Ибн АшурАт‑Тавба · 9:122–126

Ибн Ашур · Тафсир · на арабском

Ат-Тавба 9:122–126

9:122Страница 206

۞ وَمَا كَانَ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ لِيَنفِرُواْ كَآفَّةٗۚ فَلَوۡلَا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرۡقَةٖ مِّنۡهُمۡ طَآئِفَةٞ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي ٱلدِّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوۡمَهُمۡ إِذَا رَجَعُوٓاْ إِلَيۡهِمۡ لَعَلَّهُمۡ يَحۡذَرُونَ ١٢٢

Верующим не следует выступать в поход всем вместе. Почему бы не отправить из каждой группы по отряду, чтобы они могли изучить религию и увещевать людей, когда они вернутся к ним? Быть может, они будут остерегаться.

﴿وما كانَ المُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كافَّةً فَلَوْلا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِنهم طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا في الدِّينِ ولِيُنْذِرُوا قَوْمَهم إذا رَجَعُوا إلَيْهِمْ لَعَلَّهم يَحْذَرُونَ﴾

كانَ غالِبُ ما تَقَدَّمَ مِن هَذِهِ السُّورَةِ تَحْرِيضًا عَلى الجِهادِ وتَنْدِيدًا عَلى المُقَصِّرِينَ في شَأْنِهِ، وانْتَهى الكَلامُ قَبْلَ هَذا بِتَبْرِئَةِ أهْلِ المَدِينَةِ والَّذِينَ حَوْلَهم مِنَ التَّخَلُّفِ عَنْ

صفحة ٥٩

رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَلا جَرَمَ كانَتْ قُوَّةُ الكَلامِ مُؤْذِنَةً بِوُجُوبِ تَمَحُّضِ المُسْلِمِينَ لِلْغَزْوِ. وإذْ قَدْ كانَ مِن مَقاصِدِ الإسْلامِ بَثُّ عُلُومِهِ وآدابِهِ بَيْنَ الأُمَّةِ وتَكْوِينُ جَماعاتٍ قائِمَةٍ بِعِلْمِ الدِّينِ وتَثْقِيفِ أذْهانِ المُسْلِمِينَ كَيْ تَصْلُحَ سِياسَةُ الأُمَّةِ عَلى ما قَصَدَهُ الدِّينُ مِنها، مِن أجْلِ ذَلِكَ عَقُبَ التَّحْرِيضُ عَلى الجِهادِ بِما يُبَيِّنُ أنْ لَيْسَ مِنَ المَصْلَحَةِ تَمَحُّضُ المُسْلِمِينَ كُلِّهِمْ لِأنْ يَكُونُوا غُزاةً أوْ جُنْدًا، وأنْ لَيْسَ حَظُّ القائِمِ بِواجِبِ التَّعْلِيمِ دُونَ حَظِّ الغازِي في سَبِيلِ اللَّهِ مِن حَيْثُ إنَّ كِلَيْهِما يَقُومُ بِعَمَلٍ لِتَأْيِيدِ الدِّينِ، فَهَذا يُؤَيِّدُهُ بِتَوَسُّعِ سُلْطانِهِ وتَكْثِيرِ أتْباعِهِ، والآخَرُ يُؤَيِّدُهُ بِتَثْبِيتِ ذَلِكَ السُّلْطانِ وإعْدادِهِ لِأنْ يَصْدُرَ عَنْهُ ما يَضْمَنُ انْتِظامَ أمْرِهِ وطُولَ دَوامِهِ، فَإنَّ اتِّساعَ الفُتُوحِ وبَسالَةَ الأُمَّةِ لا يَكْفِيانِ لِاسْتِبْقاءِ سُلْطانِها إذا هي خَلَتْ مِن جَماعَةٍ صالِحَةٍ مِنَ العُلَماءِ والسّاسَةِ وأُولِي الرَّأْيِ المُهْتَمِّينَ بِتَدْبِيرِ ذَلِكَ السُّلْطانِ، ولِذَلِكَ لَمْ يَثْبُتْ مُلْكُ اللَّمْتُونِيِّينَ في الأنْدَلُسِ إلّا قَلِيلًا حَتّى تَقَلَّصَ، ولَمْ تَثْبُتْ دَوْلَةُ التَّتارِ إلّا بَعْدَ أنِ امْتَزَجُوا بِعُلَماءِ المُدُنِ الَّتِي فَتَحُوها ووَكَلُوا أمْرَ الدَّوْلَةِ إلَيْهِمْ.

وإذْ قَدْ كانَتِ الآيَةُ السّابِقَةُ قَدْ حَرَّضَتْ فَرِيقًا مِنَ المُسْلِمِينَ عَلى الِالتِفافِ حَوْلَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في الغَزْوِ لِمَصْلَحَةِ نَشْرِ الإسْلامِ ناسَبَ أنْ يُذْكَرَ عَقِبَها نَفْرُ فَرِيقٍ مِنَ المُؤْمِنِينَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِلتَّفَقُّهِ في الدِّينِ لِيَكُونُوا مُرْشِدِينَ لِأقْوامِهِمُ الَّذِينَ دَخَلُوا في الإسْلامِ.

ومِن مَحاسِنَ هَذا البَيانِ أنْ قابَلَ صِيغَةَ التَّحْرِيضِ عَلى الغَزْوِ بِمِثْلِها في التَّحْرِيضِ عَلى العِلْمِ إذِ افْتُتِحَتْ صِيغَةُ تَحْرِيضِ الغَزْوِ بِلامِ الجُحُودِ في قَوْلِهِ: ﴿ما كانَ لِأهْلِ المَدِينَةِ ومَن حَوْلَهم مِنَ الأعْرابِ﴾ [التوبة: ١٢٠] الآيَةَ، وافْتُتِحَتْ صِيغَةُ التَّحْرِيضِ عَلى العِلْمِ والتَّفَقُّهِ بِمِثْلِ ذَلِكَ إذْ يَقُولُ ﴿وما كانَ المُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كافَّةً﴾

وهَذِهِ الجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى مَجْمُوعِ الكَلامِ الَّذِي قَبْلَها فَهي جُمْلَةٌ ابْتِدائِيَّةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ لِغَرَضٍ جَدِيدٍ ناشِئٍ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿ما لَكم إذا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا﴾ [التوبة: ٣٨] ثُمَّ عَنْ قَوْلِهِ ﴿ما كانَ لِأهْلِ المَدِينَةِ ومَن حَوْلَهم مِنَ الأعْرابِ أنْ يَتَخَلَّفُوا﴾ [التوبة: ١٢٠] إلَخْ. ومَعْنى ﴿أنْ يَتَخَلَّفُوا﴾ [التوبة: ١٢٠] هو أنْ لا يَنْفِرُوا، فَناسَبَ أنْ يُذْكَرَ بَعْدَهُ ﴿وما كانَ المُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كافَّةً﴾

صفحة ٦٠

والمُرادُ بِالنَّفِيرِ في قَوْلِهِ: لِيَنْفِرُوا وقَوْلِهِ: ﴿فَلَوْلا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِنهم طائِفَةٌ﴾ الخُرُوجُ إلى الغَزْوِ المَأْخُوذِ مِن قَوْلِهِ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا ما لَكم إذا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا في سَبِيلِ اللَّهِ اثّاقَلْتُمْ إلى الأرْضِ﴾ [التوبة: ٣٨] أيْ وما كانَ المُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا ذَلِكَ النَّفْرَ كُلُّهم.

فَضَمِيرُ ﴿لِيَتَفَقَّهُوا في الدِّينِ﴾ يَجُوزُ أنْ يَعُودَ عَلى قَوْلِهِ: المُؤْمِنُونَ، أيْ لِيَتَفَقَّهَ المُؤْمِنُونَ. والمُرادُ لِيَتَفَقَّهَ مِنهم طائِفَةٌ وهي الطّائِفَةُ الَّتِي لَمْ تَنْفِرْ، كَما اقْتَضاهُ قَوْلُهُ: ﴿فَلَوْلا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِنهم طائِفَةٌ﴾، فَهو عامٌّ مُرادٌ بِهِ الخُصُوصُ.

ويَجُوزُ أنْ يَعُودَ الضَّمِيرُ إلى مَفْهُومٍ مِنَ الكَلامِ مِن قَوْلِهِ: ﴿فَلَوْلا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِنهم طائِفَةٌ﴾ لِأنَّ مَفْهُومَهُ وبَقِيَتْ طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا في الدِّينِ، فَأُعِيدَ الضَّمِيرُ عَلى طائِفَةٌ بِصِيغَةِ الجَمْعِ نَظَرًا إلى مَعْنى طائِفَةٍ، كَقَوْلِهِ - تَعالى: ﴿وإنْ طائِفَتانِ مِنَ المُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ [الحجرات: ٩] عَلى تَأْوِيلِ اقْتَتَلَ جَمْعُهم.

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ النَّفْرِ في قَوْلِهِ: ﴿لِيَنْفِرُوا كافَّةً فَلَوْلا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِنهم طائِفَةٌ﴾ نَفْرًا آخَرَ غَيْرَ النَّفْرِ في سَبِيلِ اللَّهِ، وهو النَّفْرُ لِلتَّفَقُّهِ في الدِّينِ، وتَكُونُ إعادَةُ فِعْلِ (يَنْفِرُوا) و(نَفَرَ) مِنَ الِاسْتِخْدامِ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ: ﴿لِيَتَفَقَّهُوا في الدِّينِ﴾ فَيَكُونُ الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿لِيَتَفَقَّهُوا﴾ عائِدًا إلى طائِفَةٌ ويَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿وما كانَ المُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كافَّةً﴾ تَمْهِيدًا لِقَوْلِهِ: ﴿فَلَوْلا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِنهم طائِفَةٌ﴾ .

وقَدْ نُقِلَ عَنْ أئِمَّةِ المُفَسِّرِينَ وأسْبابِ النُّزُولِ أقْوالٌ تَجْرِي عَلى الِاحْتِمالَيْنِ. والِاعْتِمادُ في مَراجِعِ الضَّمائِرِ عَلى قَرائِنِ الكَلامِ عَلى عادَةِ العَرَبِ في الإيجازِ والِاعْتِمادِ عَلى فِطْنَةِ السّامِعِ فَإنَّهم أُمَّةٌ فَطِنَةٌ.

والإتْيانُ بِصِيغَةِ لامِ الجَحُودِ تَأْكِيدٌ لِلنَّفْيِ، وهو خَبَرٌ مُسْتَعْمَلٌ في النَّهْيِ فَتَأْكِيدُهُ يُفِيدُ تَأْكِيدَ النَّهْيِ، أيْ كَوْنُهُ نَهْيًا جازِمًا يَقْتَضِي التَّحْرِيمَ. وذَلِكَ أنَّهُ كَما كانَ النَّفْرُ لِلْغَزْوِ واجِبًا لِأنَّ في تَرْكِهِ إضاعَةَ مَصْلَحَةِ الأُمَّةِ كَذَلِكَ كانَ تَرْكُهُ مِن طائِفَةٍ مِنَ المُسْلِمِينَ واجِبًا لِأنَّ في تَمَحُّضِ جَمِيعِ المُسْلِمِينَ لِلْغَزْوِ إضاعَةَ مَصْلَحَةٍ لِلْأُمَّةِ أيْضًا، فَأفادَ مَجْمُوعُ الكَلامَيْنِ أنَّ النَّفْرَ لِلْغَزْوِ واجِبٌ عَلى الكِفايَةِ أيْ عَلى طائِفَةٍ كافِيَةٍ لِتَحْصِيلِ المَقْصِدِ الشَّرْعِيِّ مِنهُ،

صفحة ٦١

وأنَّ تَرْكَهُ مُتَعَيَّنٌ عَلى طائِفَةٍ كافِيَةٍ مِنهم لِتَحْصِيلِ المَقْصِدِ الشَّرْعِيِّ مِمّا أُمِرُوا بِالِاشْتِغالِ بِهِ مِنَ العِلْمِ في وقْتِ اشْتِغالِ الطّائِفَةِ الأُخْرى بِالغَزْوِ. وهَذا تَقْيِيدٌ لِلْإطْلاقِ الَّذِي في فِعْلِ انْفِرُوا، أوْ تَخْصِيصٌ لِلْعُمُومِ الَّذِي في ضَمِيرِ انْفِرُوا. ولِذَلِكَ كانَتْ هَذِهِ الآيَةُ أصْلًا في وُجُوبِ طَلَبِ العِلْمِ عَلى طائِفَةٍ عَظِيمَةٍ مِنَ المُسْلِمِينَ وُجُوبًا عَلى الكِفايَةِ، أيْ عَلى المِقْدارِ الكافِي لِتَحْصِيلِ المَقْصِدِ مِن ذَلِكَ الإيجابِ. وأشْعَرَ نَفْيُ وُجُوبِ النَّفْرِ عَلى جَمِيعِ المُسْلِمِينَ وإثْباتُ إيجابِهِ عَلى طائِفَةٍ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِنهم بِأنَّ الَّذِينَ يَجِبُ عَلَيْهِمُ النَّفْرُ لَيْسُوا بِأوْفَرَ عَدَدًا مِنَ الَّذِينَ يَبْقَوْنَ لِلتَّفَقُّهِ والإنْذارِ، وأنْ لَيْسَتْ إحْدى الحالَتَيْنِ بِأوْلى مِنَ الأُخْرى عَلى الإطْلاقِ فَيُعْلَمُ أنَّ ذَلِكَ مَنُوطٌ بِمِقْدارِ الحاجَةِ الدّاعِيَةِ لِلنَّفْرِ، وأنَّ البَقِيَّةَ باقِيَةٌ عَلى الأصْلِ، فَعُلِمَ مِنهُ أنَّ النَّفِيرَ إلى الجِهادِ يَكُونُ بِمِقْدارِ ما يَقْتَضِيهِ حالُ العَدُوِّ المَغْزُوِّ، وأنَّ الَّذِينَ يَبْقَوْنَ لِلتَّفَقُّهِ يَبْقَوْنَ بِأكْثَرِ ما يُسْتَطاعُ، وأنَّ ذَلِكَ سَواءٌ. ولا يَنْبَغِي الِاعْتِمادُ عَلى ما يُخالِفُ هَذا التَّفْسِيرَ مِنَ الأقْوالِ في مَعْنى الآيَةِ ومَوْقِعِها مِنَ الآيِ السّالِفَةِ.

ولَوْلا: حَرْفُ تَحْضِيضٍ.

والفِرْقَةُ: الجَماعَةُ مِنَ النّاسِ الَّذِينَ تَفَرَّقُوا عَنْ غَيْرِهِمْ في المَواطِنِ؛ فالقَبِيلَةُ فِرْقَةٌ، وأهْلُ البِلادِ الواحِدَةِ فِرْقَةٌ.

والطّائِفَةُ: الجَماعَةُ، ولا تَتَقَيَّدُ بِعَدَدٍ. وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿فَلْتَقُمْ طائِفَةٌ مِنهم مَعَكَ﴾ [النساء: ١٠٢] في سُورَةِ النِّساءِ.

وتَنْكِيرُ طائِفَةٌ مُؤْذِنٌ بِأنَّ النَّفْرَ لِلتَّفَقُّهِ في الدِّينِ وما يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِنَ الإنْذارِ واجِبٌ عَلى الكِفايَةِ. وتَعْيِينُ مِقْدارِ الطّائِفَةِ وضَبْطُ حَدِّ التَّفَقُّهِ مَوْكُولٌ إلى وُلاةِ أُمُورِ الفِرَقِ فَتَتَعَيَّنُ الطّائِفَةُ بِتَعْيِينِهِمْ فَهم أدْرى بِمِقْدارِ ما تَتَطَلَّبُهُ المَصْلَحَةُ المَنُوطُ بِها وُجُوبُ الكِفايَةِ.

والتَّفَقُّهُ: تَكَلُّفُ الفَقاهَةِ، وهي مُشْتَقَّةٌ مِن فَقِهَ (بِكَسْرِ القافِ) إذا فُهِمَ ما يَدِقُّ فَهْمُهُ فَهو فاقِهٌ. فالفِقْهُ أخَصُّ مِنَ العِلْمِ، ولِذَلِكَ نَجِدُ في القُرْآنِ اسْتِعْمالَ الفِقْهِ فِيما يَخْفى عِلْمُهُ كَقَوْلِهِ: ﴿لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء: ٤٤]، ويَجِيءُ مِنهُ فَقُهَ بِضَمِّ القافِ إذا صارَ الفِقْهُ سَجِيَّتَهُ، فَقّاهَةٌ فَهو فَقِيهٌ.

صفحة ٦٢

ولَمّا كانَ مَصِيرُ الفِقْهِ سَجِيَّةً لا يَحْصُلُ إلّا بِمُزاوَلَةِ ما يُبَلِّغُ إلى ذَلِكَ كانَتْ صِيغَةُ التَّفَعُّلِ المُؤْذِنَةُ بِالتَّكَلُّفِ مُتَعَيِّنَةً لِأنْ يَكُونَ المُرادُ بِها تَكَلُّفُ حُصُولِ الفِقْهِ، أيِ الفَهْمِ في الدِّينِ. وفي هَذا إيماءٌ إلى أنَّ فَهْمَ الدِّينِ أمْرٌ دَقِيقُ المَسْلَكِ لا يَحْصُلُ بِسُهُولَةٍ، ولِذَلِكَ جاءَ في الحَدِيثِ الصَّحِيحِ «مَن يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيَّرا يُفَقِّهْهُ في الدِّينِ»، ولِذَلِكَ جَزَمَ العُلَماءُ بِأنَّ الفِقْهَ أفْضَلُ العُلُومِ.

وقَدْ ضَبَطَ العُلَماءُ حَقِيقَةَ الفِقْهِ بِأنَّهُ العِلْمُ بِالأحْكامِ الشَّرْعِيَّةِ العَمَلِيَّةِ المُكْتَسَبِ مِن أدِلَّتِها التَّفْصِيلِيَّةِ بِالِاجْتِهادِ.

والإنْذارُ: الإخْبارُ بِما يُتَوَقَّعُ مِنهُ شَرٌّ. والمُرادُ هُنا الإنْذارُ مِنَ المُهْلِكاتِ في الآخِرَةِ. ومِنهُ النَّذِيرُ. وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿إنّا أرْسَلْناكَ بِالحَقِّ بَشِيرًا ونَذِيرًا﴾ [البقرة: ١١٩] في سُورَةِ البَقَرَةِ. فالإنْذارُ هو المَوْعِظَةُ، وإنَّما اقْتَصَرَ عَلَيْهِ لِأنَّهُ أهَمُّ؛ لِأنَّ التَّخْلِيَةَ مُقَدَّمَةٌ عَلى التَّحْلِيَةِ، ولِأنَّهُ ما مِن إرْشادٍ إلى الخَيْرِ إلّا وهو يَشْتَمِلُ عَلى إنْذارٍ مِن ضِدِّهِ. ويَدْخُلُ في مَعْنى الإنْذارِ تَعْلِيمُ النّاسِ ما يُمَيِّزُونَ بِهِ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ وبَيْنَ الصَّوابِ والخَطَأِ وذَلِكَ بِأداءِ العالِمِ بَثَّ عُلُومِ الدِّينِ لِلْمُتَعَلِّمِينَ.

وحَذْفُ مَفْعُولِ يَحْذَرُونَ لِلتَّعْمِيمِ، أيْ يَحْذَرُونَ ما يُحْذَرُ، وهو فِعْلُ المُحَرَّماتِ وتَرْكُ الواجِباتِ. واقْتَصَرَ عَلى الحِذْرِ دُونَ العَمَلِ لِلْإنْذارِ لِأنَّ مُقْتَضى الإنْذارِ التَّحْذِيرُ، وقَدْ عَلِمْتُ أنَّهُ يُفِيدُ الأمْرَيْنِ.

9:123Страница 207

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ قَٰتِلُواْ ٱلَّذِينَ يَلُونَكُم مِّنَ ٱلۡكُفَّارِ وَلۡيَجِدُواْ فِيكُمۡ غِلۡظَةٗۚ وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلۡمُتَّقِينَ ١٢٣

О те, которые уверовали! Сражайтесь с неверующими, которые находятся вблизи вас. И пусть они убедятся в вашей суровости. И знайте, что Аллах - с богобоязненными.

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا قاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكم مِنَ الكُفّارِ ولْيَجِدُوا فِيكم غِلْظَةً واعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ مَعَ المُتَّقِينَ﴾

كانَ جَمِيعُ بِلادِ العَرَبِ خَلَصَ لِلْإسْلامِ قَبْلَ حَجَّةِ الوَداعِ، فَكانَتْ تُخُومُ بِلادِ الإسْلامِ مُجاوِرَةً لِبِلادِ الشّامِ مَقَرِّ نَصارى العَرَبِ، وكانُوا تَحْتَ حُكْمِ الرُّومِ، فَكانَتْ غَزْوَةُ تَبُوكَ أوَّلَ غَزْوَةٍ لِلْإسْلامِ تَجاوَزَتْ بِلادَ العَرَبِ إلى مَشارِفِ الشّامِ ولَمْ يَكُنْ فِيها قِتالٌ ولَكِنْ وُضِعَتِ الجِزْيَةُ عَلى أيْلَةَ وبُصْرى، وكانَتْ تِلْكَ الغَزْوَةُ إرْهابًا لِلنَّصارى، ونَزَلَتْ سُورَةُ

صفحة ٦٣

(بَراءَةٌ) عَقِبَها فَكانَتْ هَذِهِ الآيَةُ كالوَصِيَّةِ بِالِاسْتِمْرارِ عَلى غَزْوِ بِلادِ الكُفْرِ المُجاوِرَةِ لِبِلادِ الإسْلامِ بِحَيْثُ كَلَّما اسْتَقَرَّ بَلَدٌ لِلْإسْلامِ وكانَ تُجاوِرُهُ بِلادُ كُفْرٍ كانَ حَقًّا عَلى المُسْلِمِينَ غَزْوُ البِلادِ المُجاوِرَةِ. ولِذَلِكَ ابْتَدَأ الخُلَفاءُ بِفَتْحِ الشّامِ ثُمَّ العِراقِ ثُمَّ فارِسَ ثُمَّ انْثَنَوْا إلى مِصْرَ ثُمَّ إلى إفْرِيقِيَّةَ ثُمَّ الأنْدَلُسِ.

فالجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا ابْتِدائِيًّا تَكْمِلَةً لِلْأمْرِ بِما يَتَعَيَّنُ عَلى المُسْلِمِينَ في ذُيُولِ غَزْوَةِ تَبُوكَ.

وفِي تَوْجِيهِ الخِطابِ لِلَّذِينَ آمَنُوا دُونَ النَّبِيءِ إيماءً إلى أنَّ النَّبِيءَ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - لا يَغْزُو بَعْدَ ذَلِكَ وأنَّ أجَلَهُ الشَّرِيفَ قَدِ اقْتَرَبَ. ولَعَلَّ في قَوْلِهِ: ﴿واعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ مَعَ المُتَّقِينَ﴾ [التوبة: ٣٦] إيماءً إلى التَّسْلِيَةِ عَلى فَقْدِ نَبِيِّهِمْ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - وأنَّ اللَّهَ مَعَهم كَقَوْلِهِ في الآيَةِ الأُخْرى: ﴿وسَيَجْزِي اللَّهُ الشّاكِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٤]

و(الغِلْظَةُ) بِكَسْرِ الغَيْنِ: الشِّدَّةُ الحِسِّيَّةُ والخُشُونَةُ، وهي مُسْتَعارَةٌ هُنا لِلْمُعامَلَةِ الضّارَّةِ، كَقَوْلِهِ: ﴿واغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ٧٣] . قالَ في الكَشّافِ: وذَلِكَ يَجْمَعُ الجُرْأةَ والصَّبْرَ عَلى القِتالِ والعُنْفَ في القَتْلِ والأسْرِ. اهـ.

قُلْتُ: والمَقْصِدُ مِن ذَلِكَ إلْقاءُ الرُّعْبِ في قُلُوبِ الأعْداءِ حَتّى يَخْشَوْا عاقِبَةَ التَّصَدِّي لِقِتالِ المُسْلِمِينَ.

ومَعْنى أمْرِ المُسْلِمِينَ بِحُصُولِ ما يَجِدُهُ الكافِرُونَ مِن غِلْظَةِ المُؤْمِنِينَ عَلَيْهِمْ هو أمْرُ المُؤْمِنِينَ بِأنْ يَكُونُوا أشِدّاءَ في قِتالِهِمْ. وهَذِهِ مُبالَغَةٌ في الأمْرِ بِالشِّدَّةِ لِأنَّهُ أُمِرَ لَهم بِأنْ يَجِدَ الكُفّارُ فِيهِمُ الشِّدَّةَ. وذَلِكَ الوِجْدانُ لا يَتَحَقَّقُ إلّا إذا كانَتِ الغِلْظَةُ بِحَيْثُ تَظْهَرُ وتَنالُ العَدُوَّ فَيُحِسُّ بِها، كَقَوْلِهِ - تَعالى - لِمُوسى ﴿فَلا يَصُدَّنَّكَ عَنْها مَن لا يُؤْمِنُ بِها﴾ [طه: ١٦] . وإنَّما وقَعَتْ هَذِهِ المُبالَغَةُ لِما عَلَيْهِ العَدُوُّ مِنَ القُوَّةِ، فَإنَّ المَقْصُودَ مِنَ الكُفّارِ هُنا هم نَصارى العَرَبِ وأنْصارُهُمُ الرُّومُ، وهم أصْحابُ عَدَدٍ وعُدَدٍ فَلا يَجِدُونَ الشِّدَّةَ مِنَ المُؤْمِنِينَ إلّا إذا كانَتْ شِدَّةً عَظِيمَةً.

صفحة ٦٤

ومِن وراءِ صَرِيحِ هَذا الكَلامِ تَعْرِيضٌ بِالتَّهْدِيدِ لِلْمُنافِقِينَ، إذْ قَدْ ظَهَرَ عَلى كُفْرِهِمْ وهم أشَدُّ قُرْبًا مِنَ المُؤْمِنِينَ في المَدِينَةِ. وفي هَذا السِّياقِ جاءَ قَوْلُهُ - تَعالى: ﴿يا أيُّها النَّبِيءُ جاهِدِ الكُفّارَ والمُنافِقِينَ واغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ٧٣]

وجُمْلَةُ ﴿واعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ مَعَ المُتَّقِينَ﴾ [التوبة: ٣٦] تَأْيِيدٌ وتَشْجِيعٌ ووَعْدٌ بِالنَّصْرِ إنِ اتَّقَوْا بِامْتِثالِ الأمْرِ بِالجِهادِ.

وافْتُتِحَتِ الجُمْلَةُ بِـ اعْلَمُوا لِلِاهْتِمامِ بِما يُرادُ العِلْمُ بِهِ كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿واعْلَمُوا أنَّما غَنِمْتُمْ مِن شَيْءٍ﴾ [الأنفال: ٤١] في سُورَةِ الأنْفالِ. والمَعِيَّةُ هُنا مَعِيَّةُ النَّصْرِ والتَّأْيِيدِ، كَقَوْلِهِ - تَعالى: ﴿إذْ يَقُولُ لِصاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إنَّ اللَّهَ مَعَنا﴾ [التوبة: ٤٠] . وهَذا تَأْيِيدٌ لَهم إذْ قَدْ عَلِمُوا قُوَّةَ الرُّومِ.

9:124–125Страница 207

وَإِذَا مَآ أُنزِلَتۡ سُورَةٞ فَمِنۡهُم مَّن يَقُولُ أَيُّكُمۡ زَادَتۡهُ هَٰذِهِۦٓ إِيمَٰنٗاۚ فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ فَزَادَتۡهُمۡ إِيمَٰنٗا وَهُمۡ يَسۡتَبۡشِرُونَ ١٢٤

Когда ниспосылается сура, то среди них находится такой, который говорит: «Чья вера от этого стала сильнее?». Что касается тех, кто уверовал, то их вера от этого усиливается, и они радуются.

وَأَمَّا ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٞ فَزَادَتۡهُمۡ رِجۡسًا إِلَىٰ رِجۡسِهِمۡ وَمَاتُواْ وَهُمۡ كَٰفِرُونَ ١٢٥

А что касается тех, чьи сердца поражены недугом, то это добавляет сомнение к их сомнению, и поэтому они умрут неверующими.

﴿وإذا ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنهم مَن يَقُولُ أيُّكم زادَتْهُ هَذِهِ إيمانًا فَأمّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزادَتْهم إيمانًا وهم يَسْتَبْشِرُونَ﴾ ﴿وأمّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَتْهم رِجْسًا إلى رِجْسِهِمْ وماتُوا وهم كافِرُونَ﴾

عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿وإذا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ أنْ آمَنُوا بِاللَّهِ وجاهِدُوا مَعَ رَسُولِهِ اسْتَأْذَنَكَ أُولُوا الطَّوْلِ مِنهُمْ﴾ [التوبة: ٨٦] وهَذا عَوْدٌ إلى بَيانِ أحْوالِ المُنافِقِينَ وما بَيْنَهُما اعْتِراضاتٌ.

وهَذِهِ الآيَةُ زِيدَتْ فِيها (ما) عَقِبَ (إذا) وزِيادَتُها لِلتَّأْكِيدِ، أيْ لِتَأْكِيدِ مَعْنى (إذا) وهو الشَّرْطُ؛ لِأنَّ هَذا الخَبَرَ لِغَرابَتِهِ كانَ خَلِيقًا بِالتَّأْكِيدِ، ولِأنَّ المُنافِقِينَ يُنْكِرُونَ صُدُورَهُ مِنهم بِخِلافِ الآيَةِ السّابِقَةِ لِأنَّ مَضْمُونَها حِكايَةُ اسْتِئْذانِهِمْ وهم لا يُنْكِرُونَهُ.

ولَمْ يُذْكَرْ في هَذِهِ الآيَةِ إجْمالُ ما اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ السُّوَرُ الَّتِي أُنْزِلَتْ كَما ذُكِرَ في قَوْلِهِ: ﴿وإذا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ أنْ آمِنُوا بِاللَّهِ وجاهِدُوا مَعَ رَسُولِهِ﴾ [التوبة: ٨٦] . ووَجْهُ ذَلِكَ أنَّ سُوَرَ القُرْآنِ كُلَّها لا تَخْلُو عَنْ دُعاءٍ إلى الإيمانِ والصّالِحاتِ والإعْجازِ بِبَلاغَتِها. فالمُرادُ إذا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ ما مِنَ القُرْآنِ. وضَمِيرُ فَمِنهم عائِدٌ إلى المُنافِقِينَ لِلْعِلْمِ بِالمَعادِ مِنَ المَقامِ

صفحة ٦٥

ومِن أواخِرِ الكَلامِ في قَوْلِهِ: ﴿وأمّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾، ولِما في قَوْلِهِ قَبْلَ هَذا ﴿قاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكم مِنَ الكُفّارِ﴾ [التوبة: ١٢٣] مِنَ التَّعْرِيضِ بِالمُنافِقِينَ كَما تَقَدَّمَ، فالمُنافِقُونَ خاطِرُونَ بِذِهْنِ السّامِعِ فَيَكُونُ الإتْيانُ بِضَمِيرٍ يَعُودُ عَلَيْهِمْ تَقْوِيَةً لِذَلِكَ التَّعْرِيضِ.

وقَوْلُهم ﴿أيُّكم زادَتْهُ هَذِهِ إيمانًا﴾ خِطابُ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ عَلى سَبِيلِ التَّهَكُّمِ بِالمُؤْمِنِينَ وبِالقُرْآنِ؛ لِأنَّ بَعْضَ آياتِ القُرْآنِ مُصَرِّحَةٌ بِأنَّ القُرْآنَ يُزِيدُ المُؤْمِنِينَ إيمانًا قالَ - تَعالى: ﴿إنَّما المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إذا ذُكِرَ اللَّهُ وجِلَتْ قُلُوبُهم وإذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زادَتْهم إيمانًا﴾ [الأنفال: ٢] . ولَعَلَّ المُسْلِمِينَ كانُوا إذا سَمِعُوا القُرْآنَ قالُوا: قَدِ ازْدَدْنا إيمانًا، كَقَوْلِ مُعاذِ بْنِ جَبَلٍ لِلْأسْوَدِ بْنِ هِلالٍ: اجْلِسْ بِنا نُؤْمِن ساعَةً، يَعْنِي بِمُذاكَرَةِ القُرْآنِ وأُمُورِ الدِّينِ (رَواهُ البُخارِيُّ في كِتابِ الإيمانِ) .

ولَمّا كانَ الِاسْتِفْهامُ في قَوْلِهِمْ أيُّكم لِلِاسْتِهْزاءِ كانَ مُتَضَمِّنًا مَعْنى إنْكارِ أنْ يَكُونَ نُزُولُ سُوَرِ القُرْآنِ يُزِيدُ سامِعِيها إيمانًا تَوَهُّمًا مِنهم بِأنَّ ما لا يَزِيدُهم إيمانًا لا يَزِيدُ غَيْرَهم إيمانًا، يَقِيسُونَ عَلى أحْوالِ قُلُوبِهِمْ.

والفاءُ في قَوْلِهِ: ﴿فَأمّا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ لِلتَّفْرِيعِ عَلى حِكايَةِ اسْتِفْهامِهِمْ بِحَمْلِهِ عَلى ظاهِرِ حالِهِ وصَرْفِهِ عَنْ مَقْصِدِهِمْ مِنهُ. وتِلْكَ طَرِيقَةُ الأُسْلُوبِ الحَكِيمِ، وهو: تَلَقِّي المُخاطَبِ بِغَيْرِ ما يَتَرَقَّبُ بِحَمْلِ كَلامِهِ عَلى خِلافِ مُرادِهِ لِنُكْتَةٍ، وهي هُنا إبْطالُ ما قَصَدُوهُ مِن نَفْيِ أنْ تَكُونَ السُّورَةُ تَزِيدُ أحَدًا إيمانًا قِياسًا عَلى أحْوالِ قُلُوبِهِمْ فَأُجِيبَ اسْتِفْهامُهم بِهَذا التَّفْصِيلِ المُتَفَرِّعِ عَلَيْهِ، فَأثْبَتَ أنَّ لِلسُّورَةِ زِيادَةً في إيمانِ بَعْضِ النّاسِ وأكْثَرَ مِنَ الزِّيادَةِ، وهو حُصُولُ البَشَرِ لَهم.

