Аш-Шинкити · Тафсир · на арабском
Аль-Джумуа 62:9, продолжение
قالَ الشَّوْكانِيُّ: يُرِيدُ القائِمَ المُتَهَجِّدَ إلى راحَتِهِ؛ لِيَقُومَ إلى صَلاةِ الصُّبْحِ نَشِيطًا أوْ يَتَسَحَّرُ، إنْ كانَ لَهُ حاجَةٌ إلى الصِّيامِ، ويُوقِظَ النّائِمَ؛ لِيَتَأهَّبَ لِلصَّلاةِ بِالغُسْلِ والوُضُوءِ، فالأوَّلُ يُشْعِرُ بِتَوالِيهِما مَعَ فَرْقٍ يَسِيرٍ، والآخَرُ يَدُلُّ بِالفَرْقِ بَيْنَهُما، وكِلاهُما صَحِيحُ السَّنَدِ.
وَقَدْ فَسَّرَ هَذا النَّوَوِيُّ في شَرْحِ مُسْلِمٍ ونَقَلَهُ عَنْهُ الشَّوْكانِيُّ في نَيْلِ الأوْطارِ بِقَوْلِهِ: قالَ العُلَماءُ مَعْناهُ: إنَّ بِلالًا كانَ يُؤَذِّنُ قَبْلَ الفَجْرِ، ويَتَرَبَّصُ بَعْدَ أذانِهِ لِلدُّعاءِ ونَحْوِهِ، ثُمَّ يَرْقُبُ الفَجْرَ، فَإذا قارَبَ طُلُوعُهُ نَزَلَ فَأخْبَرَ ابْنَ أُمِّ مَكْتُومٍ فَيَتَأهَّبُ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ بِالطَّهارَةِ وغَيْرِها، ثُمَّ يَرْقى ويَشْرَعُ في الأذانِ مَعَ أوَّلِ طُلُوعِ الفَجْرِ، وهَذا يَتَّفِقُ مَعَ قَوْلِهِ ﷺ: " «لِيَرْجِعَ قائِمُكم ويُوقِظَ نائِمَكم» إلى آخِرِهِ، ويُصَدِّقُهُ ما جاءَ في الأثَرِ أيْضًا عَنِ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ وكانَ رَجُلًا أعْمى فَلا يُؤَذِّنُ حَتّى يُقالَ لَهُ: أصْبَحْتَ أصْبَحْتَ، وهَذا الأذانُ الأوَّلُ لِلْفَجْرِ هو مَذْهَبُ الجُمْهُورِ ما عَدا الإمامَ أبا حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - مِنَ الأئِمَّةِ الأرْبَعَةِ، وحَمَلَ أذانَ بِلالٍ عَلى النِّداءِ بِغَيْرِ ألْفاظِ الأذانِ.
قالَ الشَّوْكانِيُّ: وعِنْدَ الأحْنافِ أنَّ أبا حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - لَمّا أذَّنَ بِلالٌ قَبْلَ الوَقْتِ أمَرَهُ النَّبِيُّ ﷺ أنْ يَرْجِعَ فَيَقُولَ: إلا إنَّ العَبْدَ قَدْ نامَ، وهَذا الأثَرُ رَواهُ التِّرْمِذِيُّ، وقالَ: حَدِيثٌ غَيْرُ مَحْفُوظٍ.
وَفِي فَتْحِ القَدِيرِ لِلْأحْنافِ، ما نَصُّهُ: ولا يُؤَذَّنُ لِصَلاةٍ قَبْلَ دُخُولِ وقْتِها، ويُعادُ في الوَقْتِ.
وَقالَ أبُو يُوسُفَ: يَجُوزُ لِلْفَجْرِ في النِّصْفِ الأخِيرِ مِنَ اللَّيْلِ، قالَ في الشَّرْحِ: وهو قَوْلُ الشّافِعِيِّ، وقالَ: لِتَوارُثِ أهْلِ الحَرَمَيْنِ، فَيَكُونُ أبُو يُوسُفَ صاحِبُ أبِي حَنِيفَةَ (p-١٤٤)- رَحِمَهُما اللَّهُ - قَدْ وافَقَ الجُمْهُورَ في مَشْرُوعِيَّةِ الأذانِ قَبْلَ الفَجْرِ قَبْلَ الوَقْتِ، وإنَّ ما اسْتَدَلَّ بِهِ أبُو حَنِيفَةَ لَيْسَ بِمَحْفُوظٍ، وقَدْ جَوَّزَهُ أبُو يُوسُفَ في النِّصْفِ الأخِيرِ مِنَ اللَّيْلِ.
وَجاءَ نَصُّ المالِكِيَّةِ أنَّهُ في السُّدُسِ الأخِيرِ، قالَ في مُخْتَصَرِ خَلِيلٍ: غَيْرُ مُقَدَّمٍ عَلى الوَقْتِ إلّا الصُّبْحَ فَبِسُدُسِ اللَّيْلِ الأخِيرِ.
وَعِنْدَ الحَنابِلَةِ في المَعْنى ما نَصُّهُ: قالَ أصْحابُنا: ويَجُوزُ الأذانُ لِلْفَجْرِ بَعْدَ نِصْفِ اللَّيْلِ، وهَذا مَذْهَبُ الشّافِعِيِّ إلى قَوْلِهِ:
وَقَدْ رَوى الأثْرَمُ عَنْ جابِرٍ قالَ: كانَ مُؤَذِّنُ مَسْجِدِ دِمَشْقَ يُؤَذِّنُ لِصَلاةِ الصُّبْحِ في السَّحَرِ بِقَدْرِ ما يَسِيرُ الرّاكِبُ سِتَّةَ أمْيالٍ فَلا يُنْكِرُ ذَلِكَ مَكْحُولٌ ولا يَقُولُ فِيهِ شَيْئًا. اهـ.
* *
تَنْبِيهٌ
قالَ في المُغْنِي: وقالَ طائِفَةٌ مِن أهْلِ الحَدِيثِ: إذا كانَ مُؤَذِّنانِ يُؤَذِّنُ أحَدُهُما قَبْلَ طُلُوعِ الفَجْرِ والآخَرُ بَعْدَهُ، فَلا بَأْسَ أيْ: لِيَعْرِفَ الأوَّلُ مِنهُما مِنَ الثّانِي ويَلْتَزِما بِذَلِكَ؛ لِيَعْلَمَ النّاسُ الفَرْقَ بَيْنَ الأذانَيْنِ كَما كانَ زَمَنَ النَّبِيِّ ﷺ انْتَهى مُلَخَّصًا.
أمّا تَعَدُّدُ المُؤَذِّنِينَ لِبَقِيَّةِ الأوْقاتِ الخَمْسَةِ فَكالآتِي:
أوَّلًا: فَإنَّ الأصْلَ في ذَلِكَ عِنْدَ العُلَماءِ هو حَدِيثُ بِلالٍ وابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ المُتَقَدِّمُ ذِكْرُهُ في صَلاحِ الفَجْرِ، ثُمَّ قاسُوا عَلَيْهِ لِلْحاجَةِ بَقِيَّةَ الصَّلَواتِ، كَما اسْتَأْنَسُوا لِزِيادَةِ عُمَرَ وعُثْمانَ في الجُمُعَةِ لِلْجَماعَةِ لِزِيادَةِ الإعْلامِ كَما تَقَدَّمَ.
ثانِيًا: نَسُوقُ مُوجَزَ الأقْوالِ في ذَلِكَ عِنْدَ الشّافِعِيَّةِ:
قالَ النَّوَوِيُّ في شَرْحِ مُسْلِمٍ: بابُ اسْتِحْبابِ اتِّخاذِ مُؤَذِّنَيْنِ لِلْمَسْجِدِ الواحِدِ، وساقَ كَلامَهُ عَلى حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - قالَ: «كانَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ مُؤَذِّنانِ: بِلالٌ وابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ» .
ثُمَّ قالَ ما نَصُّهُ: وفي الحَدِيثِ اسْتِحْبابُ مُؤَذِّنَيْنِ لِلْمَسْجِدِ الواحِدِ، يُؤَذِّنُ أحَدُهُما قَبْلَ الفَجْرِ والآخَرُ عِنْدَ طُلُوعِهِ.
قالَ أصْحابُنا: فَإذا احْتاجَ إلى أكْثَرَ مِن مُؤَذِّنَيْنِ اتَّخَذَ ثَلاثَةً، وأرْبَعَةً فَأكْثَرَ بِحَسَبِ الحاجَةِ.
(p-١٤٥)وَقَدِ اتَّخَذَ عُثْمانُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أرْبَعَةً لِلْحاجَةِ عِنْدَ كَثْرَةِ النّاسِ.
قالَ أصْحابُنا: وإذا تَرَتَّبَ لِلْأذانِ اثْنانِ فَصاعِدًا، فالمُسْتَحَبُّ ألّا يُؤَذِّنُوا دَفْعَةً واحِدَةً، بَلْ إنِ اتَّسَعَ الوَقْتُ تَرَتَّبُوا فِيهِ، فَإنْ تَنازَعُوا في الِابْتِداءِ أُقْرِعَ بَيْنَهم، وإنْ ضاقَ الوَقْتُ، فَإنْ كانَ المَسْجِدُ كَبِيرًا أذَّنُوا مُتَفَرِّقِينَ في أقْطارِهِ، وإنْ كانَ ضَيِّقًا وقَفُوا مَعًا وأذَّنُوا، وهَذا إذا لَمْ يُؤَدِّ اخْتِلافُ الأصْواتِ إلى تَشْوِيشٍ، فَإنْ أدّى إلى ذَلِكَ لَمْ يُؤَذِّنْ إلّا واحِدٌ، اهـ.
فَهَذا نَصُّ النَّوَوِيِّ عَلى قَوْلِ أصْحابِهِ أيْ: الشّافِعِيَّةِ في المَسْألَةِ ساقَهُ في شَرْحِ مُسْلِمٍ، وقالَ في المَجْمُوعِ شَرْحِ المُهَذَّبِ عَلى نَصِّ المَتْنِ إذْ قالَ الماتِنُ: والمُسْتَحَبُّ أنْ يَكُونَ المُؤَذِّنُ لِلْجَماعَةِ اثْنَيْنِ، وذَكَرَ حَدِيثَ بِلالٍ وابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ، فَإنِ احْتاجَ إلى الزِّيادَةِ جَعَلَهم أرْبَعَةً؛ لِأنَّهُ كانَ لِعُثْمانَ أرْبَعَةٌ، والمُسْتَحَبُّ أنْ يُؤَذِّنَ واحِدٌ بَعْدَ واحِدٍ؛ لِأنَّ ذَلِكَ أبْلَغُ في الإعْلامِ.
قالَ النَّوَوِيُّ في الشَّرْحِ: قالَ أبُو عَلِيٍّ الطَّبَرِيُّ: تَجُوزُ الزِّيادَةُ إلى أرْبَعَةٍ، ثُمَّ ناقَشَ المَسْألَةَ مَعَ مَن خالَفَهُ في العَدَدِ ثُمَّ قالَ: العِبْرَةُ بِالمَصْلَحَةِ، فَكَما زادَ عُثْمانُ إلى أرْبَعَةٍ لِلْمَصْلَحَةِ جازَ لِغَيْرِهِ الزِّيادَةُ.
وَذُكِرَ عَنْ صاحِبِ الحاوِي إلى ثَمانِيَةٍ، ثُمَّ قالَ: فَرْعٌ، وساقَ فِيهِ ما نَصُّهُ:
فَإنْ كانَ لِلْمَسْجِدِ مُؤَذِّنانِ أذَّنَ واحِدٌ بَعْدَ واحِدٍ، كَما كانَ بِلالٌ وابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ، فَإنْ تَنازَعُوا في الِابْتِداءِ أُقْرِعَ بَيْنَهم، فَإنْ ضاقَ الوَقْتُ والمَسْجِدُ كَبِيرٌ أذَّنُوا في أقْطارِهِ كُلُّ واحِدٍ في قُطْرٍ؛ لِيَسْمَعَ أهْلُ تِلْكَ النّاحِيَةِ، وإنْ كانَ صَغِيرًا أذَّنُوا مَعًا وإذا لَمْ يُؤَدِّ إلى تَهْوِيشٍ.
قالَ صاحِبُ الحاوِي وغَيْرُهُ: ويَقِفُونَ جَمِيعًا عَلَيْهِ كَلِمَةً كَلِمَةً فَإنْ أدّى إلى تَهْوِيشٍ أذَّنَ واحِدٌ. إلَخْ.
وَفِي صَحِيحِ البُخارِيِّ، بابُ مَن قالَ: لِيُؤَذِّنْ في السَّفَرِ مُؤَذِّنٌ واحِدٌ، وساقَ بِسَنَدِهِ عَنْ مالِكِ بْنِ الحُوَيْرِثِ: «أتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ في نَفَرٍ مِن قَوْمِي، فَأقَمْنا عِنْدَهُ عِشْرِينَ لَيْلَةً وكانَ رَحِيمًا ورَفِيقًا، فَلَمّا رَأى شَوْقَنا إلى أهالِينا، قالَ: ”ارْجِعُوا فَكُونُوا فِيهِمْ، وعَلِّمُوهم وصَلُّوا إذا حَضَرَتِ الصَّلاةُ، فَلْيُؤَذِّنْ لَكم أحَدُكم، ولْيَؤُمَّكم أكْبَرُكم»“ .
قالَ في الفَتْحِ أثْناءَ الشَّرْحِ: وعَلى هَذا فَلا مَفْهُومَ لِقَوْلِهِ: مُؤَذِّنٌ واحِدٌ في السَّفَرِ لِأنَّ (p-١٤٦)الحَضَرَ أيْضًا لا يُؤَذِّنُ فِيهِ إلّا واحِدٌ، ولَوِ احْتِيجَ إلى تَعَدُّدِهِمْ لِتَباعُدِ أقْطارِ البَلَدِ أذَّنَ كُلُّ واحِدٍ في جِهَةٍ ولا يُؤَذِّنُونَ جَمِيعًا.
وَقَدْ قِيلَ: إنَّ أوَّلَ مَن أحْدَثَ التَّأْذِينَ جَمِيعًا بَنُو أُمَيَّةَ.
وَقالَ الشّافِعِيُّ في الأُمِّ: وأُحِبُّ أنْ يُؤَذِّنَ مُؤَذِّنٌ بَعْدَ مُؤَذِّنٍ، ولا يُؤَذِّنُونَ جَمِيعًا، وإنْ كانَ مَسْجِدٌ كَبِيرٌ فَلا بَأْسَ أنْ يُؤَذِّنَ في كُلِّ جِهَةٍ مِنهُ، مُؤَذِّنٌ، يُسْمِعُ مَن يَلِيهِ في وقْتٍ واحِدٍ. اهـ.
وَهَذا الَّذِي حَكاهُ الشّارِحُ عَنِ الشّافِعِيِّ مَوْجُودٌ في الأُمِّ، ولَكِنْ بِلَفْظِ فَلا بَأْسَ أنْ يُؤَذِّنَ في كُلِّ مَنارَةٍ لَهُ مُؤَذِّنٌ فَيُسْمِعُ مَن يَلِيهِ في وقْتٍ واحِدٍ. ا هـ.
وَهَذا القَدْرُ كافٍ لِبَيانِ قَوْلِ الشّافِعِيِّ وأصْحابِهِ، مِن أنَّ التَّعَدُّدَ جائِزٌ بِحَسَبِ المَصْلَحَةِ.
وَعِنْدَ مالِكٍ جاءَ في المُوَطَّأِ حَدِيثُ بِلالٍ وابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ أيْضًا.
وَقالَ الباجِيُّ في شَرْحِهِ: ويَدُلُّ هَذا الحَدِيثُ عَلى جَوازِ اتِّخاذِ مُؤَذِّنَيْنِ في مَسْجِدٍ يُؤَذِّنانِ لِصَلاةٍ واحِدَةٍ.
وَرَوى عَلِيُّ بْنُ زِيادٍ عَنْ مالِكٍ: لا بَأْسَ أنْ يُؤَذِّنَ لِلْقَوْمِ في السَّفَرِ والحَرَسِ والمَرْكِبِ ثَلاثَةُ مُؤَذِّنِينَ وأرْبَعَةٌ، ولا بَأْسَ أنْ يُتَّخَذَ في المَسْجِدِ أرْبَعَةُ مُؤَذِّنِينَ وخَمْسَةٌ.
قالَ ابْنُ حَبِيبٍ: ولا بَأْسَ فِيما اتَّسَعَ وقْتُهُ مِنَ الصَّلَواتِ، كالصُّبْحِ والظُّهْرِ والعِشاءِ، أنْ يُؤَذِّنَ خَمْسَةٌ إلى عَشَرَةٍ واحِدٌ بَعْدَ واحِدٍ، وفي العَصْرِ مِن ثَلاثَةٍ إلى خَمْسَةٍ، ولا يُؤَذِّنُ في المَغْرِبِ إلّا واحِدٌ.
فَهَذا نَصُّ مالِكٍ والمالِكِيَّةِ في جَوازِ تَعَدُّدِ الأذانِ في المَسْجِدِ الواحِدِ، يُؤَذِّنُونَ واحِدًا بَعْدَ واحِدٍ.
وَفِي مَتْنِ خَلِيلٍ ما نَصُّهُ: وتَعَدُّدُهُ وتَرْتِيبُهم إلّا المَغْرِبَ، وجَمْعُهم كُلٌّ عَلى أذانٍ.
وَذَكَرَ الشّارِحُ الخُرَشِيُّ: مِن خَمْسَةٍ إلى عَشَرَةٍ في الصُّبْحِ والظُّهْرِ والعِشاءِ، وفي العَصْرِ مِن ثَلاثَةٍ إلى خَمْسَةٍ، وفي المَغْرِبِ واحِدٌ أوْ جَماعَةٌ. إلَخْ.
وَعِنْدَ الحَنابِلَةِ قالَ في المُغْنِي: فَصْلٌ، ولا يُسْتَحَبُّ الزِّيادَةُ عَلى مُؤَذِّنَيْنِ لِحَدِيثِ (p-١٤٧)بِلالٍ وابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ أيْضًا، ثُمَّ قالَ: إلّا أنْ تَدْعُوَ الحاجَةُ إلى الزِّيادَةِ عَلَيْهِما فَيَجُوزُ.
فَقَدْ رُوِيَ عَنْ عُثْمانَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنَّهُ كانَ لَهُ أرْبَعَةُ مُؤَذِّنِينَ، وإنْ دَعَتِ الحاجَةُ إلى أكْثَرَ مِنهم كانَ مَشْرُوعًا، وإذا كانَ أكْثَرُ مِن واحِدٍ وكانَ الواحِدُ يُسْمِعُ النّاسَ، فالمُسْتَعْجَبُ أنْ يُؤَذِّنَ واحِدٌ بَعْدَ واحِدٍ؛ لِأنَّ مُؤَذِّنِي النَّبِيِّ ﷺ كانَ أحَدُهُما يُؤَذِّنُ بَعْدَ الآخَرِ، وإنْ كانَ الإعْلامُ لا يَحْصُلُ بِواحِدٍ أذَّنُوا عَلى حَسَبِ ما يُحْتاجُ إلَيْهِ، إمّا أنْ يُؤَذِّنَ كُلُّ واحِدٍ في مَنارَةٍ أوْ ناحِيَةٍ أوْ دَفْعَةٍ واحِدَةٍ في مَوْضِعٍ واحِدٍ.
قالَ أحْمَدُ: إنْ أذَّنَ عِدَّةٌ في مَنارَةٍ فَلا بَأْسَ، وإنْ خافُوا مَن تَأْذِينِ واحِدٍ بَعْدَ واحِدٍ فَواتَ أوَّلِ الوَقْتِ، أذَّنُوا جَمِيعًا دَفْعَةً واحِدَةً.
وَعِنْدَ الأحْنافِ: جاءَ في فَتْحِ القَدِيرِ شَرْحِ الهِدايَةِ في سِياقِ إجابَةِ المُؤَذِّنِ وحِكايَةِ الأذانِ ما نَصُّهُ: إذا كانَ في المَسْجِدِ أكْثَرُ مِن مُؤَذِّنٍ أذَّنُوا واحِدًا بَعْدَ واحِدٍ، فالحُرْمَةُ لِلْأوَّلِ إلى أنْ قالَ: فَإذا فُرِضَ أنْ سَمِعُوهُ مِن غَيْرِ مَسْجِدِهِ تَحَقَّقَ في حَقِّهِ السَّبَبُ، فَيَصِيرُ كَتَعَدُّدِهِمْ في المَسْجِدِ الواحِدِ، فَإنْ سَمِعَهم مَعًا أجابَ مُعْتَبِرًا كَوْنَ جَوابِهِ لِمُؤَذِّنِ مَسْجِدِهِ.
هَذِهِ نُصُوصُ الأئِمَّةِ - رَحِمَهُمُ اللَّهُ - في جَوازِ تَعَدُّدِ المُؤَذِّنِينَ والأذانِ في المَسْجِدِ الواحِدِ لِلصَّلاةِ الواحِدَةِ مُتَفَرِّقِينَ أوْ مُجْتَمِعِينَ.
وَقالَ ابْنُ حَزْمٍ: ولا يَجُوزُ أنْ يُؤَذِّنَ اثْنانِ فَصاعِدًا مَعًا، فَإنْ كانَ ذَلِكَ فالمُؤَذِّنُ هو المُبْتَدِئُ إلى أنْ قالَ:
وَجائِزٌ أنْ يُؤَذِّنَ جَماعَةٌ واحِدًا بَعْدَ واحِدٍ لِلْمَغْرِبِ وغَيْرِها سَواءٌ في كُلِّ ذَلِكَ، فَلَمْ يَمْنَعْ تَعَدُّدَ الأذانِ مِن عِدَّةِ مُؤَذِّنِينَ في المَسْجِدِ الواحِدِ أحَدٌ مِن سَلَفِ الأُمَّةِ.
* *
الحِكْمَةُ في الأذانِ
أمّا الحِكْمَةُ في الأذانِ فَإنَّ أعْظَمَها أنَّ مِن خَصائِصِ هَذِهِ الأُمَّةِ كَما تَقَدَّمَ في أصْلِ مَشْرُوعِيَّتِهِ، وقَدِ اشْتَمَلَ عَلى أُصُولِ عَقائِدِ التَّوْحِيدِ تُعْلَنُ عَلى المَلَأِ، تَمْلَأُ الأسْماعَ حَتّى صارَ شِعارَ المُسْلِمِينَ.
وَنُقِلَ عَنِ القاضِي عِياضٍ رَحِمَهُ اللَّهُ قَوْلُهُ:
(p-١٤٨)اعْلَمْ أنَّ الأذانَ كَلامٌ جامِعٌ لِعَقِيدَةِ الإيمانِ مُشْتَمِلٌ عَلى نَوْعِهِ مِنَ العَقْلِيّاتِ والسَّمْعِيّاتِ، فَأوَّلُهُ: إثْباتُ الذّاتِ وما تَسْتَحِقُّهُ مِنَ الكِمالاتِ والتَّنْزِيهِ عَنْ أضْدادِها وذَلِكَ بِقَوْلِهِ: اللَّهُ أكْبَرُ وهَذِهِ اللَّفْظَةُ مَعَ اخْتِصارِ لَفْظِها دالَّةٌ عَلى ما ذَكَرْناهُ.
ثُمَّ يُصَرِّحُ بِإثْباتِ الوَحْدانِيَّةِ ونَفْيِ ضِدِّها مِنَ الشَّرِكَةِ المُسْتَحِيلَةِ في حَقِّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى، وهَذِهِ عُمْدَةُ الإيمانِ والتَّوْحِيدِ المُقَدَّمَةِ عَلى كُلِّ وظائِفِ الدِّينِ، ثُمَّ يُصَرِّحُ بِإثْباتِ النُّبُوَّةِ والشَّهادَةِ بِالرِّسالَةِ لِنَبِيِّنا مُحَمَّدٍ ﷺ وهي قاعِدَةٌ عَظِيمَةٌ بَعْدَ الشَّهادَةِ بِالوَحْدانِيَّةِ، ومَوْضِعُها بَعْدَ التَّوْحِيدِ؛ لِأنَّها مِن بابِ الأفْعالِ الجائِزَةِ الوُقُوعِ، وتِلْكَ المُقَدِّماتُ مِن بابِ الواجِباتِ وبَعْدَ هَذِهِ القَواعِدِ كَلِماتُ العَقائِدِ العَقْلِيّاتِ، فَدَعا إلى الصَّلاةِ وجَعَلَها عَقِبَ إثْباتِ النُّبُوَّةِ، لِأنَّ مَعْرِفَةَ وُجُوبِها مِن جِهَةِ النَّبِيِّ ﷺ لا مِن جِهَةِ العَقْلِ.
ثُمَّ دَعا إلى الفَلاحِ وهو الفَوْزُ والبَقاءُ في النَّعِيمِ المُقِيمِ، وفِيهِ إشْعارٌ بِأُمُورِ الآخِرَةِ مِنَ البَعْثِ والجَزاءِ وهي آخِرُ تَراجِمِ عَقائِدِ الإسْلامِ. إلَخْ.
وَمُرادُهُ بِالعَقْلِيّاتِ في العَقائِدِ أيْ إثْباتُ وُجُودِ اللَّهِ وأنَّهُ واحِدٌ لا شَرِيكَ لَهُ، وهو المَعْرُوفُ عِنْدَهم بِقانُونِ الإلْزامِ، الَّذِي يُقالُ فِيهِ: إنَّ المَوْجُودَ إمّا جائِزُ الوُجُودِ أوْ واجِبُهُ، فَجائِزُ الوُجُودِ جائِزُ العَدَمِ قَبْلَ وُجُودِهِ واسْتَوى الوُجُودُ والبَقاءُ في العَدَمِ قَبْلَ أنْ يُوجَدَ، فَتَرَجَّحَ وُجُودُهُ عَلى بَقائِهِ في العَدَمِ، وهَذا التَّرْجِيحُ لا بُدَّ لَهُ مِن مُرَجِّحٍ وهو اللَّهُ تَعالى. وواجِبُ الوُجُودِ لَمْ يَحْتَجْ إلى مُوجِدٍ، ولَمْ يَجُزْ في صِفَةِ عَدَمٍ وإلّا لاحْتاجَ مُوجِدُهُ إلى مُوجِدٍ، ومُرَجِّحُ وُجُودِهِ عَلى مَوْجُودٍ.
وَهَكَذا فاقْتَضى الإلْزامُ العَقْلِيُّ وُجُوبَ وُجُودِ مُوجِدٍ واجِبِ الوُجُودِ، وهَذا مِن حَيْثُ الوُجُودُ فَقَطْ، وقَدْ أُدْخِلَ العَقْلُ في بَعْضِ الصِّفاتِ الَّتِي يَسْتَلْزِمُها الوُجُودُ، والحَقُّ أنَّ العَقْلَ لا دَخْلَ لَهُ في العَقائِدِ مِن حَيْثُ الإثْباتُ أوِ النَّفْيُ؛ لِأنَّها سَمْعِيَّةٌ ولا تُؤْخَذُ إلّا عَنِ الشّارِعِ الحَكِيمِ، لِأنَّ العَقْلَ يَقْصُرُ عَنْ ذَلِكَ، ومُرادُنا التَّنْبِيهُ عَلى إدْخالِ العَقْلِيّاتِ هُنا فَقَطْ.
وَقَدْ سُقْنا كَلامَ القاضِي عِياضٍ هَذا في حِكْمَةِ الأذانِ لِوَجاهَتِهِ، ولِتَعْلَمَ مِن خُصُوصِيَّةِ الأذانِ في هَذِهِ الأُمَّةِ وغَيْرِها بِهِ أنَّهُ لَيْسَ بِصَلْصَلَةِ ناقُوسٍ أجْوَفَ، ولا أصْواتِ بُوقٍ أهْوَجَ، ولا دَقّاتِ طَبْلٍ أرْعَنَ، كَما هو الحالُ عِنْدَ الآخَرِينَ، بَلْ هو كَلِماتٌ ونِداءٌ يُوقِظُ القُلُوبَ مِن سُباتِها، وتُفِيقُ النُّفُوسُ مِن غَفْلَتِها، وتَكُفُّ الأذْهانُ عَنْ تَشاغُلِها، وتُهَيِّئُ المُسْلِمَ إلى هَذِهِ (p-١٤٩)الفَرِيضَةِ العُظْمى، ثانِيَةِ أرْكانِ الإسْلامِ وعَمُودِهِ.
فَإذا ما سَمِعَ اللَّهُ أكْبَرُ اللَّهُ أكْبَرُ مَرَّتَيْنِ، عَظُمَ اللَّهُ في نَفْسِهِ، واسْتَحْضَرَ جَلالَهُ وقَدَّسَهُ واسْتَصْغَرَ كُلَّ شَيْءٍ بَعْدَ اللَّهِ، فَلا يَشْغَلُهُ شَيْءٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ؛ لِأنَّ اللَّهَ أكْبَرُ مِن كُلِّ شَيْءٍ، فَلا يَشْغَلُ نَفْسَهُ عَنْهُ أيُّ شَيْءٍ.
فَإذا سَمِعَ أشْهَدُ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، عَلِمَ أنَّ مِن حَقِّهِ عَلَيْهِ طاعَةَ اللَّهِ وعِبادَتَهُ.
وَإذا سَمِعَ: أشْهَدُ أنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، عَلِمَ أنَّهُ يَلْزَمُهُ اسْتِجابَةُ داعِي اللَّهِ.
وَإذا سَمِعَ حَيَّ عَلى الصَّلاةِ حَيَّ عَلى الفَلاحِ، عَلِمَ أنَّ فَلاحَهُ في صِلاتِهِ في وقْتِها لا فِيما يَشْغَلُهُ عَنْها.
وَهَكَذا فَكانَ مَمْشاهُ إلَيْها تَخَشُّعًا، وخُطاهُ إلى المَسْجِدِ تَطَوُّعًا مَعَ حُضُورِ القَلْبِ واسْتِجْماعِ الشُّعُورِ.
وَمِن هُنا أيْضًا نُدْرِكُ السِّرَّ في طَلَبِ السّامِعِ مُحاكاةَ الأذانِ تَبَعًا لِلْمُؤَذِّنِ لِيَرْتَبِطَ مَعَهُ في إعْلانِهِ وعَقِيدَتِهِ وشُعُورِهِ، كَما جاءَ في أثَرِ عَمْرِو بْنِ العاصِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنَّ رَجُلًا قالَ: «يا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ المُؤَذِّنِينَ يَفْضُلُونَنا، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ”قُلْ مِثْلَ ما يَقُولُونَ، فَإذا انْتَهَيْتَ فاسْألْ تُعْطَهُ»“ . رَواهُ أبُو داوُدَ.
وَقَدْ قَدَّمْنا هَذا المَوْضُوعَ هُنا، وإنْ كانَ لَيْسَ مِن مَنهَجِ الكِتابِ، ولَكِنْ لِمُوجِبِ اقْتِضاءٍ، ولِمُناسَبَةِ مَبْحَثِ الأذانِ.
أمّا المُوجِبُ فَهو أنِّي سَمِعْتُ مُنْذُ أيّامٍ أثْناءَ الكِتابَةِ في مَباحِثِ الأذانِ، وسَمِعْتُ مِن إذاعَةٍ لِبَلَدٍ عَرَبِيٍّ مُسْلِمٍ أنَّ كاتِبًا اسْتَنْكَرَ الأذانَ في الصُّبْحِ خاصَّةً، وفي بَقِيَّةِ الأوْقاتِ بِواسِطَةِ المُكَبِّرِ لِلصَّوْتِ، وقالَ: إنَّهُ يُرْهِقُ الأعْصابَ وخاصَّةً عِنْدَ أداءِ النّاسِ لِأعْمالِهِمْ أوْ عِنْدَ الفَراغِ مِنها والعَوْدَةِ لِراحَتِهِمْ، ولا سِيَّما في الفَجْرِ عِنْدَ نَوْمِهِمْ، فَكانَ وقْعُهُ ألِيمًا أنْ يَصْدُرَ ذَلِكَ ويُنْشَرَ، ولَكِنْ أجابَ عَلَيْهِ أحَدُ خُطَباءِ الجُمَعِ في خُطْبَةٍ وافِيَةٍ، وأفْهَمَهُ أنَّ الإرْهاقَ والِاضْطِرابَ إنَّما هو مِن عَدَمِ الِاسْتِجابَةِ لِهَذا النِّداءِ، وأنَّ الرَّسُولَ ﷺ أخْبَرَ أنَّ الشَّيْطانَ يَبُولُ في أُذُنِ النّائِمِ، وأنَّهُ يَعْقِدُ عَلَيْهِ ثَلاثَ عُقَدٍ، فَإذا ما اسْتَيْقَظَ وذَكَرَ اللَّهَ انْحَلَّتْ عُقْدَةٌ، وإذا تَوَضَّأ انْحَلَّتْ عُقْدَةٌ أُخْرى، فَإذا صَلّى انْحَلَّتِ العُقْدَةُ الثّالِثَةُ، وأصْبَحَ نَشِيطًا إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الرَّدِّ الكافِي.
(p-١٥٠)وَلا شَكَّ أنَّ مِثْلَ تِلْكَ الكِتابَةِ لا تَصْدُرُ إلّا مِمَّنْ لا يَعِي مَعْنى الأذانِ.
هَذا ما اسْتَوْجَبَ عَرْضَ الحِكْمَةِ مِنَ الأذانِ، وإنْ كانَتْ مُجانِبَةً لِمَنهَجِ الكِتابِ، ولَكِنْ بِمُناسَبَةِ مَباحِثِ الأذانِ يُغْتَفَرُ ذَلِكَ، وبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.
* *
مُحاكاةُ المُؤَذِّنِ
تُعْتَبَرُ مُحاكاةُ المُؤَذِّنِ رَبْطًا لِسامِعِ الأذانِ، وتَنْبِيهًا لَهُ لِمَوْضُوعِهِ، جاءَ الحَدِيثُ: «إذا سَمِعْتُمُ المُؤَذِّنَ فَقُولُوا مِثْلَ ما يَقُولُ» رَواهُ البُخارِيُّ.
وَفِي رِوايَةٍ عِنْدَهُ «عَنْ مُعاوِيَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنَّهُ قالَ أيْ مُعاوِيَةُ: وهو عَلى المِنبَرِ مِثْلَ قَوْلِ المُؤَذِّنِ إلى قَوْلِهِ: أشْهَدُ أنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، ولَمّا قالَ المُؤَذِّنُ: حَيَّ عَلى الصَّلاةِ، قالَ مُعاوِيَةُ: لا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ، وكَذَلِكَ: حَيَّ عَلى الفَلاحِ، ثُمَّ قالَ: هَكَذا سَمِعْنا نَبِيَّكم ﷺ» .
وَعِنْدَ النَّسائِيِّ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: «كُنّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فَقامَ بِلالٌ يُنادِي، فَلَمّا سَكَتَ قالَ ﷺ: ”مَن قالَ مِثْلَ هَذا يَقِينًا دَخَلَ الجَنَّةَ»“ .
كَيْفِيَّةُ المُحاكاةِ، في الحَدِيثِ الأوَّلِ: «فَقُولُوا مِثْلَما يَقُولُ» وهَكَذا يَشْعُرُ بِتَتَبُّعِهِ جُمْلَةً جُمْلَةً، وفي الحَدِيثِ الثّانِي: «فَلَمّا سَكَتَ قالَ ﷺ: ”مَن قالَ مِثْلَ هَذا»“ وبَعْدَ السُّكُوتِ تَنْطَبِقُ المِثْلِيَّةُ بِمَجِئِ الأذانِ بَعْدَ فَراغِ المُؤَذِّنِ، فَوَقَعَ الِاحْتِمالُ.
وَقَدْ جاءَ عِنْدَ مُسْلِمٍ وأبِي داوُدَ ما يُؤَيِّدُ الأوَّلَ، فَعَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنَّهُ ﷺ قالَ: «إذا قالَ المُؤَذِّنُ: اللَّهُ أكْبَرُ اللَّهُ أكْبَرُ، فَقالَ أحَدُكم: اللَّهُ أكْبَرُ اللَّهُ أكْبَرُ، ثُمَّ قالَ أشْهَدُ ألّا إلَهَ إلّا اللَّهُ، قالَ: أشْهَدُ ألّا إلَهَ إلّا اللَّهُ، ثُمَّ قالَ: أشْهَدُ أنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، قالَ: أشْهَدُ أنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، ثُمَّ قالَ: حَيَّ عَلى الصَّلاةِ قالَ: لا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ، ثُمَّ قالَ: حَيَّ عَلى الفَلاحِ، قالَ: لا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ، ثُمَّ قالَ: اللَّهُ أكْبَرُ اللَّهُ أكْبَرُ، قالَ: اللَّهُ أكْبَرُ اللَّهُ أكْبَرُ، ثُمَّ قالَ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ مِن قَلْبِهِ دَخَلَ الجَنَّةَ» .
فَهَذا نَصٌّ صَرِيحٌ في أنَّ مُحاكِيَ المُؤَذِّنِ يُتابِعُهُ جُمْلَةً جُمْلَةً إلى آخِرِهِ ما عَدا الحَيْعَلَتَيْنِ، فَإنَّهُ يَأْتِي بَدَلًا مِنهُما بِالحَوْقَلَةِ، وقالُوا: إنَّ الحَيْعَلَتَيْنِ نِداءٌ لِلْإقْبالِ عَلى المُنادِي، وهَذا يَصْدُقُ في حَقِّ المُؤَذِّنِ، أمّا الَّذِي يَحْكِي الأذانَ فَلَمْ يَرْفَعْ صَوْتَهُ ولا يَصْدُقُ (p-١٥١)عَلَيْهِ أنْ يُنادِيَ غَيْرَهُ فَلا أجْرَ لَهُ في نُطْقِهِ بِهِما، فَيَأْتِي بِلا حَوْلٍ ولا قُوَّةٍ إلّا بِاللَّهِ لِأمْرَيْنِ الأوَّلِ: أنَّهُ ذِكْرٌ يُثابُ عَلَيْهِ سِرًّا وعَلانِيَةً، والثّانِي: اسْتِشْعارٌ بِأنَّهُ لا حَوْلَ لَهُ عَنْ مَعْصِيَةٍ ولا قُوَّةَ لَهُ عَلى طاعَةٍ إلّا بِاللَّهِ العَلِيِّ العَظِيمِ، وفِيهِ اسْتِعانَةٌ بِاللَّهِ وحَوْلِهِ وقُوَّتِهِ عَلى إجابَةِ هَذا النِّداءِ، وأداءِ الصَّلاةِ مَعَ الجَماعَةِ.
وَقَدْ أخَذَ الجُمْهُورُ بِحَدِيثِ عُمَرَ عِنْدَ مُسْلِمٍ بِمُحاكاةِ المُؤَذِّنِ في جَمِيعِ الأذانِ عَلى النَّحْوِ المُقَدَّمِ، وعِنْدَ مالِكٍ يَكْتَفِي إلى الحَوْقَلَةِ لِحَدِيثِ مُعاوِيَةَ. ونَصُّ كُتُبِ المالِكِيَّةِ أنَّهُ هو المَشْهُورُ في المَذْهَبِ وغَيْرُ المَشْهُورِ أيْ مُقابِلُ المَشْهُورِ طَلَبُ حِكايَةِ الأذانِ جَمِيعِهِ، ذَكَرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ عَلى خَلِيلٍ.
* *
بَعْضُ الزِّياداتِ عَلى ألْفاظِ الأذانِ
تَقَدَّمَ ذِكْرُ الحَوْقَلَةِ عِنْدَ الحَيْعَلَةِ في بَعْضِ رِواياتِ مُسْلِمٍ وغَيْرِهِ، عِنْدَ الشَّهادَتَيْنِ يَقُولُ زِيادَةً: «وَأنا أشْهَدُ ألّا إلَهَ إلّا اللَّهُ وحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، وأشْهَدُ أنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ ورَسُولُهُ رَضِيتُ بِاللَّهِ رَبًّا، وبِمُحَمَّدٍ رَسُولًا، وبِالإسْلامِ دِينًا غُفِرَتْ لَهُ ذُنُوبُهُ» .
* *
الصَّلاةُ عَلى النَّبِيِّ ﷺ وسُؤالُ اللَّهِ لَهُ الوَسِيلَةَ.
وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِن حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ العاصِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «إذا سَمِعْتُمُ المُؤَذِّنَ فَقُولُوا مِثْلَما يَقُولُ، ثُمَّ صَلُّوا عَلَيَّ فَإنَّهُ مَن صَلّى عَلَيَّ صَلاةً صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ بِها عَشْرًا، ثُمَّ سَلُوا اللَّهَ لِيَ الوَسِيلَةَ؛ فَإنَّها مَنزِلَةٌ في الجَنَّةِ لا تَنْبَغِي إلّا لِعَبْدٍ مِن عِبادِ اللَّهِ، وأرْجُو أنْ أكُونَ أنا هو، فَمَن سَألَ لِيَ الوَسِيلَةَ حَلَّتْ لَهُ الشَّفاعَةُ» وهَذا عامٌّ لِلْأذانِ في الصَّلَواتِ الخَمْسِ إلّا أنَّهُ جاءَ في المَغْرِبِ والفَجْرِ بَعْضُ الزِّياداتِ، فَفي المَغْرِبِ حَكى النَّوَوِيُّ: أنَّهُ لَهُ أنْ يَقُولَ بَعْدَ النِّداءِ: «اللَّهُمَّ هَذا إقْبالُ لَيْلِكَ، وإدْبارُ نَهارِكَ وأصْواتُ دُعائِكَ اغْفِرْ لِي»، ويَدْعُو بَيْنَ الأذانِ والإقامَةِ، ذَكَرَهُ صاحِبُ المُهَذَّبِ وعَزاهُ لِحَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ، وأقَرَّهُ النَّوَوِيُّ في المَجْمُوعِ.
أمّا في سَماعِ أذانِ الفَجْرِ فَيَقُولُ عِنْدَ (الصَّلاةُ خَيْرٌ مِنَ النَّوْمِ): صَدَقْتَ وبَرَرْتَ، حَكاهُ النَّوَوِيُّ في المَجْمُوعِ.
وَعَنِ الرّافِعِيِّ يَقُولُ: صَدَقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الصَّلاةُ خَيْرٌ مِنَ النَّوْمِ.
وَإذا سَمِعَ المُؤَذِّنَ وهو في الصَّلاةِ، نَصَّ العُلَماءُ عَلى أنَّهُ لا يَحْكِيهِ؛ لِأنَّ في الصَّلاةِ (p-١٥٢)لَشُغْلًا، وإذا سَمِعَهُ وهو في المَسْجِدِ جالِسٌ نَصَّ أحْمَدُ أنَّهُ لا يَقُومُ حالًا لِلصَّلاةِ حَتّى يَفْرَغَ المُؤَذِّنُ أوْ يَقْرُبَ.
وَإذا دَخَلَ المَسْجِدَ وهو يُؤَذِّنُ اسْتُحِبَّ لَهُ انْتِظارُهُ لِيَفْرَغَ ويَقُولَ مِثْلَ ما يَقُولُ جَمْعًا بَيْنَ الفَضِيلَتَيْنِ، وإنْ لَمْ يَقُلْ كَقَوْلِهِ وافْتَتَحَ الصَّلاةَ فَلا بَأْسَ، ذَكَرَهُ صاحِبُ المُغْنِي عَنْ أحْمَدَ رَحِمَهُ اللَّهُ.
[[اختُصِرَ كلام المؤلف لشدة طوله]]
Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии