِكَ أمْرُ اللَّهِ رَسُولَهُ ﷺ بِالدَّوامِ عَلى تَذْكِيرِهِمْ، وأنَّهُ لا يُؤَيِّسُهُ إصْرارُهم عَلى الإعْراضِ وعَدَمُ ادِّكارِهِمْ بِما ألْقى إلَيْهِمْ مِنَ المَواعِظِ، وتَثْبِيتُهُ بِأنَّهُ لا تَبِعَةَ عَلَيْهِ مِن عَدَمِ إصْغائِهِمْ إذْ لَمْ يُبْعَثْ مُلْجِئًا لَهم عَلى الإيمانِ.
فالأمْرُ مُسْتَعْمَلٌ في طَلَبِ الِاسْتِمْرارِ والدَّوامِ.
ومَفْعُولُ ذَكِّرْ مَحْذُوفٌ هو ضَمِيرٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ بَعْدَهُ ﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾ .
وجُمْلَةُ ﴿إنَّما أنْتَ مُذَكِّرٌ﴾ تَعْلِيلٌ لِلْأمْرِ بِالدَّوامِ عَلى التَّذْكِيرِ مَعَ عَدَمِ إصْغائِهِمْ؛ لِأنَّ إنَّما مُرَكَّبَةٌ مِن إنَّ وما وشَأْنُ إنَّ إذا ورَدَتْ بَعْدَ جُمْلَةٍ أنْ تُفِيدَ التَّعْلِيلَ وتُغْنِيَ غَناءَ فاءِ التَّسَبُّبِ، واتِّصالُ ما الكافَّةِ بِها لا يُخْرِجُها عَنْ مَهْيَعِها.
والقَصْرُ المُسْتَفادُ بِـ إنَّما قَصْرٌ إضافِيٌّ، أيْ: أنْتَ مُذَكِّرٌ لَسْتَ وكِيلًا عَلى
صفحة ٣٠٧
تَحْصِيلِ تَذَكُّرِهِمْ فَلا تَتَحَرَّجْ مِن عَدَمِ تَذَكُّرِهِمْ، فَأنْتَ غَيْرُ مُقَصِّرٍ في تَذْكِيرِهِمْ، وهَذا تَطْمِينٌ لِنَفْسِهِ الزَّكِيَّةِ.
وجُمْلَةُ ﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾ بَدَلُ اشْتِمالٍ مِن جُمْلَةِ القَصْرِ بِاعْتِبارِ جانِبِ النَّفْيِ الَّذِي يُفِيدُهُ القَصْرُ.
والمُصَيْطِرُ: المُجْبِرُ المُكْرِهُ.
يُقالُ: صَيْطَرَ بِصادٍّ في أوَّلِهِ، ويُقالُ: سَيْطَرَ بِسِينٍ في أوَّلِهِ والأشْهَرُ بِالصّادِّ. وتَقَدَّمَ في سُورَةِ الطُّورِ ﴿أمْ هُمُ المُسَيْطِرُونَ﴾ [الطور: ٣٧] وقَرَأ بِها الجُمْهُورُ وقَرَأ هِشامٌ عَنِ ابْنِ عامِرٍ بِالسِّينِ وقَرَأهُ حَمْزَةُ بِإشْمامِ الصّادِ صَوْتَ الزّايِ.
ونَفْيُ كَوْنِهِ مُصَيْطِرًا عَلَيْهِمْ خَبَرٌ مُسْتَعْمَلٌ في غَيْرِ الإخْبارِ؛ لِأنَّ النَّبِيءَ ﷺ يَعْلَمُ أنَّهُ لَمْ يُكَلَّفْ بِإكْراهِهِمْ عَلى الإيمانِ، فالخَبَرُ بِهَذا النَّفْيِ مُسْتَعْمَلٌ كِنايَةً عَنِ التَّطْمِينِ بِرَفْعِ التَّبِعَةِ عَنْهُ مِن جَرّاءَ اسْتِمْرارِ أكْثَرِهِمْ عَلى الكُفْرِ، فَلا نَسْخَ لِحَكَمِ هَذِهِ الآيَةِ بِآياتِ الأمْرِ بِقِتالِهِمْ.
ثُمَّ جاءَ وُجُوبُ القِتالِ بِتَسَلْسُلِ حَوادِثَ كانَ المُشْرِكُونَ هُمُ البادِئِينَ فِيها بِالعُدْوانِ عَلى المُسْلِمِينَ، إذْ أخْرَجُوهم مِن دِيارِهِمْ، فَشَرَعَ قِتالَ المُشْرِكِينَ لِخَضْدِ شَوْكَتِهِمْ وتَأْمِينِ المُسْلِمِينَ مِن طُغْيانِهِمْ.
ومِنَ الجَهَلَةِ مَن يَضَعُ قَوْلَهُ: ﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾ في غَيْرِ مَوْضِعِهِ ويَحِيدُ بِهِ عَنْ مَهْيَعِهِ فَيُرِيدُ أنْ يَتَّخِذَهُ حُجَّةً عَلى حُرِّيَّةِ التَّدَيُّنِ بَيْنَ جَماعاتِ المُسْلِمِينَ، وشَتّانَ بَيْنَ أحْوالِ أهْلِ الشِّرْكِ وأحْوالِ جامِعَةِ المُسْلِمِينَ، فَمَن يُلْحِدُ في الإسْلامِ بَعْدَ الدُّخُولِ فِيهِ يُسْتَتابُ ثَلاثًا فَإنْ لَمْ يَتُبْ قُتِلَ، وإنْ لَمْ يُقْدَرْ عَلَيْهِ فَعَلى المُسْلِمِينَ أنْ يَنْبِذُوهُ مِن جامِعَتِهِمْ ويُعامِلُوهُ مُعامَلَةَ المُحارَبِ، وكَذَلِكَ مَن جاءَ بِقَوْلٍ أوْ عَمَلٍ يَقْتَضِي نَبْذَ الإسْلامِ أوْ إنْكارَ ما هو مِن أُصُولِ الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ بَعْدَ أنْ يُوقَفَ عَلى مَآلِ قَوْلِهِ أوْ عَمَلِهِ فَيَلْتَزِمُهُ ولا يَتَأوَّلُهُ بِتَأْوِيلٍ مَقْبُولٍ ويَأْبى الِانْكِفافَ.
وتَقْدِيمُ عَلَيْهِمْ عَلى مُتَعَلِّقِهِ وهو مُسَيْطِرٌ لِلرِّعايَةِ عَلى الفاصِلَةِ.
وقَوْلُهُ: ﴿إلّا مَن تَوَلّى وكَفَرَ﴾ ﴿فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ العَذابَ الأكْبَرَ﴾ مُعْتَرِضٌ بَيْنَ جُمْلَةِ ﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾ وجُمْلَةِ ﴿إنَّ إلَيْنا إيابَهُمْ﴾ [الغاشية: ٢٥]
صفحة ٣٠٨
والمَقْصُودُ مِن هَذا الِاعْتِراضِ الِاحْتِراسُ مِن تَوَهُّمِهِمْ أنَّهم أصْبَحُوا آمَنِينَ مِنَ المُؤاخَذَةِ عَلى عَدَمِ التَّذَكُّرِ.
فَحَرْفُ إلّا لِلِاسْتِثْناءِ المُنْقَطِعِ وهو بِمَعْنى الِاسْتِدْراكِ.
والمَعْنى: لَكِنَّ مَن تَوَلّى عَنِ التَّذَكُّرِ ودامَ عَلى كُفْرِهِ يُعَذِّبُهُ اللَّهُ العَذابَ الشَّدِيدَ.
ودَخَلَتِ الفاءُ في الخَبَرِ وهو فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ إذْ كانَ الكَلامُ اسْتِدْراكًا وكانَ المُبْتَدَأُ مَوْصُولًا، فَأشْبَهَ بِمَوْقِعِهِ وبِعُمُومِهِ الشُّرُوطَ فَأُدْخِلَتِ الفاءُ في جَوابِهِ ومِثْلُهُ كَثِيرٌ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿والَّذِينَ قُتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أعْمالَهُمْ﴾ [محمد: ٤] . والأكْبَرُ: مُسْتَعارٌ لِلْقَوِيِّ المُتَجاوِزِ حَدَّ أنْواعِهِ.
88:25–26Страница 592
إِنَّ إِلَيۡنَآ إِيَابَهُمۡ ٢٥
К Нам они вернутся,
ثُمَّ إِنَّ عَلَيۡنَا حِسَابَهُم ٢٦
и затем Мы потребуем у них отчета.
﴿إنَّ إلَيْنا إيابَهُمْ﴾ ﴿ثُمَّ إنَّ عَلَيْنا حِسابَهُمْ﴾ .
تَعْلِيلٌ لِجُمْلَةِ ﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾ [الغاشية: ٢٢] أيْ: لَسْتَ مُكَلَّفًا بِجَبْرِهِمْ عَلى التَّذَكُّرِ والإيمانِ لِأنّا نُحاسِبُهم حِينَ رُجُوعِهِمْ إلَيْنا في دارِ البَقاءِ. وقَدْ جاءَ حَرْفُ (إنَّ) عَلى اسْتِعْمالِهِ المَشْهُورِ، إذا جِيءَ بِهِ لِمُجَرَّدِ الِاهْتِمامِ دُونَ رَدِّ إنْكارٍ، فَإنَّهُ يُفِيدُ مَعَ ذَلِكَ تَعْلِيلًا وتَسَبُّبًا كَما تَقَدَّمَ غَيْرَ مَرَّةٍ، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ: إنَّكَ أنْتَ العَلِيمُ الحَكِيمُ في سُورَةِ البَقَرَةِ.
والإيابُ: بِتَخْفِيفِ الياءِ الأوْبُ، أيِ: الرُّجُوعُ إلى المَكانِ الَّذِي صَدَرَ عَنْهُ. أُطْلِقَ عَلى الحُضُورِ في حَضْرَةِ القُدُسِ يَوْمَ الحَشْرِ تَشْبِيهًا لَهُ بِالرُّجُوعِ إلى المَكانِ الَّذِي خَرَجَ مِنهُ بِمُلاحَظَةِ أنَّ اللَّهَ خالِقُ النّاسِ خَلْقَهُمُ الأوَّلَ، فَشُبِّهَتْ إعادَةُ خَلْقِهِمْ وإحْضارِهِمْ لَدَيْهِ بِرُجُوعِ المُسافِرِ إلى مَقَرِّهِ كَما قالَ تَعالى: ﴿يا أيَّتُها النَّفْسُ المُطْمَئِنَّةُ﴾ [الفجر: ٢٧] ﴿ارْجِعِي إلى رَبِّكِ﴾ [الفجر: ٢٨] .
وتَقْدِيمُ خَبَرِ (إنَّ) عَلى اسْمِها يُظْهِرُ أنَّهُ لِمُجَرَّدِ الِاهْتِمامِ تَحْقِيقًا لِهَذا الرُّجُوعِ لِأنَّهم يُنْكِرُونَهُ، وتَنْبِيهًا عَلى إمْكانِهِ بِأنَّهُ رُجُوعٌ إلى الَّذِي أنْشَأهم أوَّلَ مَرَّةٍ.
ونُقِلَ الكَلامُ مِن أُسْلُوبِ الغَيْبَةِ في قَوْلِهِ: فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ إلى أُسْلُوبِ التَّكَلُّمِ بِقَوْلِهِ: إلَيْنا عَلى طَرِيقَةِ الِالتِفاتِ.
صفحة ٣٠٩
وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ إيابَهم بِتَشْدِيدِ الياءِ. فَعَنِ ابْنِ جِنِّي هو مَصْدَرٌ عَلى وزْنِ فِيعالٍ مَصْدَرُ: أيَّبَ بِوَزْنِ فَيْعَلَ مِنَ الأوْبِ مِثْلَ حَوْقَلَ، فَلَمّا اجْتَمَعَتِ الواوُ والياءُ وسَبَقَتْ إحْداهُما بِالسُّكُونِ قُلِبَتِ الواوُ ياءً وأدْغَمَتِ الياءُ في الياءِ فَقِيلَ: إيّابٌ.
وعُطِفَتْ جُمْلَةُ ﴿إنَّ عَلَيْنا حِسابَهُمْ﴾ بِحَرْفِ ثُمَّ لِإفادَةِ التَّراخِي الرُّتْبِيِّ فَإنَّ حِسابَهم هو الغَرَضُ مِن إيابِهِمْ وهو أوْقَعُ في تَهْدِيدِهِمْ عَلى التَّوَلِّي.
ومَعْنى عَلى مِن قَوْلِهِ: ﴿عَلَيْنا حِسابَهُمْ﴾ أنَّ حِسابَهم لِتَأكُّدِهِ في حِكْمَةِ اللَّهِ يُشْبِهُ الحَقَّ الَّذِي فَرَضَهُ اللَّهُ عَلى نَفْسِهِ.
وهَذِهِ الجُمْلَةُ هي المَقْصُودُ مِنَ التَّعْلِيلِ الَّتِي قَبْلَها بِمَعْنى التَّمْهِيدِ لَها والإدْماجِ لِإثْباتِ البَعْثِ، وفي ذَلِكَ إيذانٌ بِأنَّ تَأْخِيرَ عِقابِهِمْ إمْهالٌ فَلا يَحْسَبُوهُ انْفِلاتًا مِنَ العِقابِ.
* * *
صفحة ٣١٠
صفحة ٣١١
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ الفَجْرِ
لَمْ يُخْتَلَفْ في تَسْمِيَةِ هَذِهِ السُّورَةِ (سُورَةَ الفَجْرِ) بِدُونِ الواوِ في المَصاحِفِ والتَّفاسِيرِ وكُتُبِ السُّنَّةِ.
وهِيَ مَكِّيَّةٌ بِاتِّفاقٍ سِوى ما حَكى ابْنُ عَطِيَّةَ عَنْ أبِي عَمْرٍو الدّانِيِّ أنَّهُ حَكى عَنْ بَعْضِ العُلَماءِ أنَّها مَدَنِيَّةٌ.
وقَدْ عُدَّتِ العاشِرَةَ في عِدادِ نُزُولِ السُّوَرِ، نَزَلَتْ بَعْدَ سُورَةِ اللَّيْلِ وقَبْلَ سُورَةِ الضُّحى.
وعَدَدُ آيِها اثْنَتانِ وثَلاثُونَ عِنْدَ أهْلِ العَدَدِ بِالمَدِينَةِ ومَكَّةَ عَدُّوا قَوْلَهُ: (ونَعَّمَهُ) مُنْتَهى آيَةٍ، وقَوْلَهُ: (رِزْقَهُ) مُنْتَهى آيَةٍ. ولَمْ يَعُدَّها غَيْرُهم مُنْتَهى آيَةٍ، وهي ثَلاثُونَ عِنْدَ أهْلِ العَدَدِ بِالكُوفَةِ والشّامِ وعِنْدَ أهْلِ البَصْرَةِ تِسْعٌ وعِشْرُونَ.
فَأهْلُ الشّامِ عَدُّوا (بِجَهَنَّمَ) مُنْتَهى آيَةٍ. وأهْلُ الكُوفَةِ عَدُّوا في عِبادِي مُنْتَهى آيَةٍ.
* * *
حَوَتْ مِنَ الأغْراضِ ضَرْبَ المَثَلِ لِمُشْرِكِي أهْلِ مَكَّةَ في إعْراضِهِمْ عَنْ قَبُولِ رِسالَةِ رَبِّهِمْ بِمَثَلِ عادٍ وثَمُودَ وقَوْمِ فِرْعَوْنَ.
وإنْذارَهم بِعَذابِ الآخِرَةِ.
وتَثْبِيتَ النَّبِيءِ ﷺ مَعَ وعْدِهِ بِاضْمِحْلالِ أعْدائِهِ.
وإبْطالَ غُرُورِ المُشْرِكِينَ مِن أهْلِ مَكَّةَ، إذْ يَحْسَبُونَ أنَّ ما هم فِيهِ مِنَ النَعِيمِ
صفحة ٣١٢
عَلامَةٌ عَلى أنَّ اللَّهَ أكْرَمُهم وأنَّ ما فِيهِ المُؤْمِنُونَ مِنَ الخَصاصَةِ عَلامَةٌ عَلى أنَّ اللَّهَ أهانَهم.
وأنَّهم أضاعُوا شُكْرَ اللَّهِ عَلى النِّعْمَةِ فَلَمْ يُواسُوا بِبَعْضِها عَلى الضُّعَفاءِ وما زادَتْهم إلّا حِرْصًا عَلى التَّكَثُّرِ مِنها.
وأنَّهم يَنْدَمُونَ يَوْمَ القِيامَةِ عَلى أنْ لَمْ يُقَدِّمُوا لِأنْفُسِهِمْ مِنَ الأعْمالِ ما يَنْتَفِعُونَ بِهِ يَوْمَ لا يَنْفَعُ نَفْسٌ مالُها ولا يَنْفَعُها إلّا إيمانُها وتَصْدِيقُها بِوَعْدِ رَبِّها، وذَلِكَ يَنْفَعُ المُؤْمِنِينَ بِمَصِيرِهِمْ إلى الجَنَّةِ.
Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии