Аш-Шинкити · Тафсир · на арабском
Аль-Джумуа 62:9, продолжение
وَبِهَذا تَتَّفِقُ الرِّواياتُ كُلُّها في تَرْبِيعِ التَّكْبِيرِ في الأذانِ.
(p-١٣٢)أمّا الإقامَةُ فَحَدِيثُ بِلالٍ نَصٌّ في إيثارِ الإقامَةِ إلّا لَفْظَ الإقامَةِ وهو عَيْنُ نَصِّ الإقامَةِ في حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ، وعَيْنُ النَّصِّ في حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، والإقامَةُ مَرَّةً مَرَّةً إلّا الإقامَةَ، أيْ: فَهي مَرَّتَيْنِ، وعَلى هَذا العَرْضِ وبِهَذِهِ المُناقَشَةِ يَكُونُ الرّاجِحُ هو العَمَلَ بِحَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ في الأذانِ والإقامَةِ، مَعَ أخْذِ التَّرْجِيعِ والتَّثْوِيبِ مِن حَدِيثِ أبِي مَحْذُورَةَ لِلْأذانِ.
ثُمَّ نَسُوقُ ما أخَذَ بِهِ فُقَهاءُ الأمْصارِ مِن هَذا كُلِّهِ مَعَ بَيانِ النَّتِيجَةِ مِن جَوازِ العَمَلِ بِالجَمِيعِ إنْ شاءَ اللَّهُ.
قالَ ابْنُ رُشْدٍ في البِدايَةِ ما نَصُّهُ: اخْتَلَفَ العُلَماءُ في الأذانِ عَلى أرْبَعِ صِفاتٍ مَشْهُورَةٍ:
إحْداهُما: تَثْنِيَةُ التَّكْبِيرِ وتَرْبِيعُ الشَّهادَتَيْنِ وباقِيهِ مُثَنًّى، وهو مَذْهَبُ أهْلِ المَدِينَةِ مالِكٍ وغَيْرِهِ، واخْتارَ المُتَأخِّرُونَ مِن أصْحابِ مالِكٍ التَّرْجِيعَ في الشَّهادَتَيْنِ بِصَوْتٍ أخْفَضَ مِنَ الأذانِ.
والصِّفَةُ الثّانِيَةُ: أذانُ المَكِّيِّينَ، وبِهِ قالَ الشّافِعِيُّ، وهو تَرْبِيعُ التَّكْبِيرِ الأوَّلِ والشَّهادَتَيْنِ، وتَثْنِيَةُ باقِي الأذانِ.
والصِّفَةُ الثّالِثَةُ: أذانُ الكُوفِيِّينَ، وهو تَرْبِيعُ التَّكْبِيرِ الأوَّلِ وتَثْنِيَةُ باقِي الأذانِ، وبِهِ قالَ أبُو حَنِيفَةَ.
والصِّفَةُ الرّابِعَةُ: أذانُ البَصْرِيِّينَ، وهو تَرْبِيعُ التَّكْبِيرِ الأوَّلِ وتَثْلِيثُ الشَّهادَتَيْنِ، وحَيَّ عَلى الصَّلاةِ وحَيَّ عَلى الفَلاحِ، يَبْدَأُ بِأشْهَدُ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ حَتّى يَصِلَ إلى حَيَّ عَلى الفَلاحِ، ثُمَّ يُعِيدُ كَذَلِكَ مَرَّةً ثانِيَةً أعْنِي الأرْبَعَ كَلِماتٍ تَبَعًا ثُمَّ يُعِيدُهُنَّ ثالِثَةً، وبِهِ قالَ الحَسَنُ البَصْرِيُّ وابْنُ سِيرِينَ.
والسَّبَبُ في اخْتِلافِ كُلِّ واحِدٍ مِن هَؤُلاءِ الفِرَقِ الأرْبَعِ اخْتِلافُ الآثارِ في ذَلِكَ، واخْتِلافُ اتِّصالِ العَمَلِ عِنْدَ كُلِّ واحِدٍ مِنهم، وذَلِكَ أنَّ المَدَنِيِّينَ يَحْتَجُّونَ لِمَذْهَبِهِمْ بِالعَمَلِ المُتَّصِلِ بِذَلِكَ في المَدِينَةِ، والمَكِّيُّونَ كَذَلِكَ أيْضًا يَحْتَجُّونَ بِالعَمَلِ المُتَّصِلِ عِنْدَهم بِذَلِكَ، وكَذَلِكَ الكُوفِيُّونَ والبَصْرِيُّونَ، ولِكُلِّ واحِدٍ مِنهم آثارٌ تَشْهَدُ لِقَوْلِهِ. اهـ.
(p-١٣٣)ثُمَّ ساقَ نُصُوصَ كُلِّ فَرِيقٍ مِنَ النُّصُوصِ الَّتِي أوْرَدْناها سابِقًا، ولَمْ يُورِدْ نَصًّا لِمَذْهَبِ البَصْرِيِّينَ الَّذِي فِيهِ التَّثْلِيثُ المَذْكُورُ، وقَدْ وُجِدَ في مُصَنَّفِ عَبْدِ الرَّزّاقِ بِسَنَدٍ جَيِّدٍ مُجَلَّدَ (١) ص (٥٦٤) وجاءَ مَرْوِيًّا عَنْ بَعْضِ الصَّحابَةِ في المُصَنَّفِ المَذْكُورِ.
وَقالَ في الإقامَةِ: أمّا صِفَتُها فَإنَّها عِنْدَ مالِكٍ والشّافِعِيِّ بِتَثْنِيَةِ التَّكْبِيرِ في أوَّلِها، وبِإفْرادِ باقِيها إلّا لَفْظَ الإقامَةِ، فَعِنْدَ الشّافِعِيِّ مَرَّتَيْنِ وعِنْدَ أبِي حَنِيفَةَ، فَهي مَثْنى مَثْنى، وأمّا أحْمَدُ فَقَدْ خَيَّرَ بَيْنَ الأفْرادِ والتَّثْنِيَةِ فِيها اهـ.
تِلْكَ هي خُلاصَةُ أقْوالِ أئِمَّةِ الأمْصارِ في ألْفاظِ الأذانِ والإقامَةِ، وقَدْ أجْمَلَها العَلّامَةُ ابْنُ القَيِّمِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - في زادِ المَعادِ تَحْتَ عُنْوانِ: فَصْلُ مُؤَذِّنِيهِ ﷺ قالَ ما نَصُّهُ:
وَكانَ أبُو مَحْذُورَةَ يُرَجِّعُ الأذانَ ويُثَنِّي الإقامَةَ وبِلالٌ لا يُرَجِّعُ ويُفْرِدُ الإقامَةَ، فَأخَذَ الشّافِعِيُّ وأهْلُ مَكَّةَ بِأذانِ أبِي مَحْذُورَةَ، وإقامَةِ بِلالٍ، ويَعْنِي بِأذانِ أبِي مَحْذُورَةَ عَلى رِوايَةِ تَرْبِيعِ التَّكْبِيرِ، وأخَذَ أبُو حَنِيفَةَ، وأهْلُ العِراقِ بِأذانِ بِلالٍ وإقامَةِ أبِي مَحْذُورَةَ، وأخَذَ أحْمَدُ، وأهْلُ الحَدِيثِ، وأهْلُ المَدِينَةِ بِأذانِ بِلالٍ وإقامَتِهِ، أيْ: بِتَرْبِيعِ التَّكْبِيرِ وبِدُونِ تَرْجِيعٍ، وبِإفْرادِ الإقامَةِ إلى لَفْظِ الإقامَةِ، قالَ: وخالَفَ مالِكٌ في المَوْضِعَيْنِ إعادَةَ التَّكْبِيرِ وتَثْنِيَةَ لَفْظِ الإقامَةِ؛ فَإنَّهُ لا يُكَرِّرُها اهـ.
وَمُرادُهُ بِمُخالَفَةِ مالِكٍ هُنا لِأهْلِ الأمْصارِ، وإلّا فَهو مُتَّفِقٌ مَعَ بَعْضِ الصُّوَرِ المُتَقَدِّمَةِ. أمّا في عَدَمِ إعادَةِ التَّكْبِيرِ، فَعَلى حَدِيثِ أبِي مَحْذُورَةَ عِنْدَ مُسْلِمٍ، وعَدَمِ تَكْرِيرِهِ لِلَفْظِ الإقامَةِ، فَعَلى بَعْضِ رِواياتِ حَدِيثِ بِلالٍ أنْ يُوتِرَ الإقامَةَ أيْ عَلى هَذا الإطْلاقِ، وبِهَذا مَرَّةً أُخْرى يَظْهَرُ لَكَ أنَّ تِلْكَ الصِّفاتِ كُلَّها صَحِيحَةٌ، وأنَّها مِن بابِ اخْتِلافِ التَّنَوُّعِ وكُلٌّ ذَهَبَ إلى ما هو صَحِيحٌ وراجِحٌ عِنْدَهُ، ولا تَعارُضَ مُطْلَقًا إلّا قَوْلَ الحَسَنِ البَصْرِيِّ وابْنِ سِيرِينَ بِالتَّثْلِيثِ ولَمْ يَقُلْ بِهِ أحَدٌ مِنَ الأئِمَّةِ الأرْبَعَةِ.
وَقالَ ابْنُ تَيْمِيَةَ كَلِمَةَ فَصْلٍ في ذَلِكَ، في المَجْمُوعِ ج ٢٢ ص ٦٦ بَعْدَ ذِكْرِ هَذِهِ المَسْألَةِ ما نَصُّهُ: فَإذا كانَ كَذَلِكَ فالصَّوابُ مَذْهَبُ أهْلِ الحَدِيثِ ومَن وافَقَهم تَسْوِيغُ كُلِّ ما ثَبَتَ في ذَلِكَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ لا يَكْرَهُونَ شَيْئًا مِن ذَلِكَ، إذْ تَنَوُّعُ صِفَةِ الأذانِ والإقامَةِ كَتَنَوُّعِ صِفَةِ القِراءاتِ والتَّشَهُّداتِ ونَحْوِ ذَلِكَ، ولَيْسَ لِأحَدٍ أنْ يَكْرَهَ ما سَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِأُمَّتِهِ. اهـ.
(p-١٣٤)وَقالَ ابْنُ القَيِّمِ في زادِ المَعادِ في مَوْضِعٍ آخَرَ: مِمّا لا يَنْبَغِي الخِلافُ فِيهِ ما نَصُّهُ: وهَذا مِنَ الِاخْتِلافِ المُباحِ الَّذِي لا يُعَنَّفُ فِيهِ مَن فَعَلَهُ ولا مَن تَرَكَهُ.
وَهَذا كَرَفْعِ اليَدَيْنِ في الصَّلاةِ وتَرْكِهِ، وكالخِلافِ في أنْواعِ التَّشَهُّداتِ وأنْواعِ الأذانِ والإقامَةِ، وأنْواعِ النُّسُكِ مِنَ الإفْرادِ والتَّمَتُّعِ والقِرانِ.
تَنْبِيهٌ
قَدْ جاءَ في التَّثْوِيبِ بَعْضُ الآثارِ عَنْ عُمَرَ وبَعْضِ الأُمَراءِ، والصَّحِيحُ أنَّهُ مَرْفُوعٌ، كَما في قِصَّةِ بِلالٍ المُتَقَدِّمَةِ، ولا يَبْعُدُ أنَّ ما جاءَ عَنْ عُمَرَ أوْ غَيْرِهِ يَكُونُ تَكْرارًا لَمّا سَبَقَ أنْ جاءَ عَنْ بِلالٍ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ وقِيلَ فِيها هَلْ هو خاصٌّ بِالفَجْرِ أوْ عامٌّ في كُلِّ صَلاةٍ يَكُونُ الإمامُ نائِمًا فِيها ؟ والصَّحِيحُ أنَّهُ خاصٌّ بِالفَجْرِ وفي الأذانِ لا عِنْدَ بابِ الأمِيرِ أوِ الإمامِ، وتَقَدَّمَ أثَرُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ فِيمَن ثَوَّبَ في أذانِ الظُّهْرِ أنَّهُ اعْتَبَرَهُ بِدْعَةً وخَرَجَ مِنَ المَسْجِدِ.
* *
كَيْفِيَّةُ أداءِ الأذانِ
يُؤَدّى الأذانُ بِتَرَسُّلٍ وتَمَهُّلٍ؛ لِأنَّهُ إعْلانٌ لِلْبَعِيدِ، والإقامَةُ حَدْرًا؛ لِأنَّها لِلْحاضِرِ القَرِيبِ، أمّا النُّطْقُ بِالأذانِ فَيَكُونُ جَزْمًا غَيْرَ مُعْرَبٍ.
قالَ في المُغْنِي: ذَكَرَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ بَطَّةَ، أنَّهُ حالُ تَرَسُّلِهِ ودَرْجِهِ أيْ: في الأذانِ والإقامَةِ، لا يَصِلُ الكَلامَ بَعْضَهُ بِبَعْضٍ، بَلْ جَزْمًا. وحَكاهُ عَنِ ابْنِ الأنْبارِيِّ عَنْ أهْلِ اللُّغَةِ، وقالَ: ورُوِيَ عَنْ إبْراهِيمَ النَّخَعِيِّ قالَ: شَيْئانِ مَجْزُومانِ كانُوا لا يُعْرِبُونَهُما الأذانُ والإقامَةُ، قالَ: وهَذا إشارَةٌ إلى إجْماعِهِمْ.
* *
حُكْمُ الأذانِ والإقامَةِ
قالَ ابْنُ رُشْدٍ: واخْتَلَفَ العُلَماءُ في حُكْمِ الأذانِ هَلْ هو واجِبٌ أوْ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ ؟ وإنْ كانَ واجِبًا فَهَلْ هو مِن فُرُوضِ الأعْيانِ أوْ مِن فُرُوضِ الكِفايَةِ ؟ اهـ.
فَتَراهُ يَدُورُ حُكْمُهُ بَيْنَ فَرْضِ العَيْنِ والسُّنَّةِ المُؤَكَّدَةِ، والسَّبَبُ في هَذا الِاخْتِلافِ، اخْتِلافُهم في وِجْهَةِ النَّظَرِ في الغَرَضِ مِنَ الأذانِ هَلْ هو مِن حَقِّ الوَقْتِ لِلْإعْلامِ بِدُخُولِهِ أوْ مِن حَقِّ الصَّلاةِ، كَذِكْرٍ مِن أذْكارِها أوْ هو شِعارٌ لِلْمُسْلِمِينَ يُمَيِّزُهم عَنْ غَيْرِهِمْ ؟
وَسَنُجْمِلُ أقْوالَ الأئِمَّةِ - رَحِمَهُمُ اللَّهُ - مَعَ الإشارَةِ إلى مَأْخَذِ كُلٍّ مِنهم ثُمَّ بَيانِ الرّاجِحِ (p-١٣٥)إنْ شاءَ اللَّهُ.
أوَّلًا: اتَّفَقَ الشّافِعِيُّ، وأبُو حَنِيفَةَ عَلى أنَّهُ سُنَّةٌ عَلى ما رَجَّحَهُ النَّوَوِيُّ عَنِ الشّافِعِيِّ في المَجْمُوعِ أنَّهُ سُنَّةٌ في حَقِّ الجَمِيعِ المُنْفَرِدِ والجَماعَةِ في الحَضَرِ وفي السَّفَرِ، أيْ: أنَّهُ لا تَتَعَلَّقُ بِهِ صِحَّةُ الصَّلاةِ.
وَحُكِيَ عَنْهُ أنَّهُ فَرْضُ كِفايَةٍ أيْ: لِلْجَماعَةِ أوْ لِلْجُمُعَةِ خاصَّةً، والدَّلِيلُ لَهم في ذَلِكَ حَدِيثُ المُسِئِ صَلاتَهُ؛ لِأنَّ النَّبِيَّ ﷺ عَلَّمَهُ مَعَها الوُضُوءَ، واسْتِقْبالَ القِبْلَةِ، ولَمْ يُعَلِّمْهُ أمْرَ الأذانِ ولا الإقامَةِ.
ثانِيًا: مالِكٌ جاءَ عَنْهُ أنَّهُ فَرَضَ عَلى المَساجِدِ الَّتِي لِلْجَماعَةِ ولَيْسَ عَلى المُنْفَرِدِ فَرْضًا ولا سُنَّةً.
وَعَنْهُ: أنَّهُ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ عَلى مَساجِدِ الجَماعَةِ، فَفَرَّقَ مالِكٌ بَيْنَ المُنْفَرِدِ ومَساجِدِ الجَماعَةِ. وفي مَتْنِ خَلِيلٍ عِنْدَهم أنَّهُ سُنَّةٌ لِجَماعَةٍ تَطْلُبُ غَيْرَها في فَرْضٍ وقْتِيٍّ، ولَوْ جُمُعَةٍ أيْ وما عَدا ذَلِكَ فَلَيْسَ بِسُنَّةٍ، فَلَمْ يَجْعَلْهُ عَلى المُنْفَرِدِ أصْلًا. واخْتَلَفَ القَوْلُ عَنْهُ في مَساجِدِ الجَماعَةِ ما بَيْنَ الفَرْضِ والسُّنَّةِ المُؤَكَّدَةِ، واسْتَدَلَّ بِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - «كانَ لا يَزِيدُ عَلى الإقامَةِ في السَّفَرِ إلّا في الصُّبْحِ، وكانَ يَقُولُ: إنَّما الأذانُ لِلْإمامِ الَّذِي يَجْتَمِعُ لَهُ النّاسُ»، رَواهُ مالِكٌ.
وَكَذَلِكَ أثَرُ ابْنِ مَسْعُودٍ وعَلْقَمَةَ، صَلَّوْا بِغَيْرِ أذانٍ ولا إقامَةٍ. قالَ سُفْيانُ: كَفَتْهم إقامَةُ المِصْرِ، وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: إقامَةُ المِصْرِ تَكْفِي، رَواهُما الطَّبَرانِيُّ في الكَبِيرِ بِلِينٍ.
ثالِثًا: وعِنْدَ الحَنابِلَةِ: قالَ الخِرَقِيُّ: هو سُنَّةٌ أيْ كالشّافِعِيِّ وأبِي حَنِيفَةَ، وغَيْرُ الخِرَقِيِّ قالَ كَقَوْلِ مالِكٍ.
رابِعًا: عِنْدَ الظّاهِرِيَّةِ فَرْضٌ عَلى الأعْيانِ، ويَسْتَدِلُّونَ بِحَدِيثِ مالِكِ بْنِ الحُوَيْرِثِ وصاحِبِهِ، قالَ لَهُما ﷺ: «إذا كُنْتُما في سَفَرٍ فَأذِّنا وأقِيما، ولْيَؤُمَّكُما أكْبَرُكُما» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
فَحَمَلُوا الأمْرَ عَلى الوُجُوبِ.
هَذا مُوجَزُ أقْوالِ الأئِمَّةِ - رَحِمَهُمُ اللَّهُ - مَعَ الإشارَةِ إلى أدِلَّتِهِمْ في الجُمْلَةِ، وحُكْمُهُ كَما رَأيْتَ دائِرٌ بَيْنَ السُّنَّةِ عُمُومًا عِنْدَ الشّافِعِيِّ وأبِي حَنِيفَةَ، والوُجُوبُ عِنْدَ الظّاهِرِيَّةِ.
(p-١٣٦)والسُّنَّةُ المُؤَكَّدَةُ أوْ فَرْضُ الكِفايَةِ عِنْدَ مالِكٍ وغَيْرِهِ عَلى تَفْصِيلٍ في ذَلِكَ.
وَقَدْ رَأيْتُ النُّصُوصَ عِنْدَ الجَمِيعِ، ولَكِنَّ مِن أسْبابِ الخِلافِ في حُكْمِ الأذانِ هو تَرَدُّدُ النَّظَرِ فِيهِ هَلْ هو في حَقِّ الوَقْتِ لِلْإعْلامِ بِدُخُولِ الوَقْتِ، أوْ هو حَقُّ الصَّلاةِ نَفْسِها، أوْ هو شِعارٌ لِلْمُسْلِمِينَ ؟
فَعَلى أنَّهُ مِن حَقِّ الوَقْتِ، فَأذانٌ واحِدٌ، فَإنَّهُ يَحْصُلُ بِهِ الإعْلامُ ويَكْفِي عَنْ غَيْرِهِ، ولا يُؤَذِّنُ مَن فاتَهُ أوَّلُ الوَقْتِ، ولا مَن يُصَلِّي في مَسْجِدٍ قَدْ صُلِّيَتْ فِيهِ الفَرِيضَةُ أوَّلًا ولا لِلْفَوائِتِ.
وَإنْ كانَ مِن حَقِّ الصَّلاةِ فَهَلْ هو شَرْطٌ في صِحَّتِها أوْ سُنَّةٌ مُسْتَقِلَّةٌ.
وَعَلى أنَّهُ لِلْوَقْتِ لِلْإعْلامِ بِهِ، فَإنَّهُ يُعارِضُهُ حَدِيثُ قِصَّةِ تَعْرِيسِهِمْ آخِرَ اللَّيْلِ، ولَمْ يُوقِظْهم إلّا حَرُّ الشَّمْسِ، وأمْرُهُ ﷺ بِالِانْتِقالِ عَنْ ذَلِكَ الوادِي ثُمَّ نُزُولُهم والأمْرُ بِالأذانِ والإقامَةِ، فَلا مَعْنى لِكَوْنِهِ لِلْوَقْتِ في هَذا الحَدِيثِ، وهو مِن رِوايَةِ مالِكٍ في المُوَطَّأِ.
وَعَلى أنَّهُ لِلصَّلاةِ فَلَهُ جِهَتانِ:
الأُولى: إذا كانَ المُصَلِّي مُنْفَرِدًا ولا يَطْلُبُ مَن يُصَلِّي مَعَهُ.
والثّانِيَةُ: أنَّهُ إذا كانُوا جَماعَةً.
فَإذا كانَ مُنْفَرِدًا لا يَطْلُبُ مَن يُصَلِّي مَعَهُ، فَلا يَنْبَغِي أنْ يَخْتَلِفَ في كَوْنِهِ لَيْسَ شَرْطًا في صِحَّةِ الصَّلاةِ، ولَيْسَ واجِبًا عَلَيْهِ؛ لِأنَّ الأذانَ لِلْإعْلامِ، ولَيْسَ هُناكَ مَن يَقْصِدُ إعْلامَهُ.
وَلِحَدِيثِ المُسِئِ صَلاتَهُ المُتَقَدِّمِ ذِكْرُهُ، وقَدْ يَدُلُّ لِذَلِكَ ظاهِرُ نُصُوصِ القُرْآنِ في بَيانِ شُرُوطِ الصَّلاةِ الَّتِي هي: الطَّهارَةُ، والوَقْتُ، وسَتْرُ العَوْرَةِ، واسْتِقْبالُ القِبْلَةِ.
فَفِي الطَّهارَةِ قالَ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا قُمْتُمْ إلى الصَّلاةِ فاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ الآيَةَ [المائدة: ٦] .
وَفِي الوَقْتِ قالَ تَعالى: ﴿وَأقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ وزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ﴾ الآيَةَ [هود: ١١٤] ونَحْوَها.
وَفِي العَوْرَةِ قالَ تَعالى: ﴿يابَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكم عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ الآيَةَ [الأعراف: ٣١] .
(p-١٣٧)وَفِي القِبْلَةِ قالَ تَعالى: ﴿قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وجْهِكَ في السَّماءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها فَوَلِّ وجْهَكَ شَطْرَ المَسْجِدِ الحَرامِ﴾ [البقرة: ١٤٤] .
وَأمّا في الأذانِ فَقالَ تَعالى: ﴿وَإذا نادَيْتُمْ إلى الصَّلاةِ اتَّخَذُوها هُزُوًا ولَعِبًا﴾ [المائدة: ٥٨] .
وَقالَ في سُورَةِ ”الجُمُعَةِ“ في هَذِهِ الآيَةِ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِن يَوْمِ الجُمُعَةِ﴾ [الجمعة: ٩] وكِلاهُما حِكايَةُ واقِعٍ، ولَيْسَ فِيهِما صِيغَةُ أمْرٍ كَغَيْرِ الأذانِ مِمّا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ.
أمّا حَدِيثُ ابْنِ الحُوَيْرِثِ فَهو في خُصُوصِ جَماعَةٍ، ولَيْسَ في شَخْصٍ واحِدٍ كَما هو نَصُّ الحَدِيثِ.
وَبَقِيَ النَّظَرُ فِيهِ في حَقِّ الجَماعَةِ، هَلْ هو عَلى الوُجُوبِ في حَقِّهِمْ أمْ عَلى النَّدْبِ ؟ وإذا كانَ بِالنُّصُوصِ القُرْآنِيَّةِ المُتَقَدِّمَةِ أنَّهُ لَيْسَ شَرْطًا لِصِحَّةِ صَلاةِ الفَرْدِ، فَلَيْسَ هو إذًا بِشَرْطٍ في صِحَّةِ صَلاةِ الجَماعَةِ فَيُجْعَلُ الأمْرُ فِيهِ عَلى النَّدْبِ.
وَعَلَيْهِ حَدِيثُ ابْنِ أبِي صَعْصَعَةَ أنَّ أبا سَعِيدٍ قالَ لَهُ: «أراكَ تُحِبُّ الغَنَمَ والبادِيَةَ، فَإذا كُنْتَ في غَنَمِكَ أوْ بادِيَتِكَ فَأذَّنْتَ لِلصَّلاةِ فارْفَعْ صَوْتَكَ بِالنِّداءِ؛ فَإنَّهُ لا يَسْمَعُ مَدى صَوْتِ المُؤَذِّنِ جِنٌّ ولا إنْسٌ ولا شَيْءٌ إلّا شَهِدَ لَهُ يَوْمَ القِيامَةِ، سَمِعْتُهُ مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ» . رَواهُ البُخارِيُّ ومالِكٌ في المُوَطَّأِ والنَّسائِيُّ.
وَمَحَلُّ الشّاهِدِ فِيهِ قَوْلُهُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: فَأذَّنْتَ لِلصَّلاةِ فارْفَعْ صَوْتَكَ، فَيُفْهَمُ مِنهُ أنَّهُ إنْ لَمْ يُؤَذِّنْ فَلا شَيْءَ عَلَيْهِ، وأنَّهُ يُرادُ بِهِ الحَثُّ عَلى رَفْعِ الصَّوْتِ لِمَن يُؤَذِّنُ ولَوْ كانَ في البادِيَةِ، لِما يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِن هَذا الأجْرِ.
أمّا كَوْنُهُ شِعارًا لِلْمُسْلِمِينَ فَيَنْبَغِي أنْ يَكُونَ وُجُوبُهُ مُتَعَلِّقًا بِالمَساجِدِ في الحَضَرِ، فَيَلْزَمُ أهْلَها، كَما قالَ مالِكٌ والشّافِعِيُّ في حَقِّ المَساجِدِ.
قالَ الشّافِعِيُّ: يُقاتَلُونَ عَلَيْهِ إنْ تَرَكُوهُ، ذَكَرَهُ النَّوَوِيُّ في المَجْمُوعِ لِدَلِيلِ الإغارَةِ في الصُّبْحِ أوِ التَّرْكِ بِسَبَبِ سَماعِهِ، وكَذَلِكَ يَتَعَلَّقُ في السَّفَرِ بِالإمامِ، ويَنْبَغِي أنْ يَحْرِصَ عَلَيْهِ (p-١٣٨)لِفِعْلِهِ ﷺ في كُلِّ أسْفارِهِ في غَزَواتِهِ وفي حَجِّهِ كَما هو مَعْلُومٌ، وما عَدا ذَلِكَ فَهو لا شَكَّ سُنَّةٌ لا يَنْبَغِي تَرْكُها.
وَلِابْنِ تَيْمِيَةَ تَقْسِيمٌ نَحْوُ هَذا في المَجْمُوعِ في الجُزْءِ الثّانِي والعِشْرِينَ: ولِلْأذانِ عِدَّةُ جَوانِبَ تَبَعٌ لِذَلِكَ مِنها في حالَةِ الجَمْعِ بَيْنَ الصَّلاتَيْنِ، فَقَدْ جاءَتِ السُّنَّةُ بِالأذانِ والإقامَةِ لِلْأُولى مِنهُما، والِاكْتِفاءِ بِالإقامَةِ لِلثّانِيَةِ، كَما في الجَمْعِ بَيْنَ الظُّهْرِ والعَصْرِ بِعَرَفَةَ، والمَغْرِبِ والعَشاءِ في المُزْدَلِفَةِ عَلى الصَّحِيحِ، وهو مِن أدِلَّةِ عَدَمِ الوُجُوبِ لِكُلِّ صَلاةٍ.
وَمِنها أنْ لا أذانَ عَلى النِّساءِ أيْ لا وُجُوبَ، وإنْ أرَدْنَ الفَضِيلَةَ أتَيْنَ بِهِ سِرًّا، وقَدْ عَقَدَ لَهُ البَيْهَقِيُّ بابًا قالَ فِيهِ: لَيْسَ عَلى النِّساءِ أذانٌ ولا إقامَةٌ، وساقَ فِيهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ مَوْقُوفًا، قالَ: لَيْسَ عَلى النِّساءِ أذانٌ ولا إقامَةٌ، ثُمَّ ساقَ «عَنْ أسْماءَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها - مَرْفُوعًا: ”لَيْسَ عَلى النِّساءِ أذانٌ ولا إقامَةٌ، ولا جُمُعَةٌ ولا اغْتِسالُ جُمُعَةٍ، ولا تَقَدَّمُهُنَّ امْرَأةٌ، ولَكِنْ تَقُومُ في وسَطِهِنَّ»“ هَكَذا رَواهُ الحَكَمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الأيْلِيُّ وهو ضَعِيفٌ، وقالَ: ورُوِّيناهُ في الأذانِ والإقامَةِ عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ مَوْقُوفًا ومَرْفُوعًا، ورَفْعُهُ ضَعِيفٌ وهو قَوْلُ الحَسَنِ وابْنِ المُسَيَّبِ، وابْنِ سِيرِينَ والنَّخَعِيِّ.
* *
تَعَدُّدُ المُؤَذِّنِينَ لِصَلاةِ الجُمُعَةِ ولِبَقِيَّةِ الصَّلَواتِ الخَمْسِ في المَسْجِدِ الواحِدِ
أوَّلًا: ما يَتَعَلَّقُ بِالجُمُعَةِ، صُوَرُ التَّعَدُّدِ لَها فِيهِ صُورَتانِ، صُورَةُ تَعَدُّدِ الأذانِ أيْ قَبْلَ الوَقْتِ وبَعْدَ الوَقْتِ، وصُورَةُ تَعَدُّدِ المُؤَذِّنِينَ بَعْدَ الوَقْتِ عَلى ما سَيَأْتِي في ذَلِكَ إنْ شاءَ اللَّهُ، أمّا تَعَدُّدُ الأذانِ فَقَدْ بَوَّبَ لَهُ البُخارِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ في صَحِيحِهِ في بابِ الجُمُعَةِ قالَ: بابُ الأذانِ يَوْمَ الجُمُعَةِ، وساقَ حَدِيثَ السّائِبِ بْنِ يَزِيدَ، قالَ: «كانَ النِّداءُ يَوْمَ الجُمُعَةِ أوَّلُهُ إذا جَلَسَ الإمامُ عَلى المِنبَرِ عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وأبِي بَكْرٍ، وعُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما.
فَلَمّا كانَ عُثْمانُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وكَثُرَ النّاسُ زادَ النِّداءَ الثّالِثَ عَلى الزَّوْراءِ» فَفِيهِ الأذانُ أوَّلًا لِلْوَقْتِ كَبَقِيَّةِ الصَّلَواتِ، وفِيهِ أذانٌ قَبْلَ الوَقْتِ زادَهُ عُثْمانُ لَمّا كَثُرَ النّاسُ، وهو المَعْنى الثّالِثُ، والِاثْنانِ الآخَرانِ هُما الأذانُ لِلْوَقْتِ، والإقامَةُ المَوْجُودانِ مِن قَبْلُ.
وَذَكَرَ ابْنُ حَجَرٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - في الشَّرْحِ تَنْبِيهًا قالَ فِيهِ: ورُدَّ ما يُخالِفُ ذَلِكَ الخَبَرَ بِأنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ هو الَّذِي زادَ الأذانَ.
(p-١٣٩)فَفِي تَفْسِيرِ جُوَيْبِرٍ عَنِ الضَّحّاكِ عَنْ زِيادَةَ الرّاوِي، عَنْ بُرْدِ بْنِ سِنانٍ، عَنْ مَكْحُولٍ عَنْ مُعاذٍ أنَّ عُمَرَ أمَرَ مُؤَذِّنَيْهِ أنْ يُؤَذِّنا لِلنّاسِ الجُمُعَةَ خارِجًا مِنَ المَسْجِدِ حَتّى يَسْمَعَ النّاسُ، وأمَرَ أنْ يُؤَذَّنَ بَيْنَ يَدَيْهِ، كَما كانَ في عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ، وأبِي بَكْرٍ، ثُمَّ قالَ عُمَرُ: نَحْنُ ابْتَدَعْناهُ لِكَثْرَةِ المُسْلِمِينَ اهـ.
ثُمَّ ناقَشَ ابْنُ حَجَرٍ هَذا الأثَرَ وقالَ: إنَّهُ مُنْقَطِعٌ ثُمَّ ذَكَرَ أنَّهُ وجَدَ لَهُ ما يُقَوِّيهِ إلى آخِرِ كَلامِهِ.
فَهَذا دَلِيلٌ عَلى تَعَدُّدِ الأذانِ لِلْجُمُعَةِ قَبْلَ الوَقْتِ وعِنْدَ دُخُولِهِ، سَواءٌ مِن عُمَرَ أوْ مِن عُثْمانَ أوْ مِنهُما مَعًا، رِضْوانُ اللَّهِ عَلَيْهِما.
أمّا مَكانُ هَذا الأذانِ وزَمانُهُ، فَإنَّ المَكانَ قَدْ جاءَ النَّصُّ أنَّهُ كانَ عَلى الزَّوْراءِ.
وَقَدْ كَثُرَ الكَلامُ في تَحْدِيدِ الزَّوْراءِ مَعَ اتِّفاقِهِمْ أنَّها مَكانٌ بِالسُّوقِ، وهَذا يَتَّفِقُ مَعَ الغَرَضِ مِن مَشْرُوعِيَّتِهِ لِتَنْبِيهِ أهْلِ السُّوقِ بِوَقْتِ الجُمُعَةِ لِلسَّعْيِ إلَيْها.
أمّا الزَّوْراءُ بِعَيْنِها فَقالَ عُلَماءُ تارِيخِ المَدِينَةِ: إنَّهُ اسْمٌ لِلسُّوقِ نَفْسِها، وقِيلَ: مَكانٌ مِنها مُرْتَفِعٌ كانَ عِنْدَ أحْجارِ الزَّيْتِ، وعِنْدَ قَبْرِ مالِكِ بْنِ سِنانٍ، وعِنْدَ سُوقِ العَباءَةِ.
والشَّيْءُ الثّابِتُ الَّذِي لَمْ يَقْبَلِ التَّغَيُّرَ، هو قَبْرُ مالِكِ بْنِ سِنانٍ، لَكِنْ يَقُولُونَ عِنْدَهُ، ولَيْسَ في مَكانِهِ، وقَدْ بَدا لِي أنَّ الزَّوْراءَ هو مَكانُ المَسْجِدِ الَّذِي يُوجَدُ الآنَ بِالسُّوقِ في مُقابَلَةِ البابِ المِصْرِيِّ المَعْرُوفِ بِمَسْجِدِ فاطِمَةَ، ويَبْدُو لِي أنَّ الزَّوْراءَ حُرِّفَتْ إلى الزَّهْراءِ، والزَّهْراءُ عِنْدَ النّاسِ يُساوِي فاطِمَةَ لِكَثْرَةِ قَوْلِهِمْ فاطِمَةَ الزَّهْراءِ، ومَعْلُومٌ قَطْعًا أنَّ فاطِمَةَ الزَّهْراءَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها - بِنْتُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَمْ يَكُنْ لَها مَسْجِدٌ في هَذا المَكانِ، فَلا صِحَّةَ لِنِسْبَةِ هَذا المَسْجِدِ إلَيْها، بَلْ ولا ما نُسِبَ لِأبِي بَكْرٍ وعُمَرَ وعَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم - مِن مَساجِدَ في جَوانِبِ مَسْجِدِ المُصَلّى المَعْرُوفِ الآنَ بِمَسْجِدِ الغَمامَةِ، وإنَّما صِحَّةُ ما نُسِبَ إلَيْهِمْ - رِضْوانُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِمْ - هو أنَّ تِلْكَ الأماكِنَ كانَتْ مَواقِفَهم في مُصَلّى العِيدِ، ولِهَذا تَراها كُلَّها في هَذا المَكانِ المُتَواجِدَةِ فِيهِ.
فَأوَّلُهم أبُو بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وقَدْ أخَّرَ مَوْقِفَهُ عَنْ مَوْقِفِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَصَلّى العِيدَ تَأدُّبًا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وجاءَ مِن بَعْدِهِ، واخْتَلَفَتْ أماكِنُ مُصَلّاهم فَأُقِيمَتْ تِلْكَ المَساجِدُ في أماكِنِ قِيامِهِمْ.
(p-١٤٠)أمّا ما يُنْسَبُ إلى فاطِمَةَ الزَّهْراءِ فَلا مُناسَبَةَ لَهُ ولا صِحَّةَ لَهُ، وقَدْ قالَ بَعْضُ المُتَأخِّرِينَ: إنَّهُ مَنسُوبٌ إلى إحْدى الفُضْلَياتِ مِن نِساءِ العُصُورِ المُتَأخِّرَةِ، واسْمُها فاطِمَةُ، وعَلَيْهِ فَلَعَلَّها قَدْ جَدَّدَتْهُ ولَمْ تُؤَسِّسْهُ؛ لِأنَّهُ لا مُوجِبَ أيْضًا لِتَبَرُّعِها بِإنْشاءِ مَسْجِدٍ بِهَذا القُرْبِ مِن مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
وَبِمُناسَبَةِ العَمَلِ بِالقَضاءِ فَقَدْ عُرِضَ عَلَيَّ صَكُّ شَرْطِ وقْفٍ لِلْأشْرافِ الشَّراقِمَةِ بِالمَدِينَةِ المُنَوَّرَةِ، وفي بَعْضِ تَحْدِيدِ أعْيانِهِ يَقُولُ: الواقِعُ في طَرِيقِ الزَّوْراءِ، ويَحُدُّهُ جَنُوبًا وقْفُ الحَلَبِيِّ، ووَقْفُ الحَلَبِيِّ مَوْجُودٌ حَتّى الآنَ مَعْرُوفٌ يَقَعُ عَنِ المَسْجِدِ المَوْجُودِ بِالفِعْلِ في الجَنُوبِ الشَّرْقِيِّ ولَيْسَ بَيْنَهُ وبَيْنَ المَسْجِدِ المَذْكُورِ إلّا السُّورُ والشّارِعُ فَقَطْ، وتارِيخُ هَذا الصَّكِّ قَبْلَ مِائَةِ سَنَةٍ مِن تارِيخِ كِتابَةِ هَذِهِ الأحْرُفِ أيْ قَبْلَ عامِ ألْفٍ ومِائَتَيْنِ مِنَ الهِجْرَةِ.
وَبِهَذا تَرَجَّحَ عِنْدَي أنَّ مَوْضِعَ أذانِ عُثْمانَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - كانَ بِذَلِكَ المَكانِ، وأنَّهُ المُتَوَسِّطُ بِسُوقِ المَدِينَةِ، وتُقَدَّرُ مَسافَتُهُ عَنِ المَسْجِدِ النَّبَوِيِّ بِحَوالَيْ مِائَتَيْنِ وخَمْسِينَ مِتْرًا تَقْرِيبًا.
وَقَدْ كانَ الأذانُ الأوَّلُ زَمَنَ النَّبِيِّ ﷺ عَلى المَنارَةِ، وهَكَذا الأذانُ لِلْوَقْتِ زَمَنَ الخُلَفاءِ الرّاشِدِينَ، ثُمَّ مَن بَعْدَهم، أمّا هَذا الأذانُ فَكانَ ابْتِداؤُهُ مِنَ الزَّوْراءِ، ثُمَّ نُقِلَ إلى بابِ المَسْجِدِ، ثُمَّ نُقِلَ إلى ما بَيْنَ يَدَيِ الإمامِ، وذَلِكَ زَمَنَ هِشامِ بْنِ عَبْدِ المَلِكِ، ثُمَّ نُقِلَ إلى المَنارَةِ.
أمّا زَمانُهُ فَلَمْ أقِفْ عَلى تَحْدِيدٍ صَحِيحٍ صَرِيحٍ، كَمْ كانَ بَيْنَهُ وبَيْنَ الثّانِي ؟ وهَلْ كانَ بَعْدَ دُخُولِ الوَقْتِ أوْ قَبْلَهُ ؟
وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ حَجَرٍ في الفَتْحِ رِوايَةً عَنِ الطَّبَرانِيِّ ما نَصُّهُ: فَأمَرَ بِالنِّداءِ الأوَّلِ عَلى دارٍ لَهُ يُقالُ لَها الزَّوْراءُ، فَكانَ يُؤَذَّنُ عَلَيْها، فَإذا جَلَسَ عَلى المِنبَرِ أذَّنَ مُؤَذِّنُهُ الأوَّلُ، فَإذا نَزَلَ أقامَ الصَّلاةَ، وفي رِوايَةٍ لَهُ مِن هَذا الوَجْهِ: فَأذَّنَ بِالزَّوْراءِ قَبْلَ خُرُوجِهِ؛ لِيَعْلَمَ النّاسُ أنَّ الجُمُعَةَ قَدْ حَضَرَتْ، إلى أنْ قالَ: وتَبَيَّنَ بِما مَضى أنَّ عُثْمانَ أحْدَثَهُ لِإعْلامِ النّاسِ بِدُخُولِ وقْتِ الصَّلاةِ قِياسًا عَلى بَقِيَّةِ الصَّلَواتِ، فَألْحَقَ الجُمُعَةَ بِها، وأبْقى خُصُوصِيَّتَها بِالأذانِ بَيْنَ يَدَيِ الخَطِيبِ، فَتَراهُ يُرَجِّحُ كَوْنَهُ بَعْدَ دُخُولِ الوَقْتِ وعِنْدَ خُرُوجِ عُثْمانَ أيْ مِن بَيْتِهِ وكانَ يَسْكُنُ إلى تِلْكَ الجِهَةِ، ولَكِنَّ هَذا لا يَتَمَشّى مَعَ الغَرَضِ مِن إيجادِ هَذا الأذانِ، لِأنَّهُ لَمّا كَثُرَ (p-١٤١)النّاسُ جَعَلَهُ في السُّوقِ لِإعْلامِهِمْ، فَإذا كانَ بَعْدَ الوَقْتِ، فَأيُّ فائِدَةٍ مِنهُ، وكَيْفَ يُعَدُّ ثالِثًا، إنَّهُ يَكُونُ مِن تَعَدُّدِ المُؤَذِّنِينَ لا مَن تَعَدُّدِ الأذانِ.
ثُمَّ إنَّ مَسْكَنَ عُثْمانَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - كانَ بِجِوارِ مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ومَحَلُّهُ مَعْرُوفٌ حَتّى الآنَ، وكانَ يُعْرَفُ بِرِباطِ عُثْمانَ، فَكَيْفَ يَجْعَلُ هَذا الأذانَ عِنْدَ خُرُوجِهِ مَعَ بُعْدِ ما بَيْنَ الزَّوْراءِ ومَكانِ سُكْناهُ.
ثُمَّ إنَّ مِنَ المُتَّفَقِ عَلَيْهِ أنَّ الأذانَ بَيْنَ يَدَيِ الإمامِ هو الأذانُ الَّذِي بَعْدَ دُخُولِ الوَقْتِ، وتَصِحُّ الصَّلاةُ بَعْدَهُ، فالأذانُ الثّالِثُ كالأوَّلِ بِالنِّسْبَةِ لِلصُّبْحِ، وبِهَذا يَتَرَجَّحُ أنَّهُ كانَ قَبْلَ الوَقْتِ لا بَعْدَهُ، كالأوَّلِ لِلصُّبْحِ لِيَتَحَقَّقَ الغَرَضُ مِنهُ، وعَلَيْهِ يَنْبَغِي أنْ يُراعى في زَمَنِهِ ما بَيْنَهُ وبَيْنَ الثّانِي وما يَتَحَقَّقُ بِهِ الغَرَضُ مِن رُجُوعِ أهْلِ السُّوقِ وتَهَيُّئِهِمْ لِلْجُمُعَةِ وهَذا يَخْتَلِفُ بِاخْتِلافِ الأماكِنِ والبِلادِ، وسَواءٌ كانَ قَبْلَ الوَقْتِ أوْ بَعْدَهُ، فَلا بُدَّ مِن زَمَنٍ بَيْنَهُما يَتَمَكَّنُ فِيهِ أهْلُ السُّوقِ مِنَ الحُضُورِ إلى المَسْجِدِ وإدْراكِ الخُطْبَةِ.
وَلَوْ أخَذْنا بِعَيْنِ الِاعْتِبارِ ما وقَعَ لِعُثْمانَ نَفْسِهِ زَمَنَ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - لَمّا دَخَلَ المَسْجِدَ وعُمَرُ يَخْطُبُ فَعاتَبَهُ عَلى التَّأْخِيرِ، ثُمَّ أحْدَثَ عُثْمانُ هَذا الأذانَ في عَهْدِهِ لَوَجَدْنا قَرِينَةَ تَقْدِيمِهِ عَنِ الوَقْتِ لِئَلّا يَقَعُ غَيْرُهُ فِيما يَقَعُ هو فِيهِ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.
وَسَيَأْتِي نَصُّ ابْنِ الحاجِّ عَلى أنَّهُ قَبْلَ الوَقْتِ.
وَهَذا آخِرُ ما يَتَعَلَّقُ بِتَعَدُّدِ الأذانِ يَوْمَ الجُمُعَةِ، وسَيَأْتِي التَّنْبِيهُ عَلى ما يُوجَدُ مِن نِداءاتٍ أُخْرى يَوْمَ الجُمُعَةِ في بَعْضِ الأمْصارِ عِنْدَ الكَلامِ عَلى ما اسْتُحْدِثَ في الأذانِ وابْتُدِعَ فِيهِ، مِمّا لَيْسَ مِنهُ إنْ شاءَ اللَّهُ.
* *
أمّا تَعَدُّدُ المُؤَذِّنِينَ يَوْمَ الجُمُعَةِ
فَقَدْ جاءَ صَرِيحًا في صَحِيحِ البُخارِيِّ في بابِ رَجْمِ الحُبْلى مِنَ الزِّنا في حَدِيثٍ طَوِيلٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ زَمَنَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وفِيهِ ما نَصُّهُ: ”فَجَلَسَ عُمَرُ عَلى المِنبَرِ ولَمّا سَكَتَ المُؤَذِّنُونَ قامَ فَأثْنى عَلى اللَّهِ بِما هو أهْلُهُ“ إلى آخِرِ الحَدِيثِ.
فَهَذا نَصٌّ صَرِيحٌ مِنَ البُخارِيِّ أنَّهُ كانَ لِعُمَرَ مُؤَذِّنُونَ، وكانُوا يُؤَذِّنُونَ حِينَ يَجْلِسُ عَلى المِنبَرِ، وكانَ يَجْلِسُ إلى أنْ يَفْرَغُوا مِنَ الأذانِ، ثُمَّ يَقُومُ فَيَخْطُبُ أيْ كانَ أذانُهم كُلِّهِمْ بَعْدَ دُخُولِ الوَقْتِ.
(p-١٤٢)قالَ ابْنُ الحاجِّ في المَدْخَلِ، وكانُوا ثَلاثَةً يُؤَذِّنُونَ واحِدًا بَعْدَ واحِدٍ، ثُمَّ زادَ عُثْمانُ أذانًا آخَرَ بِالزَّوْراءِ قَبْلَ الوَقْتِ، فَتَحَصَّلَ مِن هَذا وُجُودُ تَعَدُّدِ المُؤَذِّنِينَ لِصَلاةِ الجُمُعَةِ، وكانُوا زَمَنَ عُمَرَ ثَلاثَةً وكانُوا يُؤَذِّنُونَ مُتَفَرِّقِينَ واحِدًا بَعْدَ واحِدٍ.
وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ حَجَرٍ في الفَتْحِ أيْضًا ضِمْنَ كَلامِهِ عَلى الحَدِيثِ المُتَقَدِّمِ تَحْتَ عُنْوانِ ”المُؤَذِّنُ الواحِدُ يَوْمَ الجُمُعَةِ“ رِوايَةً عَنِ ابْنِ حَبِيبٍ أنَّهُ ﷺ «كانَ إذا رَقِيَ المِنبَرَ وجَلَسَ أذَّنَ المُؤَذِّنُونَ وكانُوا ثَلاثَةً واحِدًا بَعْدَ واحِدٍ، فَإذا فَرَغَ الثّالِثُ قامَ فَخَطَبَ» .
ثُمَّ قالَ: فَإنَّهُ دَعْوى تَحْتاجُ إلى دَلِيلٍ، ولَمْ يَرِدْ ذَلِكَ صَرِيحًا مِن طَرِيقٍ مُتَّصِلَةٍ يَثْبُتُ مِثْلُها.
ثُمَّ قالَ: ثُمَّ وجَدْتُهُ في مُخْتَصَرِ البُوَيْطِيِّ عَنِ الشّافِعِيِّ، وفي تَعْلِيقٍ لِسَماحَةِ رَئِيسِ الجامِعَةِ في الحاشِيَةِ عَلى ذَلِكَ قالَ في مَخْطُوطَةِ الرِّياضِ في مُخْتَصَرِ المُزَنِيِّ: وسَواءٌ كانَ في مُخْتَصَرِ البُوَيْطِيِّ أوِ المُزَنِيِّ فَإنَّ عَزْوَهُ إلى الشّافِعِيِّ صَحِيحٌ وابْنُ حَجَرٍ لَمْ يُعَلِّقْ عَلى وُجُودِ هَذا الأثَرِ بِشَيْءٍ.
وَقالَ النَّوَوِيُّ في المَجْمُوعِ: قالَ الشّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - في البُوَيْطِيِّ: والنِّداءُ يَوْمَ الجُمُعَةِ هو الَّذِي يَكُونُ والإمامُ عَلى المِنبَرِ، يَكُونُ المُؤَذِّنُونَ يَسْتَفْتِحُونَ الأذانَ فَوْقَ المَنارَةِ جُمْلَةً حِينِ يَجْلِسُ الإمامُ عَلى المِنبَرِ؛ لِيَسْمَعَ النّاسُ، فَيَأْتُونَ إلى المَسْجِدِ، فَإذا فَرَغُوا خَطَبَ الإمامُ بِهِمْ، فَهَذا أيْضًا نَصُّ الشّافِعِيِّ يَنْقُلُهُ النَّوَوِيُّ عَلى تَعَدُّدِ المُؤَذِّنِينَ يَوْمَ الجُمُعَةِ فَوْقَ المَنارَةِ جُمْلَةً، والإمامُ عَلى المِنبَرِ، وبِهَذا تَظْهَرُ مَشْرُوعِيَّةُ تَعَدُّدِ الأذانِ لِلْجُمُعَةِ، قَبْلَ وبَعْدَ الوَقْتِ مَن عَمَلِ الخُلَفاءِ الرّاشِدِينَ، وفي تَوَفُّرِ الصَّحابَةِ المَرْضِيِّينَ - رِضْوانُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِمْ أجْمَعِينَ - مِمّا يَصْلُحُ أنْ يُقالَ فِيهِ إجْماعٌ سُكُوتِيٌّ في وفْرَةٍ مِنَ الصَّحابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم - كَما ثَبَتَتْ مَشْرُوعِيَّةُ تَعَدُّدِ الأذانِ بَعْدَ الوَقْتِ مَن فِعْلِ الخُلَفاءِ أيْضًا وإجْماعِ الصَّحابَةِ عَلَيْهِ مَعَ أثَرٍ فِيهِ نِقاشٌ مَرْفُوعٍ إلى النَّبِيِّ ﷺ .
أمّا ما يَتَعَلَّقُ بِالأذانِ لِبَقِيَّةِ الصَّلَواتِ الخَمْسِ فَكالآتِي:
أوَّلًا: تَعَدُّدُ الأذانِ، فَقَدْ ثَبَتَ في حَدِيثِ بِلالٍ وابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ في قَوْلِهِ - ﷺ: «إنْ بِلالًا يُنادِي بِلَيْلٍ، فَكُلُوا واشْرَبُوا حَتّى يُنادِيَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وهَذا في صَلاةِ الفَجْرِ فَقَطْ لِما في الحَدِيثِ مِنَ القَرائِنِ المُتَعَدِّدَةِ الَّتِي مِنها: " «يُنادِي بِلَيْلٍ فَكُلُوا واشْرَبُوا حَتّى يُنادِيَ (p-١٤٣)ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ»، أيْ إنَّ أذانَ بِلالٍ قَبْلَ الفَجْرِ يُحِلُّ الطَّعامَ وأذانَ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ بَعْدَ دُخُولِ الوَقْتِ حِينَ يَحْرُمُ الطَّعامُ عَلى الصّائِمِ.
وَفِي رِوايَةٍ: لَمْ يَكُنِ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ يُؤَذِّنُ حَتّى يُقالَ لَهُ: أصْبَحْتَ أصْبَحْتَ وكانَ بَيْنَهُما مِنَ الزَّمَنِ، فَفي بَعْضِ الرِواياتِ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُما إلّا أنْ يَنْزِلَ هَذا ويَرْقى هَذا. رَواهُ مُسْلِمٌ.
وَفِي رِوايَةٍ لِلْجَماعَةِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ ﷺ: «لا يَمْنَعَنَّ أحَدَكم أذانُ بِلالٍ مِن سَحُورِهِ، فَإنَّهُ يُؤَذِّنُ أوْ قالَ: يُنادِي بِلَيْلٍ؛ لِيَرْجِعَ قائِمُكم ويُوقِظَ نائِمَكم» .
Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии