Ар-РазиАль‑Бакара · 2:88–90

Ар-Рази · Тафсир · на арабском

Аль-Бакара 2:88–90

2:88Страница 13

وَقَالُواْ قُلُوبُنَا غُلۡفُۢۚ بَل لَّعَنَهُمُ ٱللَّهُ بِكُفۡرِهِمۡ فَقَلِيلٗا مَّا يُؤۡمِنُونَ ٨٨

Они сказали: «Сердца наши покрыты завесой (или переполнены знаниями)». О нет, это Аллах проклял их за их неверие. Как же мала их вера!

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقالُوا قُلُوبُنا غُلْفٌ بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلًا ما يُؤْمِنُونَ﴾

أمّا الغُلْفُ فَفِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ:

أحَدُها: أنَّهُ جَمْعُ أغْلَفَ والأغْلَفُ هو ما في غِلافٍ أيْ قُلُوبِنا مُغَشّاةٌ

صفحة ١٦٣

بِأغْطِيَةٍ مانِعَةٍ مِن وُصُولِ أثَرِ دَعْوَتِكَ إلَيْها.

وثانِيها: رَوى الأصَمُّ عَنْ بَعْضِهِمْ أنَّ قُلُوبَهم غُلْفٌ بِالعِلْمِ ومَمْلُوءَةٌ بِالحِكْمَةِ فَلا حاجَةَ مَعَها بِهِمْ إلى شَرْعِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلامُ.

وثالِثُها: غُلْفٌ أيْ كالغِلافِ الخالِي لا شَيْءَ فِيهِ مِمّا يَدُلُّ عَلى صِحَّةِ قَوْلِكَ.

أمّا المُعْتَزِلَةُ فَإنَّهُمُ اخْتارُوا الوَجْهَ الأوَّلَ، ثُمَّ قالُوا: هَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ لَيْسَ في قُلُوبِ الكُفّارِ ما لا يُمْكِنُهم مَعَهُ الإيمانُ، لا غِلافَ ولا كِنَّ ولا سَدَّ عَلى ما يَقُولُهُ المُجْبِرَةُ؛ لِأنَّهُ لَوْ كانَ كَذَلِكَ لَكانَ هَؤُلاءِ اليَهُودُ صادِقِينَ في هَذا القَوْلِ، فَكانَ لا يُكَذِّبُهُمُ اللَّهُ بِقَوْلِهِ: ﴿بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ﴾ لِأنَّهُ تَعالى إنَّما يَذُمُّ الكاذِبَ المُبْطِلَ لا الصّادِقَ المُحِقَّ المَعْذُورَ، قالُوا: وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿إنّا جَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أكِنَّةً أنْ يَفْقَهُوهُ وفي آذانِهِمْ وقْرًا﴾ [الكهف: ٥٧] وقَوْلِهِ: ﴿إنّا جَعَلْنا في أعْناقِهِمْ أغْلالًا﴾ [يس: ٨] وقَوْلِهِ: ﴿وجَعَلْنا مِن بَيْنِ أيْدِيهِمْ سَدًّا﴾ [يس: ٩] لَيْسَ المُرادُ كَوْنَهم مَمْنُوعِينَ مِنَ الإيمانِ، بَلِ المُرادُ إمّا مَنعُ الألْطافِ أوْ تَشْبِيهُ حالِهِمْ في إصْرارِهِمْ عَلى الكُفْرِ بِمَنزِلَةِ المَجْبُورِ عَلى الكُفْرِ. قالُوا: ونَظِيرُ ذَمِّ اللَّهِ تَعالى اليَهُودَ عَلى هَذِهِ المَقالَةِ ذَمُّهُ تَعالى الكافِرِينَ عَلى مِثْلِ هَذِهِ المَقالَةِ وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقالُوا قُلُوبُنا في أكِنَّةٍ مِمّا تَدْعُونا إلَيْهِ وفي آذانِنا وقْرٌ ومِن بَيْنِنا وبَيْنِكَ حِجابٌ﴾ [فصلت: ٥] ولَوْ كانَ الأمْرُ عَلى ما يَقُولُهُ المُجْبِرَةُ لَكانَ هَؤُلاءِ القَوْمُ صادِقِينَ في ذَلِكَ، ولَوْ كانُوا صادِقِينَ لَما ذَمَّهم بَلْ كانَ الَّذِي حَكاهُ عَنْهم إظْهارًا لِعُذْرِهِمْ ومُسْقِطًا لِلَوْمِهِمْ.

واعْلَمْ أنّا بَيَّنّا في تَفْسِيرِ الغُلْفِ وُجُوهًا ثَلاثَةً فَلا يَجِبُ الجَزْمُ بِواحِدٍ مِنها مِن غَيْرِ دَلِيلٍ. سَلَّمْنا أنَّ المُرادَ مِنهُ ذَلِكَ الوَجْهُ لَكِنْ لِمَ قُلْتَ إنَّ الآيَةَ تَدُلُّ عَلى أنَّ ذَلِكَ القَوْلَ مَذْمُومٌ ؟

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ﴾ فَفِيهِ أجْوِبَةٌ:

أحَدُها: هَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى لَعَنَهم بِسَبَبِ كُفْرِهِمْ، أمّا لِمَ قُلْتُمْ بِأنَّهُ إنَّما لَعَنَهم بِسَبَبِ هَذِهِ المَقالَةِ فَلَعَلَّهُ تَعالى حَكى عَنْهم قَوْلًا ثُمَّ بَيَّنَ أنَّ مِن حالِهِمْ أنَّهم مَلْعُونُونَ بِسَبَبِ كُفْرِهِمْ.

وثانِيها: المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿وقالُوا قُلُوبُنا غُلْفٌ﴾ أنَّهم ذَكَرُوا ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِفْهامِ بِمَعْنى الإنْكارِ يَعْنِي لَيْسَتْ قُلُوبُنا في أغْلافٍ ولا في أغْطِيَةٍ، بَلْ قَوِيَّةٌ وخَواطِرُنا مُنِيرَةٌ ثُمَّ إنّا بِهَذِهِ الخَواطِرِ والأفْهامِ تَأمَّلْنا في دَلائِلِكَ يا مُحَمَّدُ، فَلَمْ نَجِدْ مِنها شَيْئًا قَوِيًّا. فَلَمّا ذَكَرُوا هَذا التَّصَلُّفَ الكاذِبَ لا جَرَمَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ عَلى كُفْرِهِمُ الحاصِلِ بِسَبَبِ هَذا القَوْلِ، وثالِثُها؛ لَعَلَّ قُلُوبَهم ما كانَتْ في الأغْطِيَةِ بَلْ كانُوا عالِمِينَ بِصِحَّةِ نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وعَلى آلِهِ وسَلَّمَ كَما قالَ تَعالى: ﴿يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أبْناءَهُمْ﴾ [البقرة: ١٤٦] إلّا أنَّهم أنْكَرُوا تِلْكَ المَعْرِفَةَ وادَّعَوْا أنَّ قُلُوبَهم غُلْفٌ وغَيْرُ واقِفَةٍ عَلى ذَلِكَ فَكانَ كُفْرُهم كُفْرُ العِنادِ فَلا جَرَمَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ عَلى ذَلِكَ الكُفْرِ.

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَقَلِيلًا ما يُؤْمِنُونَ﴾ فَفِيهِ مَسْألَتانِ:

المَسْألَةُ الأُولى: في تَفْسِيرِهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ:

أحَدُها: أنَّ القَلِيلَ صِفَةُ المُؤْمِنِ، أيْ لا يُؤْمِنُ مِنهم إلّا القَلِيلُ عَنْ قَتادَةَ والأصَمِّ وأبِي مُسْلِمٍ.

وثانِيها: أنَّهُ صِفَةُ الإيمانِ، أيْ لا يُؤْمِنُونَ إلّا بِقَلِيلٍ مِمّا كُلِّفُوا بِهِ لِأنَّهم كانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ، إلّا أنَّهم كانُوا يَكْفُرُونَ بِالرُّسُلِ.

وثالِثُها: مَعْناهُ لا يُؤْمِنُونَ أصْلًا لا قَلِيلًا ولا كَثِيرًا كَما يُقالُ: قَلِيلًا ما يَفْعَلُ بِمَعْنى لا يَفْعَلُ البَتَّةَ. قالَ الكِسائِيُّ: تَقُولُ العَرَبُ: مَرَرْنا بِأرْضٍ قَلِيلًا ما تُنْبِتُ، يُرِيدُونَ لا تُنْبِتُ شَيْئًا. والوَجْهُ الأوَّلُ أوْلى لِأنَّهُ نَظِيرُ قَوْلِهِ: ﴿بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إلّا قَلِيلًا﴾ [النساء: ١٥٥] ولِأنَّ الجُمْلَةَ الأُولى إذا كانَ المُصَرَّحُ فِيها ذِكْرُ القَوْمِ فَيَجِبُ أنْ يَتَناوَلَ الِاسْتِثْناءُ بَعْضَ هَؤُلاءِ القَوْمِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في انْتِصابِ ”قَلِيلًا“ وُجُوهٌ:

أحَدُها: فَإيمانًا قَلِيلًا ما يُؤْمِنُونَ ”وما“ مَزِيدَةٌ وهو إيمانُهم

صفحة ١٦٤

بِبَعْضِ الكِتابِ.

وثانِيها: انْتَصَبَ بِنَزْعِ الخافِضِ أيْ بِقَلِيلٍ يُؤْمِنُونَ.

وثالِثُها: فَصارُوا قَلِيلًا ما يُؤْمِنُونَ.

2:89Страница 14

وَلَمَّا جَآءَهُمۡ كِتَٰبٞ مِّنۡ عِندِ ٱللَّهِ مُصَدِّقٞ لِّمَا مَعَهُمۡ وَكَانُواْ مِن قَبۡلُ يَسۡتَفۡتِحُونَ عَلَى ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَلَمَّا جَآءَهُم مَّا عَرَفُواْ كَفَرُواْ بِهِۦۚ فَلَعۡنَةُ ٱللَّهِ عَلَى ٱلۡكَٰفِرِينَ ٨٩

К ним явилось от Аллаха Писание, подтверждающее правдивость того, что было у них. Прежде они молили о победе над неверующими. Когда же к ним явилось то, что они узнали, они отказались уверовать в него. Да пребудет проклятие Аллаха над неверующими!

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَمّا جاءَهم كِتابٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهم وكانُوا مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمّا جاءَهم ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلى الكافِرِينَ﴾

اعْلَمْ أنَّ هَذا نَوْعٌ مِن قَبائِحِ اليَهُودِ. أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كِتابٌ﴾ فَقَدِ اتَّفَقُوا عَلى أنَّ هَذا الكِتابَ هو القُرْآنُ لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ هَذا الكِتابَ غَيْرُ ما مَعَهم وما ذاكَ إلّا القُرْآنُ. أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ﴾ فَفِيهِ مَسْألَتانِ:

المَسْألَةُ الأُولى: لا شُبْهَةَ في أنَّ القُرْآنَ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهم في أمْرٍ يَتَعَلَّقُ بِتَكْلِيفِهِمْ بِتَصْدِيقِ مُحَمَّدٍ ﷺ في النُّبُوَّةِ، واللّائِقُ بِذَلِكَ هو كَوْنُهُ مُوافِقًا لِما مَعَهم في دَلالَةِ نُبُوَّتِهِ إذْ قَدْ عَرَفُوا أنَّهُ لَيْسَ بِمُوافِقٍ لِما مَعَهم في سائِرِ الشَّرائِعِ وعَرَفْنا أنَّهُ لَمْ يَرِدِ المُوافَقَةُ في بابِ أدِلَّةِ القُرْآنِ، لِأنَّ جَمِيعَ كُتُبِ اللَّهِ كَذَلِكَ ولَمّا بَطَلَ الكُلُّ ثَبَتَ أنَّ المُرادَ مُوافَقَتُهُ لِكُتُبِهِمْ فِيما يَخْتَصُّ بِالنُّبُوَّةِ وما يَدُلُّ عَلَيْها مِنَ العَلاماتِ والنُّعُوتِ والصِّفاتِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قُرِئَ: ”مُصَدِّقًا“ عَلى الحالِ، فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ جازَ نَصْبُها عَنِ النَّكِرَةِ ؟ قُلْنا: إذا وُصِفَتِ النَّكِرَةُ تَخَصَّصَتْ فَصَحَّ انْتِصابُ الحالِ عَنْها وقَدْ وُصِفَ ﴿كِتابٌ﴾ بِقَوْلِهِ: ﴿مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ ? .

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: في جَوابِ ”لَمّا“ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ:

أحَدُها: أنَّهُ مَحْذُوفٌ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَوْ أنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الجِبالُ﴾ [الرعد: ٣١] فَإنَّ جَوابَهُ مَحْذُوفٌ وهو: لَكانَ هَذا القُرْآنُ - عَنِ الأخْفَشِ والزَّجّاجِ.

وثانِيها: أنَّهُ عَلى التَّكْرِيرِ لِطُولِ الكَلامِ والجَوابُ: كَفَرُوا بِهِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أيَعِدُكم أنَّكُمْ﴾ [المؤمنون: ٣٥] إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أنَّكم مُخْرَجُونَ﴾ ? (المُؤْمِنُونَ: ٣٥) عَنِ المُبَرِّدِ.

وثالِثُها: أنْ تَكُونَ الفاءُ جَوابًا لِلَمّا الأُولى و﴿كَفَرُوا بِهِ﴾ جَوابًا لِلَمًّا الثّانِيَةِ وهو كَقَوْلِهِ: ﴿فَإمّا يَأْتِيَنَّكم مِنِّي هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ [البقرة: ٣٨] الآيَةَ، عَنِ الفَرّاءِ.

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكانُوا مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلى الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ فَفي سَبَبِ النُّزُولِ وُجُوهٌ:

أحَدُها: أنَّ اليَهُودَ مِن قَبْلِ مَبْعَثِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلامُ ونُزُولِ القُرْآنِ كانُوا يَسْتَفْتِحُونَ، أيْ يَسْألُونَ الفَتْحَ والنُّصْرَةَ وكانُوا يَقُولُونَ: اللَّهُمَّ افْتَحْ عَلَيْنا وانْصُرْنا بِالنَّبِيِّ الأُمِّيِّ.

وثانِيها: كانُوا يَقُولُونَ لِمُخالِفِيهِمْ عِنْدَ القِتالِ: هَذا نَبِيٌّ قَدْ أظَلَّ زَمانُهُ يَنْصُرُنا عَلَيْكم، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

وثالِثُها: كانُوا يَسْألُونَ العَرَبَ عَنْ مَوْلِدِهِ ويَصِفُونَهُ بِأنَّهُ نَبِيٌّ مِن صِفَتِهِ كَذا وكَذا، ويَتَفَحَّصُونَ عَنْهُ، عَلى الَّذِينَ كَفَرُوا أيْ عَلى مُشْرِكِي العَرَبِ، عَنْ أبِي مُسْلِمٍ.

ورابِعُها: نَزَلَتْ في بَنِي قُرَيْظَةَ والنَّضِيرِ، كانُوا يَسْتَفْتِحُونَ عَلى الأوْسِ والخَزْرَجِ بِرَسُولِ اللَّهِ قَبْلَ المَبْعَثِ. عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وقَتادَةَ والسُّدِّيِّ.

وخامِسُها: نَزَلَتْ في أحْبارِ اليَهُودِ كانُوا إذا قَرَءُوا وذَكَرُوا مُحَمَّدًا في التَّوْراةِ وأنَّهُ

صفحة ١٦٥

مَبْعُوثٌ وأنَّهُ مِنَ العَرَبِ سَألُوا مُشْرِكِي العَرَبِ عَنْ تِلْكَ الصِّفاتِ لِيَعْلَمُوا أنَّهُ هَلْ وُلِدَ فِيهِمْ مَن يُوافِقُ حالُهُ حالَ هَذا المَبْعُوثِ.

* * *

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَمّا جاءَهم ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: تَدُلُّ الآيَةُ عَلى أنَّهم كانُوا عارِفِينَ بِنُبُوَّتِهِ وفِيهِ سُؤالٌ: وهو أنَّ التَّوْراةَ نُقِلَتْ نَقْلًا مُتَواتِرًا، فَإمّا أنْ يُقالَ: إنَّهُ حَصَلَ فِيها نَعْتُ مُحَمَّدٍ ﷺ عَلى سَبِيلِ التَّفْصِيلِ، أعْنِي بَيانَ أنَّ الشَّخْصَ المَوْصُوفَ بِالصُّورَةِ الفُلانِيَّةِ والسِّيرَةِ الفُلانِيَّةِ سَيَظْهَرُ في السَّنَةِ الفُلانِيَّةِ في المَكانِ الفُلانِيِّ، أوْ لَمْ يُوجَدْ هَذا الوَصْفُ عَلى هَذا الوَجْهِ، فَإنْ كانَ الأوَّلَ كانَ القَوْمُ مُضْطَرِّينَ إلى مَعْرِفَةِ شَهادَةِ التَّوْراةِ عَلى صِدْقِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَكَيْفَ يَجُوزُ عَلى أهْلِ التَّواتُرِ إطْباقُهم عَلى الكَذِبِ وإنْ لَمْ يَكُنِ الوَصْفُ عَلى هَذِهِ الصِّفَةِ لَمْ يَلْزَمْ مِنَ الأوْصافِ المَذْكُورَةِ في التَّوْراةِ كَوْنُ مُحَمَّدٍ ﷺ رَسُولًا، فَكَيْفَ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿فَلَمّا جاءَهم ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ﴾ ؟ والجَوابُ: أنَّ الوَصْفَ المَذْكُورَ في التَّوْراةِ كانَ وصْفًا إجْمالِيًّا وأنَّ مُحَمَّدًا ﷺ لَمّا لَمْ يَعْرِفُوا نُبُوَّتَهُ بِمُجَرَّدِ تِلْكَ الأوْصافِ، بَلْ بِظُهُورِ المُعْجِزاتِ صارَتْ تِلْكَ الأوْصافُ كالمُؤَكِّدَةِ، فَلِهَذا ذَمَّهُمُ اللَّهُ تَعالى عَلى الإنْكارِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: يُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ: كَفَرُوا بِهِ لِوُجُوهٍ:

أحَدُها: أنَّهم كانُوا يَظُنُّونَ أنَّ المَبْعُوثَ يَكُونُ مِن بَنِي إسْرائِيلَ لِكَثْرَةِ مَن جاءَ مِنَ الأنْبِياءِ مِن بَنِي إسْرائِيلَ وكانُوا يُرَغِّبُونَ النّاسَ في دِينِهِ ويَدْعُونَهم إلَيْهِ، فَلَمّا بَعَثَ اللَّهُ تَعالى مُحَمَّدًا مِنَ العَرَبِ مِن نَسْلِ إسْماعِيلَ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ، عَظُمَ ذَلِكَ عَلَيْها فَأظْهَرُوا التَّكْذِيبَ وخالَفُوا طَرِيقَهُمُ الأوَّلَ.

وثانِيها: اعْتِرافُهم بِنُبُوَّتِهِ كانَ يُوجِبُ عَلَيْهِمْ زَوالَ رِياساتِهِمْ وأمْوالِهِمْ فَأبَوْا وأصَرُّوا عَلى الإنْكارِ.

وثالِثُها: لَعَلَّهم ظَنُّوا أنَّهُ مَبْعُوثٌ إلى العَرَبِ خاصَّةً فَلا جَرَمَ كَفَرُوا بِهِ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: أنَّهُ تَعالى كَفَّرَهم بَعْدَ ما بَيَّنَ كَوْنَهم عالِمِينَ بِنُبُوَّتِهِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ الكُفْرَ لَيْسَ هو الجَهْلُ بِاللَّهِ تَعالى فَقَطْ.

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلى الكافِرِينَ﴾ فالمُرادُ الإبْعادُ مِن خَيْراتِ الآخِرَةِ، لِأنَّ المُبْعَدَ مِن خَيْراتِ الدُّنْيا لا يَكُونُ مَلْعُونًا. فَإنْ قِيلَ: ألَيْسَ أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ: ﴿وقُولُوا لِلنّاسِ حُسْنًا﴾ [البقرة: ٨٣] وقالَ: ﴿ولا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الأنعام: ١٠٨] قُلْنا: العامُّ قَدْ يَتَطَرَّقُ إلَيْهِ التَّخْصِيصُ عَلى أنّا بَيَّنّا فِيما قَبْلُ أنَّ لَعْنَ مَن يَسْتَحِقُّ اللَّعْنَ مِنَ القَوْلِ الحَسَنِ، واللَّهُ أعْلَمُ.

2:90Страница 14

بِئۡسَمَا ٱشۡتَرَوۡاْ بِهِۦٓ أَنفُسَهُمۡ أَن يَكۡفُرُواْ بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ بَغۡيًا أَن يُنَزِّلَ ٱللَّهُ مِن فَضۡلِهِۦ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ مِنۡ عِبَادِهِۦۖ فَبَآءُو بِغَضَبٍ عَلَىٰ غَضَبٖۚ وَلِلۡكَٰفِرِينَ عَذَابٞ مُّهِينٞ ٩٠

Скверно то, что они купили за свои души, не уверовав в ниспосланное Аллахом и завидуя тому, что Аллах ниспосылает Свою милость тому из Своих рабов, кому пожелает. Они навлекли на себя гнев, один поверх другого. Неверующим уготованы унизительные мучения.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بِئْسَما اشْتَرَوْا بِهِ أنْفُسَهم أنْ يَكْفُرُوا بِما أنْزَلَ اللَّهُ بَغْيًا أنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ عَلى مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ فَباءُوا بِغَضَبٍ عَلى غَضَبٍ ولِلْكافِرِينَ عَذابٌ مُهِينٌ﴾

اعْلَمْ أنَّ البَحْثَ عَنْ حَقِيقَةِ بِئْسَما لا يَحْصُلُ إلّا في مَسائِلَ:

المَسْألَةُ الأُولى: أصْلُ نِعْمَ وبِئْسَ بِفَتْحِ الأوَّلِ وكَسْرِ الثّانِي، كَقَوْلِنا: ”عَلِمَ“ إلّا أنَّ ما كانَ ثانِيهِ

صفحة ١٦٦

حَرْفَ حَلْقٍ وهو مَكْسُورٌ يَجُوزُ فِيهِ أرْبَعُ لُغاتٍ:

الأوَّلُ: عَلى الأصْلِ أعْنِي بِفَتْحِ الأوَّلِ وكَسْرِ الثّانِي.

والثّانِي: إتْباعُ الأوَّلِ لِلثّانِي وهو أنْ يَكُونَ بِكَسْرِ النُّونِ والعَيْنِ، وكَذا يُقالُ: فِخِذٌ بِكَسْرِ الفاءِ والخاءِ، وهم وإنْ كانُوا يَفِرُّونَ مِنَ الجَمْعِ بَيْنَ الكَسْرَتَيْنِ إلّا أنَّهم جَوَّزُوهُ هَهُنا لِكَوْنِ الحَرْفِ الحَلْقِيِّ مُسْتَتْبَعًا لِما يُجاوِرُهُ.

الثّالِثُ: إسْكانُ الحَرْفِ الحَلْقِيِّ المَكْسُورِ وتَرْكُ ما قَبْلَهُ عَلى ما كانَ فَيُقالُ: نَعْمَ وبَئْسَ بِفَتْحِ الأوَّلِ وإسْكانِ الثّانِي كَما يُقالُ: فَخْذٌ بِفَتْحِ الفاءِ وإسْكانِ الخاءِ.

الرّابِعُ: أنْ يُسَكَّنَ الحَرْفُ الحَلْقِيُّ وتُنْقَلَ كَسْرَتُهُ إلى ما قَبْلَهُ فَيُقالُ: نِعْمَ بِكَسْرِ النُّونِ وإسْكانِ العَيْنِ كَما يُقالُ: فِخْذٌ بِكَسْرِ الفاءِ وإسْكانِ الخاءِ.

واعْلَمْ أنَّ هَذا التَّغْيِيرَ الأخِيرَ وإنْ كانَ في حَدِّ الجَوازِ عِنْدَ إطْلاقِ هاتَيْنِ الكَلِمَتَيْنِ إلّا أنَّهم جَعَلُوهُ لازِمًا لَهُما لِخُرُوجِهِما عَمّا وُضِعَتْ لَهُ الأفْعالُ الماضِيَةُ مِنَ الإخْبارِ عَنْ وُجُودِ المَصْدَرِ في الزَّمانِ الماضِي وصَيْرُورَتِهِما كَلِمَتَيْ مَدْحٍ وذَمٍّ ويُرادُ بِهِما المُبالَغَةُ في المَدْحِ والذَّمِّ، لِيَدُلَّ هَذا التَّغْيِيرُ اللّازِمُ في اللَّفْظِ عَلى التَّغْيِيرِ عَنِ الأصْلِ في المَعْنى فَيَقُولُونَ: نِعْمَ الرَّجُلُ زَيْدٌ ولا يَذْكُرُونَهُ عَلى الأصْلِ إلّا في ضَرُورَةِ الشِّعْرِ كَما أنْشَدَ المُبَرِّدُ:

فَفِداءٌ لِبَنِي قَيْسٍ عَلى ما أصابَ النّاسَ مِن شَرٍّ وضُرِّ

ما أقَلَّتْ قَدَمايَ إنَّهم ∗∗∗ نَعِمَ السّاعُونَ في الأمْرِ المُبِرِّ

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: أنَّهُما فِعْلانِ مِن نَعِمَ يَنْعَمُ وبَئِسَ ويَبْأسُ والدَّلِيلُ عَلَيْهِ دُخُولُ التّاءِ الَّتِي هي عَلامَةُ التَّأْنِيثِ فِيهِما، فَيُقالُ: نِعْمَتْ وبِئْسَتْ، والفَرّاءُ يَجْعَلُهُما بِمَنزِلَةِ الأسْماءِ ويَحْتَجُّ بِقَوْلِ حَسّانَ بْنِ ثابِتٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ:

ألَسْنا بِنِعْمَ الجارِ يُؤْلَفُ بَيْتُهُ ∗∗∗ مِنَ النّاسِ ذا مالٍ كَثِيرٍ ومُعْدَما

وبِما رُوِيَ أنَّ أعْرابِيًّا بُشِّرَ بِمَوْلُودَةٍ فَقِيلَ لَهُ: نِعْمَ المَوْلُودُ مَوْلُودَتُكَ، فَقالَ: واللَّهِ ما هي بِنِعْمَ المَوْلُودَةِ والبَصْرِيُّونَ يُجِيبُونَ عَنْهُ بِأنَّ ذَلِكَ بِطَرِيقِ الحِكايَةِ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: اعْلَمْ أنَّ ”نِعْمَ وبِئْسَ“ أصْلانِ لِلصَّلاحِ والرَّداءَةِ ويَكُونُ فاعِلُهُما اسْمًا يَسْتَغْرِقُ الجِنْسَ إمّا مُظْهَرًا وإمّا مُضْمَرًا، والمُظْهَرُ عَلى وجْهَيْنِ:

الأوَّلُ: نَحْوَ قَوْلِكَ، نِعْمَ الرَّجُلُ زَيْدٌ، لا تُرِيدُ رَجُلًا دُونَ الرَّجُلِ وإنَّما تَقْصِدُ الرَّجُلَ عَلى الإطْلاقِ.

والثّانِي: نَحْوَ قَوْلِكَ نِعْمَ غُلامُ الرَّجُلِ زَيْدٌ، أمّا قَوْلُهُ:

فَنِعْمَ صاحِبُ قَوْمٍ لا سِلاحَ لَهم ∗∗∗ وصاحِبُ الرَّكْبِ عُثْمانُ بْنُ عَفّانا

فَنادِرٌ وقِيلَ: كانَ ذَلِكَ لِأجْلِ أنَّ قَوْلَهُ: ”وصاحِبُ الرَّكْبِ“ قَدْ يَدُلُّ عَلى المَقْصُودِ إذِ المُرادُ واحِدٌ فَإذا أتى في الرَّكْبِ بِالألِفِ واللّامِ فَكَأنَّهُ قَدْ أتى بِهِ في القَوْمِ، وأمّا المُضْمَرُ فَكَقَوْلِكَ: نِعْمَ رَجُلًا زَيْدٌ، الأصْلُ: نِعْمَ الرَّجُلُ رَجُلًا زَيْدٌ ثُمَّ تُرِكَ ذِكْرُ الأوَّلِ لِأنَّ النَّكِرَةَ المَنصُوبَةَ تَدُلُّ عَلَيْهِ ورَجُلًا نُصِبَ عَلى التَّمْيِيزِ، مِثْلُهُ في قَوْلِكَ: عِشْرُونَ رَجُلًا والمُمَيَّزُ لا يَكُونُ إلّا نَكِرَةً، ألا تَرى أنَّ أحَدًا لا يَقُولُ عِشْرُونَ الدِّرْهَمَ، ولَوْ أدْخَلُوا الألِفَ واللّامَ عَلى هَذا فَقالُوا: نِعْمَ الرَّجُلَ بِالنَّصْبِ لَكانَ نَقْضًا لِلْغَرَضِ إذْ لَوْ كانُوا يُرِيدُونَ الإتْيانَ بِالألِفِ واللّامِ لَرَفَعُوا وقالُوا: نِعْمَ الرَّجُلُ وكَفَوْا أنْفُسَهم مُؤْنَةَ الإضْمارِ وإنَّما أضْمَرُوا الفاعِلَ قَصْدًا لِلِاخْتِصارِ، إذْ كانَ ”نِعْمَ رَجُلًا“ يَدُلُّ عَلى الجِنْسِ الَّذِي فُضِّلَ عَلَيْهِ.

صفحة ١٦٧

المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: إذا قُلْتَ نِعْمَ الرَّجُلُ زَيْدٌ فَهو عَلى وجْهَيْنِ:

أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ مُبْتَدَأً مُؤَخَّرًا كَأنَّهُ قِيلَ: زَيْدٌ نِعْمَ الرَّجُلُ، أخَّرْتَ زَيْدًا والنِّيَّةُ بِهِ التَّقْدِيمُ، كَما تَقُولُ: مَرَرْتُ بِهِ المِسْكِيُنُ، تُرِيدُ: المِسْكِينُ مَرَرْتُ بِهِ، فَأمّا الرّاجِعُ إلى المُبْتَدَأِ فَإنَّ الرَّجُلَ لَمّا كانَ شائِعًا يَنْتَظِمُ فِيهِ الجِنْسُ كانَ زَيْدٌ داخِلًا تَحْتَهُ فَصارَ بِمَنزِلَةِ الذِّكْرِ الَّذِي يَعُودُ إلَيْهِ.

والوَجْهُ الآخَرُ: أنْ يَكُونَ زَيْدٌ في قَوْلِكَ: نِعْمَ الرَّجُلُ زَيْدٌ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ كَأنَّهُ لَمّا قِيلَ: نِعْمَ الرَّجُلُ، قِيلَ: مَن هَذا الَّذِي أُثْنِيَ عَلَيْهِ ؟ فَقِيلَ: زَيْدٌ أيْ هو زَيْدٌ.

المَسْألَةُ الخامِسَةُ: المَخْصُوصُ بِالمَدْحِ والذَّمِّ لا يَكُونُ إلّا مِن جِنْسِ المَذْكُورِ بَعْدَ نِعْمَ وبِئْسَ كَزَيْدٍ مِنَ الرِّجالِ وإذا كانَ كَذَلِكَ كانَ المُضافُ إلى القَوْمِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ساءَ مَثَلًا القَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا﴾ [الأعراف: ١٧٧] مَحْذُوفًا وتَقْدِيرُهُ ساءَ مَثَلًا مَثَلُ القَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا، وإذْ قَدْ لَخَّصْنا هَذِهِ المَسائِلَ فَلْنَرْجِعْ إلى التَّفْسِيرِ.

* * *

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بِئْسَما اشْتَرَوْا بِهِ أنْفُسَهم أنْ يَكْفُرُوا﴾ فَفِيهِ مَسْألَتانِ:

المَسْألَةُ الأُولى: ”ما“ نَكِرَةٌ مَنصُوبَةٌ مُفَسِّرَةٌ لِفاعِلِ بِئْسَ بِمَعْنى بِئْسَ الشَّيْءُ شَيْئًا اشْتَرَوْا بِهِ أنْفُسَهم والمَخْصُوصُ بِالذَّمِّ ”أنْ يَكْفُرُوا“ .

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في الشِّراءِ هَهُنا قَوْلانِ:

أحَدُهُما: أنَّهُ بِمَعْنى البَيْعِ، وبَيانُهُ أنَّهُ تَعالى لَمّا مَكَّنَ المُكَلَّفَ مِنَ الإيمانِ الَّذِي يُفْضِي بِهِ إلى الجَنَّةِ والكُفْرِ الَّذِي يُؤَدِّي بِهِ إلى النّارِ صارَ اخْتِيارُهُ لِأحَدِهِما عَلى الآخَرِ بِمَنزِلَةِ اخْتِيارِ تَمَلُّكِ سِلْعَةٍ عَلى سِلْعَةٍ فَإذا اخْتارَ الإيمانَ الَّذِي فِيهِ فَوْزُهُ ونَجاتُهُ. قِيلَ: نِعْمَ ما اشْتَرى، ولَمّا كانَ الغَرَضُ بِالبَيْعِ والشِّراءِ هو إبْدالَ مِلْكٍ يُمْلَكُ صَلُحَ أنْ يُوصَفَ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما بِأنَّهُ بائِعٌ ومُشْتَرٍ لِوُقُوعِ هَذا المَعْنى مِن كُلِّ واحِدٍ مِنهُما فَصَحَّ تَأْوِيلُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿بِئْسَما اشْتَرَوْا بِهِ أنْفُسَهُمْ﴾ بِأنَّ المُرادَ باعُوا أنْفُسَهم بِكُفْرِهِمْ لِأنَّ الَّذِي حَصَّلُوهُ عَلى مَنافِعِ أنْفُسِهِمْ لَمّا كانَ هو الكُفْرُ صارُوا بائِعِينَ أنْفُسَهم بِذَلِكَ.

الوَجْهُ الثّانِي: وهو الأصَحُّ عِنْدِي أنَّ المُكَلَّفَ إذا كانَ يَخافُ عَلى نَفْسِهِ مِن عِقابِ اللَّهِ يَأْتِي بِأعْمالٍ يَظُنُّ أنَّها تُخَلِّصُهُ مِنَ العِقابِ فَكَأنَّهُ قَدِ اشْتَرى نَفْسَهُ بِتِلْكَ الأعْمالِ، فَهَؤُلاءِ اليَهُودُ لَمّا اعْتَقَدُوا فِيما أتَوْا بِهِ أنَّها تُخَلِّصُهم مِنَ العِقابِ، وتُوَصِّلُهم إلى الثَّوابِ فَقَدْ ظَنُّوا أنَّهُمُ اشْتَرَوْا أنْفُسَهم بِها، فَذَمَّهُمُ اللَّهُ تَعالى، وقالَ: ﴿بِئْسَما اشْتَرَوْا بِهِ أنْفُسَهُمْ﴾ وهَذا الوَجْهُ أقْرَبُ إلى المَعْنى واللَّفْظِ مِنَ الأوَّلِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى بَيَّنَ تَفْسِيرَ ما اشْتَرَوْا بِهِ أنْفُسَهم بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أنْ يَكْفُرُوا بِما أنْزَلَ اللَّهُ﴾ ولا شُبْهَةَ أنَّ المُرادَ بِذَلِكَ كُفْرُهم بِالقُرْآنِ لِأنَّ الخِطابَ في اليَهُودِ وكانُوا مُؤْمِنِينَ بِغَيْرِهِ، ثُمَّ بَيَّنَ الوَجْهَ الَّذِي لِأجْلِهِ اخْتارُوا هَذا الكُفْرَ بِما أنْزَلَ اللَّهُ فَقالَ: ﴿بَغْيًا﴾ وأشارَ بِذَلِكَ إلى غَرَضِهِمْ بِالكُفْرِ كَما يُقالُ يُعادِي فُلانٌ فَلانًا حَسَدًا؛ تَنْبِيهًا بِذَلِكَ عَلى غَرَضِهِ ولَوْلا هَذا القَوْلُ لَجَوَّزْنا أنْ يَكْفُرُوا جَهْلًا لا بَغْيًا.

واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ تَدُلُّ عَلى أنَّ الحَسَدَ حَرامٌ. ولَمّا كانَ البَغْيُ قَدْ يَكُونُ لِوُجُوهٍ شَتّى بَيَّنَ تَعالى غَرَضَهم مِن هَذا البَغْيِ بِقَوْلِهِ: ﴿أنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ عَلى مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ﴾ والقِصَّةُ لا تَلِيقُ إلّا بِما حَكَيْناهُ مِن أنَّهم ظَنُّوا أنَّ هَذا الفَضْلَ العَظِيمَ بِالنُّبُوَّةِ المُنْتَظَرَةِ يَحْصُلُ في قَوْمِهِمْ فَلَمّا وجَدُوهُ في العَرَبِ حَمَلَهم ذَلِكَ عَلى البَغْيِ والحَسَدِ.

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَباءُوا بِغَضَبٍ عَلى غَضَبٍ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:

* * *

صفحة ١٦٨

المَسْألَةُ الأُولى: في تَفْسِيرِ الغَضَبَيْنِ وُجُوهٌ:

أحَدُها: أنَّهُ لا بُدَّ مِن إثْباتِ سَبَبَيْنِ لِلْغَضَبَيْنِ:

أحَدُهُما: ما تَقَدَّمَ وهو تَكْذِيبُهم عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ وما أُنْزِلَ عَلَيْهِ والآخَرُ تَكْذِيبُهم مُحَمَّدًا عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وما أُنْزِلَ عَلَيْهِ فَصارَ ذَلِكَ دُخُولًا في غَضَبٍ بَعْدَ غَضَبٍ وسَخَطٍ بَعْدَ سَخَطٍ مِن قِبَلِهِ تَعالى؛ لِأجْلِ أنَّهم دَخَلُوا في سَبَبٍ بَعْدَ سَبَبٍ، وهو قَوْلُ الحَسَنِ والشَّعْبِيِّ وعِكْرِمَةَ وأبِي العالِيَةِ وقَتادَةَ.

الثّانِي: لَيْسَ المُرادُ إثْباتَ غَضَبَيْنِ فَقَطْ بَلِ المُرادُ إثْباتُ أنْواعٍ مِنَ الغَضَبِ مُتَرادِفَةٍ لِأجْلِ أُمُورٍ مُتَرادِفَةٍ صَدَرَتْ عَنْهم نَحْوَ قَوْلِهِمْ: ﴿عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣٠] . ﴿يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾ [المائدة: ٦٤] . ﴿إنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ ونَحْنُ أغْنِياءُ﴾ [آل عمران: ١٨١] وغَيْرِ ذَلِكَ مِن أنْواعِ كُفْرِهِمْ، وهو قَوْلُ عَطاءٍ وعُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ.

الثّالِثُ: أنَّ المُرادَ بِهِ تَأْكِيدُ الغَضَبِ وتَكْثِيرُهُ؛ لِأجْلِ أنَّ هَذا الكُفْرَ وإنْ كانَ واحِدًا إلّا أنَّهُ عَظِيمٌ، وهو قَوْلُ أبِي مُسْلِمٍ.

الرّابِعُ: الأوَّلُ بِعِبادَتِهِمُ العِجْلَ، والثّانِي بِكِتْمانِهِمْ صِفَةَ مُحَمَّدٍ وجَحْدِهِمْ نُبُوَّتَهُ عَنِ السُّدِّيِّ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الغَضَبُ عِبارَةٌ عَنِ التَّغَيُّرِ الَّذِي يَعْرِضُ لِلْإنْسانِ في مِزاجِهِ عِنْدَ غَلَيانِ دَمِ قَلْبِهِ بِسَبَبِ مُشاهَدَةِ أمْرٍ مَكْرُوهٍ وذَلِكَ مُحالٌ في حَقِّ اللَّهِ تَعالى، فَهو مَحْمُولٌ عَلى إرادَتِهِ لِمَن عَصاهُ الإضْرارَ مِن جِهَةِ اللَّعْنِ والأمْرَ بِذَلِكَ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: أنَّهُ يَصِحُّ وصْفُهُ تَعالى بِالغَضَبِ وأنَّ غَضَبَهُ يَتَزايَدُ ويَكْثُرُ، ويَصِحُّ فِيهِ ذَلِكَ كَصِحَّتِهِ في العَذابِ فَلا يَكُونُ غَضَبُهُ عَلى مَن كَفَرَ بِخَصْلَةٍ واحِدَةٍ كَغَضَبِهِ عَلى مَن كَفَرَ بِخِصالٍ كَثِيرَةٍ.

* * *

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولِلْكافِرِينَ عَذابٌ مُهِينٌ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قَوْلُهُ: ﴿ولِلْكافِرِينَ عَذابٌ مُهِينٌ﴾ لَهُ مَزِيَّةٌ عَلى قَوْلِهِ ولَهم عَذابٌ مُهِينٌ لِأنَّ العِبارَةَ الأُولى يَدْخُلُ فِيها أُولَئِكَ الكُفّارُ وغَيْرُهم والعِبارَةُ الثّانِيَةُ لا يَدْخُلُ فِيها إلّا هم.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: العَذابُ في الحَقِيقَةِ لا يَكُونُ مُهِينًا لِأنَّ مَعْنى ذَلِكَ أنَّهُ أهانَ غَيْرَهُ وذَلِكَ مِمّا لا يَتَأتّى إلّا فِيما يَعْقِلُ، فاللَّهُ تَعالى هو المُهِينُ لِلْمُعَذَّبِينَ بِالعَذابِ الكَثِيرِ إلّا أنَّ الإهانَةَ لَمّا حَصَلَتْ مَعَ العَذابِ جازَ أنْ يُجْعَلَ ذَلِكَ مِن وصْفِهِ، فَإنْ قِيلَ: العَذابُ لا يَكُونُ إلّا مَعَ الإهانَةِ فَما الفائِدَةُ في هَذا الوَصْفِ ؟ قُلْنا: كَوْنُ العَذابِ مَقْرُونًا بِالإهانَةِ أمْرٌ لا بُدَّ فِيهِ مِنَ الدَّلِيلِ، فاللَّهُ تَعالى ذَكَرَ ذَلِكَ لِيَكُونَ دَلِيلًا عَلَيْهِ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ قَوْمٌ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولِلْكافِرِينَ عَذابٌ مُهِينٌ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا عَذابَ إلّا لِلْكافِرِينَ، ثُمَّ بَعْدَ تَقْرِيرِ هَذِهِ المُقَدِّمَةِ احْتَجَّ بِهَذِهِ الآيَةِ فَرِيقانِ:

أحَدُهُما: الخَوارِجُ قالُوا: ثَبَتَ بِسائِرِ الآياتِ أنَّ الفاسِقَ يُعَذَّبُ، وثَبَتَ بِهَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ لا يُعَذَّبُ إلّا الكافِرُ فَيَلْزَمُ أنْ يُقالَ الفاسِقُ كافِرٌ.

وثانِيها: المُرْجِئَةُ قالُوا: ثَبَتَ بِهَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ لا يُعَذَّبُ إلّا الكافِرُ وثَبَتَ أنَّ الفاسِقَ لَيْسَ بِكافِرٍ، فَوَجَبَ القَطْعُ بِأنَّهُ لا يُعَذَّبُ وفَسادُ هَذَيْنِ القَوْلَيْنِ لا يَخْفى.

Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии

Содержание

Аят аль-Курси36Аль-Кахфстр. 42джуз 15Бухари 1Муслим 2999

Вид

Тема
Размер текста
Вид

Read in English