Аш-ШинкитиАль‑Исра · 17:9

Аш-Шинкити · Тафсир · на арабском

Аль-Исра 17:9

17:9Страница 283

إِنَّ هَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانَ يَهۡدِي لِلَّتِي هِيَ أَقۡوَمُ وَيُبَشِّرُ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ٱلَّذِينَ يَعۡمَلُونَ ٱلصَّٰلِحَٰتِ أَنَّ لَهُمۡ أَجۡرٗا كَبِيرٗا ٩

Воистину, этот Коран указывает на самый правильный путь и возвещает верующим, которые совершают праведные деяния, благую весть о том, что им уготована великая награда.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ هَذا القُرْآنَ يِهْدِي لِلَّتِي هي أقْوَمُ﴾

الآيَةَ، ذَكَرَ جَلَّ وعَلا في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّ هَذا القُرْآنَ العَظِيمَ الَّذِي هو أعْظَمُ الكُتُبِ السَّماوِيَّةِ، وأجْمَعُها لِجَمِيعِ العُلُومِ، وآخِرُها عَهْدًا بِرَبِّ العالَمِينَ جَلَّ وعَلا، يَهْدِي لِلَّتِي هي أقْوَمُ؛ أيِ الطَّرِيقَةُ الَّتِي هي أسَدُّ وأعْدَلُ وأصْوَبُ. فَ الَّتِي نَعْتٌ لِمَوْصُوفٍ مَحْذُوفٍ. عَلى حَدِّ قَوْلِ ابْنِ مالِكٍ في الخُلاصَةِ:

؎وَما مِنَ المَنعُوتِ والنَّعْتِ عُقِلْ يَجُوزُ حَذْفُهُ وفي النَّعْتِ يَقِلْ

وَقالَ الزَّجّاجُ والكَلْبِيُّ والفَرّاءُ: لِلْحالِ الَّتِي هي أقْوَمُ الحالاتِ، وهي تَوْحِيدُ اللَّهِ والإيمانُ بِرُسُلِهِ.

وَهَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ أجْمَلَ اللَّهُ جَلَّ وعَلا فِيها جَمِيعَ ما في القُرْآنِ مِنَ الهُدى إلى خَيْرِ الطَّرْقِ وأعْدَلِها وأصْوَبِها، فَلَوْ تَتَبَّعْنا تَفْصِيلَها عَلى وجْهِ الكَمالِ لَأتَيْنا عَلى جَمِيعِ القُرْآنِ العَظِيمِ لِشُمُولِها لِجَمِيعِ ما فِيهِ مِنَ الهُدى إلى خَيْرِي الدُّنْيا والآخِرَةِ. ولَكِنَّنا إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى سَنَذْكُرُ جُمَلًا وافِرَةً في جِهاتٍ مُخْتَلِفَةٍ كَثِيرَةٍ مِن هُدى القُرْآنِ لِلطَّرِيقِ الَّتِي هي أقْوَمُ بَيانًا لِبَعْضِ ما أشارَتْ إلَيْهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ، تَنْبِيهًا بِبَعْضِهِ عَلى كُلِّهِ مِنَ المَسائِلِ العِظامِ، والمَسائِلِ الَّتِي أنْكَرَها المُلْحِدُونَ مِنَ الكُفّارِ، وطَعَنُوا بِسَبَبِها في دِينِ الإسْلامِ، لِقُصُورِ إدْراكِهِمْ عَنْ مَعْرِفَةِ حِكَمِها البالِغَةِ.

فَمِن ذَلِكَ تَوْحِيدُ اللَّهِ جَلَّ وعَلا، فَقَدْ هَدى القُرْآنُ فِيهِ لِلطَّرِيقِ الَّتِي هي أقْوَمُ الطُّرُقِ وأعْدَلُها، وهي تَوْحِيدُهُ جَلَّ وعَلا في رُبُوبِيَّتِهِ، وفي عِبادَتِهِ، وفي أسْمائِهِ وصِفاتِهِ. وقَدْ دَلَّ اسْتِقْراءُ القُرْآنِ العَظِيمِ عَلى أنَّ تَوْحِيدَ اللَّهِ يَنْقَسِمُ إلى ثَلاثَةِ أقْسامٍ:

الأوَّلُ: تَوْحِيدُهُ في رُبُوبِيَّتِهِ، وهَذا النَّوْعُ مِنَ التَّوْحِيدِ جُبِلَتْ عَلَيْهِ فِطْرُ العُقَلاءِ، قالَ تَعالى: ﴿وَلَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَهم لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ الآيَةَ [الزخرف: ٨٧]، وقالَ: ﴿قُلْ مَن (p-١٨)يَرْزُقُكم مِنَ السَّماءِ والأرْضِ أمَّنَ يَمْلِكُ السَّمْعَ والأبْصارَ ومَن يُخْرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ ويُخْرِجُ المَيِّتَ مِنَ الحَيِّ ومَن يُدَبِّرُ الأمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أفَلا تَتَّقُونَ﴾ [يونس: ٣١]، وإنْكارُ فِرْعَوْنَ لِهَذا النَّوْعِ مِنَ التَّوْحِيدِ في قَوْلِهِ: ﴿قالَ فِرْعَوْنُ وما رَبُّ العالَمِينَ﴾ [الشعراء: ٢٣] تَجاهُلٌ عَنْ عارِفٍ أنَّهُ عَبْدٌ مَرْبُوبٌ؛ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالَ لَقَدْ عَلِمْتَ ما أنْزَلَ هَؤُلاءِ إلّا رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ بَصائِرَ﴾ الآيَةَ [الإسراء: ١٠٢]، وقَوْلُهُ: ﴿وَجَحَدُوا بِها واسْتَيْقَنَتْها أنْفُسُهم ظُلْمًا وعُلُوًّا﴾ [النمل: ١٤]، وهَذا النَّوْعُ مِنَ التَّوْحِيدِ لا يَنْفَعُ إلّا بِإخْلاصِ العِبادَةِ لِلَّهِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وَما يُؤْمِنُ أكْثَرُهم بِاللَّهِ إلّا وهم مُشْرِكُونَ﴾ [يوسف: ١٠٦]، والآياتُ الدّالَّةُ عَلى ذَلِكَ كَثِيرَةٌ جَدًّا.

الثّانِي: تَوْحِيدُهُ جَلَّ وعَلا في عِبادَتِهِ، وضابِطُ هَذا النَّوْعِ مِنَ التَّوْحِيدِ هو تَحْقِيقُ مَعْنى ”لا إلَهَ إلّا اللَّهُ“ وهي مُتَرَكِّبَةٌ مِن نَفْيٍ وإثْباتٍ، فَمَعْنى النَّفْيِ مِنها: خَلْعُ جَمِيعِ أنْواعِ المَعْبُوداتِ غَيْرَ اللَّهِ كائِنَةً ما كانَتْ في جَمِيعِ أنْواعِ العِباداتِ كائِنَةً ما كانَتْ. ومَعْنى الإثْباتِ مِنها: إفْرادُ اللَّهِ جَلَّ وعَلا وحْدَهُ بِجَمِيعِ أنْواعِ العِباداتِ بِإخْلاصٍ، عَلى الوَجْهِ الَّذِي شَرَعَهُ عَلى ألْسِنَةِ رُسُلِهِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ. وأكْثَرُ آياتِ القُرْآنِ في هَذا النَّوْعِ مِنَ التَّوْحِيدِ، وهو الَّذِي فِيهِ المَعارِكُ بَيْنَ الرُّسُلِ وأُمَمِهِمْ ﴿أجَعَلَ الآلِهَةَ إلَهًا واحِدًا إنَّ هَذا لَشَيْءٌ عُجابٌ﴾ [ص: ٥] .

وَمِنَ الآياتِ الدّالَّةِ عَلى هَذا النَّوْعِ مِنَ التَّوْحِيدِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاعْلَمْ أنَّهُ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ واسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ الآيَةَ [محمد: ١٩]، وقَوْلُهُ: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنا في كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ واجْتَنِبُوا الطّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦]، وقَوْلُهُ: ﴿وَما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ مِن رَسُولٍ إلّا نُوحِي إلَيْهِ أنَّهُ لا إلَهَ إلّا أنا فاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: ٢٥]، وقَوْلُهُ: ﴿واسْألْ مَن أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ مِن رُسُلِنا أجَعَلْنا مِن دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾ [الزخرف: ٤٥]، وقَوْلُهُ: ﴿قُلْ إنَّما يُوحى إلَيَّ أنَّما إلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ فَهَلْ أنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠٨]، فَقَدْ أمَرَ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنْ يَقُولَ: إنَّما أُوحِيَ إلَيْهِ مَحْصُورٌ في هَذا النَّوْعِ مِنَ التَّوْحِيدِ، لِشُمُولِ كَلِمَةِ: ”لا إلَهَ إلّا اللَّهُ“ لِجَمِيعِ ما جاءَ في الكُتُبِ؛ لِأنَّها تَقْتَضِي طاعَةَ اللَّهِ بِعِبادَتِهِ وحْدَهُ. فَيَشْمَلُ ذَلِكَ جَمِيعَ العَقائِدِ والأوامِرِ والنَّواهِي، وما يَتْبَعُ ذَلِكَ مِن ثَوابٍ وعِقابٍ، والآياتُ في هَذا النَّوْعِ مِنَ التَّوْحِيدِ كَثِيرَةٌ.

النَّوْعُ الثّالِثُ: تَوْحِيدُهُ جَلَّ وعَلا في أسْمائِهِ وصِفاتِهِ. وهَذا النَّوْعُ مِنَ التَّوْحِيدِ (p-١٩)يَنْبَنِي عَلى أصْلَيْنِ:

الأوَّلُ: تَنْزِيهُ اللَّهِ جَلَّ وعَلا عَنْ مُشابَهَةِ المَخْلُوقِينَ في صِفاتِهِمْ، كَما قالَ تَعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١] .

والثّانِي: الإيمانُ بِما وصَفَ اللَّهُ بِهِ نَفْسَهُ، أوْ وصَفَهُ بِهِ رَسُولُهُ ﷺ عَلى الوَجْهِ اللّائِقِ بِكَمالِهِ وجَلالِهِ، كَما قالَ بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وهو السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ مَعَ قَطْعِ الطَّمَعِ عَنْ إدْراكِ كَيْفِيَّةِ الِاتِّصافِ، قالَ تَعالى: ﴿يَعْلَمُ ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ وما خَلْفَهم ولا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ [طه: ١١٠]، وقَدْ قَدَّمْنا هَذا المَبْحَثَ مُسْتَوْفًى مُوَضَّحًا بِالآياتِ القُرْآنِيَّةِ ”في سُورَةِ الأعْرافِ“ .

وَيَكْثُرُ في القُرْآنِ العَظِيمِ الِاسْتِدْلالُ عَلى الكُفّارِ بِاعْتِرافِهِمْ بِرُبُوبِيَّتِهِ جَلَّ وعَلا عَلى وُجُوبِ تَوْحِيدٍ في عِبادَتِهِ؛ ولِذَلِكَ يُخاطِبُهم في تَوْحِيدِ الرُّبُوبِيَّةِ بِاسْتِفْهامِ التَّقْرِيرِ، فَإذا أقَرُّوا بِرُبُوبِيَّتِهِ احْتَجَّ بِها عَلَيْهِمْ عَلى أنَّهُ هو المُسْتَحِقُّ لِأنْ يُعْبَدَ وحْدَهُ، ووَبَّخَهم مُنْكِرًا عَلَيْهِمْ شِرْكَهم بِهِ غَيْرَهُ، مَعَ اعْتِرافِهِمْ بِأنَّهُ هو الرَّبُّ وحْدَهُ؛ لِأنَّ مَنِ اعْتَرَفَ بِأنَّهُ هو الرَّبُّ وحْدَهُ لَزِمَهُ الِاعْتِرافُ بِأنَّهُ هو المُسْتَحَقُّ لِأنْ يُعْبَدَ وحْدَهُ.

وَمِن أمْثِلَةِ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ مَن يَرْزُقُكم مِنَ السَّماءِ والأرْضِ أمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ والأبْصارَ﴾ [يونس: ٣١] إلى قَوْلِهِ: ﴿فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ﴾ [يونس: ٣١] . فَلَّما أقَرُّوا بِرُبُوبِيَّتِهِ وبَّخَهم مُنْكِرًا عَلَيْهِمْ شِرْكَهم بِهِ غَيْرَهُ، بِقَوْلِهِ: ﴿فَقُلْ أفَلا تَتَّقُونَ﴾ [يونس: ٣١] .

وَمِنها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ لِمَنِ الأرْضُ ومَن فِيها إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ﴾ [المؤمنون: ٨٤، ٨٥]، فَلَمّا اعْتَرَفُوا وبَّخَهم مُنْكِرًا عَلَيْهِمْ شِرْكَهم بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ [المؤمنون: ٨٥]، ثُمَّ قالَ: ﴿قُلْ مَن رَبُّ السَّماواتِ السَّبْعِ ورَبُّ العَرْشِ العَظِيمِ﴾ ﴿سَيَقُولُونَ لِلَّهِ﴾ [المؤمنون: ٨٦ - ٨٧]، فَلَمّا أقَرُّوا وبَّخَهم مُنْكِرًا عَلَيْهِمْ شِرْكَهم بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ أفَلا تَتَّقُونَ﴾ [المؤمنون: ٨٧]، ثُمَّ قالَ: ﴿قُلْ مَن بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وهو يُجِيرُ ولا يُجارُ عَلَيْهِ إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ﴾ [المؤمنون: ٨٨، ٨٩]، فَلَمّا أقَرُّوا وبَّخَهم مُنْكِرًا عَلَيْهِمْ شِرْكَهم بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ فَأنّى تُسْحَرُونَ﴾ [المؤمنون: ٨٩] .

وَمِنها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ مَن رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ قُلِ اللَّهُ﴾ [الرعد: ١٦]، فَلَمّا صَحَّ الِاعْتِرافُ وبَّخَهم مُنْكِرًا عَلَيْهِمْ شِرْكَهم بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ أفاتَّخَذْتُمْ مِن دُونِهِ أوْلِياءَ لا يَمْلِكُونَ لِأنْفُسِهِمْ نَفْعًا ولا ضَرًّا﴾ [الرعد: ١٦] .

(p-٢٠)وَمِنها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَهم لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزخرف: ٨٧]، فَلَمّا صَحَّ إقْرارُهم وبَّخَهم مُنْكِرًا عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿فَأنّى يُؤْفَكُونَ﴾ [الزخرف: ٨٧] .

وَمِنها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ وسَخَّرَ الشَّمْسَ والقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [العنكبوت: ٦١]، فَلَمّا صَحَّ اعْتِرافُهم وبَّخَهم مُنْكِرًا شِرْكَهم بِقَوْلِهِ: ﴿فَأنّى يُؤْفَكُونَ﴾ [العنكبوت: ٦١] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَئِنْ سَألْتَهم مَن نَزَّلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأحْيا بِهِ الأرْضَ مِن بَعْدِ مَوْتِها لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [العنكبوت: ٦٣]، فَلَمّا صَحَّ إقْرارُهم وبَّخَهم مُنْكِرًا عَلَيْهِمْ شِرْكَهم بِقَوْلِهِ: ﴿قُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أكْثَرُهم لا يَعْقِلُونَ﴾ [العنكبوت: ٦٣]، وقَوْلُهُ: ﴿وَلَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [لقمان: ٢٥]، فَلَمّا صَحَّ اعْتِرافُهم وبَّخَهم مُنْكِرًا عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿قُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أكْثَرُهم لا يَعْلَمُونَ﴾ [لقمان: ٢٥]، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿آللَّهُ خَيْرٌ أمْ ما﴾ ﴿أمَّنْ خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ وأنْزَلَ لَكم مِنَ السَّماءِ ماءً فَأنْبَتْنا بِهِ حَدائِقَ ذاتَ بَهْجَةٍ ما كانَ لَكم أنْ تُنْبِتُوا شَجَرَها﴾ [النمل: ٥٩ - ٦٠]، ولا شَكَّ أنَّ الجَوابَ الَّذِي لا جَوابَ لَهُمُ البَتَّةَ غَيْرُهُ: هو أنَّ القادِرَ عَلى خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ وما ذَكَرَ مَعَها، خَيْرٌ مِن جَمادٍ لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ. فَلَمّا تَعَيَّنَ اعْتِرافُهم وبَّخَهم مُنْكِرًا عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿أإلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هم قَوْمٌ يَعْدِلُونَ﴾ [النمل: ٦٠]، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿أمَّنْ جَعَلَ الأرْضَ قَرارًا وجَعَلَ خِلالَها أنْهارًا وجَعَلَ لَها رَواسِيَ وجَعَلَ بَيْنَ البَحْرَيْنِ حاجِزًا﴾ [النمل: ٦١] ولا شَكَّ أنَّ الجَوابَ الَّذِي لا جَوابَ غَيْرُهُ كَما قَبْلَهُ، فَلَمّا تَعَيَّنَ اعْتِرافُهم وبَّخَهم مُنْكِرًا عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿أإلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أكْثَرُهم لا يَعْلَمُونَ﴾ [النمل: ٦١]، ثُمَّ قالَ جَلَّ وعَلا: ﴿أمَّنْ يُجِيبُ المُضْطَرَّ إذا دَعاهُ ويَكْشِفُ السُّوءَ ويَجْعَلُكم خُلَفاءَ الأرْضِ﴾ [النمل: ٦٢] ولا شَكَّ أنَّ الجَوابَ كَما قَبْلَهُ. فَلَمّا تَعَيَّنَ إقْرارُهم بِذَلِكَ وبَّخَهم مُنْكِرًا عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿أإلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ﴾ [النمل: ٦٢]، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿أمَّنْ يَهْدِيكم في ظُلُماتِ البَرِّ والبَحْرِ ومَن يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾ [النمل: ٦٣]، ولا شَكَّ أنَّ الجَوابَ كَما قَبِلَهُ، فَلَمّا تَعَيَّنَ إقْرارُهم بِذَلِكَ وبَّخَهم مُنْكِرًا عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿أإلَهٌ مَعَ اللَّهِ تَعالى اللَّهُ عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ [النمل: ٦٣]، ثُمَّ قالَ جَلَّ وعَلا: ﴿أمَّنْ يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ومَن يَرْزُقُكم مِنَ السَّماءِ والأرْضِ﴾ [النمل: ٦٤]، ولا شَكَّ أنَّ الجَوابَ كَما قَبْلَهُ، فَلَمّا تَعَيَّنَ الِاعْتِرافُ وبَّخَهم مُنْكِرًا عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿أإلَهٌ مَعَ اللَّهِ قُلْ هاتُوا بُرْهانَكم إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ [النمل: ٦٤]، وقَوْلُهُ: ﴿اللَّهُ (p-٢١)الَّذِي خَلَقَكم ثُمَّ رَزَقَكم ثُمَّ يُمِيتُكم ثُمَّ يُحْيِيكم هَلْ مِن شُرَكائِكم مَن يَفْعَلُ مِن ذَلِكم مِن شَيْءٍ﴾ [الروم: ٤٠]، ولا شَكَّ أنَّ الجَوابَ الَّذِي لا جَوابَ لَهم غَيْرُهُ هو: لا، أيْ: لَيْسَ مِن شُرَكائِنا مَن يَقْدِرُ عَلى أنْ يَفْعَلَ شَيْئًا مِن ذَلِكَ المَذْكُورِ مِنَ الخَلْقِ والرِّزْقِ والإماتَةِ والإحْياءِ، فَلَمّا تَعَيَّنَ اعْتِرافُهم وبَّخَهم مُنْكِرًا عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿سُبْحانَهُ وتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ [الروم: ٤٠] .

والآياتُ بِنَحْوِ هَذا كَثِيرَةٌ جَدًّا، ولِأجْلِ ذَلِكَ ذَكَرْنا في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ أنَّ كُلَّ الأسْئِلَةِ المُتَعَلِّقَةِ بِتَوْحِيدِ الرُّبُوبِيَّةِ اسْتِفْهاماتُ تَقْرِيرٍ، يُرادُ مِنها أنَّهم إذا أقَرُّوا رَتَّبَ لَهُمُ التَّوْبِيخَ والإنْكارَ عَلى ذَلِكَ الإقْرارِ؛ لِأنَّ المُقِرَّ بِالرُّبُوبِيَّةِ يَلْزَمُهُ الإقْرارُ بِالأُلُوهِيَّةِ ضَرُورَةً؛ نَحْوَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أفِي اللَّهِ شَكٌّ﴾ [إبراهيم: ١٠]، وقَوْلِهِ: ﴿قُلْ أغَيْرَ اللَّهِ أبْغِي رَبًّا﴾ [الأنعام: ١٦٤]، وإنَّ زَعَمَ بَعْضُ العُلَماءِ أنَّ هَذا اسْتِفْهامُ إنْكارٍ؛ لِأنَّ اسْتِقْراءَ القُرْآنِ دَلَّ عَلى أنَّ الِاسْتِفْهامَ المُتَعَلِّقَ بِالرُّبُوبِيَّةِ اسْتِفْهامُ تَقْرِيرٍ ولَيْسَ اسْتِفْهامَ إنْكارٍ، لِأنَّهم لا يُنْكِرُونَ الرُّبُوبِيَّةَ، كَما رَأيْتَ كَثْرَةَ الآياتِ الدّالَّةِ عَلَيْهِ.

والكَلامُ عَلى أقْسامِ التَّوْحِيدِ سَتَجِدُهُ إنْ شاءَ اللَّهُ في مَواضِعَ كَثِيرَةٍ مِن هَذا الكِتابِ المُبارَكِ، بِحَسْبَ المُناسَباتِ في الآياتِ الَّتِي نَتَكَلَّمُ عَلى بَيانِها بِآياتٍ أُخَرَ.

* *

وَمِن هَدْيِ القُرْآنِ لِلَّتِي هي أقْوَمُ جَعْلُهُ الطَّلاقَ بِيَدِ الرَّجُلِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ياأيُّها النَّبِيُّ إذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ﴾ الآيَةَ [الطلاق: ١]، ونَحْوَها مِنَ الآياتِ؛ لِأنَّ النِّساءَ مَزارِعُ وحُقُولٌ، تُبْذَرُ فِيها النُّطَفُ كَما يُبْذَرُ الحَبُّ في الأرْضِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿نِساؤُكم حَرْثٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٣] .

وَلا شَكَّ أنَّ الطَّرِيقَ الَّتِي هي أقْوَمُ الطُّرُقِ: أنَّ الزّارِعَ لا يُرْغَمُ عَلى الِازْدِراعِ في حَقْلٍ لا يَرْغَبُ الزِّراعَةَ فِيهِ لِأنَّهُ يَراهُ غَيْرَ صالِحٍ لَهُ، والدَّلِيلُ الحِسِّيُّ القاطِعُ عَلى ما جاءَ بِهِ القُرْآنُ مِن أنَّ الرَّجُلَ زارِعٌ، والمَرْأةَ مَزْرَعَةٌ، أنَّ آلَةَ الِازْدِراعِ مَعَ الرَّجُلِ، فَلَوْ أرادَتِ المَرْأةُ أنْ تُجامِعَ الرَّجُلَ وهو كارِهٌ لَها، لا رَغْبَةَ لَهُ فِيها لَمْ يَنْتَشِرْ، ولَمْ يَقُمْ ذَكَرُهُ إلَيْها فَلا تَقْدِرُ مِنهُ عَلى شَيْءٍ، بِخِلافِ الرَّجُلِ فَإنَّهُ قَدْ يُرْغِمُها وهي كارِهَةٌ فَتَحْمِلُ وتَلِدُ، كَما قالَ أبُو كَبِيرٍ الهُذَلِيِّ: ∗∗∗ مِمَّنْ حَمَلْنَ بِهِ وهُنَّ عَواقُدٌ حُبُكَ النِّطاقِ فَشَبَّ غَيْرَ مُهَبَّلِ

فَدَلَّتِ الطَّبِيعَةُ والخِلْقَةُ عَلى أنَّهُ فاعِلٌ وأنَّها مَفْعُولٌ بِهِ، ولِذا أجْمَعَ العُقَلاءُ عَلى نِسْبَةِ (p-٢٢)الوَلَدِ لَهُ لا لَها.

وَتَسْوِيَةُ المَرْأةِ بِالرَّجُلِ في ذَلِكَ مُكابَرَةً في المَحْسُوسِ، كَما لا يَخْفى.

* *

وَمِن هَدْيِ القُرْآنِ لِلَّتِي هي أقْوَمُ إباحَتُهُ تَعَدُّدَ الزَّوْجاتِ إلى أرْبَعٍ، وأنَّ الرَّجُلَ إذا خافَ عَدَمَ العَدْلِ بَيْنَهُنَّ، لَزِمَهُ الِاقْتِصارُ عَلى واحِدَةٍ، أوْ مِلْكِ يَمِينِهِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وَإنْ خِفْتُمْ ألّا تُقْسِطُوا في اليَتامى فانْكِحُوا ما طابَ لَكم مِنَ النِّساءِ مَثْنى وثُلاثَ ورُباعَ فَإنْ خِفْتُمْ ألّا تَعْدِلُوا فَواحِدَةً أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُكُمْ﴾ [النساء: ٣]، ولا شَكَّ أنَّ الطَّرِيقَ الَّتِي هي أقْوَمُ الطُّرُقِ وأعْدَلُها، هي إباحَةُ تَعَدُّدِ الزَّوْجاتِ لِأُمُورٍ مَحْسُوسَةٍ يَعْرِفُها كُلُّ العُقَلاءِ.

مِنها: أنَّ المَرْأةَ الواحِدَةَ تَحِيضُ وتَمْرَضُ، وتَنْفَسُ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ العَوائِقِ المانِعَةِ مِن قِيامِها بِأخَصِّ لَوازِمِ الزَّوْجِيَّةِ، والرَّجُلُ مُسْتَعِدٌّ لِلتَّسَبُّبِ في زِيادَةِ الأُمَّةِ، فَلَوْ حُبِسَ عَلَيْها في أحْوالِ أعْذارِها لَعُطِّلَتْ مَنافِعُهُ باطِلًا في غَيْرِ ذَنْبٍ.

وَمِنها: أنَّ اللَّهَ أجْرى العادَةَ بِأنَّ الرِّجالَ أقَلُّ عَدَدًا مِنَ النِّساءِ في أقْطارِ الدُّنْيا، وأكْثَرُ تَعَرُّضًا لِأسْبابِ المَوْتِ مِنهُنَّ في جَمِيعِ مَيادِينِ الحَياةِ، فَلَوْ قَصَرَ الرَّجُلُ عَلى واحِدَةٍ، لَبَقِيَ عَدَدٌ ضَخْمٌ مِنَ النِّساءِ مَحْرُومًا مِنَ الزَّواجِ، فَيَضْطَرُّونَ إلى رُكُوبِ الفاحِشَةِ فالعُدُولُ عَنْ هَدْيِ القُرْآنِ في هَذِهِ المَسْألَةِ مِن أعْظَمِ أسْبابِ ضَياعِ الأخْلاقِ، والِانْحِطاطِ إلى دَرَجَةِ البَهائِمِ في عَدَمِ الصِّيانَةِ، والمُحافَظَةِ عَلى الشَّرَفِ والمُرُوءَةِ والأخْلاقِ، فَسُبْحانَ الحَكِيمِ الخَبِيرِ، ﴿كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ .

وَمِنها: أنَّ الإناثَ كُلَّهُنَّ مُسْتَعِدّاتٌ لِلزَّواجِ، وكَثِيرٌ مِنَ الرِّجالِ لا قُدْرَةَ لَهم عَلى القِيامِ بِلَوازِمِ الزَّواجِ لِفَقْرِهِمْ، فالمُسْتَعِدُّونَ لِلزَّواجِ مِنَ الرِّجالِ أقَلُّ مِنَ المُسْتَعِدّاتِ لَهُ مِنَ النِّساءِ؛ لِأنَّ المَرْأةَ لا عائِقَ لَها، والرَّجُلُ يَعُوقُهُ الفَقْرُ وعَدَمُ القُدْرَةِ عَلى لَوازِمَ النِّكاحِ، فَلَوْ قَصَرَ الواحِدُ عَلى الواحِدَةِ، لَضاعَ كَثِيرٌ مِنَ المُسْتَعِدّاتِ لِلزَّواجِ أيْضًا بِعَدَمِ وُجُودِ أزْواجٍ، فَيَكُونُ ذَلِكَ سَبَبًا لِضَياعِ الفَضِيلَةِ وتَفَشِّي الرَّذِيلَةِ، والِانْحِطاطِ الخُلُقِيِّ، وضَياعِ القِيَمِ الإنْسانِيَّةِ، كَما هو واضِحٌ، فَإنْ خافَ الرَّجُلُ ألّا يَعْدِلَ بَيْنَهُنَّ وجَبَ عَلَيْهِ الِاقْتِصارُ عَلى واحِدَةٍ، أوْ مِلْكِ يَمِينِهِ؛ لِأنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالعَدْلِ والإحْسانِ﴾ الآيَةَ [النحل: ٩٠]، والمَيْلُ بِالتَّفْضِيلِ في الحُقُوقِ الشَّرْعِيَّةِ بَيْنَهُنَّ لا يَجُوزُ، لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلا تَمِيلُوا كُلَّ المَيْلِ فَتَذَرُوها كالمُعَلَّقَةِ﴾ [النساء: ١٢٩]، أمّا المَيْلُ الطَّبِيعِيُّ بِمَحَبَّةِ بَعْضِهِنَّ أكْثَرَ مِن بَعْضٍ، فَهو غَيْرُ مُسْتَطاعٍ دَفْعُهُ لِلْبَشَرِ، لِأنَّهُ انْفِعالٌ وتَأثُّرٌ نَفْسانِيٌّ لا فِعْلٌ، وهو المُرادُ بِقَوْلِهِ: (p-٢٣)﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّساءِ﴾ الآيَةَ [النساء: ١٢٩]، كَما أوْضَحْناهُ في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ، وما يَزْعُمُهُ بَعْضُ المَلاحِدَةِ مِن أعْداءِ دِينِ الإسْلامِ، مِن أنَّ تَعَدُّدَ الزَّوْجاتِ يُلْزِمُهُ الخِصامَ والشَّغَبَ الدّائِمَ المُفْضِي إلى نَكَدِ الحَياةِ، لِأنَّهُ كُلَّما أرْضى إحْدى الضَّرَّتَيْنِ سَخِطَتِ الأُخْرى، فَهو بَيْنُ سَخْطَتَيْنِ دائِمًا، وأنَّ هَذا لَيْسَ مِنَ الحِكْمَةِ، فَهو كَلامٌ ساقِطٌ، يَظْهَرُ سُقُوطُهُ لِكُلِّ عاقِلٍ؛ لِأنَّ الخِصامَ والمُشاغَبَةَ بَيْنَ أفْرادِ أهْلِ البَيْتِ لا انْفِكاكَ عَنْهُ ألْبَتَّةَ، فَيَقَعُ بَيْنَ الرَّجُلِ وأُمِّهِ، وبَيْنَهُ وبَيْنَ أبِيهِ، وبَيْنَهُ وبَيْنَ أوْلادِهِ، وبَيْنَهُ وبَيْنَ زَوْجَتِهِ الواحِدَةِ. فَهو أمْرٌ عادِيٌّ لَيْسَ لَهُ كَبِيرُ شَأْنٍ، وهو في جَنْبِ المَصالِحِ العَظِيمَةِ الَّتِي ذَكَرْنا في تَعَدُّدِ الزَّوْجاتِ مِن صِيانَةِ النِّساءِ وتَيْسِيرِ التَّزْوِيجِ لِجَمِيعِهِنَّ، وكَثْرَةِ عَدَدِ الأُمَّةِ لِتَقُومَ بِعَدَدِها الكَثِيرِ في وجْهِ أعْداءِ الإسْلامِ كَلا شَيْءٍ؛ لِأنَّ المَصْلَحَةَ العُظْمى يُقَدَّمُ جَلْبُها عَلى دَفْعِ المَفْسَدَةِ الصُّغْرى.

فَلَوْ فَرَضْنا أنَّ المُشاغَبَةَ المَزْعُومَةَ في تَعَدُّدِ الزَّوْجاتِ مَفْسَدَةٌ، أوْ أنَّ إيلامَ قَلْبِ الزَّوْجَةِ الأوْلى بِالضَّرَّةِ مَفْسَدَةٌ، لَقُدِّمَتْ عَلَيْها تِلْكَ المَصالِحُ الرّاجِحَةُ الَّتِي ذَكَرْنا، كَما هو مَعْرُوفٌ في الأُصُولِ، قالَ في مَراقِي السُّعُودِ عاطِفًا عَلى ما تُلْفِي فِيهِ المَفْسَدَةَ المَرْجُوحَةَ في جَنْبِ المُصْلِحَةِ الرّاجِحَةِ:

؎أوْ رَجَّحَ الإصْلاحَ كالأسارى تُفْدى بِما يَنْفَعُ لِلنَّصارى

؎وانْظُرْ تَدَلِّي دَوالِي العِنَبِ ∗∗∗ في كُلِّ مَشْرِقِ وكُلِّ مَغْرِبٍ

فَفِداءُ الأُسارى مَصْلَحَةٌ راجِحَةٌ، ودَفْعُ فَدائِهِمُ النّافِعِ لِلْعَدُوِّ مَفْسَدَةٌ مَرْجُوحَةٌ، فَتُقَدَّمُ عَلَيْها المَصْلَحَةُ الرّاجِحَةُ، أمّا إذا تَساوَتِ المَصْلَحَةُ والمُفْسَدَةُ، أوْ كانَتِ المَفْسَدَةُ أرْجَحَ كَفِداءِ الأُسارى بِسِلاحٍ يَتَمَكَّنُ بِسَبَبِهِ العَدُوُّ مِن قَتْلِ قَدْرِ الأُسارى أوْ أكْثَرَ مِنَ المُسْلِمِينَ، فَإنَّ المَصْلَحَةَ تُلْغى لِكَوْنِها غَيْرَ راجِحَةٍ، كَما قالَ في المَراقِي:

؎اخْرُمْ مُناسِبًا بِمُفْسِدٍ لَزِمْ ∗∗∗ لِلْحُكْمِ وهو غَيْرُ مَرْجُوحٍ عُلِمْ

وَكَذَلِكَ العِنَبُ تُعْصَرُ مِنهُ الخَمْرَ وهي أُمُّ الخَبائِثِ، إلّا أنَّ مَصْلَحَةَ وُجُودِ العِنَبِ والزَّبِيبِ والِانْتِفاعِ بِهِما في أقْطارِ الدُّنْيا مَصْلَحَةٌ راجِحَةٌ عَلى مَفْسَدَةِ عَصْرِ الخَمْرِ مِنها أُلْغِيَتْ لَها تِلْكَ المَفْسَدَةُ المَرْجُوحَةُ، واجْتِماعُ الرِّجالِ والنِّساءِ في البَلَدِ الواحِدِ قَدْ يَكُونُ سَبَبًا لِحُصُولِ الزِّنى إلّا أنَّ التَّعاوُنَ بَيْنَ المُجْتَمَعِ مِن ذُكُورٍ وإناثٍ مَصْلَحَةٌ أرْجَحُ مِن تِلْكَ المَفْسَدَةِ، ولِذا لَمْ يَقُلْ أحَدٌ مِنَ العُلَماءِ إنَّهُ يَجِبُ عَزْلُ النِّساءِ في مَحَلٍّ مُسْتَقِلٍّ عَنِ الرِّجالِ، وأنْ يُجْعَلَ عَلَيْهِنَّ حِصْنٌ قَوِيٌّ لا يُمْكِنُ الوُصُولُ إلَيْهِنَّ مَعَهُ، وتُجْعَلُ المَفاتِيحُ بِيَدِ أمِينٍ (p-٢٤)مَعْرُوفٌ بِالتُّقى والدِّيانَةِ، كَما هو مُقَرَّرٌ في الأُصُولِ.

فالقُرْآنُ أباحَ تَعَدُّدَ الزَّوْجاتِ لِمَصْلَحَةِ المَرْأةِ في عَدَمِ حِرْمانِها مِنَ الزَّواجِ، ولِمَصْلَحَةِ الرَّجُلِ بِعَدَمِ تَعَطُّلِ مَنافِعِهِ في حالِ قِيامِ العُذْرِ بِالمَرْأةِ الواحِدَةِ، ولِمَصْلَحَةِ الأُمَّةِ لِيَكْثُرَ عَدَدُها فَيُمْكِنُها مُقاوَمَةُ عَدُوِّها لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هي العُلْيا، فَهو تَشْرِيعُ حَكِيمٍ خَبِيرٍ لا يَطْعَنُ فِيهِ إلّا مَن أعْمى اللَّهُ بَصِيرَتَهُ بِظُلُماتِ الكُفْرِ. وتَحْدِيدُ الزَّوْجاتِ بِأرْبَعٍ؛ تَحْدِيدٌ مِن حَكِيمٍ خَبِيرٍ، وهو أمْرٌ وسَطٌ بَيْنَ القِلَّةِ المُفْضِيَةِ إلى تَعَطُّلِ بَعْضِ مَنافِعِ الرَّجُلِ، وبَيْنَ الكَثْرَةِ الَّتِي هي مَظِنَّةُ عَدَمِ القُدْرَةِ عَلى القِيامِ بِلَوازِمَ الزَّوْجِيَّةِ لِلْجَمِيعِ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.

* *

وَمِن هَدْيِ القُرْآنِ لِلَّتِي هي أقْوَمُ: تَفْضِيلُهُ الذَّكَرَ عَلى الأُنْثى في المِيراثِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وَإنْ كانُوا إخْوَةً رِجالًا ونِساءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكم أنْ تَضِلُّوا واللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [النساء: ١٧٦] .

وَقَدْ صَرَّحَ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: أنَّهُ يُبَيِّنُ لِخَلْقِهِ هَذا البَيانَ الَّذِي مِن جُمْلَتِهِ تَفْضِيلُ الذَّكَرِ عَلى الأُنْثى في المِيراثِ لِئَلّا يَضِلُّوا، فَمِن سَوّى بَيْنِهِما فِيهِ فَهو ضالٌّ قَطْعًا.

ثُمَّ بَيَّنَ أنَّهُ أعْلَمُ بِالحِكَمِ والمَصالِحِ وبِكُلِّ شَيْءٍ مِن خَلْقِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [النساء: ١٧٦]، وقالَ: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ في أوْلادِكم لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ﴾ [النساء: ١١] .

وَلا شَكَّ أنَّ الطَّرِيقَ الَّتِي هي أقْوَمُ الطُّرُقِ وأعْدَلُها: تَفْضِيلُ الذَّكَرِ عَلى الأُنْثى في المِيراثِ الَّذِي ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى. كَما أشارَ تَعالى إلى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿الرِّجالُ قَوّامُونَ عَلى النِّساءِ بِما فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ﴾؛ أيْ وهو الرِّجالُ ﴿عَلى بَعْضٍ﴾ [النساء: ٣٤]، أيْ وهو النِّساءُ، وقَوْلِهِ: ﴿وَلِلرِّجالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾ [البقرة: ٢٢٨]، وذَلِكَ لِأنَّ الذُّكُورَةَ في كَمالٍ خِلْقِيٍّ، وقُوَّةٍ طَبِيعِيَّةٍ، وشَرَفٍ وجَمالٍ، والأُنُوثَةُ نَقْصٌ خِلْقِيٌّ، وضَعْفٌ طَبِيعِيٌّ، كَما هو مَحْسُوسٌ مُشاهَدٌ لِجَمِيعِ العُقَلاءِ، لا يَكادُ يُنْكِرُهُ إلّا مُكابِرٌ في المَحْسُوسِ.

وَقَدْ أشارَ جَلَّ وعَلا إلى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿أوَمَن يُنَشَّأُ في الحِلْيَةِ وهو في الخِصامِ غَيْرُ مُبِينٍ﴾ [الزخرف: ١٨]؛ لِأنَّ اللَّهَ أنْكَرَ عَلَيْهِمْ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّهم نَسَبُوا لَهُ ما لا يَلِيقُ بِهِ مِنَ الوَلَدِ، ومَعَ ذَلِكَ نَسَبُوا لَهُ أخَسَّ الوَلَدَيْنِ وأنْقَصَهُما وأضْعَفَهُما، ولِذَلِكَ يُنَشَّأُ في الحِلْيَةِ؛ أيِ: الزِّينَةِ مِن أنْواعِ الحُلِيِّ والحُلَلِ لِيَجْبُرَ نَقْصَهُ الخِلْقِيَّ (p-٢٥)الطَّبِيعِيَّ بِالتَّجْمِيلِ بِالحُلِيِّ والحُلَلِ وهو الأُنْثى. بِخِلافِ الرَّجُلِ، فَإنَّ كَمالَ ذُكُورَتِهِ وقُوَّتَها وجَمالَها يَكْفِيهِ عَلى الحُلِيِّ، كَما قالَ الشّاعِرُ:

؎وَما الحُلِيُّ إلّا زِينَةً مِن نَقِيصَةٍ يُتَمِّمُ مِن حُسْنٍ إذا الحُسْنُ قَصَّرا

؎وَأمّا إذا كانَ الجَمالُ مُوَفَّرًا ∗∗∗ كَحُسْنِكِ لَمْ يَحْتَجْ إلى أنْ يُزَوَّرا

وَقالَ تَعالى: ﴿ألَكُمُ الذَّكَرُ ولَهُ الأُنْثى تِلْكَ إذًا قِسْمَةٌ ضِيزى﴾ [النجم: ٢١ - ٢٢]، وإنَّما كانَتْ هَذِهِ القِسْمَةُ ضِيزى - أيْ غَيْرُ عادِلَةٍ - لِأنَّ الأُنْثى أنْقَصُ مِنَ الذَّكَرِ خِلْقَةً وطَبِيعَةً، فَجَعَلُوا هَذا النَّصِيبَ النّاقِصَ لِلَّهِ جَلَّ وعَلا سُبْحانَهُ وتَعالى عَنْ ذَلِكَ عُلْوًا كَبِيرًا ! وجَعَلُوا الكامِلَ لِأنْفُسِهِمْ كَما قالَ: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ ما يَكْرَهُونَ﴾ [النحل: ٦٢]، أيْ وهو البَناتُ. وقالَ: ﴿وَإذا بُشِّرَ أحَدُهم بِالأُنْثى ظَلَّ وجْهُهُ مُسْوَدًّا وهو كَظِيمٌ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿ساءَ ما يَحْكُمُونَ﴾ [النحل: ٥٨، ٥٩]، وقالَ: ﴿وَإذا بُشِّرَ أحَدُهم بِما ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلًا﴾ - أيْ وهو الأُنْثى - ﴿ظَلَّ وجْهُهُ مُسْوَدًّا وهو كَظِيمٌ﴾ [الزخرف: ١٧] .

وَكُلُّ هَذِهِ الآياتِ القُرْآنِيَّةِ تَدُلُّ عَلى أنَّ الأُنْثى ناقِصَةٌ بِمُقْتَضى الخِلْقَةِ والطَّبِيعَةِ، وأنَّ الذَّكَرَ أفْضَلُ وأكْمَلُ مِنها: ﴿أاصْطَفى البَناتِ عَلى البَنِينَ﴾ ﴿ما لَكم كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ [الصافات: ١٥٣ - ١٥٤]، ﴿أفَأصْفاكم رَبُّكم بِالبَنِينَ واتَّخَذَ مِنَ المَلائِكَةِ إناثًا﴾ الآيَةَ [الإسراء: ٤٠]، والآياتُ الدّالَّةُ عَلى تَفْضِيلِهِ عَلَيْها كَثِيرَةٌ جِدًّا.

وَمَعْلُومٌ عِنْدَ عامَّةِ العُقَلاءِ: أنَّ الأُنْثى مَتاعٌ لا بُدَّ لَهُ مِمَّنْ يَقُومُ بِشُئُونِها ويُحافِظُ عَلَيْهِ.

وَقَدِ اخْتَلَفَ العُلَماءُ في التَّمَتُّعِ بِالزَّوْجَةِ: هَلْ هو قُوتٌ ؟ أوْ تَفَكُّهٌ ؟ وأجْرى عُلَماءُ المالِكِيَّةِ عَلى هَذا الخِلافِ حُكْمَ إلْزامِ الِابْنِ بِتَزْوِيجِ أبِيهِ الفَقِيرِ، قالُوا: فَعَلى أنَّ النِّكاحَ قُوتٌ فَعَلَيْهِ تَزْوِيجُهُ ؟ لِأنَّهُ مِن جُمْلَةِ القُوتِ الواجِبِ لَهُ عَلَيْهِ. وعَلى أنَّهُ تَفَكُّهٌ لا يَجِبُ عَلَيْهِ عَلى قَوْلِ بَعْضِهِمْ، فانْظُرْ شِبْهَ النِّساءِ بِالطَّعامِ والفاكِهَةِ عِنْدَ العُلَماءِ، وقَدْ جاءَتِ السُّنَّةُ الصَّحِيحَةُ بِالنَّهْيِ عَنْ قَتْلِ النِّساءِ والصِّبْيانِ في الجِهادِ، لِأنَّهُما مِن جُمْلَةِ مالِ المُسْلِمِينَ الغانِمِينَ، بِخِلافِ الرِّجالِ فَإنَّهم يُقْتَلُونَ.

وَمِنَ الأدِلَّةِ عَلى أفْضَلِيَّةِ الذَّكَرِ عَلى الأُنْثى: أنَّ المَرْأةَ الأُولى خُلِقَتْ مِن ضِلْعِ الرَّجُلِ الأوَّلِ. فَأصْلُها جُزْءٌ مِنهُ. فَإذا عَرَفَتْ مِن هَذِهِ الأدِلَّةِ: أنَّ الأُنُوثَةَ نَقْصٌ خِلْقِيٌّ، وضَعْفٌ طَبِيعِيٌّ، فاعْلَمْ أنَّ العَقْلَ الصَّحِيحَ الَّذِي يُدْرِكُ الحِكَمَ والأسْرارَ، يَقْضِي بِأنَّ النّاقِصَ الضَّعِيفَ بِخِلْقَتِهِ وطَبِيعَتِهِ، يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ تَحْتَ نَظَرِ الكامِلِ في خِلْقَتِهِ، القَوِيِّ بِطَبِيعَتِهِ؛ (p-٢٦)لِيَجْلِبَ لَهُ ما لا يَقْدِرُ عَلى جَلْبِهِ مِنَ النَّفْعِ، ويَدْفَعَ عَنْهُ ما لا يَقْدِرُ عَلى دَفْعِهِ مِنَ الضُّرِّ، كَما قالَ تَعالى: ﴿الرِّجالُ قَوّامُونَ عَلى النِّساءِ بِما فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهم عَلى بَعْضٍ﴾ [النساء: ٣٤] .

وَإذا عَلِمْتَ ذَلِكَ فاعْلَمْ أنَّهُ لَمّا كانَتِ الحِكْمَةُ البالِغَةُ، تَقْتَضِي أنْ يَكُونَ الضَّعِيفُ النّاقِصُ مُقَوَّمًا عَلَيْهِ مِن قِبَلِ القَوِيِّ الكامِلِ، اقْتَضى ذَلِكَ أنْ يَكُونَ الرَّجُلُ مُلْزَمًا بِالإنْفاقِ عَلى نِسائِهِ، والقِيامِ بِجَمِيعِ لَوازِمِهِنَّ في الحَياةِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وَبِما أنْفَقُوا مِن أمْوالِهِمْ﴾ [النساء: ٣٤]، ومالُ المِيراثِ ما مَسَحا في تَحْصِيلِهِ عَرَقًا، ولا تَسَبَّبا فِيهِ البَتَّةَ، وإنَّما هو تَمْلِيكٌ مِنَ اللَّهِ مَلَّكَهُما إيّاهُ تَمْلِيكًا جَبْرِيًّا، فاقْتَضَتْ حِكْمَةُ الحَكِيمِ الخَبِيرِ أنْ يُؤْثِرَ الرَّجُلَ عَلى المَرْأةِ في المِيراثِ وإنْ أدْلَيا بِسَبَبٍ واحِدٍ؛ لِأنَّ الرَّجُلَ مُتَرَقِّبٌ لِلنَّقْصِ دائِمًا بِالإنْفاقِ عَلى نِسائِهِ، وبِذْلِ المُهُورِ لَهُنَّ، والبَذْلِ في نَوائِبِ الدَّهْرِ، والمَرْأةُ مُتَرَقِّبَةٌ لِلزِّيادَةِ بِدَفْعِ الرَّجُلِ لَها المَهْرَ، وإنْفاقِهِ عَلَيْها وقِيامِهِ بِشُئُونِها، وإيثارُ مُتَرَقِّبُ النَّقْصِ دائِمًا عَلى مُتَرَقِّبِ الزِّيادَةِ دائِمًا لِجَبْرِ بَعْضِ نَقْصِهِ المُتَرَقِّبِ، حِكْمَتُهُ ظاهِرَةٌ واضِحَةٌ، لا يُنْكِرُها إلّا مَن أعْمى اللَّهُ بَصِيرَتَهُ بِالكُفْرِ والمَعاصِي، ولِذا قالَ تَعالى: ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ﴾ [النساء: ١١]، ولِأجْلِ هَذِهِ الحِكَمِ الَّتِي بَيِّنا بِها فَضْلَ نَوْعِ الذَّكَرِ عَلى نَوْعِ الأُنْثى في أصْلِ الخِلْقَةِ والطَّبِيعَةِ، جَعَلَ الحَكِيمُ الخَبِيرُ الرَّجُلَ هو المَسْئُولَ عَنِ المَرْأةِ في جَمِيعِ أحْوالِها. وخَصَّهُ بِالرِّسالَةِ والنُّبُوَّةِ والخِلافَةِ دُونَها، ومَلَّكَهُ الطَّلاقَ دُونَها، وجَعَلَهَ الوَلِيَّ في النِّكاحِ دُونَها، وجَعَلَ انْتِسابَ الأوْلادِ إلَيْهِ لا إلَيْها، وجَعَلَ شَهادَتَهُ في الأمْوالِ بِشَهادَةِ امْرَأتَيْنِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإنْ لَمْ يَكُونا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وامْرَأتانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَداءِ﴾ [البقرة: ٢٨٢]، وجَعَلَ شَهادَتَهُ تُقْبَلُ في الحُدُودِ والقَصاصِ دُونَها، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الفَوارِقِ الحِسِّيَّةِ والمَعْنَوِيَّةِ والشَّرْعِيَّةِ بَيْنَهُما.

ألا تَرى أنَّ الضَّعْفَ الخِلْقِيَّ والعَجْزَ عَنِ الإبانَةِ في الخِصامِ عَيْبٌ ناقِصٌ في الرِّجالِ، مَعَ أنَّهُ يُعَدُّ مِن جُمْلَةِ مَحاسِنِ النِّساءِ الَّتِي تَجْذِبُ إلَيْها القُلُوبَ، قالَ جَرِيرٌ:

؎إنَّ العُيُونَ الَّتِي في طَرَفِها حَوَرٌ ∗∗∗ قَتَلْنَنا ثُمَّ لَمَّ يُحْيِينَ قَتْلانا

؎يَصْرَعْنَ ذا اللُّبِّ حَتّى لا حَراكَ ∗∗∗ بِهِ وهُنَّ أضْعَفُ خَلْقِ اللَّهِ أرْكانًا

وَقالَ ابْنُ الدُّمَيْنَةِ:

؎بِنَفْسِي وأهْلِي مَن إذا عَرَضُوا ∗∗∗ لَهُ بِبَعْضِ الأذى لَمْ يَدْرِ كَيْفَ يُجِيبُ

Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии

Содержание

Аят аль-Курси36Аль-Кахфстр. 42джуз 15Бухари 1Муслим 2999

Вид

Тема
Размер текста
Вид

Read in English