وارْتُقِيَ في الجَوابِ عَنْ مَقْصِدِهِمْ مِنَ الإنْكارِ بِأنَّ السُّورَةَ لَيْسَتْ مَنفِيًّا عَنْها زِيادَةٌ في إيمانِ بَعْضِ النّاسِ فَقَطْ بَلِ الأمْرُ أشَدُّ إذْ هي زائِدَةٌ في كُفْرِهِمْ، فالقِسْمُ الأوَّلُ المُؤْمِنُونَ زادَتْهم إيمانًا وأكْسَبَتْهم بُشْرى فَحَصَلَ مِنَ السُّورَةِ لَهم نَفْعانِ عَظِيمانِ، والقِسْمُ الثّانِي الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ زادَتْهم رِجْسًا إلى رِجْسِهِمْ وماتُوا وهم كافِرُونَ. فالوَجْهُ أنْ تَكُونَ جُمْلَةُ ﴿وهم يَسْتَبْشِرُونَ﴾ مَعْطُوفَةً عَلى جُمْلَةِ ﴿فَزادَتْهم إيمانًا﴾ وأنْ

صفحة ٦٦

تَكُونَ جُمْلَةُ ﴿وماتُوا وهم كافِرُونَ﴾ مَعْطُوفَةً عَلى جُمْلَةِ ﴿فَزادَتْهم رِجْسًا﴾ لِأنَّ مَضْمُونَ كِلْتا الجُمْلَتَيْنِ مِمّا أثْرَتْهُ السُّورَةُ.

أمّا جُمْلَةُ ﴿وهم كافِرُونَ﴾ [التوبة: ٨٥] فَهي حالٌ مِن ضَمِيرِ ماتُوا.

وقُوبِلَ قَوْلُهُ: ﴿وهم يَسْتَبْشِرُونَ﴾ في جانِبِ المُؤْمِنِينَ بِقَوْلِهِ: ﴿وماتُوا وهم كافِرُونَ﴾ في جانِبِ المُنافِقِينَ تَحْسِينًا بِالِازْدِواجِ، بِحَيْثُ كانَتْ لِلسُّورَةِ فائِدَتانِ لِلْمُؤْمِنِينَ ومُصِيبَتانِ عَلى المُنافِقِينَ، فَجُعِلَ مَوْتُهم عَلى الكُفْرِ المُتَسَبِّبِ عَلى زِيادَةِ السُّورَةِ في كُفْرِهِمْ بِمَنزِلَةِ مُصِيبَةٍ أُخْرى غَيْرِ الأُولى وإنْ كانَتْ في الحَقِيقَةِ زِيادَةً في المُصِيبَةِ الأُولى.

هَذا وجْهُ نَظْمِ الآيَةِ عَلى هَذا النَّسْجِ مِنَ البَلاغَةِ والبَدِيعِ، وقَدْ أُغْفِلَ فِيما رَأيْتُ مِنَ التَّفاسِيرِ، فَمِنها ما سَكَتَ عَنْ بَيانِهِ. ومِنها ما نُشِرَتْ فِيهِ مَعانِي المُفْرَداتِ وتُرِكَ جانِبُ نَظْمِ الكَلامِ.

والِاسْتِبْشارُ: أثَرُ البُشْرى في النَّفْسِ، فالسِّينُ والتّاءُ لِلتَّأْكِيدِ مِثْلُ اسْتَعْجَمَ، وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٧١] في آلِ عِمْرانَ، وتَقَدَّمَ آنِفًا في قَوْلِهِ: ﴿فاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ﴾ [التوبة: ١١١] .

والمُرادُ بِزِيادَةِ الإيمانِ وبِزِيادَةِ الرِّجْسِ الرُّسُوخُ والتَّمَكُّنُ مِنَ النَّفْسِ.

والرِّجْسُ: هُنا الكُفْرُ. وأصْلُهُ الشَّيْءُ الخَبِيثُ. كَما تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿رِجْسٌ مِن عَمَلِ الشَّيْطانِ﴾ [المائدة: ٩٠] في سُورَةِ العُقُودِ. وقَوْلِهِ: ﴿كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلى الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنعام: ١٢٥] في سُورَةِ الأنْعامِ.

والمَرَضُ في القُلُوبِ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ [البقرة: ١٠] في سُورَةِ البَقَرَةِ.

وتَعْدِيَةُ (زادَتْهم) بِـ (إلى)؛ لِأنَّ (زادَ) قَدْ ضَمِنَ مَعْنى الضَّمِّ.

ومَعْنى قَوْلِهِ: فَأمّا الَّذِينَ آمَنُوا إلَخْ مِثْلُ مَعْنى قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿ونُنَزِّلُ مِنَ القُرْآنِ ما هو شِفاءٌ ورَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ ولا يَزِيدُ الظّالِمِينَ إلّا خَسارًا﴾ [الإسراء: ٨٢]

9:126Страница 207

أَوَلَا يَرَوۡنَ أَنَّهُمۡ يُفۡتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٖ مَّرَّةً أَوۡ مَرَّتَيۡنِ ثُمَّ لَا يَتُوبُونَ وَلَا هُمۡ يَذَّكَّرُونَ ١٢٦

Неужели они не видят, что каждый год они подвергаются испытанию один или два раза? Они не раскаиваются после этого и не поминают назидание.

صفحة ٦٧

﴿أوَلا يَرَوْنَ أنَّهم يُفْتَنُونَ في كُلِّ عامٍ مَرَّةً أوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لا يَتُوبُونَ ولا هم يَذَّكَّرُونَ﴾

عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿فَزادَتْهم رِجْسًا إلى رِجْسِهِمْ﴾ [التوبة: ١٢٥] إلى آخِرِهِ فَهي مِن تَمامِ التَّفْصِيلِ.

وقُدِّمَتْ هَمْزَةُ الِاسْتِفْهامِ عَلى حَرْفِ العَطْفِ عَلى طَرِيقَةِ تَصْدِيرِ أدَواتِ الِاسْتِفْهامِ. والتَّصْدِيرُ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ الجُمْلَةَ في غَرَضِ الِاسْتِفْهامِ.

والِاسْتِفْهامُ هُنا إنْكارٌ وتَعْجِيبٌ لِعَدَمِ رُؤْيَتِهِمْ فِتْنَتَهم فَلا تَعْقُبُها تَوْبَتُهم ولا تَذَكُّرُهم أمْرَ رَبِّهِمْ. والغَرَضُ مِن هَذا الإنْكارِ هو الِاسْتِدْلالُ عَلى ما تَقَدَّمَ مِنِ ازْدِيادِ كُفْرِ المُنافِقِينَ وتَمَكُّنِهِ كُلَّما نَزَلَتْ سُورَةٌ مِنَ القُرْآنِ بِإيرادِ دَلِيلٍ واضِحٍ يَنْزِلُ مَنزِلَةَ المَحْسُوسِ المَرْئِيِّ حَتّى يَتَوَجَّهَ الإنْكارُ عَلى مَن لا يَراهُ.

والفِتْنَةُ: اخْتِلالُ نِظامِ الحالَةِ المُعْتادَةِ لِلنّاسِ واضْطِرابُ أمْرِهِمْ، مِثْلُ الأمْراضِ المُنْتَشِرَةِ، والتَّقاتُلِ، واسْتِمْرارِ الخَوْفِ. وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُها عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿والفِتْنَةُ أشَدُّ مِنَ القَتْلِ﴾ [البقرة: ١٩١] وقَوْلِهِ: ﴿وقاتِلُوهم حَتّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ [البقرة: ١٩٣] في سُورَةِ البَقَرَةِ.

فَمَعْنى ﴿أنَّهم يُفْتَنُونَ﴾ أنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ عَلَيْهِمُ المَصائِبَ والمَضارَّ تَنالُ جَماعَتَهم مِمّا لا يُعْتادُ تَكَرُّرُ أمْثالِهِ في حَياةِ الأُمَمِ بِحَيْثُ يَدُلُّ تَكَرُّرُ ذَلِكَ عَلى أنَّهُ مُرادٌ مِنهُ إيقاظُ اللَّهِ النّاسَ إلى سُوءِ سِيرَتِهِمْ في جانِبِ اللَّهِ تَعالى، بِعَدَمِ اهْتِدائِهِمْ إلى الإقْلاعِ عَمّا هم فِيهِ مِنَ العِنادِ لِلنَّبِيءِ ﷺ فَإنَّهم لَوْ رُزِقُوا التَّوْفِيقَ لَأفاقُوا مِن غَفْلَتِهِمْ، فَعَلِمُوا أنَّ ما يَحِلُّ بِهِمْ كُلَّ عامٍ ما طَرَأ عَلَيْهِمْ إلّا مِن وقْتِ تَلَبُّسِهِمْ بِالنِّفاقِ.

ولا شَكَّ أنَّ الفِتْنَةَ الَّتِي أشارَتْ إلَيْها الآيَةُ كانَتْ خاصَّةً بِأهْلِ النِّفاقِ مِن أمْراضٍ تَحِلُّ بِهِمْ، أوْ مَتالِفَ تُصِيبُ أمْوالَهم، أوْ جَوائِحَ تُصِيبُ ثِمارَهم، أوْ نَقْصٍ مِن أنْفُسِهِمْ ومَوالِيدِهِمْ؛ فَإذا حَصَلَ شَيْئانِ مِن ذَلِكَ في السَّنَةِ كانَتِ الفِتْنَةُ مَرَّتَيْنِ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿أوَلا يَرَوْنَ﴾ بِالمُثَنّاةِ التَّحْتِيَّةِ. وقَرَأ حَمْزَةُ ويَعْقُوبُ أوَلا تَرَوْنَ بِالمُثَنّاةِ الفَوْقِيَّةِ عَلى أنَّ الخِطابَ لِلْمُسْلِمِينَ، فَيَكُونُ مِن تَنْزِيلِ الرّائِي مَنزِلَةَ غَيْرِهِ حَتّى يُنْكِرَ عَلَيْهِ عَدَمَ رُؤْيَتِهِ ما لا يَخْفى.

صفحة ٦٨

و(ثُمَّ) لِلتَّرْتِيبِ الرُّتْبِيُّ لِأنَّ المَعْطُوفَ بِها هو زائِدٌ - في رُتْبَةِ التَّعْجِيبِ مِن شَأْنِهِ - عَلى المَعْطُوفِ عَلَيْهِ، فَإنَّ حُصُولَ الفِتْنَةِ في ذاتِهِ عَجِيبٌ، وعَدَمَ اهْتِدائِهِمْ لِلتَّدارُكِ بِالتَّوْبَةِ والتَّذَكُّرِ أعْجَبُ. ولَوْ كانَتْ (ثُمَّ) لِلتَّراخِي الحَقِيقِيِّ لَكانَ مَحَلُّ التَّعْجِيبِ مِن حالِهِمْ هو تَأخُّرَ تَوْبَتِهِمْ وتَذَكُّرِهِمْ.

وأُتِيَ بِجُمْلَةِ ﴿ولا هم يَذَّكَّرُونَ﴾ مُبْتَدَأةً بِاسْمٍ أُسْنِدَ إلَيْهِ فِعْلٌ ولَمْ يَقُلْ: ولا يَذَكَّرُونَ، قَصْدًا لِإفادَةِ التَّقْوى، أيِ انْتِفاءُ تَذَكُّرِهِمْ مُحَقَّقٌ.

Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии

Содержание

Аят аль-Курси36Аль-Кахфстр. 42джуз 15Бухари 1Муслим 2999

Вид

Тема
Размер текста
Вид

Read in English