Аш-Шинкити · Тафсир · на арабском
Аль-Исра 17:9, продолжение
؎فَلَمْ يَعْتَذِرْ عُذْرَ البَرِيءِ ∗∗∗ ولَمْ تَزَلْ بِهِ سَكْتَةٌ حَتّى يُقالَ مُرِيبُ
(p-٢٧)فالأوَّلُ: تَشَبَّبَ بِهِنَّ بِضَعْفِ أرْكانِهِنَّ، والثّانِي: بِعَجْزِهِنَّ عَنِ الإبانَةِ في الخِصامِ؛ كَما قالَ تَعالى: ﴿وَهُوَ في الخِصامِ غَيْرُ مُبِينٍ﴾ [الزخرف: ١٨]، ولِهَذا التَّبايُنِ في الكَمالِ والقُوَّةِ بَيْنَ النَّوْعَيْنِ، صَحَّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ اللَّعْنَ عَلى مَن تَشَبَّهَ مِنهُما بِالآخَرِ. قالَ البُخارِيُّ في صَحِيحِهِ: حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ بَشّارٍ، حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثْنا شُعْبَةُ، عَنْ قَتادَةَ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما قالَ: ”«لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ المُتَشَبِّهِينَ مِنَ الرِّجالِ بِالنِّساءِ، والمُتَشَبِّهاتِ مِنَ النِّساءِ بِالرِّجالِ“»، هَذا لَفْظُ البُخارِيِّ في صَحِيحِهِ، ومَعْلُومٌ أنَّ مَن لَعَنَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَهو مَلْعُونٌ في كِتابِ اللَّهِ؛ لِأنَّ اللَّهَ يَقُولُ:﴿وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ الآيَةَ [الحشر: ٧]، كَما ثَبَتَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ كَما تَقَدَّمَ.
فَلْتَعْلَمْنَ أيَّتُها النِّساءُ اللّاتِي تُحاوِلْنَ أنْ تَكُنَّ كالرِّجالِ في جَمِيعِ الشُّئُونِ أنَّكُنَّ مُتَرَجِّلاتٌ مُتَشَبِّهاتٌ بِالرِّجالِ، وأنَّكُنَّ مَلْعُوناتٌ في كِتابِ اللَّهِ عَلى لِسانِ رَسُولِهِ ﷺ، وكَذَلِكَ المُخَنَّثُونَ المُتَشَبِّهُونَ بِالنِّساءِ، فَهم أيْضًا مَلْعُونُونَ في كِتابِ اللَّهِ عَلى لِسانِهِ ﷺ، ولَقَدْ صَدَقَ مَن قالَ فِيهِمْ:
؎وَما عَجَبِي أنَّ النِّساءَ تَرَجَّلَتْ ∗∗∗ ولَكِنَّ تَأْنِيثَ الرِّجالِ عُجابُ
واعْلَمْ وفَّقَنِي اللَّهُ وإيّاكَ لِمّا يُحِبُّهُ ويَرْضاهُ: أنَّ هَذِهِ الفِكْرَةَ الكافِرَةَ، الخاطِئَةَ الخاسِئَةَ، المُخالِفَةَ لِلْحِسِّ والعَقْلَ، ولِلْوَحْيِ السَّماوِيِّ وتَشْرِيعِ الخالِقِ البارِئِ مِن تَسْوِيَةِ الأُنْثى بِالذِّكْرِ في جَمِيعِ الأحْكامِ والمَيادِينِ، فِيها مِنَ الفَسادِ والإخْلالِ بِنِظامِ المُجْتَمَعِ الإنْسانِيِّ ما لا يَخْفى عَلى أحَدٍ إلّا مَن أعْمى اللَّهُ بَصِيرَتَهُ. وذَلِكَ لِأنَّ اللَّهَ جَلَّ وعَلا جَعَلَ الأُنْثى بِصِفاتِها الخاصَّةِ بِها صالِحَةٌ لِأنْواعٍ مِنَ المُشارَكَةِ في بِناءِ المُجْتَمَعِ الإنْسانِيِّ، صَلاحًا لا يُصْلِحُهُ لَها غَيْرُها، كالحَمْلِ والوَضْعِ، والإرْضاعِ وتَرْبِيَةِ الأوْلادِ، وخِدْمَةِ البَيْتِ، والقِيامِ عَلى شُئُونِهِ. مِن طَبْخٍ وعَجْنٍ وكَنْسٍ ونَحْوِ ذَلِكَ. وهَذِهِ الخِدْماتُ الَّتِي تَقُومُ بِها لِلْمُجْتَمَعِ الإنْسانِيِّ داخِلَ بَيْتِها في سَتْرٍ وصِيانَةٍ، وعَفافٍ ومُحافِظَةٍ عَلى الشَّرَفِ والفَضِيلَةِ والقِيَمِ الإنْسانِيَّةِ، لا تَقِلُّ عَنْ خِدْمَةِ الرَّجُلِ بِالِاكْتِسابِ، فَزَعَمَ أُولَئِكَ السَّفَلَةُ الجَهَلَةُ مِنَ الكُفّارِ وأتْباعِهِمْ: أنَّ المَرْأةَ لَها مِنَ الحُقُوقِ في الخِدْمَةِ خارِجَ بَيْتِها مِثْلُ ما لِلرَّجُلِ، مَعَ أنَّها في زَمَنِ حَمْلِها ورِضاعِها ونِفاسِها، لا تَقْدِرُ عَلى مُزاوَلَةِ أيِّ عَمَلٍ فِيهِ أيُّ مَشَقَّةٍ كَما هو مُشاهَدٌ، فَإذا خَرَجَتْ هي وزَوْجُها بَقِيَتْ خِدْماتُ البَيْتِ كُلُّها ضائِعَةً: مِن حِفْظِ الأوْلادِ الصِّغارِ، وإرْضاعِ مَن هو في زَمَنِ الرَّضاعُ مِنهم، وتَهْيِئَةِ الأكْلِ والشُّرْبِ لِلرَّجُلِ إذا جاءَ مِن عَمَلِهِ، فَلَوْ أجْرَوْا إنْسانًا يَقُومُ مَقامَها، لِتُعَطِّلَ ذَلِكَ الإنْسانَ في ذَلِكَ البَيْتِ التَّعَطُّلَ الَّذِي خَرَجَتِ (p-٢٨)المَرْأةُ فِرارًا مِنهُ؛ فَعادَتِ النَّتِيجَةُ في حافِرَتِها عَلى أنَّ خُرُوجَ المَرْأةِ وابْتِذالَها فِيهِ ضَياعُ المُرُوءَةِ والدِّينِ؛ لِأنَّ المَرْأةَ مَتاعٌ، هو خَيْرُ مَتاعٍ الدُّنْيا، وهو أشَدُّ أمْتِعَةِ الدُّنْيا تَعَرُّضًا لِلْخِيانَةِ.
لِأنَّ العَيْنَ الخائِنَةَ إذا نَظَرَتْ إلى شَيْءٍ مِن مَحاسِنِها فَقَدِ اسْتَغَلَّتْ بَعْضَ مَنافِعِ ذَلِكَ الجَمالِ خِيانَةً ومَكْرًا. فَتَعْرِيضُها لِأنْ تَكُونَ مائِدَةً لِلْخَوَنَةِ فِيهِ ما لا يَخْفى عَلى أدْنى عاقِلٍ، وكَذَلِكَ إذا لَمَسَ شَيْئًا مِن بَدَنِها بَدَنُ خائِنٍ سَرَتْ لَذَّةُ ذَلِكَ اللَّمْسِ في دَمِهِ ولَحْمِهِ بِطَبِيعَةِ الغَرِيزَةِ الإنْسانِيَّةِ، ولا سِيَّما إذا كانَ القَلْبُ فارِغًا مِن خَشْيَةِ اللَّهِ تَعالى، فاسْتَغَلَّ نِعْمَةَ ذَلِكَ البَدَنِ خِيانَةً وغَدْرًا، وتَحْرِيكُ الغَرائِزِ بِمِثْلِ ذَلِكَ النَّظَرِ واللَّمْسِ يَكُونُ غالِبًا سَبَبًا لِما هو شَرُّ مِنهُ. كَما هو مُشاهَدٌ بِكَثْرَةٍ في البِلادِ الَّتِي تَخَلَّتْ عَنْ تَعالِيمِ الإسْلامِ، وتَرَكَتِ الصِّيانَةَ. فَصارَتْ نِساؤُها يَخْرُجْنَ مُتَبَرِّجاتٍ عارِياتِ الأجْسامِ إلّا ما شاءَ اللَّهُ. لِأنَّ اللَّهَ نَزَعَ مِن رِجالِها صِفَةَ الرُّجُولَةِ والغِيرَةِ عَلى حَرِيمِهِمْ. ولا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ العَلِيِّ العَظِيمِ نَعُوذُ بِاللَّهِ مَن مَسْخِ الضَّمِيرِ والذَّوْقِ، ومِن كُلِّ سُوءٍ، ودَعْوى الجَهَلَةِ السَّفَلَةِ: أنَّ دَوامَ خُرُوجِ النِّساءِ بادِيَةَ الرُّءُوسِ والأعْناقِ والمَعاصِمِ، والأذْرُعِ والسُّوقِ، ونَحْوَ ذَلِكَ يُذْهِبُ إثارَةَ غَرائِزِ الرِّجالِ؛ لِأنَّ كَثْرَةَ الإمْساسِ تُذْهِبُ الإحْساسَ؛ كَلامٌ في غايَةِ السُّقُوطِ والخِسَّةِ؛ لِأنَّ مَعْناهُ: إشْباعُ الرَّغْبَةِ مِمّا لا يَجُوزُ، حَتّى يَزُولَ الأرَبُ مِنهُ بِكَثْرَةِ مُزاوَلَتِهِ، وهَذا كَما تَرى. ولِأنَّ الدَّوامَ لا يُذْهِبُ إثارَةَ الغَرِيزَةِ بِاتِّفاقِ العُقَلاءِ؛ لِأنَّ الرَّجُلَ يَمْكُثُ مَعَ امْرَأتِهِ سِنِينَ كَثِيرَةً حَتّى تَلِدَ أوْلادَهُما، ولا تَزالُ مُلامَسَتُهُ لَها، ورُؤْيَتُهُ لِبَعْضِ جِسْمِها تُثِيرُ غَرِيزَتَهُ. كَما هو مُشاهَدٌ لا يُنْكِرُهُ إلّا مُكابِرٌ:
؎لَقَدْ أسْمَعْتَ لَوْ نادَيْتَ حَيًّا ∗∗∗ ولَكِنْ لا حَياةَ لِمَن تُنادِي
وَقَدْ أمَرَ رَبُّ السَّمَواتِ والأرْضِ، خالِقُ هَذا الكَوْنِ ومُدَبِّرُ شُئُونِهِ، العالِمُ بِخَفايا أُمُورِهِ وبِكُلِّ ما كانَ وما سَيَكُونُ بِغَضِّ البَصَرِ عَمّا لا يَحِلُّ؛ قالَ تَعالى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِن أبْصارِهِمْ ويَحْفَظُوا فُرُوجَهم ذَلِكَ أزْكى لَهم إنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما يَصْنَعُونَ﴾ ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِناتِ يَغْضُضْنَ مِن أبْصارِهِنَّ ويَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ ولا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ﴾ . . . الآيَةَ [النور: ٣٠، ٣١] .
وَنَهى المَرْأةَ أنْ تَضْرِبَ بِرِجْلِها لِتُسْمِعَ الرِّجالَ صَوْتَ خَلْخالِها في قَوْلِهِ: ﴿وَلا يَضْرِبْنَ بِأرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ ما يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ﴾ [النور: ٣١]، ونَهاهُنَّ عَنْ لِينِ الكَلامِ، لِئَلّا يَطْمَعَ أهْلُ الخَنى فِيهِنَّ، قالَ تَعالى: ﴿فَلا تَخْضَعْنَ بِالقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي في قَلْبِهِ مَرَضٌ (p-٢٩)وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ [السجدة: ٣٣]، وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى تَحْقِيقَ المَقامِ في مَسْألَةِ الحِجابِ في (سُورَةِ الأحْزابِ)، كَما قَدَّمْنا الوَعْدَ بِذَلِكَ في تَرْجَمَةِ هَذا الكِتابِ المُبارَكِ.
* *
وَمِن هَدْيِ القُرْآنِ لِلَّتِي هي أقْوَمُ: مِلْكُ الرَّقِيقِ المُعَبَّرِ عَنْهُ في القُرْآنِ بِمِلْكِ اليَمِينِ في آياتٍ كَثِيرَةٍ،
• كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإنْ خِفْتُمْ ألّا تَعْدِلُوا فَواحِدَةً أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُكُمْ﴾ [النساء: ٣]،
• وقَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ هم لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ﴾ ﴿إلّا عَلى أزْواجِهِمْ أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُهم فَإنَّهم غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ [المؤمنون: ٥ - ٦] في ”سُورَةِ قَدْ أفْلَحَ المُؤْمِنُونَ، وسَألَ سائِلٌ“،
• وقَوْلِهِ: ﴿والجارِ ذِي القُرْبى والجارِ الجُنُبِ والصّاحِبِ بِالجَنْبِ وابْنِ السَّبِيلِ وما مَلَكَتْ أيْمانُكُمْ﴾ [النساء: ٣٦]،
• وقَوْلِهِ: ﴿والمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ إلّا ما مَلَكَتْ أيْمانُكم كِتابَ اللَّهِ﴾ الآيَةَ [النساء: ٢٤]،
• وقَوْلِهِ جَلَّ وعَلا: ﴿والَّذِينَ يَبْتَغُونَ الكِتابَ مِمّا مَلَكَتْ أيْمانُكُمْ﴾ الآيَةَ [النور: ٣٣]،
• وقَوْلِهِ: ﴿لا يَحِلُّ لَكَ النِّساءُ مِن بَعْدُ ولا أنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِن أزْواجٍ ولَوْ أعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إلّا ما مَلَكَتْ يَمِينُكَ﴾ الآيَةَ [الأحزاب: ٥٢] .
وَقَوْلُهُ: ﴿ياأيُّها النَّبِيُّ إنّا أحْلَلْنا لَكَ أزْواجَكَ اللّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وما مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمّا أفاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ﴾ الآيَةَ [الأحزاب: ٥٠]، وقَوْلِهِ جَلَّ وعَلا: ﴿وَلا نِسائِهِنَّ ولا ما مَلَكَتْ أيْمانُهُنَّ﴾ [الأحزاب: ٥٥]،
• وقَوْلِهِ: ﴿أوْ نِسائِهِنَّ أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُهُنَّ﴾ [النور: ٣١]،
• وقَوْلِهِ: ﴿وَمَن لَمْ يَسْتَطِعْ مِنكم طَوْلًا أنْ يَنْكِحَ المُحْصَناتِ المُؤْمِناتِ فَمِن ما مَلَكَتْ أيْمانُكم مِن فَتَياتِكُمُ المُؤْمِناتِ﴾ [النساء: ٢٥]،
• وقَوْلِهِ: ﴿فَما الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرادِّي رِزْقِهِمْ عَلى ما مَلَكَتْ أيْمانُهُمْ﴾ [النحل: ٧١]،
• وقَوْلِهِ: ﴿هَلْ لَكم مِن ما مَلَكَتْ أيْمانُكم مِن شُرَكاءَ﴾ الآيَةَ [الروم: ٢٨]
إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
فالمُرادُ بِمِلْكِ اليَمِينِ في جَمِيعِ هَذِهِ الآياتِ ونَحْوِها: مِلْكُ الرَّقِيقِ بِالرِّقِّ، ومِنَ الآياتِ الدّالَّةِ عَلى مَلِكِ الرَّقِيقِ قَوْلُهُ: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا﴾ الآيَةَ [النحل: ٧٥]، وقَوْلُهُ: ﴿وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِن مُشْرِكٍ﴾ الآيَةَ [البقرة: ٢٢١]، ونَحْوُ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
وَسَبَبُ المِلْكِ بِالرِّقِّ: هو الكُفْرُ، ومُحارَبَةُ اللَّهِ ورَسُولِهِ، فَإذا أقْدَرَ اللَّهُ المُسْلِمِينَ المُجاهِدِينَ الباذِلِينَ مُهَجَهم وأمْوالَهم، وجَمِيعَ قُواهم، وما أعْطاهُمُ اللَّهُ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هي العُلْيا عَلى الكُفّارِ، جَعَلَهم مِلْكًا لَهم بِالسَّبْيِ؛ إلّا إذا اخْتارَ الإمامُ المَنَّ أوِ الفِداءَ، لِما في ذَلِكَ مِنَ المَصْلَحَةِ عَلى المُسْلِمِينَ.
(p-٣٠)وَهَذا الحُكْمُ مِن أعْدَلِ الأحْكامِ وأوْضَحِها وأظْهَرِها حِكْمَةً، وذَلِكَ أنَّ اللَّهَ جَلَّ وعَلا خَلَقَ الخَلْقَ لِيَعْبُدُوهُ ويُوَحِّدُوهُ، ويَمْتَثِلُوا أوامَرَهُ ويَجْتَنِبُوا نَواهِيَهُ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وَما خَلَقْتُ الجِنَّ والإنْسَ إلّا لِيَعْبُدُونِ ما أُرِيدُ مِنهم مِن رِزْقٍ وما أُرِيدُ أنْ يُطْعِمُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦، ٥٧] . وأسْبَغَ عَلَيْهِمْ نِعَمَهُ ظاهِرَةً وباطِنَةً.
كَما قالَ: ﴿وَإنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها إنَّ الإنْسانَ لَظَلُومٌ كَفّارٌ﴾ [إبراهيم: ٣٤]، وفي الآيَةِ الأُخْرى في ”سُورَةِ النَّحْلِ“: ﴿وَإنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها إنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النحل: ١٨]، وجَعَلَ لَهُمُ السَّمْعَ والأبْصارَ والأفْئِدَةَ لِيَشْكُرُوهُ؛ كَما قالَ تَعالى: ﴿واللَّهُ أخْرَجَكم مِن بُطُونِ أُمَّهاتِكم لا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ والأبْصارَ والأفْئِدَةَ لَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾ [النحل: ٧٨] فَتَمَرَّدَ الكُفّارُ عَلى رَبِّهِمْ وطَغَوْا وعَتَوْا، وأعْلَنُوا الحَرْبَ عَلى رُسُلِهِ لِئَلّا تَكُونَ كَلِمَتُهُ هي العُلْيا، واسْتَعْمَلُوا جَمِيعَ المَواهِبِ الَّتِي أنْعَمَ عَلَيْهِمْ بِها في مُحارَبَتِهِ، وارْتِكابِ ما يُسْخِطُهُ، ومُعاداتِهِ ومُعاداةِ أوْلِيائِهِ القائِمِينَ بِأمْرِهِ، وهَذا أكْبَرُ جَرِيمَةٍ يَتَصَوَّرُها الإنْسانُ.
فَعاقَبَهُمُ الحَكَمُ العَدْلُ اللَّطِيفُ الخَبِيرُ جَلَّ وعَلا عُقُوبَةً شَدِيدَةً تُناسِبُ جَرِيمَتَهم. فَسَلَبَهُمُ التَّصَرُّفَ، ووَضَعَهم مِن مَقامِ الإنْسانِيَّةِ إلى مَقامٍ أسْفَلَ مِنهُ كَمَقامِ الحَيَواناتِ، فَأجازَ بَيْعَهم وشِراءَهم، وغَيْرَ ذَلِكَ مِنَ التَّصَرُّفاتِ المالِيَّةِ، مَعَ أنَّهُ لَمْ يَسْلُبْهم حُقُوقَ الإنْسانِيَّةِ سَلْبًا كُلِّيًّا. فَأوْجَبَ عَلى مالِكِيهِمُ الرِّفْقَ والإحْسانَ إلَيْهِمْ، وأنْ يُطْعِمُوهم مِمّا يُطْعِمُونَ، ويُكْسُوهم مِمّا يَلْبَسُونَ، ولا يُكَلِّفُوهم مِنَ العَمَلِ ما لا يُطِيقُونَ، وإنْ كَلَّفُوهم أعانُوهم؛ كَما هو مَعْرُوفٌ في السُّنَّةِ الوارِدَةِ عَنْهُ ﷺ مَعَ الإيصاءِ عَلَيْهِمْ في القُرْآنِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واعْبُدُوا اللَّهَ ولا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وبِالوالِدَيْنِ إحْسانًا وبِذِي القُرْبى واليَتامى﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿وَما مَلَكَتْ أيْمانُكُمْ﴾ [النساء: ٣٦] كَما تَقَدَّمَ.
وَتَشَوَّفَ الشّارِعُ تَشَوُّفًا شَدِيدًا لِلْحُرِّيَّةِ والإخْراجِ مِنَ الرِّقِّ، فَأكْثَرَ أسْبابَ ذَلِكَ، كَما أوْجَبَهُ في الكَفّاراتِ مِن قَتْلٍ خَطَأٍ وظِهارٍ ويَمِينٍ وغَيْرِ ذَلِكَ، وأوْجَبَ سَرايَةَ العِتْقِ، وأمَرَ بِالكِتابَةِ في قَوْلِهِ: ﴿فَكاتِبُوهم إنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ [النور: ٣٣]، ورَغَّبَ في الإعْتاقِ تَرْغِيبًا شَدِيدًا، ولَوْ فَرَضْنا - ولِلَّهِ المَثَلُ الأعْلى - أنَّ حُكُومَةً مِن هَذِهِ الحُكُوماتِ الَّتِي تُنْكِرُ المِلْكَ بِالرِّقِّ، وتُشَنِّعُ في ذَلِكَ عَلى دِينِ الإسْلامِ قامَ عَلَيْها رَجُلٌ مِن رَعاياها كانَتْ تُغْدِقُ عَلَيْهِ النِّعَمَ، وتُسْدِي إلَيْهِ جَمِيعَ أنْواعِ الإحْسانِ، ودَبَّرَ عَلَيْها ثَوْرَةً (p-٣١)شَدِيدَةً يُرِيدُ بِها إسْقاطَ حُكْمَها، وعَدَمَ نُفُوذِ كَلِمَتِها، والحَيْلُولَةَ بَيْنَها وبَيْنَ ما تُرِيدُهُ مِن تَنْفِيذِ أنْظِمَتِها، الَّتِي يَظْهَرُ لَها أنَّ بِهِما صَلاحَ المُجْتَمَعِ، ثُمَّ قَدَرَتْ عَلَيْهِ بَعْدَ مُقاوَمَةٍ شَدِيدَةٍ فَإنَّها تَقْتُلُهُ شَرَّ قِتْلَةٍ، ولا شَكَّ أنَّ ذَلِكَ القَتْلَ يَسْلُبُهُ جَمِيعَ تَصَرُّفاتِهِ وجَمِيعَ مَنافِعِهِ، فَهو أشَدُّ سَلْبًا لِتَصَرُّفاتِ الإنْسانِ ومَنافِعِهِ مِنَ الرِّقِّ بِمَراحِلَ، والكافِرُ قامَ بِبَذْلِ كُلِّ ما في وُسْعِهِ لِيَحُولَ دُونَ إقامَةِ نِظامِ اللَّهِ الَّذِي شَرَعَهُ لِيَسِيرَ عَلَيْهِ خَلْقُهُ، فَيُنْشَرُ بِسَبَبِهِ في الأرْضِ الأمْنُ والطُّمَأْنِينَةُ، والرَّخاءُ والعَدالَةُ، والمُساواةُ في الحُقُوقِ الشَّرْعِيَّةِ، وتَنْتَظِمُ بِهِ الحَياةُ عَلى أكْمَلِ الوُجُوهِ وأعْدَلِها وأسْماها: ﴿إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالعَدْلِ والإحْسانِ وإيتاءِ ذِي القُرْبى ويَنْهى عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ والبَغْيِ يَعِظُكم لَعَلَّكم تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل: ٩٠] فَعاقَبَهُ اللَّهُ هَذِهِ المُعاقَبَةَ بِمَنعِهِ التَّصَرُّفَ، ووَضْعُ دَرَجَتِهِ وجَرِيمَتِهِ تَجْعَلُهُ يَسْتَحِقُّ العُقُوبَةَ بِذَلِكَ.
فَإنْ قِيلَ: إذا كانَ الرَّقِيقُ مُسْلِمًا فَما وجْهُ مِلْكِهِ بِالرِّقِّ ؟ مَعَ أنَّ سَبَبَ الرِّقِّ الَّذِي هو الكُفْرُ ومُحارَبَةُ اللَّهِ ورُسُلِهِ قَدْ زالَ ؟
فالجَوابُ: أنَّ القاعِدَةَ المَعْرُوفَةَ عِنْدَ العُلَماءِ وكافَّةِ العُقَلاءِ: أنَّ الحَقَّ السّابِقَ لا يَرْفَعُهُ الحَقُّ اللّاحِقُ، والأحَقِّيَّةُ بِالأسْبَقِيَّةِ ظاهِرَةٌ لا خَفاءَ بِها، فالمُسْلِمُونَ عِنْدَما غَنِمُوا الكُفّارَ بِالسَّبْيِ ثَبَتَ لَهم حَقُّ المِلْكِيَّةِ بِتَشْرِيعِ خالِقِ الجَمِيعِ، وهو الحَكِيمُ الخَبِيرُ، فَإذا اسْتَقَرَّ هَذا الحَقُّ وثَبَتَ، ثُمَّ أسْلَمَ الرَّقِيقُ بَعْدَ ذَلِكَ كانَ حَقُّهُ في الخُرُوجِ مِنَ الرِّقِّ بِالإسْلامِ مَسْبُوقًا بِحَقِّ المُجاهِدِ الَّذِي سَبَقَتْ لَهُ المِلْكِيَّةُ قَبْلَ الإسْلامِ، ولَيْسَ مِنَ العَدْلِ والإنْصافِ رَفْعُ الحَقِّ السّابِقِ بِالحَقِّ المُتَأخِّرِ عَنْهُ، كَما هو مَعْلُومٌ عِنْدَ العُقَلاءِ، نَعَمْ، يَحْسُنُ بِالمالِكِ ويَجْمُلُ بِهِ أنْ يُعْتِقَهُ إذا أسْلَمَ، وقَدْ أمَرَ الشّارِعُ بِذَلِكَ ورَغَّبَ فِيهِ، وفَتَحَ لَهُ الأبْوابَ الكَثِيرَةَ كَما قَدَّمْنا، فَسُبْحانَ الحَكِيمِ الخَبِيرِ: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وعَدْلًا لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ وهو السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ [الأنعام: ١١٥]، فَقَوْلُهُ صِدْقًا أيْ في الإخْبارِ، وقَوْلُهُ: وعَدْلًا؛ أيْ في الأحْكامِ. ولا شَكَّ أنَّ مِن ذَلِكَ العَدْلِ: المِلْكَ بِالرِّقِّ وغَيْرَهُ مِن أحْكامِ القُرْآنِ:
؎وَكَمْ مِن عائِبٍ قَوْلًا صَحِيحًا وآفَتُهُ مِنَ الفَهْمِ السَّقِيمِ
* *
وَمِن هَدْيِ القُرْآنِ لِلَّتِي هي أقْوَمُ: القِصاصُ؛ فَإنَّ الإنْسانَ إذا غَضِبَ وهَمَّ بِأنْ يَقْتُلَ إنْسانًا آخَرَ فَتَذَكَّرَ أنَّهُ إنْ قَتَلَهُ قُتِلَ بِهِ، خافَ العاقِبَةَ فَتَرَكَ القَتْلَ، فَحَيِيَ ذَلِكَ الَّذِي كانَ يُرِيدُ (p-٣٢)قَتْلَهُ، وحَيِيَ هو، لِأنَّهُ لَمْ يَقْتُلْ فَيُقْتَلُ قِصاصًا، فَقَتْلُ القاتِلِ يَحْيا بِهِ ما لا يَعْلَمُهُ إلّا اللَّهُ كَثْرَةً كَما ذَكَرْنا، قالَ تَعالى ﴿وَلَكم في القِصاصِ حَياةٌ ياأُولِي الألْبابِ لَعَلَّكم تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٧٩]، ولا شَكَّ أنَّ هَذا مِن أعْدَلِ الطُّرُقِ وأقْوَمِها، ولِذَلِكَ يُشاهِدُ في أقْطارِ الدُّنْيا قَدِيمًا وحَدِيثًا قِلَّةُ وُقُوعِ القَتْلِ في البِلادِ الَّتِي تَحْكُمُ بِكِتابِ اللَّهِ؛ لِأنَّ القِصاصَ رادِعٌ عَنْ جَرِيمَةِ القَتْلِ. كَما ذَكَرَهُ اللَّهُ في الآيَةِ المَذْكُورَةِ آنِفًا. وما يَزْعُمُهُ أعْداءُ الإسْلامِ مِن أنَّ القِصاصَ غَيْرُ مُطابِقٍ لِلْحِكْمَةِ؛ لِأنَّ فِيهِ إقْلالَ عَدَدِ المُجْتَمَعِ بِقَتْلِ إنْسانٍ ثانٍ بَعْدِ أنْ ماتَ الأوَّلُ، وأنَّهُ يَنْبَغِي أنْ يُعاقَبَ بِغَيْرِ القَتْلِ فَيُحْبَسُ، وقَدْ يُولَدُ لَهُ في الحَبْسِ فَيَزِيدُ المُجْتَمَعُ. كُلُّهُ كَلامٌ ساقِطٌ، عارٍ مِنَ الحِكْمَةِ؛ لِأنَّ الحَبْسَ لا يَرْدَعُ النّاسَ عَنِ القَتْلِ، فَإذا لَمْ تَكُنِ العُقُوبَةُ رادِعَةً فَإنَّ السُّفَهاءَ يَكْثُرُ مِنهُمُ القَتْلُ، فَيَتَضاعَفُ نَقْصُ المُجْتَمَعِ بِكَثْرَةِ القَتْلِ.
* *
وَمِن هَدْيِ القُرْآنِ لِلَّتِي هي أقْوَمُ: قَطْعُ يَدِ السّارِقِ المَنصُوصُ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿والسّارِقُ والسّارِقَةُ فاقْطَعُوا أيْدِيَهُما جَزاءً بِما كَسَبا نَكالًا مِنَ اللَّهِ واللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾، «وَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: ”لَوْ سَرَقَتْ فاطِمَةُ لَقَطَعْتُ يَدَها“» .
وَجُمْهُورُ العُلَماءِ عَلى أنَّ القَطْعَ مِنَ الكُوعِ، وأنَّها اليُمْنى. وكانَ ابْنُ مَسْعُودٍ وأصْحابُهُ يَقْرَءُونَ ”فاقْطَعُوا أيْمانَهُما“ .
والجُمْهُورُ أنَّهُ إنْ سَرَقَ ثانِيًا قُطِعَتْ رِجْلُهُ اليُسْرى، ثُمَّ إنْ سَرَقَ فَيَدُهُ اليُسْرى، ثُمَّ إنَّ سَرَقَ فَرِجْلُهُ اليُمْنى، ثُمَّ يُعَزَّرُ. وقِيلَ: يُقْتَلُ، كَما جاءَ في الحَدِيثِ: «وَلا قَطْعَ إلّا في رُبْعِ دِينارٍ أوْ قِيمَتِهِ أوْ ثَلاثَةِ دَراهِمَ» كَما هو مَعْرُوفٌ في الأحادِيثِ.
وَلَيْسَ قَصْدُنا هُنا تَفْصِيلَ أحْكامِ السَّرِقَةِ وشُرُوطِ القَطْعِ، كالنِّصابِ والإخْراجِ مِن حِرْزٍ، ولَكِنَّ مُرادَنا أنْ نُبَيِّنَ أنَّ قَطْعَ يَدِ السّارِقِ مِن هَدْيِ القُرْآنِ لِلَّتِي هي أقْوَمُ. وذَلِكَ أنَّ هَذِهِ اليَدَ الخَبِيثَةَ الخائِنَةَ، الَّتِي خَلَقَها اللَّهُ لِتَبْطِشَ وتَكْتَسِبَ في كُلِّ ما يُرْضِيهِ مِنَ امْتِثالِ أوامِرِهِ واجْتِنابِ نَهْيِهِ، والمُشارَكَةِ في بِناءِ المُجْتَمَعِ الإنْسانِيِّ، فَمَدَّتْ أصابِعَها الخائِنَةَ إلى مالِ الغَيْرِ لِتَأْخُذَهُ بِغَيْرِ حَقٍّ، واسْتَعْمَلَتْ قُوَّةَ البَطْشِ المُودَعَةَ فِيها في الخِيانَةِ والغَدْرِ، وأخْذِ أمْوالِ النّاسِ عَلى هَذا الوَجْهِ القَبِيحِ، يَدٌ نَجِسَةٌ قَذِرَةٌ، ساعِيَةٌ في الإخْلالِ بِنِظامِ المُجْتَمَعِ، إذْ لا نِظامَ لَهُ بِغَيْرِ المالِ، فَعاقَبَها خالِقُها بِالقَطْعِ والإزالَةِ؛ كالعُضْوِ الفاسِدِ الَّذِي يَجُرُّ الدّاءَ لِسائِرِ البَدَنِ، فَإنَّهُ يُزالُ بِالكُلِّيَّةِ إبْقاءً عَلى البَدَنِ وتَطْهِيرًا لَهُ مِنَ المَرَضِ، ولِذَلِكَ فَإنَّ قَطْعَ اليَدِ يُطَهِّرُ السّارِقَ مِن دَنَسِ ذَنْبِ ارْتِكابِ مَعْصِيَةِ السَّرِقَةِ، مَعَ الرَّدْعِ البالِغِ (p-٣٣)بِالقِطَعِ عَنِ السَّرِقَةِ؛ قالَ البُخارِيُّ في صَحِيحِهِ: ”بابُ الحُدُودِ كَفّارَةٌ“، حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، أخْبَرَنا ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أبِي إدْرِيسَ الخَوْلانِيِّ، «عَنْ عُبادَةَ بْنِ الصّامِتِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: كُنّا عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ في مَجْلِسٍ، فَقالَ: ”بايِعُونِي عَلى أنْ لا تُشْرِكُوا بِاللَّهِ شَيْئًا، ولا تَسْرِقُوا، ولا تَزْنُوا“ وقَرَأ هَذِهِ الآيَةَ كُلَّها ”فَمَن وفّى مِنكم فَأجْرُهُ عَلى اللَّهِ، ومَن أصابَ مِن ذَلِكَ شَيْئًا فَعُوقِبَ بِهِ فَهو كَفّارَتُهُ، ومَن أصابَ مِن ذَلِكَ شَيْئًا فَسَتَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ، إنْ شاءَ غَفَرَ لَهُ، وإنْ شاءَ عَذَّبَهُ»“ . اه هَذا لَفْظُ البُخارِيِّ في صَحِيحِهِ، وقَوْلُهُ ﷺ في هَذا الحَدِيثِ الصَّحِيحِ: ”فَهو كَفّارَتُهُ“ نَصٌّ صَرِيحٌ في أنَّ الحُدُودَ تُطَهِّرُ المُرْتَكِبِينَ لَها مِنَ الذَّنْبِ.
والتَّحْقِيقُ في ذَلِكَ ما حَقَّقَهُ بَعْضُ العُلَماءِ: مِن أنَّ حُقُوقَ اللَّهِ يُطَهَّرُ مِنها بِإقامَةِ الحَدِّ، وحَقُّ المَخْلُوقِ يَبْقى، فارْتِكابُ جَرِيمَةِ السَّرِقَةِ مَثَلًا يُطَهَّرُ مِنهُ بِالحَدِّ، والمُؤاخَذَةُ بِالمالِ تَبْقى؛ لِأنَّ السَّرِقَةَ عِلَّةٌ مُوجِبَةُ حُكْمَيْنِ: وهُما القَطْعُ والغُرْمُ. قالَ في مَراقِي السُّعُودِ:
؎وَذاكَ في الحُكْمِ الكَثِيرِ أُطْلِقُهُ كالقَطْعِ مَعَ غُرْمِ نِصابِ السَّرِقَةِ
مَعَ أنَّ جَماعَةً مِن أهْلِ العِلْمِ قالُوا: لا يَلْزَمُهُ الغُرْمُ مَعَ القَطْعِ؛ لِظاهِرِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: فَإنَّها نَصَّتْ عَلى القَطْعِ ولَمْ تَذْكُرْ غُرْمًا.
وَقالَ جَماعَةٌ: يُغَرَّمُ المَسْرُوقَ مُطْلَقًا، فاتَ أوْ لَمْ يَفُتْ، مُعْسِرًا كانَ أوْ مُوسِرًا، ويُتْبَعُ بِهِ دَيْنًا إنْ كانَ مُعْسِرًا.
وَقالَ جَماعَةٌ: يَرُدُّ المَسْرُوقُ إنْ كانَ قائِمًا. وإنْ لَمْ يَكُنْ قائِمًا رَدَّ قِيمَتَهُ إنْ كانَ مُوسِرًا، فَإنْ كانَ مُعْسِرًا فَلا شَيْءَ عَلَيْهِ، ولا يُتْبَعُ بِهِ دَيْنًا.
والأوَّلُ مَذْهَبُ أبِي حَنِيفَةَ. والثّانِي مَذْهَبُ الشّافِعِيِّ وأحْمَدَ. والثّالِثُ مَذْهَبُ مالِكٍ. وقَطْعُ السّارِقِ كانَ مَعْرُوفًا في الجاهِلِيَّةِ فَأقَرَّهُ الإسْلامُ.
وَعَقَدَ ابْنُ الكَلْبِي بابًا لِمَن قُطِعَ في الجاهِلِيَّةِ بِسَبَبِ السَّرِقَةِ، فَذَكَرَ قِصَّةَ الَّذِينَ سَرَقُوا غَزالَ الكَعْبَةِ فَقُطِعُوا في عَهْدِ عَبْدِ المُطَّلِبِ، وذَكَرَ مِمَّنْ قُطِعَ في السَّرِقَةِ عَوْفَ بْنَ عَبْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ مَخْزُومٍ، ومَقِيسَ بْنَ قَيْسِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ سَهْمٍ وغَيْرِهِما، وأنَّ عَوْفًا السّابِقَ لِذَلِكَ، انْتَهى.
وَكانَ مِن هَدايا الكَعْبَةِ صُورَةُ غَزالَيْنِ مِن ذَهَبٍ، أهْدَتْهُما الفُرْسُ لِبَيْتِ اللَّهِ الحَرامِ، كَما عَقَدَهُ البَدَوِيُّ الشِّنْقِيطِيُّ في نَظْمِ عَمُودِ النَّسَبِ بِقَوْلِهِ:
؎وَمِن خَباياهُ غَزالًا ذَهَبْ ∗∗∗ أهْدَتْهُما الفُرْسُ لِبَيْتِ العَرَبْ
(p-٣٤)وَقالَ القُرْطُبِيُّ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: وقَدْ قُطِعَ السّارِقُ في الجاهِلِيَّةِ، وأوَّلُ مَن حَكَمَ بِقَطْعِهِ في الجاهِلِيَّةِ الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ، فَأمَرَ اللَّهُ بِقَطْعِهِ في الإسْلامِ، فَكانَ أوَّلُ سارِقٍ قَطَعَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في الإسْلامِ مِنَ الرِّجالِ الخِيارَ بْنَ عَدِيِّ بْنِ نَوْفَلِ بْنِ عَبْدِ مُنافٍ، ومِنَ النِّساءِ مُرَّةَ بِنْتَ سُفْيانَ بْنِ عَبْدِ الأسَدِ مَن بَنِي مَخْزُومٍ، وقَطَعَ أبُو بَكْرٍ يَدَ اليَمَنِيِّ الَّذِي سَرَقَ العَقْدَ. وقَطَعَ عُمَرُ يَدَ ابْنِ سَمُرَةَ أخِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ اه.
قالَ مُقَيِّدُهُ عَفا اللَّهُ عَنْهُ: ما ذَكَرَهُ القُرْطُبِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ مِن أنَّ المَخْزُومِيَّةَ الَّتِي سَرَقَتْ فَقَطَعَ النَّبِيُّ ﷺ يَدَها أوَّلًا هي مُرَّةُ بِنْتُ سُفْيانَ خِلافَ التَّحْقِيقِ، والتَّحْقِيقُ أنَّها فاطِمَةُ بِنْتُ الأسْوَدِ بْنِ عَبْدِ الأسَدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ مَخْزُومٍ، وهي بِنْتُ أخِي أبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الأسَدِ الصَّحابِيِّ الجَلِيلِ، الَّذِي كانَ زَوْجَ أُمِّ سَلَمَةَ قَبْلَ النَّبِيِّ ﷺ، قُتِلَ أبُوها كافِرًا يَوْمَ بَدْرٍ، قَتَلَهُ حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وقَطْعُ النَّبِيِّ ﷺ يَدَها وقَعَ في غَزْوَةِ الفَتْحِ، وأمّا سَرِقَةُ أُمِّ عَمْرِو بِنْتِ سُفْيانَ بْنِ عَبْدِ الأسَدِ ابْنَةِ عَمِّ المَذْكُورَةِ، وقَطْعُ النَّبِيِّ ﷺ يَدَها فَفي حَجَّةِ الوَداعِ، بَعْدَ قِصَّةِ الأوْلى بِأكْثَرَ مِن سَنَتَيْنِ.
فَإنْ قِيلَ: أخْرَجَ الشَّيْخانِ في صَحِيحَيْهِما، وأصْحابُ السُّنَنِ وغَيْرُهم مِن حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَطَعَ في مِجَنٍّ ثَمَنُهُ ثَلاثَةُ دَراهِمَ»، وفي لَفْظِ بَعْضِهِمْ قِيمَتُهُ ثَلاثَةُ دَراهِمَ. وأخْرَجَ الشَّيْخانِ في صَحِيحَيْهِما، وأصْحابُ السُّنَنِ غَيْرَ ابْنِ ماجَهْ وغَيْرُهم مِن حَدِيثِ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها: أنَّ «النَّبِيَّ ﷺ ”كانَ يَقْطَعُ يَدَ السّارِقِ في رُبْعِ دِينارِ فَصاعِدًا»“ والأحادِيثُ بِمِثْلِ هَذا كَثِيرَةٌ جِدًّا، مَعَ أنَّهُ عُرِفَ مِنَ الشَّرْعِ أنَّ اليَدَ فِيها نِصْفُ الدِّيَةِ، وِدِيَةُ الذَّهَبِ ألْفُ دِينارٍ. فَتَكُونُ دِيَةُ اليَدِ خَمْسَمِائَةِ دِينارٍ، فَكَيْفَ تُؤْخَذُ في مُقابَلَةِ رُبْعِ دِينارٍ ؟ وما وجْهُ العَدالَةِ والإنْصافِ في ذَلِكَ.
فالجَوابُ: أنَّ هَذا النَّوْعَ مِنِ اعْتِراضاتِ المُلْحِدِينَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ورَسُولِهِ، هو الَّذِي نَظَمَهُ المِعَرِّيُّ بِقَوْلِهِ:
؎يَدٌ بِخَمْسِ مِئِينٍ عَسْجَدٍ وُدِيَتْ ∗∗∗ ما بالُها قُطِعَتْ في رُبْعِ دِينارِ
وَلِلْعُلَماءِ عَنْهُ أجْوِبَةٌ كَثِيرَةٌ نَظْمًا ونَثْرًا؛ مِنها قَوْلُ القاضِي عَبْدُ الوَهّابِ مُجِيبًا لَهُ في بَحْرِهِ ورَوِيِّهِ:
؎عِزُّ الأمانَةِ أغْلاها وأرْخَصَها ∗∗∗ ذُلُّ الخِيانَةِ فافْهَمْ حِكْمَةَ البارِي
وَقالَ بَعْضُهم: لَمّا خانَتْ هانَتْ. ومِنَ الواضِحِ: أنَّ تِلْكَ اليَدَ الخَسِيسَةَ الخائِنَةَ لَمّا (p-٣٥)تَحَمَّلَتْ رَذِيلَةَ السَّرِقَةِ وإطْلاقَ اسْمِ السَّرِقَةِ عَلَيْها في شَيْءٍ حَقِيرٍ كَثَمَنِ المِجَنِّ والأُتْرُجَّةِ، كانَ مِنَ المُناسِبِ المَعْقُولِ أنْ تُؤْخَذَ في ذَلِكَ الشَّيْءِ القَلِيلِ، الَّذِي تَحَمَّلَتْ فِيهِ هَذِهِ الرَّذِيلَةَ الكُبْرى.
وَقالَ الفَخْرُ الرّازِي في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ثُمَّ إنّا أجَبْنا عَنْ هَذا الطَّعْنِ، بِأنَّ الشَّرْعَ إنَّما قَطَعَ يَدَهُ بِسَبَبِ أنَّهُ تَحَمَّلَ الدَّناءَةَ والخَساسَةَ في سَرِقَةِ ذَلِكَ القَدْرِ القَلِيلِ. فَلا يَبْعُدُ أنَّ يُعاقِبَهُ الشَّرْعُ بِسَبَبِ تِلْكَ الدَّناءَةِ هَذِهِ العُقُوبَةَ العَظِيمَةَ اه.
فانْظُرْ ما يَدْعُو إلَيْهِ القُرْآنُ مِن مَكارِمِ الأخْلاقِ، والتَّنَزُّهِ عَمّا لا يَلِيقُ، وقَطْعُ يَدِ السّارِقِ في رُبْعِ دِينارٍ فَصاعِدًا يَدُلُّ عَلى أنَّ التَّشْرِيعَ السَّماوِيَّ يَضَعُ دَرَجَةَ الخائِنِ مِن خَمْسِمِائَةِ دَرَجَةٍ إلى رُبْعِ دَرَجَةٍ، فانْظُرْ هَذا الحَطَّ العَظِيمَ لِدَرَجَتِهِ بِسَبَبِ ارْتِكابِ الرَّذائِلِ.
وَقَدِ اسْتَشْكَلَ بَعْضُ النّاسِ قَطَعَ يَدِ السّارِقِ في السَّرِقَةِ خاصَّةً دُونَ غَيْرِها مِنَ الجِناياتِ عَلى الأمْوالِ، كالغَصْبِ، والِانْتِهابِ، ونَحْوِ ذَلِكَ.
قالَ المازِرِيُّ ومَن تَبِعَهُ: صانَ اللَّهُ الأمْوالَ بِإيجابِ قَطْعِ سارِقِها، وخَصَّ السَّرِقَةَ لِقِلَّةِ ما عَداها بِالنِّسْبَةِ إلَيْها، مِنَ الِانْتِهابِ والغَصْبِ، ولِسُهُولَةِ إقامَةِ البَيِّنَةِ عَلى ما عَدا السَّرِقَةَ بِخِلافِها، وشَدَّدَ العُقُوبَةَ فِيها لِيَكُونَ أبْلَغَ في الزَّجْرِ، ولَمْ يَجْعَلْ دِيَةَ الجِنايَةِ عَلى العُضْوِ المَقْطُوعِ مِنها بِقَدْرِ ما يَقْطَعُ فِيهِ حِمايَةً لِلْيَدِ، ثُمَّ لَمّا خانَتْ هانَتْ، وفي ذَلِكَ إثارَةٌ إلى الشُّبْهَةِ الَّتِي نُسِبَتْ إلى أبِي العَلاءِ المَعَرِّيِّ في قَوْلِهِ:
؎يَدٌ بِخَمْسِ مِئِينَ عَسْجَدٍ وُدِيَتْ ∗∗∗ ما بالُها قُطِعَتْ في رُبْعِ دِينارِ
فَأجابَهُ القاضِي عَبْدُ الوَهّابِ المالِكِيُّ بِقَوْلِهِ:
؎صِيانَةُ العُضْوِ أغْلاها وأرْخَصَها ∗∗∗ حِمايَةُ المالِ فافْهَمْ حِكْمَةَ البارِي
وَشَرْحُ ذَلِكَ: أنَّ الدِّيَةَ لَوْ كانَتْ رُبْعَ دِينارٍ لَكَثُرَتِ الجِناياتُ عَلى الأيْدِي، ولَوْ كانَ نِصابُ القَطْعِ خَمْسَمِائَةِ دِينارٍ لَكَثُرَتِ الجِناياتُ عَلى الأمْوالِ، فَظَهَرَتِ الحِكْمَةُ في الجانِبَيْنِ، وكانَ في ذَلِكَ صِيانَةٌ مِنَ الطَّرَفَيْنِ.
وَقَدْ عَسَرَ فَهْمُ المَعْنى المُقَدَّمِ ذِكْرُهُ في الفَرْقِ بَيْنَ السَّرِقَةِ وبَيْنَ النَّهْبِ ونَحْوِهِ عَلى بَعْضِ مُنْكِرِي القِياسِ، فَقالَ: القَطْعُ في السَّرِقَةِ دُونَ الغَصْبِ وغَيْرِهِ غَيْرُ مَعْقُولِ المَعْنى؛ فَإنَّ الغَصْبَ أكْثَرُ هَتْكًا لِلْحُرْمَةِ مِنَ السَّرِقَةِ، فَدَلَّ عَلى عَدَمِ اعْتِبارِ القِياسِ، لِأنَّهُ إذا لَمْ يُعْمَلْ بِهِ في الأعْلى فَلا يُعْمَلُ بِهِ في المُساوِي.
(p-٣٦)وَجَوابُهُ: أنَّ الأدِلَّةَ عَلى العَمَلِ بِالقِياسِ أشْهَرُ مِن أنْ يُتَكَلَّفَ لِإيرادِها، وسَتَأْتِي الإشارَةُ إلى شَيْءٍ مِن ذَلِكَ في كِتابِ الأحْكامِ. اه بِواسِطَةِ نَقْلِ ابْنِ حَجَرٍ في فَتْحِ البارِي.
قالَ مُقَيِّدُهُ عَفا اللَّهُ عَنْهُ: الفَرْقُ بَيْنَ السَّرِقَةِ وبَيْنَ الغَصْبِ ونَحْوِهِ الَّذِي أشارَ إلَيْهِ المازِرِيُّ ظاهِرٌ، وهو أنَّ النَّهْبَ والغَصْبَ ونَحْوَهُما قَلِيلٌ بِالنِّسْبَةِ إلى السَّرِقَةِ، ولِأنَّ الأمْرَ الظّاهِرَ غالِبًا تُوجَدُ البَيِّنَةُ عَلَيْهِ بِخِلافِ السَّرِقَةِ، فَإنَّ السّارِقَ إنَّما يَسْرِقُ خِفْيَةً بِحَيْثُ لا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ أحَدٌ، فَيَعْسُرُ الإنْصافُ مِنهُ، فَغَلُظَتْ عَلَيْهِ الجِنايَةُ لِيَكُونَ أبْلَغَ في الزَّجْرِ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.
* *
وَمِن هَدْيِ القُرْآنِ لِلَّتِي هي أقْوَمُ: رَجْمُ الزّانِي المُحْصَنِ ذَكَرًا كانَ أوْ أُنْثى، وجَلْدُ الزّانِي البِكْرِ مِائَةَ جَلْدَةٍ ذَكَرًا كانَ أوْ أُنْثى.
أما الرَّجْمُ: فَهو مَنصُوصٌ بِآيَةٍ مَنسُوخَةِ التِّلاوَةِ باقِيَةُ الحِكَمِ، وهي قَوْلُهُ تَعالى: ”الشَّيْخُ والشَّيْخَةُ إذا زَنَيا فارْجُمُوهُما البَتَّةَ نَكالًا مِنَ اللَّهِ واللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ“ .
وَقَدْ قَدَّمْنا ذَمَّ القُرْآنِ لِلْمُعْرِضِ عَمّا في التَّوْراةِ مِن حُكْمِ الرَّجْمِ، فَدَلَّ القُرْآنُ في آياتٍ مُحْكَمَةٍ كَقَوْلِهِ: ﴿يَقُولُونَ إنْ أُوتِيتُمْ هَذا فَخُذُوهُ﴾ الآيَةَ [المائدة: ٤١]، وقَوْلِهِ: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الكِتابِ يُدْعَوْنَ إلى كِتابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ﴾ الآيَةَ [آل عمران: ٢٣] عَلى ثُبُوتِ حُكْمِ الرَّجْمِ في شَرِيعَةِ نَبِيِّنا ﷺ لِذَمِّهِ في كِتابِنا لِلْمُعْرِضِ عَنْهُ كَما تَقَدَّمَ.
Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии