Ар-РазиАль‑Бакара · 2:238–242

Ар-Рази · Тафсир · на арабском

Аль-Бакара 2:238–242, продолжение

القَوْلُ الرّابِعُ: وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ: القُنُوتُ عِبارَةٌ عَنِ الخُشُوعِ، وخَفْضِ الجَناحِ وسُكُونِ الأطْرافِ وتَرْكِ الِالتِفاتِ مِن هَيْبَةِ اللَّهِ تَعالى وكانَ أحَدُهم إذا قامَ إلى الصَّلاةِ يَهابُ رَبَّهُ فَلا يَلْتَفِتُ ولا يَقْلِبُ الحَصى، ولا يَعْبَثُ بِشَيْءٍ مِن جَسَدِهِ، ولا يُحَدِّثُ نَفْسَهُ بِشَيْءٍ مِنَ الدُّنْيا حَتّى يَنْصَرِفَ.

القَوْلُ الخامِسُ: القُنُوتُ هو القِيامُ، واحْتَجُّوا عَلَيْهِ بِحَدِيثِ جابِرٍ قالَ: سُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ: ”«أيُّ الصَّلاةِ أفْضَلُ ؟ قالَ طُولُ القُنُوتِ» “ يُرِيدُ طُولَ القِيامِ، وهَذا القَوْلُ عِنْدِي ضَعِيفٌ، وإلّا صارَ تَقْدِيرُ الآيَةِ: وقُومُوا لِلَّهِ قائِمِينَ

صفحة ١٣١

اللَّهُمَّ إلّا أنْ يُقالَ: وقُومُوا لِلَّهِ مُدِيمِينَ لِذَلِكَ القِيامِ، فَحِينَئِذٍ يَصِيرُ القُنُوتُ مُفَسَّرًا بِالإدامَةِ لا بِالقِيامِ.

القَوْلُ السّادِسُ: وهو اخْتِيارُ عَلِيِّ بْنِ عِيسى: أنَّ القُنُوتَ عِبارَةٌ عَنِ الدَّوامِ عَلى الشَّيْءِ والصَّبْرِ عَلَيْهِ والمُلازَمَةِ لَهُ، وهو في الشَّرِيعَةِ صارَ مُخْتَصًّا بِالمُداوَمَةِ عَلى طاعَةِ اللَّهِ تَعالى، والمُواظَبَةِ عَلى خِدْمَةِ اللَّهِ تَعالى، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ يَدْخُلُ فِيهِ جَمِيعُ ما قالَهُ المُفَسِّرُونَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ: وقُومُوا لِلَّهِ مُدِيمِينَ عَلى ذَلِكَ القِيامِ في أوْقاتِ وُجُوبِهِ واسْتِحْبابِهِ. واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.

2:239Страница 39

فَإِنۡ خِفۡتُمۡ فَرِجَالًا أَوۡ رُكۡبَانٗاۖ فَإِذَآ أَمِنتُمۡ فَٱذۡكُرُواْ ٱللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُم مَّا لَمۡ تَكُونُواْ تَعۡلَمُونَ ٢٣٩

Если вы испытываете страх, то молитесь на ходу или верхом. Когда же вы окажетесь в безопасности, то поминайте Аллаха так, как Он научил вас тому, чего вы не знали.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنْ خِفْتُمْ فَرِجالًا أوْ رُكْبانًا فَإذا أمِنتُمْ فاذْكُرُوا اللَّهَ كَما عَلَّمَكم ما لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا أوْجَبَ المُحافَظَةَ عَلى الصَّلَواتِ، والقِيامَ عَلى أدائِها بِأرْكانِها وشُرُوطِها، بَيَّنَ مِن بَعْدُ أنَّ هَذِهِ المُحافَظَةَ عَلى هَذا الحَدِّ لا تَجِبُ إلّا مَعَ الأمْنِ دُونَ الخَوْفِ، فَقالَ: ﴿قانِتِينَ﴾ ﴿فَإنْ خِفْتُمْ فَرِجالًا أوْ رُكْبانًا﴾ وفي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: يُرْوى (فَرُجالًا) بِضَمِّ الرّاءِ و(رِجّالًا) بِالتَّشْدِيدِ و(رَجُلًا) .

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ الواحِدِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: مَعْنى الآيَةِ فَإنْ خِفْتُمْ عَدُوًّا، فَحَذَفَ المَفْعُولَ لِإحاطَةِ العِلْمِ بِهِ، قالَ صاحِبُ الكَشّافِ: فَإنْ كانَ بِكم خَوْفٌ مِن عَدُوٍّ أوْ غَيْرِهِ، وهَذا القَوْلُ أصَحُّ؛ لِأنَّ هَذا الحُكْمَ ثابِتٌ عِنْدَ حُصُولِ الخَوْفِ، سَواءٌ كانَ الخَوْفُ مِنَ العَدُوِّ أوْ مِن غَيْرِهِ.

وفِيهِ قَوْلٌ ثالِثٌ وهو أنَّ المَعْنى: فَإنْ خِفْتُمْ فَواتَ الوَقْتِ إنْ أخَّرْتُمُ الصَّلاةَ إلى أنْ تَفْرُغُوا مِن حَرْبِكم فَصَلُّوا رِجالًا أوْ رُكْبانًا، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى تَأْكِيدِ فَرْضِ الوَقْتِ حَتّى يُتَرَخَّصَ لِأجْلِ المُحافَظَةِ عَلَيْهِ بِتَرْكِ القِيامِ والرُّكُوعِ والسُّجُودِ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: في الرِّجالِ قَوْلانِ:

أحَدُهُما: رِجالًا جَمْعُ راجِلٍ مِثْلَ تِجارٍ وتاجِرٍ وصِحابٍ وصاحِبٍ، والرّاجِلُ هو الكائِنُ عَلى رِجْلِهِ ماشِيًا كانَ أوْ واقِفًا، ويُقالُ في جَمْعِ راجِلٍ: رَجُلٌ ورِجالَةٌ ورِجّالَةٌ ورِجالٌ ورِجّالٌ.

والقَوْلُ الثّانِي: ما ذَكَرَهُ القَفّالُ، وهو أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ جَمْعَ الجَمْعِ، لِأنَّ راجِلًا يُجْمَعُ عَلى راجِلٍ، ثُمَّ يُجْمَعُ رَجُلٌ عَلى رِجالٍ، والرُّكَبانُ جَمْعُ راكِبٍ، مِثْلُ فُرْسانٍ وفارِسٍ، قالَ القَفّالُ: ويُقالُ إنَّهُ إنَّما يُقالُ راكِبٌ لِمَن كانَ عَلى جَمَلٍ، فَأمّا مَن كانَ عَلى فَرَسٍ فَإنَّما يُقالُ لَهُ فارِسٌ، واللَّهُ أعْلَمُ.

المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: رِجالًا نُصِبَ عَلى الحالِ، والعامِلُ فِيهِ مَحْذُوفٌ، والتَّقْدِيرُ: فَصَلُّوا رِجالًا أوْ رُكْبانًا.

* * *

المَسْألَةُ الخامِسَةُ: صَلاةُ الخَوْفِ قِسْمانِ:

أحَدُهُما: أنْ تَكُونَ في حالِ القِتالِ وهو المُرادُ بِهَذِهِ الآيَةِ.

والثّانِي: في غَيْرِ حالِ القِتالِ وهو المَذْكُورُ في سُورَةِ النِّساءِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإذا كُنْتَ فِيهِمْ فَأقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طائِفَةٌ مِنهم مَعَكَ﴾ [النساء: ١٠٢] وفي سِياقِ الآيَتَيْنِ بَيانُ اخْتِلافِ القَوْلَيْنِ.

إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: إذا التَحَمَ القِتالُ، ولَمْ يُمْكِنْ تَرْكُ القِتالِ لِأحَدٍ، فَمَذْهَبُ الشّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ أنَّهم

صفحة ١٣٢

يُصَلُّونَ رُكْبانًا عَلى دَوابِّهِمْ، ومُشاةً عَلى أقْدامِهِمْ إلى القِبْلَةِ وإلى غَيْرِ القِبْلَةِ يُومِئُونَ بِالرُّكُوعِ والسُّجُودِ، ويَجْعَلُونَ السُّجُودَ أخْفَضَ مِنَ الرُّكُوعِ، ويَحْتَرِزُونَ عَنِ الصَّيْحاتِ؛ لِأنَّهُ لا ضَرُورَةَ إلَيْها، وقالَ أبُو حَنِيفَةَ: لا يُصَلِّي الماشِي بَلْ يُؤَخِّرُ، واحْتَجَّ الشّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ بِهَذِهِ الآيَةِ مِن وجْهَيْنِ:

الأوَّلُ: «قالَ ابْنُ عُمَرَ: ﴿فَرِجالًا أوْ رُكْبانًا﴾ يَعْنِي مُسْتَقْبِلِي القِبْلَةِ أوْ غَيْرَ مُسْتَقْبِلِيها. قالَ نافِعٌ: لا أرى ابْنَ عُمَرَ ذَكَرَ ذَلِكَ إلّا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ» ﷺ .

الوَجْهُ الثّانِي: وهو أنَّ الخَوْفَ الَّذِي تَجُوزُ مَعَهُ الصَّلاةُ مَعَ التَّرَجُّلِ والمَشْيِ ومَعَ الرُّكُوبِ والرَّكْضِ لا يُمْكِنُ مَعَهُ المُحافَظَةُ عَلى الِاسْتِقْبالِ، فَصارَ قَوْلُهُ: ﴿فَرِجالًا أوْ رُكْبانًا﴾ يَدُلُّ عَلى التَّرَخُّصِ في تَرْكِ التَّوَجُّهِ، وأيْضًا يَدُلُّ عَلى التَّرَخُّصِ في تَرْكِ الرُّكُوعِ والسُّجُودِ إلى الإيماءِ لِأنَّ مَعَ الخَوْفِ الشَّدِيدِ مِنَ العَدُوِّ لا يَأْمَنُ الرَّجُلُ عَلى نَفْسِهِ إنْ وقَفَ في مَكانِهِ لا يَتَمَكَّنُ مِنَ الرُّكُوعِ والسُّجُودِ، فَصَحَّ بِما ذَكَرْنا دَلالَةُ رِجالًا أوْ رُكْبانًا عَلى جَوازِ تَرْكِ الِاسْتِقْبالِ، وعَلى جَوازِ الِاكْتِفاءِ بِالإيماءِ في الرُّكُوعِ والسُّجُودِ.

إذا ثَبَتَ هَذا فَلْنَتَكَلَّمْ فِيما يَسْقُطُ عَنْهُ وفِيما لا يَسْقُطُ، فَنَقُولُ: لا شَكَّ أنَّ الصَّلاةَ إنَّما تَتِمُّ بِمَجْمُوعِ أُمُورٍ ثَلاثَةٍ:

أحَدُها: فِعْلُ القَلْبِ وهو النِّيَّةُ، وذَلِكَ لا يَسْقُطُ؛ لِأنَّهُ لا يَتَبَدَّلُ حالُ الخَوْفِ بِسَبَبِ ذَلِكَ.

والثّانِي: فِعْلُ اللِّسانِ وهي القِراءَةُ، وهي لا تَسْقُطُ عِنْدَ الخَوْفِ، ولا يَجُوزُ لَهُ أيْضًا أنْ يَتَكَلَّمَ حالَ الصَّلاةِ بِكَلامٍ أجْنَبِيٍّ، أوْ يَأْتِيَ بِصَيْحاتٍ لا ضَرُورَةَ إلَيْها.

والثّالِثُ: أعْمالُ الجَوارِحِ، فَنَقُولُ: أمّا القِيامُ والقُعُودُ فَساقِطانِ عَنْهُ لا مَحالَةَ وأمّا الِاسْتِقْبالُ فَساقِطٌ عَلى ما بَيَّنّاهُ، وأمّا الرُّكُوعُ والسُّجُودُ فالإيماءُ قائِمٌ مَقامَهُما، فَيَجِبُ أنْ يَجْعَلَ الإيماءَ النّائِبَ عَنِ السُّجُودِ أخْفَضَ مِنَ الإيماءِ النّائِبِ عَنِ الرُّكُوعِ، لِأنَّ هَذا القَدْرَ مُمْكِنٌ، وأمّا تَرْكُ الطَّهارَةِ فَغَيْرُ جائِزٍ لِأجْلِ الخَوْفِ، فَإنَّهُ يُمْكِنُهُ التَّطْهِيرُ بِالماءِ أوِ التُّرابِ، إنَّما الخِلافُ في أنَّهُ إذا وجَدَ الماءَ وامْتَنَعَ عَلَيْهِ التَّوَضُّؤُ بِهِ؛ هَلْ يَجُوزُ لَهُ أنْ يَتَيَمَّمَ بِالغُبارِ الَّذِي يَتَمَكَّنُ مِنهُ حالَ رُكُوبِهِ، والأصَحُّ أنَّهُ يَجُوزُ، لِأنَّهُ إذا كانَ خَوْفُ العَطَشِ يُرَخِّصُ التَّيَمُّمَ، فالخَوْفُ عَلى النَّفْسِ أوْلى أنَّ يُرَخِّصَ في ذَلِكَ، فَهَذا تَفْصِيلُ قَوْلِ الشّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ، وبِالجُمْلَةِ فاعْتِمادُهُ في هَذا البابِ عَلى قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«إذا أمَرْتُكم بِشَيْءٍ فَأْتُوا مِنهُ ما اسْتَطَعْتُمْ» “ واحْتَجَّ أبُو حَنِيفَةَ بِأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أخَّرَ الصَّلاةَ يَوْمَ الخَنْدَقِ فَوَجَبَ عَلَيْنا ذَلِكَ أيْضًا.

والجَوابُ: أنَّ يَوْمَ الخَنْدَقِ لَمْ يَبْلُغِ الخَوْفُ هَذا الحَدَّ، ومَعَ ذَلِكَ فَإنَّهُ ﷺ أخَّرَ الصَّلاةَ فَعَلِمْنا كَوْنَ هَذِهِ الآيَةِ ناسِخَةً لِذَلِكَ الفِعْلِ.

* * *

المَسْألَةُ السّادِسَةُ: اخْتَلَفُوا في الخَوْفِ الَّذِي يُفِيدُ هَذِهِ الرُّخْصَةَ؛ وطَرِيقُ الضَّبْطِ أنْ نَقُولَ: الخَوْفُ إمّا أنْ يَكُونَ في القِتالِ، أوْ في غَيْرِ القِتالِ، أمّا الخَوْفُ في القِتالِ فَإمّا أنْ يَكُونَ في قِتالٍ واجِبٍ، أوْ مُباحٍ، أوْ مَحْظُورٍ، أمّا القِتالُ الواجِبُ فَهو كالقِتالِ مَعَ الكُفّارِ وهو الأصْلُ في صَلاةِ الخَوْفِ، وفِيهِ نَزَلَتِ الآيَةُ، ويَلْتَحِقُ بِهِ قِتالُ أهْلِ البَغْيِ، قالَ تَعالى: ﴿فَقاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتّى تَفِيءَ إلى أمْرِ اللَّهِ﴾ [الحجرات: ٩] وأمّا القِتالُ المُباحُ فَقَدْ قالَ القاضِي أبُو المَحاسِنِ الطَّبَرِيُّ في كِتابِ شَرْحِ المُخْتَصَرِ: إنَّ دَفْعَ الإنْسانِ عَنْ نَفْسِهِ مُباحٌ غَيْرُ واجِبٍ بِخِلافِ ما إذا قَصَدَ الكافِرُ نَفْسَهُ، فَإنَّهُ يَجِبُ الدَّفْعُ؛ لِئَلّا يَكُونَ إخْلالًا بِحَقِّ الإسْلامِ.

إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: أمّا القِتالُ في الدَّفْعِ عَنِ النَّفْسِ وفي الدَّفْعِ عَنْ كُلِّ حَيَوانٍ مُحْتَرَمٍ، فَإنَّهُ يَجُوزُ فِيهِ صَلاةُ الخَوْفِ، أمّا قَصْدُ أخْذِ مالِهِ، أوْ إتْلافِ حالِهِ، فَهَلْ لَهُ أنْ يُصَلِّيَ صَلاةَ شِدَّةِ الخَوْفِ، فِيهِ قَوْلانِ:

الأصَحُّ أنْ يَجُوزَ، واحْتَجَّ الشّافِعِيُّ بِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«مَن قُتِلَ دُونَ مالِهِ فَهو شَهِيدٌ» “ فَدَلَّ هَذا عَلى أنَّ الدَّفْعَ عَنِ

صفحة ١٣٣

المالِ كالدَّفْعِ عَنِ النَّفْسِ.

والثّانِي: لا يَجُوزُ لِأنَّ حُرْمَةَ الزَّوْجِ أعْظَمُ، أمّا القِتالُ المَحْظُورُ فَإنَّهُ لا تَجُوزُ فِيهِ صَلاةُ الخَوْفِ، لِأنَّ هَذا رُخْصَةٌ والرُّخْصَةُ إعانَةٌ، والعاصِي لا يَسْتَحِقُّ الإعانَةَ، أمّا الخَوْفُ الحاصِلُ لا في القِتالِ، كالهارِبِ مِنَ الحَرْقِ والغَرَقِ والسَّبُعِ وكَذا المُطالِبِ بِالدِّينِ إذا كانَ مُعْسِرًا خائِفًا مِنَ الحَبْسِ، عاجِزًا عَنْ بَيِّنَةِ الإعْسارِ، فَلَهم أنْ يُصَلُّوا هَذِهِ الصَّلاةَ، لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿فَإنْ خِفْتُمْ﴾ مُطْلَقٌ يَتَناوَلُ الكُلَّ.

فَإنْ قِيلَ: قَوْلُهُ: ﴿فَرِجالًا أوْ رُكْبانًا﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ مِنهُ الخَوْفُ مِنَ العَدُوِّ حالَ المُقاتَلَةِ.

قُلْنا: هَبْ أنَّهُ كَذَلِكَ إلّا أنَّهُ لَمّا ثَبَتَ هُناكَ دَفْعًا لِلضَّرَرِ، وهَذا المَعْنى قائِمٌ هَهُنا، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ الحُكْمُ مَشْرُوعًا واللَّهُ أعْلَمُ.

* * *

المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: فَرَضَ اللَّهُ عَلى لِسانِ نَبِيِّكُمُ الصَّلاةَ في الحَضَرِ أرْبَعًا، وفي السَّفَرِ رَكْعَتَيْنِ، وفي الخَوْفِ رَكْعَةً، والجُمْهُورُ عَلى أنَّ الواجِبَ في الحَضَرِ أرْبَعٌ، وفي السَّفَرِ رَكْعَتانِ، سَواءٌ كانَ في الخَوْفِ أوْ لَمْ يَكُنْ، وأنَّ قَوْلَ ابْنِ عَبّاسٍ مَتْرُوكٌ.

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإذا أمِنتُمْ﴾ فالمَعْنى بِزَوالِ الخَوْفِ الَّذِي هو سَبَبُ الرُّخْصَةِ ﴿فاذْكُرُوا اللَّهَ كَما عَلَّمَكُمْ﴾ وفِيهِ قَوْلانِ:

الأوَّلُ: فاذْكُرُوا بِمَعْنى فافْعَلُوا الصَّلاةَ كَما عَلَّمَكم بِقَوْلِهِ: ﴿حافِظُوا عَلى الصَّلَواتِ والصَّلاةِ الوُسْطى وقُومُوا لِلَّهِ قانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨] وكَما بَيَّنَهُ بِشُرُوطِهِ وأرْكانِهِ؛ لِأنَّ سَبَبَ الرُّخْصَةِ إذا زالَ عادَ الوُجُوبُ فِيهِ كَما كانَ مِن قَبْلُ، والصَّلاةُ قَدْ تُسَمّى ذِكْرًا لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فاسْعَوْا إلى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ٩] .

والقَوْلُ الثّانِي: ﴿فاذْكُرُوا اللَّهَ﴾ أيْ: فاشْكُرُوهُ لِأجْلِ إنْعامِهِ عَلَيْكم بِالأمْنِ، طَعَنَ القاضِي في هَذا القَوْلِ، وقالَ: إنَّ هَذا الذِّكْرَ لَمّا كانَ مُعَلَّقًا بِشَرْطٍ مَخْصُوصٍ، وهو حُصُولُ الأمْنِ بَعْدَ الخَوْفِ، لَمْ يَكُنْ حَمْلُهُ عَلى ذِكْرٍ يَلْزَمُ مَعَ الخَوْفِ والأمْنِ جَمِيعًا عَلى حَدٍّ واحِدٍ، ومَعْلُومٌ أنَّ مَعَ الخَوْفِ يَلْزَمُ الشُّكْرُ، كَما يَلْزَمُ مَعَ الأمْنِ، لِأنَّ في كِلا الحالَيْنِ نِعْمَةَ اللَّهِ تَعالى مُتَّصِلَةٌ، والخَوْفُ هَهُنا مِن جِهَةِ الكُفّارِ لا مِن جِهَتِهِ تَعالى، فالواجِبُ حَمْلُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فاذْكُرُوا اللَّهَ﴾ عَلى ذِكْرٍ يَخْتَصُّ بِهَذِهِ الحالَةِ.

والقَوْلُ الثّالِثُ: أنَّهُ دَخَلَ تَحْتَ قَوْلِهِ: ﴿فاذْكُرُوا اللَّهَ﴾ الصَّلاةُ والشُّكْرُ جَمِيعًا؛ لِأنَّ الأمْنَ بِسَبَبِ الشُّكْرِ مُحَدَّدٌ يَلْزَمُ فِعْلُهُ مَعَ فِعْلِ الصَّلاةِ في أوْقاتِها.

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: (كَما عَلَّمَكم) فَبَيانُ إنْعامِهِ عَلَيْنا بِالتَّعْلِيمِ والتَّعْرِيفِ، وأنَّ ذَلِكَ مِن نِعَمِهِ تَعالى، ولَوْلا هِدايَتُهُ لَمْ نَصِلْ إلى ذَلِكَ، ثُمَّ إنَّ أصْحابَنا فَسَّرُوا هَذا التَّعْلِيمَ بِخَلْقِ العِلْمِ، والمُعْتَزِلَةُ فَسُّرُوهُ بِوَضْعِ الدَّلائِلِ، وفِعْلِ الألْطافِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾ إشارَةٌ إلى ما قَبْلَ بِعْثَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ مِن زَمانِ الجَهالَةِ والضَّلالَةِ.

2:240Страница 39

وَٱلَّذِينَ يُتَوَفَّوۡنَ مِنكُمۡ وَيَذَرُونَ أَزۡوَٰجٗا وَصِيَّةٗ لِّأَزۡوَٰجِهِم مَّتَٰعًا إِلَى ٱلۡحَوۡلِ غَيۡرَ إِخۡرَاجٖۚ فَإِنۡ خَرَجۡنَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيۡكُمۡ فِي مَا فَعَلۡنَ فِيٓ أَنفُسِهِنَّ مِن مَّعۡرُوفٖۗ وَٱللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٞ ٢٤٠

Если кто-либо из вас скончается и оставит после себя жен, то они должны завещать, чтобы их обеспечивали в течение одного года и не прогоняли. Если же они сами уйдут, то на вас не будет греха за то, что они распорядятся собой разумным образом. Аллах - Могущественный, Мудрый.

الحُكْمُ السّابِعَ عَشَرَ

الوَفاةُ

﴿والَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكم ويَذَرُوَنَ أزْواجًا وصِيَّةً لِأزْواجِهِمْ مَتاعًا إلى الحَوْلِ غَيْرَ إخْراجٍ فَإنْ خَرَجْنَ فَلا جُناحَ عَلَيْكم في ما فَعَلْنَ في أنْفُسِهِنَّ مِن مَعْرُوفٍ واللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾

صفحة ١٣٤

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكم ويَذَرُونَ أزْواجًا وصِيَّةً لِأزْواجِهِمْ مَتاعًا إلى الحَوْلِ غَيْرَ إخْراجٍ فَإنْ خَرَجْنَ فَلا جُناحَ عَلَيْكم في ما فَعَلْنَ في أنْفُسِهِنَّ مِن مَعْرُوفٍ واللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾

فِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ونافِعٌ والكِسائِيُّ وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ (وصِيَّةٌ) بِالرَّفْعِ، والباقُونَ بِالنَّصْبِ، أمّا الرَّفْعُ فَفِيهِ أقْوالٌ:

الأوَّلُ: أنَّ قَوْلَهُ: (وصِيَّةٌ) مُبْتَدَأٌ، وقَوْلَهُ: (لِأزْواجِهِمْ) خَبَرٌ، وحَسُنَ الِابْتِداءُ بِالنَّكِرَةِ، لِأنَّها مُتَخَصِّصَةٌ بِسَبَبِ تَخْصِيصِ المَوْضِعِ، كَما حَسُنَ قَوْلُهُ: ﴿سَلامٌ عَلَيْكُمْ﴾، وخَيْرٌ بَيْنَ يَدَيْكَ.

والثّانِي: أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: (وصِيَّةٌ لِأزْواجِهِمْ) مُبْتَدَأً، ويُضْمَرُ لَهُ خَبَرٌ، والتَّقْدِيرُ فَعَلَيْهِمْ وصِيَّةٌ لِأزْواجِهِمْ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ: ﴿فَنِصْفُ ما فَرَضْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٧]، ﴿فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ﴾ [النساء: ٩٢]، ﴿فَصِيامُ ثَلاثَةِ أيّامٍ﴾ [المائدة: ٨٩] .

والثّالِثُ: تَقْدِيرُ الآيَةِ: الأمْرُ وصِيَّةٌ، أوِ المَفْرُوضُ، أوِ الحُكْمُ وصِيَّةٌ، وعَلى هَذا الوَجْهِ أضْمَرْنا المُبْتَدَأ.

والرّابِعُ: تَقْدِيرُ الآيَةِ: كُتِبَ عَلَيْكم وصِيَّةٌ.

والخامِسُ: تَقْدِيرُهُ: لِيَكُونَ مِنكم وصِيَّةٌ.

والسّادِسُ: تَقْدِيرُ الآيَةِ: ووَصِيَّةُ الَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكم وصِيَّةٌ إلى الحَوْلِ، وكُلُّ هَذِهِ الوُجُوهِ جائِزَةٌ حَسَنَةٌ، وأمّا قِراءَةُ النَّصْبِ فَفِيها وُجُوهٌ:

الأوَّلُ: تَقْدِيرُ الآيَةِ: فَلْيُوصُوا وصِيَّةً.

والثّانِي: تَقْدِيرُها: تُوصُونَ وصِيَّةً، كَقَوْلِكَ: إنَّما أنْتَ سَيْرَ البَرِيدِ؛ أيْ: تَسِيرُ سَيْرَ البَرِيدِ.

الثّالِثُ: تَقْدِيرُها: ألْزَمَ الَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ وصِيَّةً.

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: (مَتاعًا) فَفِيهِ وُجُوهٌ:

الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ عَلى مَعْنى: مَتِّعُوهُنَّ مَتاعًا، فَيَكُونُ التَّقْدِيرُ: فَلْيُوصُوا لَهُنَّ وصِيَّةً، ولْيُمَتِّعُوهُنَّ مَتاعًا.

الثّانِي: أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: جَعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ ذَلِكَ مَتاعًا؛ لِأنَّ ما قَبْلَ الكَلامِ يَدُلُّ عَلى هَذا.

الثّالِثُ: أنَّهُ نُصِبَ عَلى الحالِ.

أمّا قَوْلُهُ: (غَيْرَ إخْراجٍ) فَفِيهِ قَوْلانِ:

الأوَّلُ: أنَّهُ نُصِبَ بِوُقُوعِهِ مَوْقِعَ الحالِ كَأنَّهُ قالَ: مَتِّعُوهُنَّ مُقِيماتٍ غَيْرَ مُخْرَجاتٍ.

والثّانِي: انْتَصَبَ بِنَزْعِ الخافِضِ، أرادَ مِن غَيْرِ إخْراجٍ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في هَذِهِ الآيَةِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ:

الأوَّلُ: وهو اخْتِيارُ جُمْهُورِ المُفَسِّرِينَ، أنَّها مَنسُوخَةٌ، قالُوا: كانَ الحُكْمُ في ابْتِداءِ الإسْلامِ أنَّهُ إذا ماتَ الرَّجُلُ لَمْ يَكُنْ لِامْرَأتِهِ مِن مِيراثِهِ شَيْءٌ إلّا النَّفَقَةَ والسُّكْنى سَنَةً، وكانَ الحَوْلُ عَزِيمَةً عَلَيْها في الصَّبْرِ عَنِ التَّزَوُّجِ، ولَكِنَّها كانَتْ مُخَيَّرَةً في أنْ تَعْتَدَّ إنْ شاءَتْ في بَيْتِ الزَّوْجِ، وإنْ شاءَتْ خَرَجَتْ قَبْلَ الحَوْلِ، لَكِنَّها مَتى خَرَجَتْ سَقَطَتْ نَفَقَتُها، هَذا جُمْلَةُ ما في هَذِهِ الآيَةِ؛ لِأنّا إنْ قَرَأْنا (وصِيَّةٌ) بِالرَّفْعِ، كانَ المَعْنى: فَعَلَيْهِمْ وصِيَّةٌ، وإنْ قَرَأْناها بِالنَّصْبِ، كانَ المَعْنى: فَلْيُوصُوا وصِيَّةً، وعَلى القِراءَتَيْنِ هَذِهِ الوَصِيَّةُ واجِبَةٌ، ثُمَّ إنَّ هَذِهِ الوَصِيَّةَ صارَتْ مُفَسَّرَةً بِأمْرَيْنِ:

أحَدُهُما: المَتاعُ والنَّفَقَةُ إلى الحَوْلِ.

والثّانِي: السُّكْنى إلى الحَوْلِ، ثُمَّ أنْزَلَ تَعالى أنَّهُنَّ إنْ خَرَجْنَ فَلا جُناحَ عَلَيْكم في ذَلِكَ، فَثَبَتَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ تُوجِبُ أمْرَيْنِ:

أحَدُهُما: وُجُوبُ النَّفَقَةِ والسُّكْنى مِن مالِ الزَّوْجِ سَنَةً.

والثّانِي: وُجُوبُ الِاعْتِدادِ سَنَةً، لِأنَّ وُجُوبَ السُّكْنى والنَّفَقَةِ مِن مالِ المَيِّتِ سَنَةً تُوجِبُ المَنعَ مِنَ التَّزَوُّجِ بِزَوْجٍ آخَرَ في هَذِهِ السَّنَةِ، ثُمَّ إنَّ اللَّهَ تَعالى نَسَخَ هَذَيْنِ الحُكْمَيْنِ، أمّا الوَصِيَّةُ بِالنَّفَقَةِ والسُّكْنى؛ فَلِأنَّ القُرْآنَ دَلَّ عَلى ثُبُوتِ المِيراثِ لَها، والسُّنَّةُ دَلَّتْ عَلى أنَّهُ لا وصِيَّةَ لِوارِثٍ، فَصارَ مَجْمُوعُ القُرْآنِ والسُّنَّةِ ناسِخًا لِلْوَصِيَّةِ لِلزَّوْجَةِ بِالنَّفَقَةِ والسُّكْنى في الحَوْلِ، وأمّا وُجُوبُ العِدَّةِ في الحَوْلِ فَهو مَنسُوخٌ بِقَوْلِهِ: ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأنْفُسِهِنَّ أرْبَعَةَ أشْهُرٍ وعَشْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤] فَهَذا القَوْلُ هو الَّذِي اتَّفَقَ عَلَيْهِ أكْثَرُ المُتَقَدِّمِينَ والمُتَأخِّرِينَ مِنَ المُفَسِّرِينَ.

صفحة ١٣٥

القَوْلُ الثّانِي: وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ: أنَّ اللَّهَ تَعالى أنْزَلَ في عِدَّةِ المُتَوَفّى عَنْها زَوْجُها آيَتَيْنِ:

أحَدُهُما: ما تَقَدَّمَ وهو قَوْلُهُ: ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأنْفُسِهِنَّ أرْبَعَةَ أشْهُرٍ وعَشْرًا﴾ .

والأُخْرى: هَذِهِ الآيَةُ، فَوَجَبَ تَنْزِيلُ هاتَيْنِ الآيَتَيْنِ عَلى حالَتَيْنِ. فَنَقُولُ: إنَّها إنْ لَمْ تَخْتَرِ السُّكْنى في دارِ زَوْجِها ولَمْ تَأْخُذِ النَّفَقَةَ مِن مالِ زَوْجِها، كانَتْ عِدَّتُها أرْبَعَةَ أشْهُرٍ وعَشْرًا عَلى ما في تِلْكَ الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ، وأمّا إنِ اخْتارَتِ السُّكْنى في دارِ زَوْجِها، والأخْذَ مِن مالِهِ وتَرِكَتِهِ، فَعِدَّتُها هي الحَوْلُ، وتَنْزِيلُ الآيَتَيْنِ عَلى هَذَيْنِ التَّقْدِيرَيْنِ أوْلى، حَتّى يَكُونَ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما مَعْمُولًا بِهِ.

القَوْلُ الثّالِثُ: وهو قَوْلُ أبِي مُسْلِمٍ الأصْفَهانِيِّ: أنَّ مَعْنى الآيَةِ: مَن يُتَوَفّى مِنكم ويَذَرُونَ أزْواجًا، وقَدْ وصَّوْا وصِيَّةً لِأزْواجِهِمْ بِنَفَقَةِ الحَوْلِ وسُكْنى الحَوْلِ فَإنْ خَرَجْنَ قَبْلَ ذَلِكَ وخالَفْنَ وصِيَّةَ الزَّوْجِ بَعْدَ أنْ يُقِمْنَ المُدَّةَ الَّتِي ضَرَبَها اللَّهُ تَعالى لَهُنَّ فَلا حَرَجَ فِيما فَعَلْنَ في أنْفُسِهِنَّ مِن مَعْرُوفٍ؛ أيْ: نِكاحٍ صَحِيحٍ؛ لِأنَّ إقامَتَهُنَّ بِهَذِهِ الوَصِيَّةِ غَيْرُ لازِمَةٍ، قالَ: والسَّبَبُ أنَّهم كانُوا في زَمانِ الجاهِلِيَّةِ يُوصُونَ بِالنَّفَقَةِ والسُّكْنى حَوْلًا كامِلًا، وكانَ يَجِبُ عَلى المَرْأةِ الِاعْتِدادُ بِالحَوْلِ، فَبَيَّنَ اللَّهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ أنَّ ذَلِكَ غَيْرُ واجِبٍ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فالنَّسْخُ زائِلٌ، واحْتَجَّ عَلى قَوْلِهِ بِوُجُوهٍ:

أحَدُها: أنَّ النَّسْخَ خِلافُ الأصْلِ فَوَجَبَ المَصِيرُ إلى عَدَمِهِ بِقَدْرِ الإمْكانِ.

الثّانِي: أنْ يَكُونَ النّاسِخُ مُتَأخِّرًا عَنِ المَنسُوخِ في النُّزُولِ، وإذا كانَ مُتَأخِّرًا عَنْهُ في النُّزُولِ كانَ الأحْسَنُ أنْ يَكُونَ مُتَأخِّرًا عَنْهُ في التِّلاوَةِ أيْضًا، لِأنَّ هَذا التَّرْتِيبَ أحْسَنُ، فَأمّا تَقَدُّمُ النّاسِخِ عَلى المَنسُوخِ في التِّلاوَةِ، فَهو وإنْ كانَ جائِزًا في الجُمْلَةِ، إلّا أنَّهُ يُعَدُّ مِن سُوءِ التَّرْتِيبِ، وتَنْزِيهُ كَلامِ اللَّهِ تَعالى عَنْهُ واجِبٌ بِقَدْرِ الإمْكانِ ولَمّا كانَتْ هَذِهِ الآيَةُ مُتَأخِّرَةً عَنْ تِلْكَ التِّلاوَةِ، كانَ الأوْلى أنْ لا يُحْكَمَ بِكَوْنِها مَنسُوخَةً بِتِلْكَ.

الوَجْهُ الثّالِثُ: وهو أنَّهُ ثَبَتَ في عِلْمِ أُصُولِ الفِقْهِ أنَّهُ مَتى وقَعَ التَّعارُضُ بَيْنَ النَّسْخِ وبَيْنَ التَّخْصِيصِ، كانَ التَّخْصِيصُ أوْلى، وهَهُنا إنْ خَصَّصْنا هاتَيْنِ الآيَتَيْنِ بِالحالَتَيْنِ عَلى ما هو قَوْلُ مُجاهِدٍ انْدَفَعَ النَّسْخُ فَكانَ المَصِيرُ إلى قَوْلِ مُجاهِدٍ أوْلى مِنِ التِزامِ النَّسْخِ مِن غَيْرِ دَلِيلٍ، وأمّا عَلى قَوْلِ أبِي مُسْلِمٍ فالكَلامُ أظْهَرُ؛ لِأنَّكم تَقُولُونَ: تَقْدِيرُ الآيَةِ: فَعَلَيْهِمْ وصِيَّةٌ لِأزْواجِهِمْ، أوْ تَقْدِيرُها: فَلْيُوصُوا وصِيَّةً، فَأنْتُمْ تُضِيفُونَ هَذا الحُكْمَ إلى اللَّهِ تَعالى، وأبُو مُسْلِمٍ يَقُولُ: بَلْ تَقْدِيرُ الآيَةِ: والَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكم ولَهم وصِيَّةٌ لِأزْواجِهِمْ، أوْ تَقْدِيرُها: وقَدْ أوْصَوْا وصِيَّةً لِأزْواجِهِمْ، فَهو يُضِيفُ هَذا الكَلامَ إلى الزَّوْجِ، وإذا كانَ لا بُدَّ مِنَ الإضْمارِ فَلَيْسَ إضْمارُكم أوْلى مِن إضْمارِهِ، ثُمَّ عَلى تَقْدِيرِ أنْ يَكُونَ الإضْمارُ ما ذَكَرْتُمْ يَلْزَمُ تَطَرُّقُ النَّسْخِ إلى الآيَةِ، وعِنْدَ هَذا يَشْهَدُ كُلُّ عَقْلٍ سَلِيمٍ بِأنَّ إضْمارَ أبِي مُسْلِمٍ أوْلى مِن إضْمارِكم، وأنَّ التِزامَ هَذا النَّسْخِ التِزامٌ لَهُ مِن غَيْرِ دَلِيلٍ، مَعَ ما في القَوْلِ بِهَذا النَّسْخِ مِن سُوءِ التَّرْتِيبِ الَّذِي يَجِبُ تَنْزِيهُ كَلامِ اللَّهِ تَعالى عَنْهُ، وهَذا كَلامٌ واضِحٌ.

وإذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: هَذِهِ الآيَةُ مِن أوَّلِها إلى آخِرِها تَكُونُ جُمْلَةً واحِدَةً شَرْطِيَّةً، فالشَّرْطُ هو قَوْلُهُ: ﴿والَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكم ويَذَرُونَ أزْواجًا وصِيَّةً لِأزْواجِهِمْ مَتاعًا إلى الحَوْلِ غَيْرَ إخْراجٍ﴾ فَهَذا كُلُّهُ شَرْطٌ، والجَزاءُ هو قَوْلُهُ: ﴿فَإنْ خَرَجْنَ فَلا جُناحَ عَلَيْكم في ما فَعَلْنَ في أنْفُسِهِنَّ مِن مَعْرُوفٍ﴾ فَهَذا تَقْرِيرُ قَوْلِ أبِي مُسْلِمٍ، وهو في غايَةِ الصِّحَّةِ.

* * *

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: المُعْتَدَّةُ عَنْ فُرْقَةِ الوَفاةِ لا نَفَقَةَ لَها ولا كُسْوَةَ، حامِلًا كانَتْ أوْ حائِلًا، ورُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلامُ وابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما، أنَّ لَها النَّفَقَةَ إذا كانَتْ حامِلًا، وعَنْ جابِرٍ وابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم

صفحة ١٣٦

أنَّهُما قالا: لا نَفَقَةَ لَها، حَسْبُها المِيراثُ، وهَلْ تَسْتَحِقُّ السُّكْنى فِيهِ قَوْلانِ:

أحَدُهُما: لا تَسْتَحِقُّ السُّكْنى وهو قَوْلُ عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلامُ وابْنِ عَبّاسٍ وعائِشَةَ، ومَذْهَبُ أبِي حَنِيفَةَ واخْتِيارُ المُزَنِيِّ.

والثّانِي: تَسْتَحِقُّ وهو قَوْلُ عُمَرَ وعُثْمانَ وابْنِ مَسْعُودٍ وأُمِّ سَلَمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم وبِهِ قالَ مالِكٌ والثَّوْرِيُّ وأحْمَدُ، وبِناءُ القَوْلَيْنِ عَلى خَبَرِ «فُرَيْعَةَ بِنْتِ مالِكٍ أُخْتِ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ قُتِلَ زَوْجُها قالَتْ: فَسَألَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ: إنِّي أرْجِعُ إلى أهْلِي فَإنَّ زَوْجِي ما تَرَكَنِي في مَنزِلٍ يَمْلِكُهُ. فَقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: نَعَمْ. فانْصَرَفْتُ حَتّى إذا كُنْتُ في المَسْجِدِ أوْ في الحُجْرَةِ دَعانِي فَقالَ: امْكُثِي في بَيْتِكِ حَتّى يَبْلُغَ الكِتابُ أجَلَهُ»، واخْتَلَفُوا في تَنْزِيلِ هَذا الحَدِيثِ، قِيلَ لَمْ يُوجِبْ في الِابْتِداءِ، ثُمَّ أوْجَبَ، فَصارَ الأوَّلُ مَنسُوخًا، وقِيلَ: أمَرَها بِالمُكْثِ في بَيْتِها أمْرًا عَلى سَبِيلِ الِاسْتِحْبابِ لا عَلى سَبِيلِ الوُجُوبِ، واحْتَجَّ المُزَنِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ عَلى أنَّهُ لا سُكْنى لَها، فَقالَ: أجْمَعْنا عَلى أنَّهُ لا نَفَقَةَ لَها، لِأنَّ المِلْكَ انْقَطَعَ بِالمَوْتِ، فَكَذَلِكَ السُّكْنى، بِدَلِيلِ أنَّهم أجْمَعُوا عَلى أنَّ مَن وجَبَ لَهُ نَفَقَةٌ وسُكْنى مِن والِدٍ ووَلَدٍ عَلى رَجُلٍ فَماتَ انْقَطَعَتْ نَفَقَتُهم وسُكْناهم، لِأنَّ مالَهُ صارَ مِيراثًا لِلْوَرَثَةِ، فَكَذا هَهُنا.

أجابَ الأصْحابُ فَقالُوا: لا يُمْكِنُ قِياسُ السُّكْنى عَلى النَّفَقَةِ؛ لِأنَّ المُطَلَّقَةَ الثَّلاثَ تَسْتَحِقُّ السُّكْنى بِكُلِّ حالٍ، ولا تَسْتَحِقُّ النَّفَقَةَ لِنَفْسِها عِنْدَ المُزَنِيِّ، ولِأنَّ النَّفَقَةَ وجَبَتْ في مُقابَلَةِ التَّمْكِينِ مِنَ الِاسْتِمْتاعِ ولا يُمْكِنُ هَهُنا، وأمّا السُّكْنى فَوَجَبَتْ لِتَحْصِينِ النِّساءِ وهو مَوْجُودٌ هَهُنا فافْتَرَقا.

إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: القائِلُونَ بِأنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَنسُوخَةٌ لا بُدَّ وأنْ يَخْتَلِفَ قَوْلُهم بِسَبَبِ هَذِهِ المَسْألَةِ، وذَلِكَ لِأنَّ هَذِهِ الآيَةَ تُوجِبُ النَّفَقَةَ والسُّكْنى، أمّا وُجُوبُ النَّفَقَةِ فَقَدْ صارَ مَنسُوخًا، وأمّا وُجُوبُ السُّكْنى فَهَلْ صارَ مَنسُوخًا أمْ لا ؟ والكَلامُ فِيهِ ما ذَكَرْناهُ.

* * *

المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: القائِلُونَ بِأنَّ هَذِهِ الوَصِيَّةَ كانَتْ واجِبَةً أوْرَدُوا عَلى أنْفُسِهِمْ سُؤالًا فَقالُوا: اللَّهُ تَعالى ذَكَرَ الوَفاةَ، ثُمَّ أمَرَ بِالوَصِيَّةِ، فَكَيْفَ يُوصِي المُتَوَفّى ؟ وأجابُوا عَنْهُ بِأنَّ المَعْنى: والَّذِينَ يُقارِبُونَ الوَفاةَ يَنْبَغِي أنَّ يَفْعَلُوا هَذا، فالوَفاةُ عِبارَةٌ عَنِ الإشْرافِ عَلَيْها، وجَوابٌ آخَرُ وهو أنَّ هَذِهِ الوَصِيَّةَ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ مُضافَةً إلى اللَّهِ تَعالى بِمَعْنى أمْرِهِ وتَكْلِيفِهِ، كَأنَّهُ قِيلَ: وصِيَّةٌ مِنَ اللَّهِ لِأزْواجِهِمْ، كَقَوْلِهِ: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ في أوْلادِكُمْ﴾ [النساء: ١١] وإنَّما يَحْسُنُ هَذا المَعْنى عَلى قِراءَةِ مَن قَرَأ بِالرَّفْعِ.

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ﴾ فالمَعْنى: لا جُناحَ عَلَيْكم يا أوْلِياءَ المَيِّتِ فِيما فَعَلْنَ في أنْفُسِهِنَّ مِنَ التَّزَيُّنِ، ومِنَ الإقْدامِ عَلى النِّكاحِ، وفي رَفْعِ الجُناحِ وجْهانِ:

أحَدُهُما: لا جُناحَ في قَطْعِ النَّفَقَةِ عَنْهُنَّ إذا خَرَجْنَ قَبْلَ انْقِضاءِ الحَوْلِ.

والثّانِي: لا جُناحَ عَلَيْكم في تَرْكِ مَنعِهِنَّ مِنَ الخُرُوجِ، لِأنَّ مُقامَها حَوْلًا في بَيْتِ زَوْجِها لَيْسَ بِواجِبٍ عَلَيْها.

2:241–242Страница 39

وَلِلۡمُطَلَّقَٰتِ مَتَٰعُۢ بِٱلۡمَعۡرُوفِۖ حَقًّا عَلَى ٱلۡمُتَّقِينَ ٢٤١

Разведенных жен полагается обеспечивать разумным образом. Такова обязанность богобоязненных.

كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمۡ ءَايَٰتِهِۦ لَعَلَّكُمۡ تَعۡقِلُونَ ٢٤٢

Так Аллах разъясняет вам Свои знамения, - быть может, вы уразумеете.

الحُكْمُ الثّامِنَ عَشَرَ

فِي المُطَلَّقاتِ

﴿ولِلْمُطَلَّقاتِ مَتاعٌ بِالمَعْرُوفِ حَقًّا عَلى المُتَّقِينَ﴾ ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكم آياتِهِ لَعَلَّكم تَعْقِلُونَ﴾

صفحة ١٣٧

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولِلْمُطَلَّقاتِ مَتاعٌ بِالمَعْرُوفِ حَقًّا عَلى المُتَّقِينَ﴾ ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكم آياتِهِ لَعَلَّكم تَعْقِلُونَ﴾

يُرْوى أنَّ هَذِهِ الآيَةَ إنَّما نَزَلَتْ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا أنْزَلَ قَوْلَهُ تَعالى: (ومَتِّعُوهُنَّ) إلى قَوْلِهِ: ﴿حَقًّا عَلى المُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٦] قالَ رَجُلٌ مِنَ المُسْلِمِينَ: إنْ أرَدْتُ فَعَلْتُ، وإنْ لَمْ أُرِدْ لَمْ أفْعَلْ، فَقالَ تَعالى: ﴿ولِلْمُطَلَّقاتِ مَتاعٌ بِالمَعْرُوفِ حَقًّا عَلى المُتَّقِينَ﴾ يَعْنِي عَلى كُلِّ مَن كانَ مُتَّقِيًا عَنِ الكُفْرِ، واعْلَمْ أنَّ المُرادَ مِنَ المَتاعِ هَهُنا فِيهِ قَوْلانِ:

أحَدُهُما: أنَّهُ هو المُتْعَةُ، فَظاهِرُ هَذِهِ الآيَةِ يَقْتَضِي وُجُوبَ هَذِهِ المُتْعَةِ لِكُلِّ المُطَلَّقاتِ، فَمِنَ النّاسِ مَن تَمَسَّكَ بِظاهِرِ هَذِهِ الآيَةِ وأوْجَبَ المُتْعَةَ لِجَمِيعِ المُطَلَّقاتِ، وهو قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وأبِي العالِيَةِ والزُّهْرِيِّ قالَ الشّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى: لِكُلِّ مُطَلَّقَةٍ إلّا المُطَلَّقَةَ الَّتِي فُرِضَ لَها مَهْرٌ ولَمْ يُوجَدْ في حَقِّها المَسِيسُ، وهَذِهِ المَسْألَةُ قَدْ ذَكَرْناها في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ومَتِّعُوهُنَّ عَلى المُوسِعِ قَدَرُهُ وعَلى المُقْتِرِ قَدَرُهُ﴾ [البقرة: ٢٣٦] .

فَإنْ قِيلَ: لِمَ أُعِيدَ هَهُنا ذِكْرُ المُتْعَةِ مَعَ أنَّ ذِكْرَها قَدْ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿ومَتِّعُوهُنَّ عَلى المُوسِعِ قَدَرُهُ وعَلى المُقْتِرِ قَدَرُهُ﴾ .

قُلْنا: هُناكَ ذَكَرَ حُكْمًا خاصًّا، وهَهُنا ذَكَرَ حُكْمًا عامًّا.

والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ المُرادَ بِهَذِهِ المُتْعَةِ النَّفَقَةُ، والنَّفَقَةُ قَدْ تُسَمّى مَتاعًا، وإذا حَمَلْنا هَذا المَتاعَ عَلى النَّفَقَةِ انْدَفَعَ التَّكْرارُ، فَكانَ ذَلِكَ أوْلى، وهَهُنا آخِرُ الآياتِ الدّالَّةِ عَلى الأحْكامِ. واللَّهُ أعْلَمُ.

Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии

Содержание

Аят аль-Курси36Аль-Кахфстр. 42джуз 15Бухари 1Муслим 2999

Вид

Тема
Размер текста
Вид

Read in English