Аш-Шинкити · Тафсир · на арабском
Аль-Джинн 72:18
72:18Страница 573
وَأَنَّ ٱلۡمَسَٰجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدۡعُواْ مَعَ ٱللَّهِ أَحَدٗا ١٨
Мечети принадлежат Аллаху. Не взывайте же ни к кому наряду с Аллахом.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأنَّ المَساجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أحَدًا﴾
”المَساجِدُ“: جَمْعُ مَسْجِدٍ. والمَسْجِدُ لُغَةً اسْمُ مَكانٍ عَلى وزْنٍ مَفْعِلٍ، كَمَجْلِسٍ عَلى غَيْرِ القِياسِ مَكانُ الجُلُوسِ، وهو لُغَةً يَصْدُقُ عَلى كُلِّ مَكانٍ صالِحٍ لِلسُّجُودِ.
وَقَدْ ثَبَتَ مِنَ السُّنَّةِ أنَّ الأرْضَ كُلَّها صالِحَةٌ لِذَلِكَ، كَما في قَوْلِهِ ﷺ: «وَجُعِلَتْ لِيَ الأرْضُ مَسْجِدًا وطَهُورًا»، واسْتَثْنى مِنها أماكِنَ خاصَّةً نَهى عَنِ الصَّلاةِ فِيها؛ لِأوْصافٍ طارِئَةٍ عَلَيْها، وهي المَزْبَلَةُ، والمَجْزَرَةُ، والمَقْبَرَةُ، وقارِعَةُ الطَّرِيقِ، وفَوْقَ الحَمّامِ، ومَواضِعُ الخَسْفِ، ومَعاطِنُ الإبِلِ، والمَكانُ المَغْصُوبُ عَلى خِلافٍ فِيهِ مِن حَيْثُ الصِّحَّةُ وعَدَمُها، والبِيَعُ.
وَقَدْ عَدَّ الشَّيْخُ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا وعَلَيْهِ - تِسْعَةَ عَشَرِ مَوْضِعًا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ كَذَّبَ أصْحابُ الحِجْرِ المُرْسَلِينَ﴾ [الحجر: ٨٠] في الكَلامِ عَلى حُكْمِ أرْضِ الحِجْرِ، ومُواطِنِ الخَسْفِ، وساقَ كُلَّ مَوْضِعٍ بِدَلِيلِهِ، وهو بَحْثٌ مُطَوَّلٌ مُسْتَوْفًى؛ والمَسْجِدُ عُرْفًا (p-٣٢١)كُلُّ ما خُصِّصَ لِلصَّلاةِ، وهو المُرادُ بِالإضافَةِ هُنا لِلَّهِ تَعالى، وهي إضافَةُ تَشْرِيفٍ وتَكْرِيمٍ مَعَ الإشْعارِ بِاخْتِصاصِها بِاللَّهِ، أيْ: بِعِبادَتِهِ وذِكْرِهِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أذِنَ اللَّهُ أنْ تُرْفَعَ ويُذْكَرَ فِيها اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيها بِالغُدُوِّ والآصالِ﴾ ﴿رِجالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ ولا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وإقامِ الصَّلاةِ﴾ [النور: ٣٦ - ٣٧] .
وَلِهَذا مُنِعَتْ مِنَ اتِّخاذِها لِأُمُورِ الدُّنْيا مِن بَيْعٍ وتِجارَةٍ، كَما في الحَدِيثِ: «إذا رَأيْتُمْ مَن يَبِيعُ أوْ يَبْتاعُ في المَسْجِدِ فَقُولُوا لَهُ: لا أرْبَحَ اللَّهُ تِجارَتَكَ» رَواهُ النِّسائِيُّ، والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ.
وَكَذَلِكَ إنْشادُ الضّالَّةِ؛ لِقَوْلِهِ ﷺ: «إذا سَمِعْتُمْ مَن يَنْشُدُ ضالَّةً بِالمَسْجِدِ، فَقُولُوا لَهُ: لا رَدَّها اللَّهُ عَلَيْكَ؛ فَإنَّ المَساجِدَ لَمْ تُبْنَ لِذَلِكَ» رَواهُ مُسْلِمٌ.
وَفِي حَدِيثِ الأعْرابِيِّ الَّذِي بالَ في المَسْجِدِ قالَ لَهُ ﷺ: «إنَّ هَذِهِ المَساجِدَ لَمْ تُبْنَ لِذَلِكَ؛ إنَّما هي لِذِكْرِ اللَّهِ وما والاهُ»، وفي مُوَطَّأِ مالِكٍ: أنَّ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - بَنى رَحْبَةً في ناحِيَةِ المَسْجِدِ تُسَمّى: البَطْحاءَ. وقالَ: مَن كانَ يُرِيدُ أنْ يَلْغَطَ أوْ يُنْشِدَ شِعْرًا، أوْ يَرْفَعَ صَوْتَهُ، فَلْيَخْرُجْ إلى هَذِهِ الرَّحْبَةِ.
واللَّغَطُ هو: الكَلامُ الَّذِي فِيهِ جَلَبَةٌ واخْتِلاطٌ. وألْ في المَساجِدِ: لِلِاسْتِغْراقِ؛ فَتُفِيدُ شُمُولَ جَمِيعِ المَساجِدِ، كَما تَدُلُّ في عُمُومِها عَلى المُساواةِ، ولَكِنْ جاءَتْ آياتٌ تُخَصِّصُ بَعْضَ المَساجِدِ بِمَزِيدِ فَضْلٍ واخْتِصاصٍ، وهي:
المَسْجِدُ الحَرامُ؛ خَصَّهُ اللَّهُ تَعالى بِما جاءَ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ أوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبارَكًا وهُدًى لِلْعالَمِينَ﴾ ﴿فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ مَقامُ إبْراهِيمَ ومَن دَخَلَهُ كانَ آمِنًا ولِلَّهِ عَلى النّاسِ حِجُّ البَيْتِ﴾ [آل عمران: ٩٦ - ٩٧] . فَذَكَرَ هُنا سَبْعَ خِصالٍ لَيْسَتْ لِغَيْرِهِ مِنَ المَساجِدِ مِن أنَّهُ: أوَّلُ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنّاسِ، ومُبارَكٌ، وهُدًى لِلْعالَمِينَ، وفِيهِ آياتُ بَيِّناتٌ، ومَقامُ إبْراهِيمَ، ومَن دَخَلَهُ كانَ آمِنًا، والحَجُّ والعُمْرَةُ إلَيْهِ، وآياتٌ أُخَرُ.
والمَسْجِدُ الأقْصى؛ قالَ تَعالى: ﴿سُبْحانَ الَّذِي أسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ المَسْجِدِ الحَرامِ إلى المَسْجِدِ الأقْصى الَّذِي بارَكْنا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِن آياتِنا إنَّه هو السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الإسراء: ١] فَخُصَّ بِكَوْنِهِ مَسْرى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إلَيْهِ، وبِالبَرَكَةِ حَوْلَهُ، وأُرِيَ ﷺ فِيهِ مِن آياتِ رَبِّهِ.
(p-٣٢٢)وَقَدْ كانَ مِنَ المُمْكِنِ أنْ يَعْرُجَ بِهِ إلى السَّماءِ مِن جَوْفِ مَكَّةَ، ومِنَ المَسْجِدِ الحَرامِ، ولَكِنْ لِيُرِيَهُ مِن آياتِ اللَّهِ: كَعَلاماتِ الطَّرِيقِ؛ لِتَكُونَ دَلِيلًا لَهُ عَلى قُرَيْشٍ في إخْبارِهِ بِالإسْراءِ والمِعْراجِ، وتَقْدِيمِ جِبْرِيلَ لَهُ الأقْداحَ الثَّلاثَةَ: بِالماءِ، واللَّبَنِ، والخَمْرِ، واخْتِيارِهِ اللَّبَنَ رَمْزًا لِلْفِطْرَةِ. واجْتِماعِ الأنْبِياءِ لَهُ والصَّلاةِ بِهِمْ في المَسْجِدِ الأقْصى، بَيْنَما رَآهم في السَّماواتِ السَّبْعِ، وكُلُّ ذَلِكَ مِن آياتِ اللَّهِ أُرِيَها ﷺ في المَسْجِدِ الأقْصى.
والمَسْجِدُ النَّبَوِيُّ، ومَسْجِدُ قُباءٍ: فَمَسْجِدُ قُباءٍ: نَزَلَ فِيهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلى التَّقْوى مِن أوَّلِ يَوْمٍ أحَقُّ أنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجالٌ يُحِبُّونَ أنْ يَتَطَهَّرُوا واللَّهُ يُحِبُّ المُطَّهِّرِينَ﴾ [التوبة: ١٠٨] .
فَجاءَ في صَحِيحِ مُسْلِمٍ: أنَّ أبا سَعِيدٍ سَألَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ: «أيُّ مَسْجِدٍ أُسِّسَ عَلى التَّقْوى مِن أوَّلِ يَوْمٍ ؟ فَأخَذَ ﷺ حَفْنَةً مِنَ الحَصْباءِ وضَرَبَ بِها أرْضَ مَسْجِدِهِ، وقالَ: ”مَسْجِدُكم هَذا»“ .
وَجاءَ في بُلُوغِ المَرامِ وغَيْرِهِ: حَدِيثُ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: أنَّ «النَّبِيَّ ﷺ سَألَ أهْلَ قُباءٍ، فَقالَ: ”إنَّ اللَّهَ يُثْنِي عَلَيْكم“، فَقالُوا: إنّا نُتْبِعُ الحِجارَةَ الماءَ»، رَواهُ البَزّارُ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ.
قالَ ابْنُ حَجَرٍ: وصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - بِدُونِ ذِكْرِ الحِجارَةِ.
وَقالَ صاحِبُ وفاءِ الوَفاءِ: ورَوى ابْنُ شَيْبَةَ مِن طُرُقٍ ما حاصِلُهُ أنَّ: الآيَةَ لَمّا نَزَلَتْ أتى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أهْلَ قُباءٍ.
وَفِي رِوايَةٍ: أهْلَ ذَلِكَ المَسْجِدِ.
وَفِي رِوايَةٍ: بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ. فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إنَّ اللَّهَ قَدْ أحْسَنَ عَلَيْكُمُ الثَّناءَ في الطُّهُورِ، فَما بَلَغَ مِن طُهُورِكم ؟ قالُوا: نَسْتَنْجِي بِالماءِ» .
قالَ: ورَوى أحْمَدُ، وابْنُ شَيْبَةَ، واللَّفْظُ لِأحْمَدَ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، قالَ: «انْطَلَقْتُ إلى مَسْجِدِ التَّقْوى أنا وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ وسَمُرَةُ بْنُ جُنْدُبٍ، فَأتَيْنا النَّبِيَّ ﷺ، فَقالُوا لَنا: انْطَلِقُوا إلى مَسْجِدِ التَّقْوى، فانْطَلَقْنا نَحْوَهُ. فاسْتَقْبَلَنا يَداهُ عَلى كاهِلِ أبِي بَكْرٍ وعُمَرَ فَثُرْنا في وجْهِهِ، فَقالَ: مَن هَؤُلاءِ يا أبا بَكْرٍ ؟ فَقالَ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، وأبُو هُرَيْرَةَ، وجُنْدُبٌ» .
(p-٣٢٣)فَحَدِيثُ مُسْلِمٍ في مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وتِلْكَ النُّصُوصُ في مَسْجِدِ قُباءٍ.
وَقَدْ قالَ ابْنُ حَجَرٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: والحَقُّ أنَّ كُلًّا مِنهُما أُسِّسَ عَلى التَّقْوى، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِيهِ رِجالٌ يُحِبُّونَ أنْ يَتَطَهَّرُوا﴾ [التوبة: ١٠٨] ظاهِرٌ في أهْلِ قُباءٍ.
وَقِيلَ: إنَّ حَدِيثَ مُسْلِمٍ في خُصُوصِ مَسْجِدِ النَّبِيِّ ﷺ، جاءَ رَدًّا عَلى اخْتِلافِ رَجُلَيْنِ في المَسْجِدِ المَعْنِيِّ بِها، فَأرادَ ﷺ أنْ يُبَيِّنَ لَهم أنَّ الآيَةَ لَيْسَتْ خاصَّةً بِمَسْجِدِ قُباءٍ، وإنَّما هي عامَّةٌ في كُلِّ مَسْجِدٍ أُسِّسَ عَلى التَّقْوى، وأنَّ العِبْرَةَ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لا بِخُصُوصِ السَّبَبِ، كَما هو مَعْلُومٌ في الأُصُولِ.
وَعَلَيْهِ، فالآيَةُ إذًا اشْتَمَلَتْ وتَشْتَمِلُ عَلى كُلِّ مَسْجِدٍ أيْنَما كانَ، إذا كانَ أساسُهُ مِن أوَّلِ يَوْمِ بِنائِهِ عَلى التَّقْوى، ويَشْهَدُ لِذَلِكَ سِياقُ الآيَةِ بِالنِّسْبَةِ إلى ما قَبْلَها وما بَعْدَها، فَقَدْ جاءَتْ قَبْلَها قِصَّةُ مَسْجِدِ الضِّرارِ بِقَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرارًا وكُفْرًا وتَفْرِيقًا بَيْنَ المُؤْمِنِينَ وإرْصادًا لِمَن حارَبَ اللَّهَ ورَسُولَهُ مِن قَبْلُ ولَيَحْلِفُنَّ إنْ أرَدْنا إلّا الحُسْنى واللَّهُ يَشْهَدُ إنَّهم لَكاذِبُونَ﴾ ﴿لا تَقُمْ فِيهِ أبَدًا لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلى التَّقْوى مِن أوَّلِ يَوْمٍ أحَقُّ أنْ تَقُومَ فِيهِ﴾ [التوبة: ١٠٧ - ١٠٨] .
وَمَعْلُومٌ أنَّ مَسْجِدَ الضِّرارِ كانَ بِمِنطَقَةِ قُباءٍ، وطَلَبُوا مِنَ الرَّسُولِ ﷺ أنْ يُصَلِّيَ لَهم فِيهِ تَبَرُّكًا في ظاهِرِ الأمْرِ، وتَقْرِيرًا لِوُجُودِهِ يَتَذَرَّعُونَ بِذَلِكَ، ولَكِنَّ اللَّهَ كَشَفَ عَنْ حَقِيقَتِهِمْ.
وَجاءَتِ الآيَةُ بِمُقارَنَةٍ بَيْنَ المَسْجِدَيْنِ، فَقالَ تَعالى لَهُ: ﴿لا تَقُمْ فِيهِ أبَدًا لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلى التَّقْوى مِن أوَّلِ يَوْمٍ أحَقُّ أنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجالٌ يُحِبُّونَ أنْ يَتَطَهَّرُوا﴾ الآيَةَ [التوبة: ١٠٨] .
وَجاءَ بَعْدَ ذَلِكَ مُباشَرَةً لِلْمُقارَنَةِ مَرَّةً أُخْرى أعَمَّ مِنَ الأُولى في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أفَمَن أسَّسَ بُنْيانَهُ عَلى تَقْوى مِنَ اللَّهِ ورِضْوانٍ خَيْرٌ أمْ مَن أسَّسَ بُنْيانَهُ عَلى شَفا جُرُفٍ هارٍ فانْهارَ بِهِ في نارِ جَهَنَّمَ واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ لا ﴿يَزالُ بُنْيانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً في قُلُوبِهِمْ﴾ [التوبة: ١٠٩ - ١١٠] .
وَبِهَذا يَكُونُ السَّبَبُ في نُزُولِ الآيَةِ هو المُقارَنَةُ بَيْنَ مَبْدَأيْنِ مُتَغايِرَيْنِ، وأنَّ الأوَّلِيَّةَ في الآيَةِ في قَوْلِهِ: ﴿مِن أوَّلِ يَوْمٍ﴾ [التوبة: ١٠٨] أوَّلِيَّةٌ نِسْبِيَّةٌ، أيْ: بِالنِّسْبَةِ لِكُلِّ مَسْجِدٍ في أوَّلِ (p-٣٢٤)يَوْمِ بِنائِهِ، وإنْ كانَ الظّاهِرُ فِيها أوَّلِيَّةً زَمانِيَّةً خاصَّةً، وهو أوَّلُ يَوْمٍ وصَلَ ﷺ المَدِينَةَ، ونَزَلَ بِقُباءٍ، وتَظَلُّ هَذِهِ المُقارَنَةُ في الآيَةِ مَوْجُودَةً إلى ما شاءَ اللَّهُ في كُلِّ زَمانٍ ومَكانٍ كَما قَدَّمْنا.
وَقَدِ اخْتُصَّتْ تِلْكَ المَساجِدُ الأرْبَعَةُ بِأُمُورٍ تَرْبِطُ بَيْنَها بِرَوابِطَ عَدِيدَةٍ، أهَمُّها: تَحْدِيدُ مَكانِها حَيْثُ كانَ بِوَحْيٍ أوْ شِبْهِ الوَحْيِ، فَفي البَيْتِ الحَرامِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذْ بَوَّأْنا لِإبْراهِيمَ مَكانَ البَيْتِ﴾ [الحج: ٢٦] .
وَفِي المَسْجِدِ الأقْصى ما جاءَ في الأثَرِ عَنْهُ: أنَّ اللَّهَ أوْحى إلى نَبِيِّهِ داوُدَ أنِ ابْنِ لِي بَيْتًا، قالَ: وأيْنَ تُرِيدُنِي أبْنِيهِ لَكَ يا رَبِّ ؟ قالَ: حَيْثُ تَرى الفارِسَ المُعَلِّمَ شاهِرًا سَيْفَهُ. فَرَآهُ في مَكانِهِ الآنَ، وكانَ حَوْشًا لِرَجُلٍ مِن بَنِي إسْرائِيلَ. إلى آخِرِ القِصَّةِ في البَيْهَقِيِّ.
وَفِي مَسْجِدِ قُباءٍ بِسَنَدٍ فِيهِ ضَعْفٌ. «لَمّا نَزَلَ ﷺ قُباءٍ، قالَ: ”مَن يَرْكَبُ النّاقَةَ“ إلى أنْ رَكِبَها عَلِيٌّ، فَقالَ لَهُ: ”أرْخِ زِمامَها“ فاسْتَنَّتْ، فَقالَ: ”خُطُّوا المَسْجِدَ حَيْثُ اسْتَنَّتْ»“ .
وَفِي المَسْجِدِ النَّبَوِيِّ: جاءَ في السِّيَرِ كُلِّها: «أنَّهُ ﷺ كانَ كُلَّما مَرَّ بِحَيٍّ مِن أحْياءِ المَدِينَةِ، وقالُوا لَهُ: هَلُمَّ إلى العَدَدِ والعُدَّةِ، فَيَقُولُ: ”خَلُّوا سَبِيلَها، فَإنَّها مَأْمُورَةٌ“، حَتّى وصَلَتْ إلى أمامِ بَيْتِ أبِي أيُّوبَ الأنْصارِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - . وكانَ أمامَهُ مِرْبَدٌ لِأيْتامٍ ومَقْبَرَةٌ لِيَهُودَ، فاشْتَرى المَكانَ ونَبَشَ القُبُورَ وبَنى المَسْجِدَ» .
وَكَذَلِكَ في البِناءِ فَكُلُّها بِناءُ رُسُلِ اللَّهِ، فالمَسْجِدُ الحَرامُ بَناهُ إبْراهِيمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، أيِ البِناءُ الَّذِي ذَكَرَهُ القُرْآنُ وما قَبْلَهُ فِيهِ رِواياتٌ عَدِيدَةٌ، ولَكِنَّ الثّابِتَ في القُرْآنِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذْ يَرْفَعُ إبْراهِيمُ القَواعِدَ مِنَ البَيْتِ وإسْماعِيلُ﴾ [البقرة: ١٢٧] .
وَكَذَلِكَ بَيْتُ المَقْدِسِ، وبَيْنَهُ وبَيْنَ البَيْتِ أرْبَعُونَ سَنَةً، كَما في حَدِيثِ عائِشَةَ في البُخارِيِّ، أيْ: تَجْدِيدُ بِنائِهِ.
وَكَذَلِكَ مَسْجِدُ قُباءٍ، فَقَدْ شارَكَ ﷺ في بِنائِهِ، وجاءَ في قِصَّةِ بِنائِهِ «أنَّ رَجُلًا لَقِيَ النَّبِيَّ ﷺ حامِلًا حَجَرًا، فَقالَ: دَعْنِي أحْمِلْهُ عَنْكَ يا رَسُولَ اللَّهِ، فَقالَ لَهُ: ”انْطَلِقْ وخُذْ غَيْرَها، فَلَسْتَ بِأحْوَجَ مِنَ الثَّوابِ مِنِّي»“ .
وَكَذَلِكَ مَسْجِدُهُ الشَّرِيفُ بِالمَدِينَةِ المُنَوَّرَةِ، حِينَ بَناهُ أوَّلًا مِن جُذُوعِ النَّخْلِ وجَرِيدِهِ (p-٣٢٥)ثُمَّ بَناهُ مَرَّةً أُخْرى بِالبِناءِ بَعْدَ عَوْدَتِهِ مِن تَبُوكَ.
وَلِهَذِهِ الخُصُوصِيّاتِ لِهَذِهِ المَساجِدِ الأرْبَعَةِ، تَمَيَّزَتْ عَنْ عُمُومِ المَساجِدِ كَما قَدَّمْنا.
وَمِن أهَمِّ ذَلِكَ مُضاعَفَةُ الأعْمالِ فِيها، أصْلُها الصَّلاةُ، كَما بَوَّبَ لِهَذا البُخارِيُّ بِقَوْلِهِ: بابُ فَضْلِ الصَّلاةِ في مَسْجِدِ مَكَّةَ والمَدِينَةِ. وساقَ الحَدِيثَيْنِ.
الأوَّلُ حَدِيثُ: «لا تَشُدُّوا الرِّحالَ إلّا إلى ثَلاثَةِ مَساجِدَ: المَسْجِدُ الحَرامُ، والمَسْجِدُ الأقْصى، ومَسْجِدُ النَّبِيِّ ﷺ» .
والحَدِيثُ الثّانِي: قَوْلُهُ ﷺ: «صَلاةٌ في مَسْجِدِي هَذا خَيْرٌ مِن ألْفِ صَلاةٍ فِيما سِواهُ إلّا المَسْجِدَ الحَرامَ» .
كَما اخْتُصَّ المَسْجِدُ النَّبَوِيُّ بِرَوْضَتِهِ، الَّتِي هي رَوْضَةٌ مِن رِياضِ الجَنَّةِ.
وَبِقَوْلِهِ ﷺ: «وَمِنبَرِي عَلى تُرْعَةٍ مِن تُرَعِ الجَنَّةِ»، وهو حَدِيثٌ مَشْهُورٌ: «ما بَيْنَ بَيْتِي ومِنبَرِي رَوْضَةٌ مِن رِياضِ الجَنَّةِ، ومِنبَرِي عَلى تُرْعَةٍ مِن تُرَعِ الجَنَّةِ» .
واخْتُصَّ مَسْجِدُ قُباءٍ بِقَوْلِهِ ﷺ: «مَن تَطَهَّرَ في بَيْتِهِ، ثُمَّ أتى مَسْجِدَ قُباءٍ فَصَلّى فِيهِ رَكْعَتَيْنِ، كانَ لَهُ كَأجْرِ عُمْرَةٍ»، أخْرَجَهُ ابْنُ ماجَهْ وعُمَرُ بْنُ شَبَّةَ بِسَنَدٍ جَيِّدٍ، ورَواهُ أحْمَدُ والحاكِمُ، وقالَ: صَحِيحٌ بِسَنَدٍ.
قالَ في وفاءِ الوَفاءِ: وقالَ عُمَرُ بْنُ شَبَّةَ: حَدَّثَنا سُوِيدُ بْنُ سَعِيدٍ، قالَ حَدَّثَنا أيُّوبُ بْنُ حَيامٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الرُّقَيْشِ الأسَدِيِّ، قالَ: جاءَنا أنَسُ بْنُ مالِكٍ إلى مَسْجِدِ قُباءٍ، فَصَلّى رَكْعَتَيْنِ إلى بَعْضِ هَذِهِ السَّوارِي، ثُمَّ سَلَّمَ وجَلَسَ وجَلَسْنا حَوْلَهُ، فَقالَ: سُبْحانَ اللَّهِ !: ما أعْظَمَ حَقَّ هَذا المَسْجِدِ، ولَوْ كانَ عَلى مَسِيرَةِ شَهْرٍ كانَ أهْلًا أنْ يُؤْتى، مَن خَرَجَ مِن بَيْتِهِ يُرِيدُهُ مُعْتَمِدًا إلَيْهِ لِيُصَلِّيَ فِيهِ أرْبَعَ رَكَعاتٍ أقْلَبَهُ اللَّهُ بِأجْرِ عُمْرَةٍ.
وَقَدِ اشْتُهِرَ هَذا المَعْنى عِنْدَ العامَّةِ والخاصَّةِ، حَتّى قالَ عَبْدُ الرَّحِمَنِ بْنُ الحَكَمِ في شِعْرٍ لَهُ:
؎فَإنْ أهْلِكْ فَقَدْ أقْرَرْتُ عَيْنًا مِنَ المُعْتَمِراتِ إلى قُباءٍ
؎مِنَ اللّائِي سَوالِفُهُنَّ غِيدٌ ∗∗∗ عَلَيْهِنَّ المَلاحَةُ بِالبَهاءِ
(p-٣٢٦)وَرَوى ابْنُ شَبَّةَ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ مِن طَرِيقِ عائِشَةَ بِنْتِ سَعْدِ بْنِ أبِي وقّاصٍ، قالَتْ: سَمِعْتُ أبِي يَقُولُ: لَأنْ أُصَلِّيَ في مَسْجِدِ قُباءٍ رَكْعَتَيْنِ أحَبُّ إلَيَّ مِن أنْ آتِيَ بَيْتَ المَقْدِسِ مَرَّتَيْنِ. لَوْ يَعْلَمُونَ ما في قُباءٍ؛ لَضَرَبُوا إلَيْهِ أكْبادَ الإبِلِ، وغَيْرَ ذَلِكَ مِنَ الآثارِ مَرْفُوعَةً ومَوْقُوفَةً، مِمّا يُؤَكِّدُ هَذا المَعْنى مِن أنَّ قُباءً اخْتُصَّ بِأنَّ مَن تَطَهَّرَ في بَيْتِهِ وأتى إلَيْهِ عامِدًا، وصَلّى فِيهِ رَكْعَتَيْنِ؛ كانَ لَهُ كَأجْرِ عُمْرَةٍ.
* *
تَنْبِيهٌ.
وَهُنا سُؤالٌ يَفْرِضُ نَفْسَهُ: لِماذا كانَ مَسْجِدُ قُباءٍ دُونَ غَيْرِهِ، ولِماذا اشْتُرِطَ التَّطَهُّرُ في بَيْتِهِ لا مِن عِنْدِ المَسْجِدِ ؟ ولَقَدْ تَطَلَّبْتُ ذَلِكَ طَوِيلًا فَلَمْ أقِفْ عَلى قَوْلٍ فِيهِ، ثُمَّ بَدا لِي مِن واقِعِ تارِيخِهِ، وارْتِباطِهِ بِواقِعِ المُسْلِمِينَ والمَسْجِدِ الحَرامِ: أنَّ مَسْجِدَ قُباءٍ لَهُ ارْتِباطاتٌ عَدِيدَةٌ بِالمَسْجِدِ الحَرامِ:
أوَّلًا: مِن حَيْثُ الزَّمَنِ، فَهو أسْبَقُ مِن مَسْجِدِ المَدِينَةِ.
وَمِن حَيْثُ الأوَّلِيَّةِ النِّسْبِيَّةِ، فالمَسْجِدُ الحَرامُ أوَّلُ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنّاسِ.
وَمَسْجِدُ قُباءٍ أوَّلُ مَسْجِدٍ بَناهُ المُسْلِمُونَ.
والمَسْجِدُ الحَرامُ بَناهُ الخَلِيلُ.
وَمَسْجِدُ قُباءٍ بَناهُ خاتَمُ المُرْسَلِينَ.
والمَسْجِدُ الحَرامُ كانَ مَكانُهُ بِاخْتِيارٍ مِنَ اللَّهِ، وشَبِيهٌ بِهِ مَكانُ مَسْجِدِ قُباءٍ.
وَمِن حَيْثُ المَوْضُوعِيَّةُ؛ فالمَسْجِدُ الحَرامُ مَأْمَنٌ ومَوْئِلٌ لِلْعاكِفِ والبادِ.
وَمَسْجِدُ قُباءٍ مَأْمَنٌ ومَسْكَنٌ ومَوْئِلٌ لِلْمُهاجِرِينَ الأوَّلِينَ، ولِأهْلِ قُباءٍ، فَكانَ لِلصَّلاةِ فِيهِ شِدَّةُ ارْتِباطٍ بِالمَسْجِدِ الحَرامِ تَجْعَلُ المُتَطَهِّرَ في بَيْتِهِ والقاصِدَ إلَيْهِ لِلصَّلاةِ فِيهِ كَأجْرِ عُمْرَةٍ. ولَوْ قِيلَ: إنَّ اشْتِراطَ التَّطْهِيرِ في بَيْتِهِ لا عِنْدَ المَسْجِدِ شِدَّةُ عِنايَةٍ بِهِ أوَّلًا، وتَمْحِيصُ القَصْدِ إلَيْهِ ثانِيًا، وتَشْبِيهٌ أوْ قَرِيبٌ بِالفِعْلِ مِنَ اشْتِراطِ الإحْرامِ لِلْعُمْرَةِ مِنَ الحِلِّ، لا مِن عِنْدِ البَيْتِ في العُمْرَةِ الحَقِيقَةِ، لَمّا كانَ بَعِيدًا. فالتَّطَهُّرُ مِن بَيْتِهِ والذَّهابُ إلى قُباءٍ لِلصَّلاةِ فِيهِ كالإحْرامِ مِنَ الحِلِّ والدُّخُولِ في الحَرَمِ لِلطَّوافِ والسَّعْيِ، كَما فِيهِ تَعْوِيضُ المُهاجِرِينَ عَمّا فاتَهم مِن جِوارِ البَيْتِ الحَرامِ قَبْلَ الفَتْحِ. - واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ - .
* *
(p-٣٢٧)تَنْبِيهٌ آخَرُ.
إنَّ مِمّا يَنْبَغِي أنْ يُعْلَمَ: أنَّ لِلْمَسْجِدِ في المُجْتَمَعِ الإسْلامِيِّ رِسالَةً عُظْمى، ألْزَمَ ما يَكُونُ عَلى المُسْلِمِينَ إحْياؤُها: وهي أنَّ المَسْجِدَ لَهم هو بَيْتُ الأُمَّةِ فِيهِمْ، لِجَمِيعِ مَصالِحِهِمُ العامَّةِ والخاصَّةِ تَقْرِيبًا مِمّا يَصْلُحُ لَهُ، فَكَأنَّ المَسْجِدَ النَّبَوِيَّ في أوَّلِ أمْرِ المُسْلِمِينَ المِثالُ لِذَلِكَ.
إذْ كانَ المُصَلّى الَّذِي تَتَضاعَفُ فِيهِ الصَّلاةُ، وكانَ المَعْهَدَ لِتَلَقِّي العِلْمِ مِنهُ ﷺ، ومِن جِبْرِيلَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ومِنَ الأئِمَّةِ ورَثَةِ الأنْبِياءِ، ولا يَزالُ - بِحَمْدِ اللَّهِ - كَما قالَ ﷺ: «يُوشِكُ أنْ يَضْرِبَ النّاسُ أكْبادَ الإبِلِ فَلا يَجِدُونَ عالِمًا كَعالِمِ المَدِينَةِ» .
وَكَما قالَ: «مَن راحَ إلى مَسْجِدِي لِعِلْمٍ يَتَعَلَّمُهُ أوْ يُعَلِّمُهُ كانَ كَمَن غَزا في سَبِيلِ اللَّهِ»، وكانَ فِيهِ تَعْلِيمُ الصِّبْيانِ لِلْقِراءَةِ والكِتابَةِ، وكانَ ولا يَزالُ كَذَلِكَ إلى اليَوْمِ - بِحَمْدِ اللَّهِ -، وكانَ مَقَرًّا لِلْإفْتاءِ، ومَجْلِسًا لِلْقَضاءِ، ومَقَرًّا لِلضِّيافَةِ، ومَنزِلًا لِلْأسارى، ومَصَحًّا لِلْجَرْحى.
وَقَدْ ضُرِبَتْ لِسَعْدٍ فِيهِ قُبَّةٌ لَمّا أصابَهُ سَهْمٌ لِيَعُودَهُ ﷺ مِن قَرِيبٍ، ومَقَرًّا لِلْقِيادَةِ، فَتُعْقَدُ فِيهِ ألْوِيَةُ الجِهادِ، وتُبْرَمُ فِيهِ مُعاهَداتُ الصُّلْحِ، ومَنزِلًا لِلْوُفُودِ: كَوَفْدِ تَمِيمٍ وعَبْدِ القَيْسِ، وبَيْتًا لِلْمالِ: كَمَجِيءِ مالِ البَحْرَيْنِ وحِراسَةِ أبِي هُرَيْرَةَ لَهُ.
وَلَمّا نُقِبَ بَيْتُ مالِ المُسْلِمِينَ، قالَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - لِعامِلِهِ هُناكَ: انْقُلْهُ إلى المَسْجِدِ فَلا يَزالُ المَسْجِدُ فِيهِ مُصَلِّي، أيْ: لِيَتَوَلّى حِراسَتَهُ ومَقِيلًا لِلْعُزّابِ ومَبِيتًا لِلْغُرَباءِ. إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا لا يُوجَدُ في أيِّ مُؤَسَّسَةٍ أُخْرى. ولا تَتَأتّى إلّا في المَسْجِدِ، مِمّا يُؤَكِّدُ رِسالَةَ المَسْجِدِ، ويَسْتَدْعِي الِانْتِباهَ إلَيْهِ وحُسْنَ الِاسْتِفادَةِ مِنهُ.
* *
وَبِمُناسَبَةِ اخْتِصاصِ هَذِهِ المَساجِدِ الأرْبَعَةِ بِمَزِيدِ الفَضْلِ وزِيادَةِ مُضاعَفَةِ الصَّلاةِ، فَإنَّ في المَسْجِدِ النَّبَوِيِّ خاصَّةً عِدَّةَ مَباحِثَ طالَما أُشِيرَ إلَيْها في عِدَّةِ مَواضِعَ وهي مِنَ الأهَمِّيَّةِ بِمَكانٍ، وأهَمُّها أرْبَعَةُ مَباحِثَ نُورِدُها بِإيجازٍ، وهي:
الأوَّلُ: مُضاعَفَةُ الصَّلاةِ بِألْفٍ. وهَلْ هي خاصَّةٌ بِمَسْجِدِهِ ﷺ الَّذِي كانَ مِن بِنائِهِ ﷺ، أمْ يَشْمَلُ ذَلِكَ ما دَخَلَهُ مِن زِياداتٍ.
وَكَذَلِكَ امْتِدادُ الصُّفُوفِ خارِجَهُ عَنِ الزَّحْمَةِ، وهَلْ هي في الفَرْضِ فَقَطْ أمْ فِيهِ وفي النَّفْلِ ؟، وهَلْ هي لِلرِّجالِ والنِّساءِ أمْ لِلرِّجالِ فَقَطْ ؟ .
(p-٣٢٨)وَقَضِيَّةُ الأرْبَعِينَ صَلاةً الثّانِيَةَ بَعْدَ التَّوْسِعَةِ الأُولى لِعُمَرَ وعُثْمانَ، ونَقْلِ المِحْرابِ إلى القِبْلَةِ عَنِ الرَّوْضَةِ، فَأيُّ الصَّفَّيْنِ أفْضَلُ ؟ الصَّفُّ الأوَّلُ أمْ صُفُوفُ الرَّوْضَةِ.
الثّالِثَةُ: صَلاةُ المَأْمُومِينَ عِنْدَ الزِّحامِ أمامَ الإمامِ.
الرّابِعَةُ: حَدِيثُ شَدِّ الرِّحالِ والسَّلامِ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، ثُمَّ يَأْتِي مَبْحَثٌ مُوجِبٌ الرَّبْطَ بَيْنَ أوَّلِ الآيَةِ وآخِرِها، ﴿وَأنَّ المَساجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أحَدًا﴾
لِما فِيهِ مِنَ التَّنْوِيهِ والإيماءِ إلى بِناءِ المَساجِدِ عَلى القُبُورِ مَعَ تَمْحِيصِ العِبادَةِ لِلَّهِ وحْدَهُ.
وَتِلْكَ المَباحِثُ كُنْتُ قَدْ فَصَّلْتُها في رِسالَةِ المَسْجِدِ النَّبَوِيِّ الَّتِي كَتَبْتُها مِن قَبْلُ، ونُجْمِلُ ذَلِكَ هُنا.
المَبْحَثُ الأوَّلُ.
هَلِ الفَضْلِيَّةُ خاصَّةٌ بِالفَرْضِ، أمْ بِالنَّفْلِ ؟ اتَّفَقَ الجُمْهُورُ عَلى الفَرْضِ، ووَقَعَ الخِلافُ في النَّفْلِ، ما عَدا تَحِيَّةَ المَسْجِدِ رَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الجُمُعَةِ ورَكْعَتَيْنِ قَبْلَ المَغْرِبِ.
وَأمّا الخِلافُ في النَّوافِلِ الرّاتِبَةِ في الصَّلَواتِ الخَمْسِ وفي قِيامِ اللَّيْلِ، وسَبَبُ الخِلافِ هو عُمُومُ: «صَلاةٌ في مَسْجِدِي هَذا خَيْرٌ مِن ألْفِ صَلاةٍ فِيما سِواهُ» فَمَن حَمَلَهُ عَلى العُمُومِ شَمَلَهُ بِالنّافِلَةِ، ومَن حَمَلَ العُمُومَ عَلى الأصْلِ فِيهِ قَصَرَهُ عَلى الفَرِيضَةِ، إذِ العامُّ عَلى الإطْلاقِ يُحْمَلُ عَلى الأخَصِّ مِنهُ، وهي الفَرِيضَةُ.
وَقَدْ جاءَ حَدِيثُ زَيْدِ بْنِ ثابِتٍ عِنْدَ أبِي داوُدَ وغَيْرِهِ: «أفْضَلُ صَلاةِ المَرْءِ في بَيْتِهِ إلّا المَكْتُوبَةَ» .
وَجاءَ التَّصْرِيحُ بِمَسْجِدِهِ بِقَوْلِهِ: «صَلاةُ المَرْءِ في بَيْتِهِ أفْضَلُ مِن صَلاتِهِ في مَسْجِدِي هَذا إلّا المَكْتُوبَةَ» .
وَما جاءَ عَنِ التِّرْمِذِيِّ في الشَّمائِلِ ومَجْمَعِ الزَّوائِدِ: «أنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَعْدٍ سَألَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنِ الصَّلاةِ في بَيْتِهِ والصَّلاةِ في المَسْجِدِ، فَقالَ ﷺ: ”قَدْ تَرى ما أقْرَبَ بَيْتِي مِنَ المَسْجِدِ؛ فَلَأنْ أُصَلِّيَ في بَيْتِي أحَبُّ إلَيَّ مِن أنْ أُصَلِيَ في المَسْجِدِ، إلّا أنْ تَكُونَ المَكْتُوبَةَ“ .
وَفِي رِوايَةٍ: ”أرَأيْتَ قُرْبَ بَيْتِي مِنَ المَسْجِدِ ؟“، قالَ: بَلى. قالَ: ”فَإنِّي (p-٣٢٩)أُصَلِّي النّافِلَةَ في بَيْتِي“» .
* *
المَبْحَثُ الثّانِي.
أقْوالُ الأئِمَّةِ - رَحِمَهُمُ اللَّهُ -، وعَلى هَذا التَّفْصِيلِ كانَتْ أقْوالُ الأئِمَّةِ - رَحِمَهُمُ اللَّهُ - كالتّالِي:
قَوْلُ الإمامِ أبِي حَنِيفَةَ: إنَّ النّافِلَةَ في البَيْتِ أفْضَلُ، وإذا وقَعَتْ في المَسْجِدِ النَّبَوِيِّ كانَ لَها نَفْسُ الأجْرِ، أيْ: أنَّها عامَّةٌ في كُلِّ الصَّلَواتِ. ولَكِنَّها في البَيْتِ أفْضَلُ هي مِنها في المَسْجِدِ.
وَعِنْدَ الشّافِعِيِّ: اخْتَلَفَتِ الرِّوايَةُ عَنْهُ، فَذَكَرَ النَّوَوِيُّ في شَرْحِ مُسْلِمٍ العُمُومَ. وجاءَ عَنْهُ في المَجْمُوعِ ما يُفِيدُ الخُصُوصَ وإنْ لَمْ يُصَرِّحْ بِهِ.
والنُّصُوصُ في صَلاةِ النّافِلَةِ في البَيْتِ عَدِيدَةٌ، مِنها: «اجْعَلُوا صَلاتَكم في بُيُوتِكم» .
وَمِنها: «أكْرِمُوا بُيُوتَكم بِبَعْضِ صَلاتِكم» .
وَذَكَرَ القُرْطُبِيُّ عَنْ مُسْلِمٍ: «إذا قَضى أحَدُكُمُ الصَّلاةَ في مَسْجِدِهِ؛ فَلْيَجْعَلْ لِبَيْتِهِ نَصِيبًا مِن صِلاتِهِ» .
وَعِنْدَ المالِكِيَّةِ: يَعُمُّ الفَرْضَ والنَّفْلَ، واسْتَدَلَّ لِذَلِكَ بِأنَّ الحَدِيثَ في مَعْرِضِ الِامْتِنانِ، والنَّكِرَةُ إذا كانَتْ في سِياقِ الِامْتِنانِ تَعُمُّ، أيْ قَوْلُهُ ﷺ: «صَلاةٌ في مَسْجِدِي هَذا خَيْرٌ مِن ألْفِ صَلاةٍ فِيما سِواهُ»، فَصَلاةٌ لَفْظٌ نَكِرَةٌ.
وَفِي مَعْرِضِ الِامْتِنانِ والتَّفَضُّلِ بِهَذا الأجْرِ العَظِيمِ، فَكانَ عامًّا في الفَرْضِ والنَّفْلِ، والَّذِي يَظْهَرُ - واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ - لا خِلافَ بَيْنِ الفَرِيقَيْنِ. إذْ فَضِيلَةُ الألْفِ حاصِلَةٌ لِكُلِّ صَلاةٍ صَلّاها الإنْسانُ فِيهِ فَرْضًا كانَتْ أوْ نَفْلًا.
وَصَلاةُ النّافِلَةِ في البَيْتِ تَكُونُ أفْضَلَ مِنها في المَسْجِدِ بِدَوامِ صَلاتِهِ ﷺ النَّوافِلَ في البَيْتِ مَعَ قُرْبِ بَيْتِهِ مِنَ المَسْجِدِ، كَما أنَّ هَذِهِ الفَضِيلَةَ تَشْمَلُ صَلاةَ الرَّجُلِ والمَرْأةِ.
(p-٣٣٠)وَلَكِنَّ صَلاةَ المَرْأةِ مَعَ ذَلِكَ أفْضَلُ في بَيْتِها مِنها في المَسْجِدِ، وهَذا هو المَبْحَثُ الثّانِي، أيْ: أيُّهُما أفْضَلُ لِلْمَرْأةِ: صَلاتُها في بَيْتِها أمْ في المَسْجِدِ النَّبَوِيِّ ؟ .
وَهَذِهِ المَسْألَةُ قَدْ بَحَثَها فَضِيلَةُ الشَّيْخِ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا وعَلَيْهِ - عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أذِنَ اللَّهُ أنْ تُرْفَعَ ويُذْكَرَ فِيها اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيها بِالغُدُوِّ والآصالِ رِجالٌ﴾ [النور: ٣٧] .
وَأنَّ مَفْهُومَ ”رِجالٌ“ مَفْهُومُ صِفَةٍ في هَذِهِ المَسْألَةِ لا مَفْهُومَ لَقَبٍ؛ وعَلَيْهِ فالنِّساءُ يُسَبِّحْنَ في بُيُوتِهِنَّ، وقَدْ ساقَ البَحْثَ وافِيًا في عُمُومِ المَساجِدِ وخُصُوصِ المَسْجِدِ النَّبَوِيِّ، مِمّا يَكْفِي تَوَسُّعًا.
* *
المَبْحَثُ الثّالِثُ.
وَهُوَ: هَلِ المُضاعَفَةُ خاصَّةٌ بِمَسْجِدِهِ ﷺ الَّذِي بَناهُ، والَّذِي كانَ مَوْجُودًا أثْناءَ حَياتِهِ ﷺ، أوْ أنَّها تُوجَدُ فِيهِ وفِيما دَخَلَهُ مِنَ الزِّيادَةِ مِن بَعْدِهِ.
أمّا مَثارُ البَحْثِ هو ما جاءَ في نَصِّ الحَدِيثِ اسْمُ الإشارَةِ في مَسْجِدِي هَذا، فَقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: اسْمُ الإشارَةِ مَوْضُوعٌ لِلتَّعْيِينِ، وقالَ عُلَماءُ الوَضْعِ: إنَّهُ مَوْضُوعٌ بِوَضْعٍ عامٍّ لِمَوْضُوعٍ لَهُ خاصٍّ، فَيَخْتَصُّ عِنْدَ الِاسْتِعْمالِ بِمُفْرَدٍ مُعَيَّنٍ، وهو ما كانَ صالِحًا لِلْإشارَةِ الحِسِّيَّةِ، وهو عَيْنُ ما كانَ مَوْجُودًا زَمَنَ النَّبِيِّ ﷺ .
وَمَعْلُومٌ أنَّ الإشارَةَ لَمْ تَتَناوَلِ الزِّيادَةَ الَّتِي وُجِدَتْ بَعْدَ تِلْكَ الإشارَةِ، فَمِن هُنا جاءَ الخِلافُ والتَّساؤُلُ.
وَقَدْ نَشَأ هَذا التَّساؤُلُ في زَمَنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عِنْدَ أوَّلِ زِيادَةٍ زادَها في المَسْجِدِ النَّبَوِيِّ، فَرَأى بَعْضَ الصَّحابَةِ يَتَجَنَّبُونَ الصَّلاةَ في تِلْكَ الزِّيادَةِ ويَرْغَبُونَ في القَدِيمِ مِنها، فَقالَ لَهم: «لَوْلا أنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُرِيدُ تَوْسِعَةَ المَسْجِدِ لَما وسَّعْتُهُ»، وواللَّهِ إنَّهُ لَمَسْجِدُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ولَوِ امْتَدَّ إلى ذِي الحُلَيْفَةِ، أوْ ولَوِ امْتَدَّ إلى صَنْعاءَ، فَهَذا مَثارُ البَحْثِ وسَبَبُهُ.
وَلَكِنْ لَوْ قِيلَ: إنَّهُ في نَفْسِ الحَدِيثِ مَبْحَثٌ لُغَوِيٌّ آخَرُ وهو أنَّ قَوْلَهُ ﷺ: «فِي (p-٣٣١)مَسْجِدِي»، بِالإضافَةِ إلَيْهِ ﷺ، والإضافَةُ تُفِيدُ التَّخْصِيصَ أوِ التَّعْرِيفَ.
وَفِيهِ مَعْنى العُمُومِ والشُّمُولِ، والآنَ مَعَ الزِّيادَةِ في كُلِّ زَمانٍ وعَلى مَرِّ الأيّامِ، فَإنَّهُ لَمْ يَزَلْ هو مَسْجِدُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وعَلَيْهِ كانَ تَصْرِيحُ عُمَرَ: إنَّهُ لَمَسْجِدُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
أقْوالُ العُلَماءِ: الجُمْهُورُ عَلى أنَّ المُضاعَفَةَ في جَمِيعِ أجْزائِهِ بِما فِيها الزِّيادَةُ، ونُقِلَ عَنِ النَّوَوِيِّ في شَرْحِ مُسْلِمٍ: أنَّها خاصَّةٌ بِالمَسْجِدِ.
الأوَّلُ: قَبْلَ الزِّيادَةِ، وقِيلَ: إنَّهُ رَجَعَ عَنْهُ. وهَذا الرُّجُوعُ مَوْجُودٌ في المَجْمُوعِ شَرْحِ المُهَذَّبِ، وعَلَيْهِ فَلَمْ يَبْقَ خِلافٌ في المَسْألَةِ.
وَقالَ ابْنُ فَرْحُونَ: وقَفْتُ عَلى كَلامٍ لِمالِكٍ، سُئِلَ عَنْ ذَلِكَ فَقالَ: ما أراهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أشارَ بِقَوْلِهِ: «فِي مَسْجِدِي هَذا» إلّا لِما سَيَكُونُ مِن مَسْجِدٍ بَعْدَهُ، وأنَّ اللَّهَ أطْلَعَهُ عَلى ذَلِكَ.
وَقَدْ قَدَّمْتُ الإشارَةَ إلى أنَّ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - ما زادَ في المَسْجِدِ إلّا بَعْدَ أنْ سَمِعَ مِنَ الرَّسُولِ ﷺ رَغْبَتَهُ في الزِّيادَةِ، فَيَكُونُ تَأْيِيدًا لِقَوْلِ مالِكٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - . ورُوِيَ أيْضًا: «أنَّهُ ﷺ قالَ يَوْمًا وهو في مُصَلّاهُ في المَسْجِدِ: ”لَوْ زِدْنا في مَسْجِدِنا“، وأشارَ بِيَدِهِ نَحْوَ القِبْلَةِ» .
وَفِي رِوايَةٍ: «إنِّي أُرِيدُ أنْ أزِيدَ في قِبْلَةِ مَسْجِدِنا»، مِمّا يَدُلُّ عَلى أنَّ الزِّيادَةَ كانَتْ في حُسْبانِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
وَمَعَ الرَّغْبَةِ في الزِّيادَةِ لَمْ تَأْتِ إشارَةٌ إلى ما يُغَيِّرُ حُكْمَ الصَّلاةِ في تِلْكَ الزِّيادَةِ المُنْتَظَرَةِ، ولا يُقالُ: إنَّها قَبْلَ وُجُودِها لا يَتَعَلَّقُ بِها حُكْمٌ؛ لِأنَّنا رَأيْنا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدْ رَتَّبَ أحْكامًا عَلى أُمُورٍ لَمْ تُوجَدْ بَعْدُ: كَمَواقِيتِ الإحْرامِ المِصْرِيِّ والشّامِيِّ والعِراقِيِّ، وكَقَوْلِهِ ﷺ: «سَتُفْتَحُ اليَمَنُ، وسَتُفْتَحُ الشّامُ، وسَتُفْتَحُ العِراقُ»، ومَعَ كُلٍّ مِنها يَقُولُ: «سَيُؤْتى بِأقْوامٍ يَبُسُّونَ هَلُمَّ إلى الرَّخاءِ والسَّعَةِ فَيَحْمِلُونَ بِأهْلِيهِمْ ومَن أطاعَهم، والمَدِينَةُ خَيْرٌ لَهم لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ» .
وَقالَ البَعْضُ: إنَّ قَوْلَهُ ﷺ: «فِي مَسْجِدِي هَذا» لِدَفْعِ تَوَهُّمِ دُخُولِ سائِرِ المَساجِدِ المَنسُوبَةِ إلَيْهِ بِالمَدِينَةِ غَيْرَ هَذا المَسْجِدِ، لا لِإخْراجِ ما سَيُزادُ في المَسْجِدِ النَّبَوِيِّ. قالَهُ (p-٣٣٢)السَّمْهُودِيُّ. اهـ.
وَلَكِنْ لَمْ يُعْلَمْ أنَّهُ كانَتْ هُناكَ عِدَّةُ مَساجِدَ لَهُ ﷺ، فَلَمْ يَكُنْ إلّا المَسْجِدُ والمُصَلّى، وبَقِيَّةُ المَساجِدِ أُطْلِقَتْ عَلَيْها اصْطِلاحًا.
وَلِابْنِ تَيْمِيَةَ كَلامٌ مُوجَزٌ في ذَلِكَ، وهو أنَّ الزِّيادَةَ كانَتْ في عَهْدَيْ عُمَرَ وعُثْمانَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - .
وَقَعَتْ زِيادَةُ كُلٍّ مِنهُما مِن جِهَةِ القِبْلَةِ، ومَعَ هَذا فَإنَّ كُلًّا مِنهُما كانَ إذا صَلّى بِالنّاسِ قامَ في القِبْلَةِ الواقِعَةِ في تِلْكَ الزِّيادَةِ، فَيَمْتَنِعُ أنْ تَكُونَ الصَّلاةُ في تِلْكَ الزِّيادَةِ لَيْسَتْ لَها فَضِيلَةُ المَسْجِدِ، إذْ يَلْزَمُ عَلَيْهِ صَلاةُعُمَرَ وعُثْمانَ بِالنّاسِ.
وَصَلاةُ النّاسِ مَعَهم في الصُّفُوفِ الأُولى في المَكانِ المَفْضُولِ مَعَ تَرْكِ الأفْضَلِ. اهـ.
وَمِن كُلِّ ما قَدَّمْنا يَتَّضِحُ أنَّ: حُكْمَ الزِّيادَةِ في المَسْجِدِ النَّبَوِيِّ كَحُكْمِ الأصْلِ في مُضاعَفَةِ الأجْرِ إلى الألْفِ.
وَقَدْ كُنْتُ سَمِعْتُ مِنَ الشَّيْخِ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا وعَلَيْهِ - ما يُفِيدُ ذَلِكَ، وسَيَأْتِي ذَلِكَ - إنْ شاءَ اللَّهُ - في مَبْحَثِ الأرْبَعِينَ صَلاةً، وصَلاةُ النّاسِ في الصَّفِّ خارِجَ المَسْجِدِ.
تَنْبِيهٌ.
Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии