Аш-ШинкитиАль‑Джумуа · 62:10–11

Аш-Шинкити · Тафсир · на арабском

Аль-Джумуа 62:10–11

62:10Страница 554

فَإِذَا قُضِيَتِ ٱلصَّلَوٰةُ فَٱنتَشِرُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَٱبۡتَغُواْ مِن فَضۡلِ ٱللَّهِ وَٱذۡكُرُواْ ٱللَّهَ كَثِيرٗا لَّعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُونَ ١٠

Когда же намаз завершится, то разойдитесь по земле, ищите милость Аллаха и часто поминайте Его, - быть может, вы преуспеете.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإذا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فانْتَشِرُوا في الأرْضِ﴾ الآيَةَ.

تَقَدَّمَ لِلشَّيْخِ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا وعَلَيْهِ - التَّنْبِيهُ عَلى ما فِيها مِن مَبْحَثٍ أُصُولِيٍّ، وهو الأمْرُ بَعْدَ الحَظْرِ وأصَحُّ ما فِيهِ أنَّهُ يُرَدُّ الأمْرُ المَحْظُورُ إلى ما كانَ عَلَيْهِ قَبْلَ وُرُودِ الحَظْرِ عَلَيْهِ.

مَسْألَةٌ

وَقْتُ السَّعْيِ إلى الجُمُعَةِ ظاهِرُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِن يَوْمِ الجُمُعَةِ فاسْعَوْا إلى ذِكْرِ اللَّهِ وذَرُوا البَيْعَ﴾، أنَّ السَّعْيَ يَكُونُ بَعْدَ النِّداءِ، وعِنْدَ تَرْكِ البَيْعِ، ومَفْهُومُهُ (p-١٨٣)أنَّ قَبْلَ النِّداءِ لا يَلْزَمُ السَّعْيُ ولا تَرْكُ البَيْعِ، وهَذا ظاهِرٌ مِنَ النَّصِّ، ولَكِنْ جاءَتْ نُصُوصٌ لِلْحَثِّ عَلى البُكُورِ إلى الجُمُعَةِ، مِنها قَوْلُهُ ﷺ: «مَن بَكَّرَ، وابْتَكَرَ، ومَشى ولَمْ يَرْكَبْ، وصَلّى ما تَيَسَّرَ لَهُ» . الحَدِيثَ.

وَحَدِيثُ: «مَن راحَ في السّاعَةِ الأُولى» إلى آخِرِ الحَدِيثِ، فَكانَ البُكُورُ مَندُوبًا إلَيْهِ، وهَذا أمْرٌ مُسَلَّمٌ بِهِ، ولَكِنْ وقَعَ الخِلافُ بَيْنَ مالِكٍ والجُمْهُورِ في مَبْدَأِ البُكُورِ، ومَعْنى السّاعَةِ الأُولى أيِّ ساعَةٍ لُغَوِيَّةٍ أوْ زَمَنِيَّةٍ، وهَلْ هي الأُولى مِنَ النَّهارِ أوِ الأُولى بَعْدَ الأذانِ ؟، فَقالَ مالِكٌ: إنَّ السّاعَةَ لُغَوِيَّةٌ، وهي الأُولى بَعْدَ الأذانِ، إذْ لا يَجِبُ السَّعْيُ إلّا بَعْدَهُ وقَبْلَهُ لا تَكْلِيفَ بِهِ.

وَحَمَلَ الجُمْهُورُ السّاعَةَ عَلى السّاعَةِ الزَّمَنِيَّةِ، وأنَّ الأُولى هي الأُولى مِنَ النَّهارِ، والرّاجِحُ ما ذَهَبَ إلَيْهِ الجُمْهُورُ لِعِدَّةِ أُمُورٍ:

أوَّلًا: في لَفْظِ حَدِيثِ البُكُورِ؛ لِأنَّ لَفْظَ البُكُورِ لا يَكُونُ إلّا لِأوَّلِ النَّهارِ، ولا يُقالُ لِما بَعْدَ الزَّوالِ بُكُورٌ، بَلْ يُسَمّى عَشِيًّا، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿بُكْرَةً وعَشِيًّا﴾ [مريم: ١١] وتَكْرارُ بَكَّرَ، وابْتَكَرَ، يَدُلُّ عَلى أنَّهُ في بُكْرَةِ النَّهارِ وأوائِلِهِ، وكَذَلِكَ لَفْظَةُ: ”مَن راحَ“ لِأنَّ الرَّواحَ لِأوَّلِ النَّهارِ.

ثانِيًا في الحَدِيثِ: «وَصَلّى ما تَيَسَّرَ»، لَهُ دَلِيلٌ قاطِعٌ عَلى أنْ هُناكَ زَمَنًا يَتَّسِعُ لِلصَّلاةِ بِقَدْرِ ما تَيَسَّرَ لَهُ. أمّا عَلى مَذْهَبِ مالِكٍ، فَلا مُتَّسَعَ لِصَلاةٍ بَعْدَ النِّداءِ، ولا سِيَّما في زَمَنِهِ ﷺ لَمْ يَكُنْ إلّا أذانٌ واحِدٌ، وبَعْدَ النِّداءِ فَلا مُتَّسَعَ لِلصَّلاةِ.

ثالِثًا: ما جاءَ عَنْ بَعْضِ السَّلَفِ، كَما تَقَدَّمَ أنَّهُ كانَ يُصَلِّي أرْبَعًا وثَمانِيَ واثْنَتَيْ عَشْرَةَ رَكْعَةً، وهَذا كُلُّهُ لا يَكُونُ مَعَ السّاعاتِ اللُّغَوِيَّةِ، وما جاءَ عِنْدَ النَّيْسابُورِيِّ مِن قَوْلِهِ في تَفْسِيرِهِ: وكانَتِ الطُّرُقاتُ في أيّامِ السَّلَفِ وقْتَ السَّحَرِ وبَعْدَ الفَجْرِ غاصَّةً بِالمُبَكِّرِينَ إلى الجُمُعَةِ يَمْشُونَ بِالسُّرُجِ.

وَقِيلَ: أوَّلُ بِدْعَةٍ أُحْدِثَتْ في الإسْلامِ تَرْكُ البُكُورِ إلى الجُمُعَةِ، والَّذِي يَقْتَضِيهِ النَّظَرُ في هَذِهِ المَسْألَةِ، هو أنَّ زَمَنَ السَّعْيِ لَهُ جِهَتانِ:

جِهَةُ وُجُوبٍ وإلْزامٍ، وهَذا لا شَكَّ أنَّهُ بَعْدَ النِّداءِ إلّا مَن كانَ مَحَلُّهُ بَعِيدًا، بِحَيْثُ لَوِ انْتَظَرَ حَتّى يُنادى لَها لا يُدْرِكُها فَيَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ السَّعْيُ إلَيْها قَبْلَ النِّداءِ اتِّفاقًا؛ لِأنَّهُ لا يَتَمَكَّنُ مِن (p-١٨٤)أداءِ ما وجَبَ عَلَيْهِ مِن صَلاةِ الجُمُعَةِ إلّا بِذَلِكَ.

وَما لا يَتِمُّ الواجِبُ إلّا بِهِ فَهو واجِبٌ، وهَذا مَخْصُوصٌ مِن ظاهِرِ النَّصِّ المُتَقَدِّمِ.

الجِهَةُ الثّانِيَةُ: جِهَةُ نَدْبٍ واسْتِحْبابٍ، وهَذا لا يَتَقَيَّدُ بِزَمَنٍ وإنَّما هو بِحَسَبِ ظُرُوفِ الشَّخْصِ، فَمَن تَمَكَّنَ مِنَ البُكُورِ، ولَمْ يَتَعَطَّلْ بِبُكُورِهِ ما هو ألْزَمُ مِنهُ، فَيُنْدَبُ لَهُ البُكُورُ، وبِحَسَبِ ما يَكُونُ بُكُورُهُ في السّاعاتِ الخَمْسِ المَذْكُورَةِ في الحَدِيثِ يَكُونُ ما لَهُ مِنَ الأجْرِ، ويَشْهَدُ لِهَذا المَعْنى أمْرانِ:

الأوَّلُ: حَدِيثُ «المَلائِكَةِ عَلى أبْوابِ المَساجِدِ يَكْتُبُونَ الأوَّلَ فالأوَّلَ، فَإذا حَضَرَ الإمامُ طَوَتِ الصُّحُفَ وجَلَسُوا يَسْتَمِعُونَ الذِّكْرَ»، فَكِتابَةُ الأوَّلِ فالأوَّلِ قَبْلَ خُرُوجِ الإمامِ، تَدُلُّ عَلى فَضْلِ الأوَّلِيَّةِ قَبْلَ النِّداءِ كَما تَقَدَّمَ.

الأمْرُ الثّانِي: أنَّنا وجَدْنا لِكُلِّ واجِبٍ مَندُوبًا والسَّعْيُ إلى الجُمُعَةِ عِنْدَ النِّداءِ واجِبٌ، فَيَكُونُ لَهُ مَندُوبٌ وهو السَّعْيُ قَبْلَ النِّداءِ، فَكَما لِلصَّلاةِ والصِّيامِ والزَّكاةِ واجِبٌ ومَندُوبٌ، فَكَذَلِكَ لِلسَّعْيِ واجِبٌ ومَندُوبٌ، فَواجِبُهُ بَعْدَ النِّداءِ، ومَندُوبُهُ قَبْلَهُ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.

* *

الغُسْلُ لِلْجُمُعَةِ

فِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِن يَوْمِ الجُمُعَةِ فاسْعَوْا إلى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ تَرْتِيبُ السَّعْيِ إلى ذِكْرِ اللَّهِ عَلى النِّداءِ، ومَعْلُومٌ أنَّ هَذا مُقَيَّدٌ بِسَبْقِ الطُّهْرِ إجْماعًا، وقَدْ جاءَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إذا قُمْتُمْ إلى الصَّلاةِ فاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ [المائدة: ٦]، فَكانَتِ الطَّهارَةُ بِالوُضُوءِ شَرْطًا في صِحَّةِ الصَّلاةِ.

وَهُنا في خُصُوصِ الجُمُعَةِ لَمْ يُذْكَرْ شَيْءٌ في خُصُوصِ الطُّهْرِ لَها بِوُضُوءٍ أوْ غُسْلٍ.

وَقَدْ جاءَتْ أحادِيثُ في غُسْلِ الجُمُعَةِ مِنها حَدِيثُ أبِي سَعِيدٍ مِن قَوْلِهِ ﷺ: «غُسْلُ يَوْمِ الجُمُعَةِ واجِبٌ عَلى كُلِّ مُحْتَلِمٍ ”، وفي لَفْظٍ:“ طُهْرُ يَوْمِ الجُمُعَةِ واجِبٌ عَلى كُلِّ مُحْتَلِمٍ كَطُهْرِ الجَنابَةِ»، وهَذا نَصٌّ صَرِيحٌ في وُجُوبِ الغُسْلِ عَلى كُلِّ مَن بَلَغَ سِنَّ الحُلُمِ.

وَجاءَ حَدِيثٌ آخَرُ: «مَن تَوَضَّأ يَوْمَ الجُمُعَةِ فَبِها ونِعْمَتْ، ومَنِ اغْتَسَلَ فالغُسْلُ أفْضَلُ»، وهَذا نَصٌّ صَرِيحٌ في أفْضَلِيَّةِ الغُسْلِ عَلى الوُضُوءِ، وبِالتّالِي صِحَّةِ الجُمُعَةِ بِالوُضُوءِ وهَذا مَذْهَبُ الجُمْهُورِ.

(p-١٨٥)وَقَدْ جاءَ عِنْدَ مالِكٍ في المُوَطَّأِ: أنَّ عُثْمانَ دَخَلَ يَوْمَ الجُمُعَةِ، وعُمَرُ يَخْطُبُ فَعاتَبَهُ عَلى تَأخُّرِهِ، فَأخْبَرَهُ أنَّهُ ما إنْ سَمِعَ النِّداءَ حَتّى تَوَضَّأ، وأتى إلى المَسْجِدِ، فَقالَ لَهُ: والوُضُوءَ أيْضًا، وذَلِكَ بِمَحْضَرٍ مِنَ الصَّحابَةِ، فَلَمْ يَأْمُرْهُ بِالعَوْدَةِ إلى الغُسْلِ، ولَوْ كانَ واجِبًا لَما تَرَكَهُ عُثْمانُ مِن نَفْسِهِ، ولا أقَرَّهُ عُمَرُ وتَرَكَهُ عَلى وُضُوئِهِ.

فَقالَ الجُمْهُورُ: إنَّ الحَدِيثَ الأوَّلَ قَدْ نُسِخَ الوُجُوبُ فِيهِ بِحَدِيثِ المُفاضَلَةِ المَذْكُورِ، واسْتَدَلُّوا عَلى ذَلِكَ بِأمْرَيْنِ: الأوَّلُ قِصَّةُ عُمَرَ مَعَ عُثْمانَ هَذِهِ.

والثّانِي: قَوْلُ عائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها - كانُوا في أوَّلِ الأمْرِ هم فَعَلَةُ أنْفُسِهِمْ فَكانُوا يَأْتُونَ إلى المَسْجِدِ ويَشْتَدُّ عَرَقُهم فَتَظْهَرُ لَهم رَوائِحُ فَعَزَمَ عَلَيْهِمْ ﷺ بِالغُسْلِ، ولَمّا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وجاءَتْهُمُ العُلُوجُ وكُفُوا مُؤْنَةَ العَمَلِ، رُخِّصَ لَهم في ذَلِكَ، وهَذا هو مَذْهَبُ الجُمْهُورِ، كَما قَدَّمْنا.

وَعِنْدَ الظّاهِرِيَّةِ وُجُوبُ الغُسْلِ، ولَكِنْ لِلْيَوْمِ لا لِلْجُمُعَةِ؛ لِنَصِّ الحَدِيثِ: «غُسْلُ يَوْمِ الجُمُعَةِ» ولَمْ يَقُلِ الغُسْلُ لِصَلاةِ الجُمُعَةِ، واسْتَدَلُّوا لِما ذَهَبُوا إلَيْهِ مِنَ النُّصُوصِ في تَعَهُّدِ الشُّعُورِ والأظافِرِ والغُسْلِ بِصِيغَةٍ عامَّةٍ كُلَّ يَوْمٍ عَلى الإطْلاقِ، وقَيَّدُوهُ في الغُسْلِ بِخُصُوصِ الجُمُعَةِ، وعَلَيْهِ فَإنَّ مَن لَمْ يَغْتَسِلْ عِنْدَهم قَبْلَ الصَّلاةِ فَعَلَيْهِ أنْ يَغْتَسِلَ بَعْدَها، وأنَّهُ لَيْسَ شَرْطًا عِنْدَهم لِصِحَّتِها، والَّذِي يَظْهَرُ هو صِحَّةُ مَذْهَبِ الجُمْهُورِ لِأمْرَيْنِ:

الأوَّلُ: أنَّ مُناسَبَةُ الغُسْلِ في هَذا اليَوْمِ أنْسَبُ ما تَكُونُ لِهَذا التَّجَمُّعِ، كَما أشارَتْ عائِشَةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها - فَإذا أهْدَرْنا هَذِهِ المُناسَبَةَ كانَ يَوْمُ الجُمُعَةِ وغَيْرُهُ سَواءً.

الثّانِي: أنَّ سِياقَ الآيَةِ يُشِيرُ إشارَةً خَفِيَّةً إلى عَدَمِ وُجُوبِ الغُسْلِ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ نَوْعَ طِهارَةٍ عِنْدَ السَّعْيِ بَعْدَ الأذانِ، ومَعْلُومٌ أنَّهُ لا بُدَّ مِن طُهْرٍ لَها، فَيَكُونُ إحالَةً عَلى الآيَةِ الثّانِيَةِ العامَّةِ في كُلِّ الصَّلَواتِ: ﴿إذا قُمْتُمْ إلى الصَّلاةِ فاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ الآيَةَ، فَيُكْتَفى بِالوُضُوءِ وتَحْصُلُ الفَضْلِيَّةُ بِالغُسْلِ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.

62:11Страница 554

وَإِذَا رَأَوۡاْ تِجَٰرَةً أَوۡ لَهۡوًا ٱنفَضُّوٓاْ إِلَيۡهَا وَتَرَكُوكَ قَآئِمٗاۚ قُلۡ مَا عِندَ ٱللَّهِ خَيۡرٞ مِّنَ ٱللَّهۡوِ وَمِنَ ٱلتِّجَٰرَةِۚ وَٱللَّهُ خَيۡرُ ٱلرَّٰزِقِينَ ١١

Когда же они увидели торговлю или забаву, они разошлись, бросившись к ней, и оставили тебя стоять во время пятничной проповеди. Скажи: «То, что у Аллаха, лучше забавы и торговли, и Аллах - Наилучший из дарующих удел».

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذا رَأوْا تِجارَةً أوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إلَيْها وتَرَكُوكَ قائِمًا﴾ .

فِي عَوْدِ الضَّمِيرِ عَلى التِّجارَةِ وحْدَها مُغايَرَةٌ لِذِكْرِ اللَّهْوِ مَعَها.

وَقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: حُذِفَ أحَدُهُما لِدَلالَةِ المَذْكُورِ عَلَيْهِ، وذَكَرَ قِراءَةً أُخْرى، انْفَضُّوا (p-١٨٦)إلَيْهِ يَعُودُ الضَّمِيرُ إلى اللَّهْوِ، وهَذا تَوْجِيهٌ قَدْ يَسُوغُ لُغَةً كَما في قَوْلِ نابِغَةِ ذُبْيانَ:

؎وَقَدْ أرانِي ونُعْمًا لاهِيَيْنِ بِها والدَّهْرُ والعَيْشُ لَمْ يَهْمُمْ بِإمْرارِ

فَذَكَرَ الدَّهْرَ والعَيْشَ، وأعادَ عَلَيْهِما ضَمِيرًا مُنْفَرِدًا اكْتِفاءً بِأحَدِهِما عَنِ الآخَرِ لِلْعِلْمِ بِهِ، وهو كَما قالَ ابْنُ مالِكٍ: وحَذْفُ ما يُعْلَمُ جائِزٌ.

وَقَدْ ذَكَرَ الشَّيْخُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - لِهَذا نَظائِرُ في غَيْرِ عَوْدِ الضَّمِيرِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَجَعَلَ لَكم سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الحَرَّ وسَرابِيلَ تَقِيكم بَأْسَكُمْ﴾ [النحل: ٨١]، فالَّتِي تَقِي الحَرَّ، تَقِي البَرْدَ، فاكْتَفى بِذِكْرِ أحَدِهِما لِدَلالَتِهِ عَلى الآخَرِ، ولَكِنَّ المَقامَ هُنا خِلافُ ذَلِكَ.

وَقَدْ قالَ الشَّيْخُ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ في دَفْعِ إيهامِ الِاضْطِرابِ: لا يَخْفى أنَّ أصْلَ مَرْجِعِ الضَّمِيرِ هو الأحَدُ الدّائِرُ بَيْنَ التِّجارَةِ واللَّهْوِ، بِدَلالَةِ لَفْظَةِ أوْ عَلى ذَلِكَ، ولَكِنَّ الضَّمِيرَ رَجَعَ إلى التِّجارَةِ وحْدَها دُونَ اللَّهْوِ، فَبَيْنَهُ وبَيْنَ مُفَسِّرِهِ بَعْضُ مُنافاةٍ في الجُمْلَةِ، والجَوابُ: أنَّ التِّجارَةَ أهَمُّ مِنَ اللَّهْوِ وأقْوى سَبَبًا في الِانْفِضاضِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ لِأنَّهُمُ انْفَضُّوا مِن أجْلِ العِيرِ، واللَّهْوُ كانَ مِن أجْلِ قُدُومِها، مَعَ أنَّ اللُّغَةَ يَجُوزُ فِيها رُجُوعُ الضَّمِيرِ لِأحَدِ المَذْكُورَيْنِ قَبْلَهُ. أمّا في العَطْفِ بِأوْ فَواضِحٌ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَمَن يَكْسِبْ خَطِيئَةً أوْ إثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا﴾ [النساء: ١١٢] .

وَأمّا الواوُ فَهو فِيها كَثِيرٌ

• كَقَوْلِهِ: ﴿واسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ والصَّلاةِ وإنَّها لَكَبِيرَةٌ﴾ [البقرة: ٤٥]

• وقَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ ورَسُولُهُ أحَقُّ أنْ يُرْضُوهُ﴾ [التوبة: ٦٢]،

• وقَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ والفِضَّةَ ولا يُنْفِقُونَها في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣٤] .

اهـ.

أيْ: أنَّ هَذِهِ الأمْثِلَةَ كُلَّها يُذْكَرُ فِيها أمْرانِ، ويَعُودُ الضَّمِيرُ عَلى واحِدٍ مِنهُما.

وَبِناءً عَلى جَوابِ الشَّيْخِ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِ - يُمْكِنُ القَوْلُ بِأنَّ عَوْدَ الضَّمِيرِ عَلى أحَدِ المَذْكُورَيْنِ، إمّا لِتَساوِيهِما في الماصَدَقَ، وإمّا لِمَعْنًى زائِدٍ فِيما عادَ عَلَيْهِ الضَّمِيرُ.

فَمِنَ المُتَساوِيَيْنِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمَن يَكْسِبْ خَطِيئَةً أوْ إثْمًا﴾ لِتَساوِيهِما في النَّهْيِ والعِصْيانِ، ومِمّا لَهُ مَعْنًى زائِدٌ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ والصَّلاةِ﴾، وإنَّها أيْ: الصَّلاةُ؛ لِأنَّها أخَصُّ مِن عُمُومِ الصَّبْرِ، ووُجُودُ الأخَصِّ يَقْتَضِي وُجُودَ الأعَمِّ دُونَ العَكْسِ، ولِأنَّ الصَّلاةَ وسِيلَةٌ لِلصَّبْرِ، كَما في الحَدِيثِ: كانَ ﷺ إذا حَزَبَهُ أمْرُ هَمٍّ فَزِعَ إلى الصَّلاةِ.

(p-١٨٧)وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ والفِضَّةَ ولا يُنْفِقُونَها﴾، أيْ: الفِضَّةَ؛ لِأنَّ كَنْزَ الفِضَّةِ أوْفَرُ، وكانِزُوها أكْثَرُ فَصُورَةُ الكَنْزِ حاصِلَةٌ فِيها بِصِفَةٍ أوْسَعَ، ولَدى كَثِيرٍ مِنَ النّاسِ، فَكانَ تَوْجِيهُ الخِطابِ إلَيْهِمْ أوْلى، ومِن ناحِيَةٍ أُخْرى لَمّا كانَتِ الفِضَّةُ مِنَ النّاحِيَةِ النَّقْدِيَّةِ أقَلَّ قِيمَةً، والذَّهَبُ أعْظَمَ، كانَ في عَوْدِ الضَّمِيرِ عَلَيْها تَنْبِيهٌ بِالأدْنى عَلى الأعْلى، فَكَأنَّهُ أشْمَلُ وأعَمُّ، وأشَدُّ تَخْوِيفًا لِمَن يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ.

أمّا الآيَةُ هُنا، فَإنَّ التَّوْجِيهَ الَّذِي وجَّهَهُ الشَّيْخُ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِ - لِعَوْدِ الضَّمِيرِ عَلى التِّجارَةِ، فَإنَّهُ في السِّياقِ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ، وذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى بَعْدَها: ﴿قُلْ ما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ ومِنَ التِّجارَةِ﴾ [الجمعة: ١١]، فَذَكَرَ السَّبَبَيْنِ المُتَقَدِّمَيْنِ؛ لِانْفِضاضِهِمْ عَنْهُ ﷺ ثُمَّ عَقَّبَهُ بِقَوْلِهِ تَعالى، بِالتَّذْيِيلِ المُشْعِرِ بِأنَّ التِّجارَةَ هي الأصْلُ بِقَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ خَيْرُ الرّازِقِينَ﴾ [الجمعة: ١١]، والرِّزْقُ ثَمَرَةُ التِّجارَةِ، فَكانَ هَذا بَيانًا قُرْآنِيًّا لِعَوْدِ الضَّمِيرِ هُنا عَلى التِّجارَةِ دُونَ اللَّهْوِ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.

تَنْبِيهٌ

قالَ أبُو حَيّانَ عَنِ ابْنِ عَطِيَّةَ: تأمَّلْ إنْ قُدِّمَتِ التِّجارَةُ عَلى اللَّهْوِ في الرُّؤْيَةِ؛ لِأنَّها أهَمُّ وأُخِّرَتْ مَعَ التَّفْضِيلِ لِتَقَعَ النَّفْسُ أوَّلًا عَلى الأبْيَنِ. اهـ.

يُرِيدُ بِقَوْلِهِ: في الرُّؤْيَةِ: (وإذا رَأوْا)، وبِقَوْلِهِ: مَعَ التَّفْضِيلِ: ﴿قُلْ ما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ ومِنَ التِّجارَةِ﴾، أيْ: لِأنَّ اللَّهْوَ أبْيَنُ في الظُّهُورِ، والَّذِي يَظْهَرُ والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى، أنَّهُ عِنْدَ التَّفْضِيلِ ذَكَرَ اللَّهْوَ لِلْواقِعِ فَقَطْ؛ لِأنَّ اللَّهْوَ لا خَيْرَ فِيهِ مُطْلَقًا فَلَيْسَ مَحَلًّا لِلْمُفاضَلَةِ، وآخَّرَ ذِكْرَ التِّجارَةِ؛ لِتَكُونَ أقْرَبَ لِذِكْرِ الرِّزْقِ لِارْتِباطِهِما مَعًا، فَلَوْ قُدِّمَتِ التِّجارَةُ هُنا أيْضًا لَكانَ ذِكْرُ اللَّهْوِ فاصِلًا بَيْنَها وبَيْنَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واللَّهُ خَيْرُ الرّازِقِينَ﴾، وهو لا يَتَناسَقُ مَعَ حَقِيقَةِ المُفاضَلَةِ.

⁕ ⁕ ⁕

قال المؤلف في (دفع إيهام الإضطراب عن آيات الكتاب):

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذا رَأوْا تِجارَةً أوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إلَيْها﴾ الآيَةَ.

لا يَخْفى أنَّ أصْلَ مَرْجِعِ الضَّمِيرِ هو الحَدُّ الدّائِرُ بَيْنَ التِّجارَةِ واللَّهْوِ لِدَلالَةِ لَفْظَةِ ”أوْ“ عَلى ذَلِكَ، ولَكِنَّ هَذا الضَّمِيرَ راجِعٌ إلى التِّجارَةِ وحْدَها دُونَ اللَّهْوِ، فَبَيْنَهُ وبَيْنَ مُفَسِّرِهِ بَعْضُ مُنافاةٍ في الجُمْلَةِ.

(p-٤١٦)والجَوابُ أنَّ التِّجارَةَ أهَمُّ مِنَ اللَّهْوِ وأقْوى سَبَبًا في الِانْفِضاضِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ لِأنَّهُمُ انْفَضُّوا عَنْهُ مِن أجْلِ العِيرِ، واللَّهْوُ كانَ مِن أجْلِ قُدُومِها، مَعَ أنَّ اللُّغَةَ العَرَبِيَّةَ يَجُوزُ فِيها رُجُوعُ الضَّمِيرِ لِأحَدِ المَذْكُورِينَ قَبْلَهُ.

أمّا في العَطْفِ بَأوْ فَواضِحٌ، لِأنَّ الضَّمِيرَ في الحَقِيقَةِ راجِعٌ إلى الحَدِّ الدّائِرِ الَّذِي هو واحِدٌ لا بِعَيْنِهِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَمَن يَكْسِبْ خَطِيئَةً أوْ إثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا﴾ الآيَةَ [النساء: ١١٢] .

وَأمّا الواوُ فَهو فِيها كَثِيرٌ.

وَمِن أمْثِلَتِهِ في القُرْآنِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ والصَّلاةِ وإنَّها﴾ الآيَةَ [البقرة: ٤٥] .

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ والفِضَّةَ ولا يُنْفِقُونَها﴾ " الآيَةَ [التوبة: ٣٤] .

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا أطِيعُوا اللَّهَ ورَسُولَهُ ولا تَوَلَّوْا عَنْهُ﴾ الآيَةَ [الأنفال: ٢٠] .

وَنَظِيرُهُ مِن كَلامِ العَرَبِ قَوْلُ نابِغَةِ ذُبْيانَ:

؎وَقَدْ أرانِي ونُعْمًا لاهِيَيْنَ بِها والدَّهْرُ والعَيْشُ لَمْ يَهْمُمْ بِإمْرارِ

Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии

Содержание

Аят аль-Курси36Аль-Кахфстр. 42джуз 15Бухари 1Муслим 2999

Вид

Тема
Размер текста
Вид

Read in English