Аш-Шинкити · Тафсир · на арабском
Ан-Нахль 16:116–128
16:116Страница 280
وَلَا تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلۡسِنَتُكُمُ ٱلۡكَذِبَ هَٰذَا حَلَٰلٞ وَهَٰذَا حَرَامٞ لِّتَفۡتَرُواْ عَلَى ٱللَّهِ ٱلۡكَذِبَۚ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَفۡتَرُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلۡكَذِبَ لَا يُفۡلِحُونَ ١١٦
Не изрекайте своими устами ложь, утверждая, что это - дозволено, а то - запретно, и не возводите навет на Аллаха. Воистину, не преуспеют те, которые возводят навет на Аллаха.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا تَقُولُوا لِما تَصِفُ ألْسِنَتُكُمُ الكَذِبَ هَذا حَلالٌ وهَذا حَرامٌ لِتَفْتَرُوا عَلى اللَّهِ الكَذِبَ﴾، نَهى اللَّهُ - جَلَّ وعَلا - في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ الكُفّارَ عَنْ تَحْرِيمِ ما أحَلَّ اللَّهُ مِن رِزْقِهِ، مِمّا شَرَعَ لَهم عَمْرُو بْنُ لُحَيٍّ (لَعَنَهُ اللَّهُ) مِن تَحْرِيمِ ما أحَلَّ اللَّهُ.
وَقَدْ أوْضَحَ - جَلَّ وعَلا - هَذا المَعْنى في آياتٍ كَثِيرَةٍ؛
• كَقَوْلِهِ: ﴿قُلْ هَلُمَّ شُهَداءَكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هَذا فَإنْ شَهِدُوا فَلا تَشْهَدْ مَعَهُمْ﴾ [الأنعام: ١٥٠]،
• وقَوْلِهِ: ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ ما أنْزَلَ اللَّهُ لَكم مِن رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنهُ حَرامًا وحَلالًا قُلْ آللَّهُ أذِنَ لَكم أمْ عَلى اللَّهِ تَفْتَرُونَ﴾ [يونس: ٥٩]،
• وقَوْلِهِ: ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أوْلادَهم سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ وحَرَّمُوا ما رَزَقَهُمُ اللَّهُ افْتِراءً عَلى اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا وما كانُوا مُهْتَدِينَ﴾ [الأنعام: ١٤٠]،
• وقَوْلِهِ: ﴿وَقالُوا ما في بُطُونِ هَذِهِ الأنْعامِ خالِصَةٌ لِذُكُورِنا ومُحَرَّمٌ عَلى أزْواجِنا﴾ الآيَةَ [الأنعام: ١٣٩]،
• وقَوْلِهِ: ﴿وَقالُوا هَذِهِ أنْعامٌ وحَرْثٌ حِجْرٌ لا يَطْعَمُها إلّا مَن نَشاءُ بِزَعْمِهِمْ﴾ الآيَةَ [الأنعام: ١٣٨]،
وقَوْلِهِ حِجْرٌ، أيْ: حَرامٌ، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ، كَما تَقَدَّمَ.
وَفِي قَوْلِهِ الكَذِبَ [النحل: ١١٦]، أوْجُهٌ مِنَ الإعْرابِ:
أحَدُهم: أنَّهُ مَنصُوبٌ بِـ: تَقُولُوا، أيْ: لا تَقُولُوا الكَذِبَ لِما تَصِفُهُ ألْسِنَتُكم مِن رِزْقِ اللَّهِ بِالحِلِّ والحُرْمَةِ؛ كَما ذُكِرَ في الآياتِ المَذْكُورَةِ آنِفًا مِن غَيْرِ اسْتِنادِ ذَلِكَ الوَصْفِ إلى دَلِيلٍ، واللّامُ مَثَلُها في قَوْلِكَ: لا تَقُولُوا لِما أحَلَّ اللَّهُ: هو حَرامٌ، وكَقَوْلِهِ: ﴿وَلا تَقُولُوا لِمَن يُقْتَلُ في سَبِيلِ اللَّهِ أمْواتٌ﴾ الآيَةَ [البقرة: ١٥٤]، وجُمْلَةُ ﴿هَذا حَلالٌ وهَذا (p-٤٦٢)حَرامٌ﴾، بَدَلٌ مِنَ: الكَذِبِ، وقِيلَ: إنَّ الجُمْلَةَ المَذْكُورَةَ في مَحَلِّ نَصْبٍ: تَصِفُ، بِتَضْمِينِها مَعْنى تَقُولُ، أيْ: ولا تَقُولُوا الكَذِبَ لِما تَصِفُهُ ألْسِنَتُكم، فَتَقُولَ هَذا حَلالٌ وهَذا حَرامٌ. وقِيلَ: الكَذِبَ، مَفْعُولٌ بِهِ لِ تَصِفُ، و ما مَصْدَرِيَّةٌ، وجُمْلَةُ ﴿هَذا حَلالٌ وهَذا حَرامٌ﴾ مُتَعَلِّقَةٌ بِ لا تَقُولُوا، أيْ: لا تَقُولُوا هَذا حَلالٌ وهَذا حَرامٌ لِوَصْفِ ألْسِنَتِكُمُ الكَذِبَ؛ أيْ: لا تُحَرِّمُوا ولا تُحَلِّلُوا لِأجْلِ قَوْلٍ تَنْطِقُ بِهِ ألْسِنَتُكم، ويَجُولُ في أفْواهِكم؛ لا لِأجْلِ حُجَّةٍ وبَيِّنَةٍ، قالَهُ صاحِبُ الكَشّافِ. وقِيلَ: الكَذِبَ بَدَلٌ مِن هاءِ المَفْعُولِ المَحْذُوفَةِ؛ أيْ: لِما تَصِفُهُ ألْسِنَتُكُمُ الكَذِبَ.
تَنْبِيهٌ.
كانَ السَّلَفُ الصّالِحُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم - يَتَوَرَّعُونَ عَنْ قَوْلِهِمْ: هَذا حَلالٌ وهَذا حَرامٌ؛ خَوْفًا مِن هَذِهِ الآياتِ.
قالَ القُرْطُبِيُّ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: قالَ الدّارِمِيُّ: أبُو مُحَمَّدٍ في مُسْنَدِهِ: أخْبَرَنا هارُونُ، عَنْ حَفْصٍ، عَنِ الأعْمَشِ قالَ: ”ما سَمِعْتُ إبْراهِيمَ قَطُّ يَقُولُ: حَلالٌ ولا حَرامٌ، ولَكِنْ كانَ يَقُولُ: كانُوا يَكْرَهُونَ، وكانُوا يَسْتَحِبُّونَ“ .
وَقالَ ابْنُ وهْبٍ: قالَ مالِكٌ: لَمْ يَكُنْ مِن فُتْيا النّاسِ أنْ يَقُولُوا: هَذا حَلالٌ وهَذا حَرامٌ، ولَكِنْ يَقُولُوا إيّاكم كَذا وكَذا، ولَمْ أكُنْ لِأصْنَعَ هَذا. انْتَهى.
وَقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: واللّامُ في قَوْلِهِ: ﴿لِتَفْتَرُوا عَلى اللَّهِ الكَذِبَ﴾ [النحل: ١١٦]، مِنَ التَّعْلِيلِ الَّذِي لا يَتَضَمَّنُ مَعْنى الفَرْضِ. اه. وكَثِيرٌ مِنَ العُلَماءِ يَقُولُونَ: هي لامُ العاقِبَةِ. والبَيانِيُّونَ يَزْعُمُونَ أنَّ حَرْفَ التَّعْلِيلِ كاللّامِ إذا لَمْ تُقْصَدْ بِهِ عِلَّةٌ غائِيَّةٌ؛ كَقَوْلِهِ: ﴿فالتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهم عَدُوًّا﴾ الآيَةَ [القصص: ٨]، وقَوْلِهِ هُنا: ﴿لِتَفْتَرُوا عَلى اللَّهِ الكَذِبَ﴾ [النحل: ١١٦]، أنَّ في ذَلِكَ اسْتِعارَةً تَبَعِيَّةً في مَعْنى الحَرْفِ.
قالَ مُقَيِّدُهُ - عَفا اللَّهُ عَنْهُ -: بَلْ كُلُّ ذَلِكَ مِن أسالِيبِ اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ. فَمِن أسالِيبِها: الإتْيانُ بِحَرْفِ التَّعْلِيلِ لِلدَّلالَةِ عَلى العِلَّةِ الغائِيَّةِ؛ كَقَوْلِهِ: ﴿وَأنْزَلْنا مَعَهُمُ الكِتابَ والمِيزانَ لِيَقُومَ النّاسُ بِالقِسْطِ﴾ الآيَةَ [الحديد: ٢٥]، ومِن أسالِيبِها الإتْيانُ بِاللّامِ لِلدَّلالَةِ عَلى تَرَتُّبِ أمْرٍ عَلى أمْرٍ؛ كَتَرَتُّبِ المَعْلُولِ عَلى عِلَّتِهِ الغائِيَّةِ. وهَذا الأخِيرُ كَقَوْلِهِ: ﴿فالتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ (p-٤٦٣)لِيَكُونَ لَهم عَدُوًّا وحَزَنًا﴾ [القصص: ٨]؛ لِأنَّ العِلَّةَ الغائِيَّةَ الباعِثَةَ لَهم عَلى التِقاطِهِ لَيْسَتْ هي أنْ يَكُونَ لَهم عَدُوًّا، بَلْ لِيَكُونَ لَهم قُرَّةَ عَيْنٍ؛ كَما قالَتِ امْرَأةُ فِرْعَوْنَ: ﴿قُرَّةُ عَيْنٍ لِي ولَكَ لا تَقْتُلُوهُ عَسى أنْ يَنْفَعَنا أوْ نَتَّخِذَهُ ولَدًا﴾ [القصص: ٩]، ولَكِنْ لَمّا كانَ كَوْنُهُ عَدُوًّا لَهم وحَزَنًا يَتَرَتَّبُ عَلى التِقاطِهِمْ لَهُ؛ كَتَرَتُّبِ المَعْلُولِ عَلى عِلَّتِهِ الغائِيَّةِ، عُبِّرَ فِيهِ بِاللّامِ الدّالَّةِ عَلى تَرْتِيبِ المَعْلُولِ عَلى العِلَّةِ. وهَذا أُسْلُوبٌ عَرَبِيٌّ، فَلا حاجَةَ إلى ما يُطِيلُ بِهِ البَيانِيُّونَ في مِثْلِ هَذا المَبْحَثِ.
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ﴾ ﴿مَتاعٌ قَلِيلٌ ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾، ذَكَرَ - جَلَّ وعَلا - في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: أنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَيْهِ الكَذِبَ - أيْ يَخْتَلِقُونَهُ عَلَيْهِ - كَدَعْواهم أنَّهُ حَرَّمَ هَذا وهو لَمْ يُحَرِّمْهُ، ودَعْواهم لَهُ الشُّرَكاءَ والأوْلادَ - لا يُفْلِحُونَ؛ لِأنَّهم في الدُّنْيا لا يَنالُونَ إلّا مَتاعًا قَلِيلًا لا أهَمِّيَّةَ لَهُ، وفي الآخِرَةِ يُعَذَّبُونَ العَذابَ العَظِيمَ، الشَّدِيدَ المُؤْلِمَ.
وَأوْضَحَ هَذا المَعْنى في مَواضِعَ أُخَرَ؛
• كَقَوْلِهِ في يُونُسَ: ﴿قُلْ إنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ﴾ ﴿مَتاعٌ في الدُّنْيا ثُمَّ إلَيْنا مَرْجِعُهم ثُمَّ نُذِيقُهُمُ العَذابَ الشَّدِيدَ بِما كانُوا يَكْفُرُونَ﴾ [يونس: ٦٩ - ٧٠]،
• وقَوْلِهِ: ﴿نُمَتِّعُهم قَلِيلًا ثُمَّ نَضْطَرُّهم إلى عَذابٍ غَلِيظٍ﴾ [لقمان: ٢٤]،
• وقَوْلِهِ: ﴿قالَ ومَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أضْطَرُّهُ إلى عَذابِ النّارِ وبِئْسَ المَصِيرُ﴾ [البقرة: ١٢٦]،
إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
وَقَوْلُهُ ﴿مَتاعٌ قَلِيلٌ﴾، خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: مَتاعُهم في الدُّنْيا مَتاعٌ قَلِيلٌ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مَنفَعَتُهم في الدُّنْيا مَتاعٌ قَلِيلٌ. وقَوْلُهُ لا يُفْلِحُونَ، أيْ: لا يَنالُونَ الفَلاحَ، وهو يُطْلَقُ عَلى مَعْنَيَيْنِ: أحَدُهُما: الفَوْزُ بِالمَطْلُوبِ الأكْبَرِ، والثّانِي: البَقاءُ السَّرْمَدِيُّ؛ كَما تَقَدَّمَ بِشَواهِدِهِ.
16:117Страница 280
مَتَٰعٞ قَلِيلٞ وَلَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٞ ١١٧
Недолго им пользоваться благами, ведь им уготованы мучительные страдания.
К этому аяту нет толкования
16:118Страница 280
وَعَلَى ٱلَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمۡنَا مَا قَصَصۡنَا عَلَيۡكَ مِن قَبۡلُۖ وَمَا ظَلَمۡنَٰهُمۡ وَلَٰكِن كَانُوٓاْ أَنفُسَهُمۡ يَظۡلِمُونَ ١١٨
А иудеям Мы запретили то, о чем Мы рассказали тебе раньше. Мы не были несправедливы к ним - они сами поступали несправедливо по отношению к себе.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَعَلى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا ما قَصَصْنا عَلَيْكَ مِن قَبْلُ﴾ الآيَةَ. هَذا المُحَرَّمُ عَلَيْهِمْ، المَقْصُوصُ عَلَيْهِ مِن قَبْلِ المُحَلُّ عَلَيْهِ هُنا هو المَذْكُورُ في (سُورَةِ الأنْعامِ)، في قَوْلِهِ: ﴿وَعَلى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ ومِنَ البَقَرِ والغَنَمِ حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُما إلّا ما حَمَلَتْ ظُهُورُهُما أوِ الحَوايا أوْ ما اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذَلِكَ جَزَيْناهم بِبَغْيِهِمْ وإنّا لَصادِقُونَ﴾ [الأنعام: ١٦٤] .
وَجُمْلَةُ المُحَرَّماتِ عَلَيْهِمْ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ ظاهِرَةٌ، وهو كُلُّ ذِي ظُفْرٍ: كالنَّعامَةِ (p-٤٦٤)والبَعِيرُ، والشَّحْمُ الخالِصُ مِنَ البَقَرِ والغَنَمِ - وهو الثُّرُوبُ - وشَحْمُ الكُلى. أمّا الشَّحْمُ الَّذِي عَلى الظَّهْرِ، والَّذِي في الحَوايا وهي الأمْعاءُ، والمُخْتَلِطُ بِعَظْمٍ كَلَحْمِ الذَّنَبِ وغَيْرِهِ مِنَ الشُّحُومِ المُخْتَلِطَةِ بِالعِظامِ؛ فَهو حَلالٌ لَهم؛ كَما هو واضِحٌ مِنَ الآيَةِ الكَرِيمَةِ.
16:119Страница 281
ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُواْ ٱلسُّوٓءَ بِجَهَٰلَةٖ ثُمَّ تَابُواْ مِنۢ بَعۡدِ ذَٰلِكَ وَأَصۡلَحُوٓاْ إِنَّ رَبَّكَ مِنۢ بَعۡدِهَا لَغَفُورٞ رَّحِيمٌ ١١٩
Воистину, твой Господь прощает и милует тех, кто совершил злодеяние по незнанию, но после этого раскаялся и исправил содеянное.
К этому аяту нет толкования
16:120Страница 281
إِنَّ إِبۡرَٰهِيمَ كَانَ أُمَّةٗ قَانِتٗا لِّلَّهِ حَنِيفٗا وَلَمۡ يَكُ مِنَ ٱلۡمُشۡرِكِينَ ١٢٠
Воистину, Ибрахим (Авраам) был вождем, покорным Аллаху и ханифом. Он не был одним из многобожников.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ إبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً قانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا ولَمْ يَكُ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ ﴿شاكِرًا لِأنْعُمِهِ اجْتَباهُ وهَداهُ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾، أثْنى اللَّهُ - جَلَّ وعَلا - في هاتَيْنِ الآيَتَيْنِ الكَرِيمَتَيْنِ عَلى نَبِيِّهِ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ وعَلى نَبِيِّنا الصَّلاةُ والسَّلامُ -: بِأنَّهُ أُمَّةٌ؛ أيْ: إمامٌ مُقْتَدًى بِهِ، يَعْلَمُ النّاسَ الخَيْرَ؛ كَما قالَ تَعالى: ﴿إنِّي جاعِلُكَ لِلنّاسِ إمامًا﴾ [البقرة: ١٢٤]، وأنَّهُ قانِتٌ لِلَّهِ، أيْ: مُطِيعٌ لَهُ، وأنَّهُ لَمْ يَكُنْ مِنَ المُشْرِكِينَ، وأنَّهُ شاكِرٌ لِأنْعُمِ اللَّهِ، وأنَّ اللَّهَ اجْتَباهُ، أيِ: اخْتارَهُ واصْطَفاهُ. وأنَّهُ هَداهُ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ.
وَكَرَّرَ هَذا الثَّناءَ عَلَيْهِ في مَواضِعَ أُخَرَ؛
• كَقَوْلِهِ: ﴿وَإبْراهِيمَ الَّذِي وفّى﴾ [النجم: ٣٧]،
• وقَوْلِهِ: ﴿وَإذِ ابْتَلى إبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ فَأتَمَّهُنَّ قالَ إنِّي جاعِلُكَ لِلنّاسِ إمامًا﴾ [البقرة: ١٢٤]،
• وقَوْلِهِ: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنا إبْراهِيمَ رُشْدَهُ مِن قَبْلُ وكُنّا بِهِ عالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٥١]،
• وقَوْلِهِ: ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ والأرْضِ ولِيَكُونَ مِنَ المُوقِنِينَ﴾ [الأنعام: ٧٥]،
• وقَوْلِهِ عَنْهُ: ﴿إنِّي وجَّهْتُ وجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ والأرْضَ حَنِيفًا وما أنا مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٧٩]،
• وقَوْلِهِ: ﴿ما كانَ إبْراهِيمُ يَهُودِيًّا ولا نَصْرانِيًّا ولَكِنْ كانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وما كانَ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ [آل عمران: ٦٧]،
• وقَوْلِهِ: ﴿وَإنَّ مِن شِيعَتِهِ لَإبْراهِيمَ إذْ جاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الصافات: ٨٣ - ٨٤]،
إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ الكَثِيرَةِ في الثَّناءِ عَلَيْهِ.
وَقَدْ قَدَّمْنا مَعانِيَ ”الأُمَّةِ“، في القُرْآنِ.
16:121Страница 281
شَاكِرٗا لِّأَنۡعُمِهِۚ ٱجۡتَبَىٰهُ وَهَدَىٰهُ إِلَىٰ صِرَٰطٖ مُّسۡتَقِيمٖ ١٢١
Он был благодарен Аллаху за благодеяния, и Он избрал его и повел прямым путем.
К этому аяту нет толкования
16:122Страница 281
وَءَاتَيۡنَٰهُ فِي ٱلدُّنۡيَا حَسَنَةٗۖ وَإِنَّهُۥ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ لَمِنَ ٱلصَّٰلِحِينَ ١٢٢
Мы даровали ему добро в мирской жизни, а в Последней жизни он будет в числе праведников.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَآتَيْناهُ في الدُّنْيا حَسَنَةً﴾ الآيَةَ [النحل: ٢٢١]، قالَ بَعْضُ العُلَماءِ: الحَسَنَةُ الَّتِي آتاهُ اللَّهُ في الدُّنْيا: الذُّرِّيَّةُ الطَّيِّبَةُ، والثَّناءُ الحَسَنُ. ويُسْتَأْنَسُ لِهَذا بِأنَّ اللَّهَ بَيَّنَ أنَّهُ أعْطاهُ بِسَبَبِ إخْلاصِهِ لِلَّهِ، واعْتِزالِهِ أهْلَ الشِّرْكِ: الذُّرِّيَّةَ الطَّيِّبَةَ. وأشارَ أيْضًا لِأنَّهُ جَعَلَ لَهُ ثَناءً حَسَنًا باقِيًا في الدُّنْيا؛ قالَ تَعالى: ﴿فَلَمّا اعْتَزَلَهم وما يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ وهَبْنا لَهُ إسْحاقَ ويَعْقُوبَ وكُلًّا جَعَلْنا نَبِيًّا﴾ ﴿وَوَهَبْنا لَهم مِن رَحْمَتِنا وجَعَلْنا لَهم لِسانَ صِدْقٍ عَلِيًّا﴾ [مريم: ٤٩ - ٥٠]، وقالَ: ﴿وَجَعَلْنا في ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ والكِتابَ﴾ [العنكبوت: ٢٧]، وقالَ: ﴿واجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ في الآخِرِينَ﴾ [الشعراء: ٨٤] .
16:123Страница 281
ثُمَّ أَوۡحَيۡنَآ إِلَيۡكَ أَنِ ٱتَّبِعۡ مِلَّةَ إِبۡرَٰهِيمَ حَنِيفٗاۖ وَمَا كَانَ مِنَ ٱلۡمُشۡرِكِينَ ١٢٣
Затем Мы внушили тебе: «Исповедуй религию Ибрахима (Авраама), ведь он был ханифом и не был из числа многобожников».
(p-٤٦٥)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ أوْحَيْنا إلَيْكَ أنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إبْراهِيمَ حَنِيفًا وما كانَ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ ذَكَرَ اللَّهُ - جَلَّ وعَلا - في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: أنَّهُ أوْحى إلى نَبِيِّنا ﷺ الأمْرَ بِاتِّباعِ مِلَّةِ إبْراهِيمَ حَنِيفًا وما كانَ مِنَ المُشْرِكِينَ.
وَبَيَّنَ هَذا أيْضًا في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ؛
• كَقَوْلِهِ: ﴿قُلْ إنَّنِي هَدانِي رَبِّي إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إبْراهِيمَ حَنِيفًا وما كانَ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ١٦١]،
• وقَوْلِهِ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا واسْجُدُوا واعْبُدُوا رَبَّكم وافْعَلُوا الخَيْرَ لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾ - إلى قَوْلِهِ - ﴿مِلَّةَ أبِيكم إبْراهِيمَ﴾ الآيَةَ [الحج: ٧٧ - ٧٨]
• وقَوْلِهِ: ﴿قَدْ كانَتْ لَكم أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ في إبْراهِيمَ﴾ الآيَةَ [الممتحنة: ٤]،
إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ. والمِلَّةُ: الشَّرِيعَةُ. والحَنِيفُ: المائِلُ عَنْ كُلِّ دِينٍ باطِلٍ إلى دِينِ الحَقِّ. وأصْلُهُ مِنَ الحَنَفِ: وهو اعْوِجاجُ الرِّجْلَيْنِ؛ يُقالُ: بِرِجْلِهِ حَنَفٌ، أيِ: اعْوِجاجٌ. ومِنهُ قَوْلُ أُمِّ الأحْنَفِ بْنِ قَيْسٍ تُرَقِّصُهُ وهو صَبِيٌّ: واللَّهِ لَوْلا حَنَفٌ بِرِجْلِهِ ما كانَ في فِتْيانِكم مِن مِثْلِهِ.
وَقَوْلُهُ: حَنِيفًا حالٌ مِنَ المُضافِ إلَيْهِ؛ عَلى حَدِّ قَوْلِ ابْنِ مالِكٍ في الخُلاصَةِ: ما كانَ جُزْءُ ما لَهُ أُضِيفا أوْ مِثْلَ جُزْئِهِ فَلا تَحِيفا.
لِأنَّ المُضافَ هُنا وهو مِلَّةُ، كالجُزْءِ مِنَ المُضافِ إلَيْهِ، وهو: إبْراهِيمَ؛ لِأنَّهُ لَوْ حُذِفَ لَبَقِيَ المَعْنى تامًّا؛ لِأنَّ قَوْلَنا: أنِ اتَّبِعْ إبْراهِيمَ، كَلامٌ تامُّ المَعْنى كَما هو ظاهِرٌ، وهَذا هو مُرادُهُ بِكَوْنِهِ مِثْلَ جُزْئِهِ.
16:124Страница 281
إِنَّمَا جُعِلَ ٱلسَّبۡتُ عَلَى ٱلَّذِينَ ٱخۡتَلَفُواْ فِيهِۚ وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحۡكُمُ بَيۡنَهُمۡ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخۡتَلِفُونَ ١٢٤
Воистину, суббота была предписана только тем, кто впал в разногласия по этому поводу. Воистину, твой Господь в День воскресения рассудит между ними в том, в чем они расходились во мнениях.
К этому аяту нет толкования
16:125Страница 281
ٱدۡعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِٱلۡحِكۡمَةِ وَٱلۡمَوۡعِظَةِ ٱلۡحَسَنَةِۖ وَجَٰدِلۡهُم بِٱلَّتِي هِيَ أَحۡسَنُۚ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعۡلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِۦ وَهُوَ أَعۡلَمُ بِٱلۡمُهۡتَدِينَ ١٢٥
Призывай на путь Господа мудростью и добрым увещеванием и веди спор с ними наилучшим образом. Воистину, твой Господь лучше знает тех, кто сошел с Его пути, и лучше знает тех, кто следует прямым путем.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَجادِلْهم بِالَّتِي هي أحْسَنُ﴾، أمَرَ اللَّهُ - جَلَّ وعَلا - نَبِيَّهُ ﷺ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: أنْ يُجادِلَ خُصُومَهُ بِالطَّرِيقِ الَّتِي هي أحْسَنُ طُرُقِ المُجادَلَةِ: مِن إيضاحِ الحَقِّ بِالرِّفْقِ واللِّينِ. وعَنْ مُجاهِدٍ: ﴿وَجادِلْهم بِالَّتِي هي أحْسَنُ﴾ [النحل: ١٢٥]، قالَ: أعْرِضْ عَنْ أذاهم. وقَدْ أشارَ إلى هَذا المَعْنى في قَوْلِهِ: ﴿وَلا تُجادِلُوا أهْلَ الكِتابِ إلّا بِالَّتِي هي أحْسَنُ إلّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنهُمْ﴾ [العنكبوت: ٤٦] أيْ: إلّا الَّذِينَ نَصَبُوا لِلْمُؤْمِنِينَ الحَرْبَ فَجادِلْهم بِالسَّيْفِ حَتّى يُؤْمِنُوا، أوْ يُعْطُوا الجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وهم صاغِرُونَ.
وَنَظِيرُ ما ذُكِرَ هُنا مِنَ المُجادَلَةِ بِالَّتِي هي أحْسَنُ قَوْلُهُ لِمُوسى وهارُونَ في شَأْنِ فِرْعَوْنَ: ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أوْ يَخْشى﴾ [طه: ٤٤]، ومِن ذَلِكَ القَوْلِ اللَّيِّنِ: قَوْلُ مُوسى لَهُ: ﴿هَلْ لَكَ إلى أنْ تَزَكّى وأهْدِيَكَ إلى رَبِّكَ فَتَخْشى﴾ [النازعات: ١٨ - ١٩] .
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ رَبَّكَ هو أعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وهو أعْلَمُ بِالمُهْتَدِينَ﴾، ذَكَرَ - جَلَّ وعَلا - في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: أنَّهُ أعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ، أيْ: زاغَ عَنْ طَرِيقِ الصَّوابِ (p-٤٦٦)والحَقِّ، إلى طَرِيقِ الكُفْرِ والضَّلالِ.
وَأوْضَحَ هَذا المَعْنى في مَواضِعَ أُخَرَ؛
• كَقَوْلِهِ في أوَّلِ (القَلَمِ): ﴿إنَّ رَبَّكَ هو أعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وهو أعْلَمُ بِالمُهْتَدِينَ﴾ ﴿فَلا تُطِعِ المُكَذِّبِينَ﴾ [القلم: ٧ - ٨]،
• وقَوْلِهِ في (الأنْعامِ): ﴿إنَّ رَبَّكَ هو أعْلَمُ مَن يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ وهو أعْلَمُ بِالمُهْتَدِينَ﴾ [الأنعام: ١١٧]،
• وقَوْلِهِ في (النَّجْمِ): ﴿إنَّ رَبَّكَ هو أعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وهو أعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدى﴾ [النجم: ٣٠]،
والآياتُ بِمِثْلِ ذَلِكَ كَثِيرَةٌ جِدًّا.
والظّاهِرُ أنَّ صِيغَةَ التَّفْضِيلِ الَّتِي هي: أعْلَمُ، في هَذِهِ الآياتِ يُرادُ بِها مُطْلَقُ الوَصْفِ لا التَّفْضِيلُ؛ لِأنَّ اللَّهَ لا يُشارِكُهُ أحَدٌ في عِلْمِ ما يَصِيرُ إلَيْهِ خَلْقُهُ مِن شَقاوَةٍ وسَعادَةٍ؛ فَهي كَقَوْلِ الشَّنْفَرى:
وَإنْ مُدَّتِ الأيْدِيَ إلى الزّادِ لَمْ أكُنْ بِأعْجَلِهِمْ إذْ أجْشَعُ القَوْمِ أعْجَلُ.
أيْ: لَمْ أكُنْ بِعَجِلِهِمْ. وقَوْلُ الفَرَزْدَقَ:
إنَّ الَّذِي سَمَكَ السَّماءَ بَنى لَنا بَيْتًا دَعائِمُهُ أعَزُّ وأطْوَلُ.
أيْ عَزِيزَةٌ طَوِيلَةٌ.
16:126Страница 281
وَإِنۡ عَاقَبۡتُمۡ فَعَاقِبُواْ بِمِثۡلِ مَا عُوقِبۡتُم بِهِۦۖ وَلَئِن صَبَرۡتُمۡ لَهُوَ خَيۡرٞ لِّلصَّٰبِرِينَ ١٢٦
Если вы подвергните их наказанию, то наказывайте их так, как они наказывали вас. Но если вы проявите терпение, то так будет лучше для терпеливых.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ ولَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهو خَيْرٌ لِّلصّابِرِينَ﴾، نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةَ الكَرِيمَةُ مِن (سُورَةِ النَّحْلِ) بِالمَدِينَةِ، في تَمْثِيلِ المُشْرِكِينَ بِحَمْزَةَ ومَن قُتِلَ مَعَهُ يَوْمَ أُحُدٍ. فَقالَ المُسْلِمُونَ: لَئِنْ أظْفَرَنا اللَّهُ بِهِمْ لَنُمَثِّلُنَّ بِهِمْ؛ فَنَزَلَتِ الآيَةَ الكَرِيمَةُ، فَصَبَرُوا لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَهُوَ خَيْرٌ لِلصّابِرِينَ﴾ [النحل: ١٢٦]، مَعَ أنَّ (سُورَةَ النَّحْلِ) مَكِّيَّةٌ، إلّا هَذِهِ الآياتِ الثَّلاثِ مِن آخِرِها. والآيَةَ فِيها جَوازُ الِانْتِقامِ والإرْشادِ إلى أفْضَلِيَّةِ العَفْوِ. وقَدْ ذَكَرَ تَعالى هَذا المَعْنى في القُرْآنِ؛
• كَقَوْلِهِ: ﴿وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها فَمَن عَفا وأصْلَحَ فَأجْرُهُ عَلى اللَّهِ﴾ الآيَةَ [الشورى: ٤٠]،
• وقَوْلِهِ: ﴿والجُرُوحَ قِصاصٌ فَمَن تَصَدَّقَ بِهِ فَهو كَفّارَةٌ لَهُ﴾ الآيَةَ [المائدة: ٤٥]،
• وقَوْلِهِ: ﴿وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ ما عَلَيْهِمْ مِن سَبِيلٍ﴾ - إلى قَوْلِهِ - ﴿وَلَمَن صَبَرَ وغَفَرَ إنَّ ذَلِكَ لَمِن عَزْمِ الأُمُورِ﴾ [الشورى: ٤١ - ٤٣]،
• وقَوْلِهِ: ﴿لا يُحِبُّ اللَّهُ الجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ القَوْلِ إلّا مَن ظُلِمَ﴾ - إلى قَوْلِهِ -: ﴿أوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإنَّ اللَّهَ كانَ عَفُوًّا قَدِيرًا﴾ [النساء: ١٤٩]،
كَما قَدَّمْنا.
* *
(p-٤٦٧)مَسائِلُ بِهَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ.
المَسْألَةُ الأُولى: يُؤْخَذُ مِن هَذِهِ الآيَةِ حُكْمُ مَسْألَةِ الظَّفَرِ، وهي أنَّكَ إنْ ظَلَمَكَ إنْسانٌ: بِأنْ أخَذَ شَيْئًا مِن مالِكَ بِغَيْرِ الوَجْهِ الشَّرْعِيِّ ولَمْ يُمْكِنْ لَكَ إثْباتُهُ، وقَدَرْتَ لَهُ عَلى مِثْلِ ما ظَلَمَكَ بِهِ عَلى وجْهٍ تَأْمَنُ مَعَهُ الفَضِيحَةَ والعُقُوبَةَ؛ فَهَلْ لَكَ أنْ تَأْخُذَ قَدْرَ حَقِّكَ أوْ لا ؟ .
أصَحُّ القَوْلَيْنِ، وأجْرَأُهُما عَلى ظَواهِرِ النُّصُوصِ وعَلى القِياسِ: أنَّ لَكَ أنْ تَأْخُذَ قَدْرَ حَقِّكَ مِن غَيْرِ زِيادَةٍ؛ لِقَوْلِهِ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ: ﴿فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ الآيَةَ [النحل: ١٢٦]، وقَوْلِهِ: ﴿فاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ ما اعْتَدى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤] .
وَمِمَّنْ قالَ بِهَذا القَوْلِ: ابْنُ سِيرِينَ، وإبْراهِيمُ النَّخَعِيُّ، وسُفْيانُ، ومُجاهِدٌ، وغَيْرُهم.
وَقالَتْ طائِفَةٌ مِنَ العُلَماءِ مِنهم مالِكٌ: لا يَجُوزُ ذَلِكَ؛ وعَلَيْهِ دَرَجَ خَلِيلُ بْنُ إسْحاقَ المالِكِيُّ في مُخْتَصَرِهِ بِقَوْلِهِ في الوَدِيعَةِ: ولَيْسَ لَهُ الأخْذُ مِنها لِمَن ظَلَمَهُ بِمِثْلِها.
واحْتَجَّ مَن قالَ بِهَذا القَوْلِ بِحَدِيثِ: «أدِّ الأمانَةَ إلى مَنِ ائْتَمَنَكَ. ولا تَخُنْ مِن خانَكَ»، اه. وهَذا الحَدِيثُ عَلى فَرْضِ صِحَّتِهِ لا يَنْهَضُ الِاسْتِدْلالُ بِهِ؛ لِأنَّ مَن أخَذَ قَدْرَ حَقِّهِ ولَمْ يَزِدْ عَلَيْهِ لَمْ يَخُنْ مَن خانَهُ، وإنَّما أنْصَفَ نَفْسَهُ مِمَّنْ ظَلَمَهُ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: أخَذَ بَعْضُ العُلَماءِ مِن هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ المُماثَلَةَ في القِصاصِ، فَمَن قَتَلَ بِحَدِيدَةٍ قُتِلَ بِها، ومَن قَتَلَ بِحَجَرٍ قُتِلَ بِهِ، ويُؤَيِّدُهُ رَضُّهُ ﷺ رَأْسَ يَهُودِيٍّ بَيْنَ حَجَرَيْنِ؛ قِصاصًا لِجارِيَةٍ فَعَلَ بِها مِثْلَ ذَلِكَ " .
وَهَذا قَوْلُ أكْثَرِ أهْلِ العِلْمِ خِلافًا لِأبِي حَنِيفَةَ ومَن وافَقَهُ، زاعِمًا أنَّ القَتْلَ بِغَيْرِ المُحَدَّدِ شِبْهُ عَمْدٍ، لا عَمْدٌ صَرِيحٌ حَتّى يَجِبَ فِيهِ القِصاصُ. وسَيَأْتِي لِهَذا - إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى - زِيادَةُ إيضاحٍ في (سُورَةِ الإسْراءِ) .
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: أطْلَقَ - جَلَّ وعَلا - في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ اسْمَ العُقُوبَةِ عَلى الجِنايَةِ الأُولى: في قَوْلِهِ: ﴿بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ [النحل: ١٢٦]، والجِنايَةُ الأُولى لَيْسَتْ عُقُوبَةً؛ لِأنَّ القُرْآنَ بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ. ومِن أسالِيبِ اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ المُشاكَلَةُ بَيْنَ الألْفاظِ؛ فَيُؤَدِّي لَفْظٌ بِغَيْرِ مَعْناهُ المَوْضُوعِ لَهُ مُشاكَلَةً لِلَفْظٍ آخَرَ مُقْتَرِنٍ بِهِ في الكَلامِ؛ كَقَوْلِ الشّاعِرِ:
؎قالُوا اقْتَرِحْ شَيْئًا نَجِدْ لَكَ طَبْخَهُ قُلْتُ اطْبُخُوا لِي جُبَّةً وقَمِيصًا
(p-٤٦٨)أيْ: خَيِّطُوا لِي. وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: ومِنهُ قَوْلُ جَرِيرٍ:
؎هَذِي الأرامِلُ قَدْ قُضِيَتْ حاجَتُها ∗∗∗ فَمَن لِحاجَةِ هَذا الأرْمَلِ الذَّكَرِ
بِناءً عَلى القَوْلِ بِأنَّ الأرامِلَ لا تُطْلَقُ في اللُّغَةِ إلّا عَلى الإناثِ.
وَنَظِيرُ الآيَةِ الكَرِيمَةِ في إطْلاقِ إحْدى العُقُوبَتَيْنِ عَلى ابْتِداءِ الفِعْلِ مُشاكَلَةً لِلَّفْظِ الآخَرِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذَلِكَ ومَن عاقَبَ بِمِثْلِ ما عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ﴾ الآيَةَ [الحج: ٦٠]، ونَحْوُهُ أيْضًا.
قَوْلُهُ: ﴿وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها﴾ [الشورى: ٤٠]، مَعَ أنَّ القَصّاصَ لَيْسَ بِسَيِّئَةٍ، وقَوْلُهُ: ﴿فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكم فاعْتَدُوا عَلَيْهِ﴾ الآيَةَ [البقرة: ١٩٤]؛ لِأنَّ القِصاصَ مِنَ المُعْتَدِي أيْضًا لَيْسَ بِاعْتِداءٍ كَما هو ظاهِرٌ، وإنَّما أُدِّيَ بِغَيْرِ لَفْظِهِ لِلْمُشاكَلَةِ بَيْنَ اللَّفْظَيْنِ.
16:127Страница 281
وَٱصۡبِرۡ وَمَا صَبۡرُكَ إِلَّا بِٱللَّهِۚ وَلَا تَحۡزَنۡ عَلَيۡهِمۡ وَلَا تَكُ فِي ضَيۡقٖ مِّمَّا يَمۡكُرُونَ ١٢٧
Посему терпи, ибо твое терпение - только от Аллаха. Не скорби по ним и не печалься оттого, что они ухищряются.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واصْبِرْ وما صَبْرُكَ إلّا بِاللَّهِ﴾ الآيَةَ [النحل: ١٢٧] . ذَكَرَ - جَلَّ وعَلا - في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: أنَّهُ ﷺ مَأْمُورٌ بِالصَّبْرِ، وأنَّهُ لا يَمْتَثِلُ ذَلِكَ الأمْرَ بِالصَّبْرِ إلّا بِإعانَةِ اللَّهِ وتَوْفِيقِهِ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿وَما صَبْرُكَ إلّا بِاللَّهِ﴾ الآيَةَ [النحل: ١٢٧]، وأشارَ لِهَذا المَعْنى في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ؛ كَقَوْلِهِ: ﴿وَما يُلَقّاها إلّا الَّذِينَ صَبَرُوا وما يُلَقّاها إلّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ [فصلت: ٣٥]؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿وَما يُلَقّاها إلّا ذُو حَظٍّ﴾ الآيَةَ، مَعْناهُ أنَّ خَصْلَةَ الصَّبْرِ لا يُلَقّاها إلّا مَن كانَ لَهُ عِنْدَ اللَّهِ الحَظُّ الأكْبَرُ والنَّصِيبُ الأوْفَرُ، بِفَضْلِ اللَّهِ عَلَيْهِ، وتَيْسِيرِ ذَلِكَ لَهُ.
16:128Страница 281
إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْ وَّٱلَّذِينَ هُم مُّحۡسِنُونَ ١٢٨
Воистину, Аллах - с теми, кто богобоязнен и кто творит добро.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا والَّذِينَ هم مُحْسِنُونَ﴾، ذَكَرَ - جَلَّ وعَلا - في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: أنَّهُ مَعَ عِبادِهِ المُتَّقِينَ المُحْسِنِينَ، وقَدْ تَقَدَّمَ إيضاحُ مَعْنى التَّقْوى و الإحْسانِ.
وَهَذِهِ المَعِيَّةُ بِعِبادِهِ المُؤْمِنِينَ، وهي بِالإعانَةِ والنَّصْرِ والتَّوْفِيقِ. وكَرَّرَ هَذا المَعْنى في مَواضِعَ أُخَرَ؛
• كَقَوْلِهِ: ﴿إنَّنِي مَعَكُما أسْمَعُ وأرى﴾ [طه: ٤٦]،
• وقَوْلِهِ: ﴿إذْ يُوحِي رَبُّكَ إلى المَلائِكَةِ أنِّي مَعَكُمْ﴾ [الأنفال: ١٢]،
• وقَوْلِهِ: ﴿لا تَحْزَنْ إنَّ اللَّهَ مَعَنا﴾ [التوبة: ٤٠]،
• وقَوْلِهِ: ﴿قالَ كَلّا إنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الشعراء: ٦٢]،
إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
وَأمّا المَعِيَّةُ العامَّةُ لِجَمِيعِ الخَلْقِ فَهي بِالإحاطَةِ التّامَّةِ والعِلْمِ، ونُفُوذِ القُدْرَةِ، وكَوْنِ الجَمِيعِ في قَبْضَتِهِ - جَلَّ وعَلا -: فالكائِناتُ في يَدِهِ - جَلَّ وعَلا - أصْغَرُ مِن حَبَّةِ خَرْدَلٍ، وهَذِهِ هي (p-٤٦٩)المَذْكُورَةُ أيْضًا في آياتٍ كَثِيرَةٍ؛
• كَقَوْلِهِ: ﴿ما يَكُونُ مِن نَجْوى ثَلاثَةٍ إلّا هو رابِعُهم ولا خَمْسَةٍ إلّا هو سادِسُهم ولا أدْنى مِن ذَلِكَ ولا أكْثَرَ إلّا هو مَعَهُمْ﴾ الآيَةَ [المجادلة: ٧]،
• وقَوْلِهِ: ﴿وَهُوَ مَعَكم أيْنَ ما﴾ الآيَةَ [الحديد: ٤]،
• وقَوْلِهِ: ﴿فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ وما كُنّا غائِبِينَ﴾ [الأعراف: ٧]،
• وقَوْلِهِ: ﴿وَما تَكُونُ في شَأْنٍ وما تَتْلُو مِنهُ مِن قُرْآنٍ ولا تَعْمَلُونَ مِن عَمَلٍ إلّا كُنّا عَلَيْكم شُهُودًا إذْ تُفِيضُونَ فِيهِ﴾ الآيَةَ [يونس: ٦١]،
إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
فَهُوَ - جَلَّ وعَلا - مُسْتَوٍ عَلى عَرْشِهِ كَما قالَ، عَلى الكَيْفِيَّةِ اللّائِقَةِ بِكَمالِهِ وجَلالِهِ، وهو مُحِيطٌ بِخَلْقِهِ، كُلِّهِمْ في قَبْضَةِ يَدِهِ، لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقالُ ذَرَّةٍ في الأرْضِ ولا في السَّماءِ، ولا أصْغَرَ مِن ذَلِكَ ولا أكْبَرَ إلّا في كِتابٍ مُبِينٍ.
⁕ ⁕ ⁕
قال المؤلف في (دفع إيهام الإضطراب عن آيات الكتاب):
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا والَّذِينَ هم مُحْسِنُونَ﴾ .
هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ تَدُلُّ بِظاهِرِها عَلى أنَّ مَعِيَّةَ اللَّهِ خاصَّةٌ بِالمُتَّقِينَ المُحْسِنِينَ.
وَقَدْ جاءَ في آياتٍ أُخَرَ ما يَدُلُّ عَلى عُمُومِها وهي قَوْلُهُ: ﴿ما يَكُونُ مِن نَجْوى ثَلاثَةٍ إلّا هو رابِعُهم ولا خَمْسَةٍ إلّا هو سادِسُهم ولا أدْنى مِن ذَلِكَ ولا أكْثَرَ إلّا هو مَعَهُمْ﴾ [المجادلة: ٧] .
وَقَوْلُهُ: ﴿وَهُوَ مَعَكم أيْنَ ما كُنْتُمْ﴾ [الحديد: ٤] .
وَقَوْلُهُ: ﴿فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ وما كُنّا غائِبِينَ﴾ [الأعراف: ٧] .
وَقَوْلُهُ: ﴿وَما تَكُونُ في شَأْنٍ﴾ الآيَةَ [يونس: ٦١] .
والجَوابُ أنَّ لِلَّهِ مَعِيَّةً خاصَّةً ومَعِيَّةً عامَّةً، فالمَعِيَّةُ الخاصَّةُ بِالنَّصْرِ والتَّوْفِيقِ والإعانَةِ، وهَذِهِ لِخُصُوصِ المُتَّقِينَ المُحْسِنِينَ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ الآيَةَ [النحل: ١٢٨] .
وقَوْلِهِ: ﴿إذْ يُوحِي رَبُّكَ إلى المَلائِكَةِ أنِّي مَعَكُمْ﴾ الآيَةَ [الأنفال: ١٢] .
وَقَوْلِهِ: ﴿إنَّنِي مَعَكُما أسْمَعُ وأرى﴾ [طه: ٤٦] .
وَقَوْلِهِ: ﴿لا تَحْزَنْ إنَّ اللَّهَ مَعَنا﴾ [التوبة: ٤٠] .
وَمَعِيَّةٌ عامَّةٌ بِالإحاطَةِ والعِلْمِ، لِأنَّهُ تَعالى أعْظَمُ وأكْبَرُ مِن كُلِّ شَيْءٍ، مُحِيطٌ بِكُلِّ شَيْءٍ، فَجَمِيعُ الخَلائِقِ في يَدِهِ أصْغَرُ مِن حَبَّةِ خَرْدَلٍ في يَدِ أحَدِنا، ولَهُ المَثَلُ الأعْلى، وسَيَأْتِي لَهُ زِيادَةُ إيضاحٍ في سُورَةِ ”الحَدِيدِ“ إنْ شاءَ اللَّهُ، وهي عامَّةٌ لِكُلِّ الخَلائِقِ، كَما دَلَّتْ عَلَيْهِ الآياتُ المُتَقَدِّمَةُ.
Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии