Аш-Шинкити · Тафсир · на арабском
Аль-Джинн 72:18, продолжение
هَذِهِ المُضاعَفَةُ أجْمَعُوا عَلى أنَّها في الكَيْفِ لا في الكَمِّ، فَلَوْ أنَّ عَلى إنْسانٍ فَوائِتَ يَوْمٍ خَمْسَ صَلَواتٍ، وصَلّى صَلاةً هي خَيْرٌ مِن ألْفِ صَلاةٍ، لَنْ تُسْقِطَ عَنْهُ شَيْئًا مِن تِلْكَ الفَوائِتِ، فَهي في نَظَرِي بِمَثابَةِ ثَوْبٍ وثَوْبٍ آخَرَ أحَدُهُما قِيمَتُهُ ألْفُ دِرْهَمٍ، والآخَرُ بِدِرْهَمٍ واحِدٍ، فَكُلٌّ مِنهُما ثَوْبٌ في مُهِمَّتِهِ، ولَنْ يَلْبَسَهُ أكْثَرُ مِن شَخْصٍ في وقْتٍ مَهْما كانَ ثَمَنُهُ.
وَكَذَلِكَ كالقَلَمِ والقَلَمِ، فَمَهْما غَلا ثَمَنُ القَلَمِ، فَلَنْ يَكْتُبَ بِهِ شَخْصانِ في وقْتٍ واحِدٍ.
تَنْبِيهٌ آخَرُ.
مِمّا لا شَكَّ فِيهِ أنَّ لِلْمَسْجِدِ الأساسِيِّ خَصائِصَ لَمْ تُوجَدْ في بَقِيَّةِ المَسْجِدِ: كالرَّوْضَةِ مِنَ الجَنَّةِ. والمِنبَرِ عَلى تُرْعَةٍ مِن تُرَعِ الجَنَّةِ، بَعْضِ السَّوارِي ذاتِ التّارِيخِ.
(p-٣٣٣)وَقَدْ قالَ النَّوَوِيُّ: إذا كانَ الشَّخْصُ سَيُصَلِّي مُنْفَرِدًا أوْ نَفْلًا، فَإنَّ الأفْضَلَ أنْ يَكُونَ في الرَّوْضَةِ وإلّا فَفي المَسْجِدِ الأوَّلِ، وإذا كانَ في الجَماعَةِ، فَعَلَيْهِ أنْ يَتَحَرّى الصَّفَّ الأوَّلَ، وإلّا فَفي أيِّ مَكانٍ مِنَ المَسْجِدِ، وهَذا مَعْقُولُ المَعْنى. والحَمْدُ لِلَّهِ.
* *
المَبْحَثُ الرّابِعُ.
وَهُوَ بَعْدَ هَذِهِ التَّوْسِعَةِ وانْتِقالِ الصَّفِّ الأوَّلِ عَنِ الرَّوْضَةِ، فَهَلِ الأفْضَلُ الصَّلاةُ في الجَماعَةِ في الصَّفِّ الأوَّلِ، أمْ في الرَّوْضَةِ مَعَ تَخَلُّفِهِ عَنِ الأوَّلِ ؟ ولِتَصْوِيرِ هَذِهِ المَسْألَةِ نُقَدِّمُ الآتِي:
أمامَ المُصَلّى مَوْضِعانِ:
أحَدُهُما الرَّوْضَةُ؛ بِفَضْلِها رَوْضَةٌ مِن رِياضِ الجَنَّةِ.
والصَّفُّ الأوَّلُ: وفِيهِ: «لَوْ يَعْلَمُونَ ما الصَّفُّ الأوَّلُ لاسْتَهَمُوا عَلَيْهِ»، فَأيُّ المَوْضِعَيْنِ يُقَدَّمُ عَلى الآخَرِ ؟
وَمَعْلُومٌ أنَّهم كانُوا قَبْلَ التَّوْسِعَةِ يُمْكِنُهُمُ الجَمْعُ بَيْنَ الفَضِيلَتَيْنِ، إذِ الصَّفُّ الأوَّلُ كانَ في الرَّوْضَةِ.
أمّا الآنَ وبَعْدَ التَّوْسِعَةِ فَقَدِ انْفَصَلَ الصَّفُّ الأوَّلُ عَنِ الرَّوْضَةِ، ما دامَ الإمامُ يُصَلِّي في مُقَدِّمَةِ المَسْجِدِ، ولَمْ أقِفْ عَلى تَفْصِيلٍ في المَسْألَةِ.
وَلَكِنْ عُمُوماتٌ لِلنَّوَوِيِّ، ولِابْنِ تَيْمِيَةَ - عَلى ما قَدَّمْنا في مَبْحَثِ شُمُولِ المُضاعَفَةِ لِلزِّيادَةِ، ولَكِنْ تُوجَدُ قَضِيَّةٌ يُمْكِنُ اسْتِنْتاجُ الجَوابِ مِنها، وهي قَبْلَ التَّوْسِعَةِ كانَ لِلصَّفِّ الأوَّلِ مَيْمَنَةٌ ومَيْسَرَةٌ، وكانَ لِلْمَيْمَنَةِ فَضِيلَةٌ عَلى المَيْسَرَةِ. ومَعْلُومٌ أنَّ مَيْمَنَةَ الصَّفِّ قَبْلَ التَّوْسِعَةِ كانَتْ تَقَعُ غَرْبِيَّ المِنبَرِ، أيْ: خارِجَةً عَنِ الرَّوْضَةِ، والمَيْسَرَةُ كُلُّها كانَتْ في الرَّوْضَةِ، ومَعَ ذَلِكَ فَقَدْ كانُوا يُفَضِّلُونَ المَيْمَنَةَ عَلى المَيْسَرَةِ لِذاتِها، عَنِ الرَّوْضَةِ لِذاتِها أيْضًا، فَإذا كانَتِ المَيْمَنَةُ - وهي خارِجَ الرَّوْضَةِ - مُقَدَّمَةٌ عِنْدَهم عَنِ الرَّوْضَةِ، فَلَأنْ يُقَدَّمَ الصَّفُّ الأوَّلُ مِن بابٍ أوْلى.
وَهُناكَ حَقِيقَةٌ فِقْهِيَّةٌ ذَكَرَها النَّوَوِيُّ، وهي تَقْدِيمُ الوَصْفِ الذّاتِيِّ عَلى الوَصْفِ العَرَضِيِّ، وهو هُنا الصَّفُّ الأوَّلُ وصْفٌ ذاتِيٌّ لِلْجَماعَةِ. وفَضْلُ الرَّوْضَةِ وصْفٌ عَرَضِيٌّ لِلْمَكانِ. أيْ: لِكُلِّ حالٍ مِن ذِكْرٍ أوْ صَلاةِ فَرِيضَةٍ أوْ نافِلَةٍ، فَتَقْدِيمُ الصَّفِّ الأوَّلِ لِكَوْنِهِ ذاتِيًّا
(p-٣٣٤)بِالنِّسْبَةِ لِلْجَماعَةِ أوْلى مِن تَقْدِيمِ الرَّوْضَةِ؛ لِكَوْنِهِ وصْفًا عَرَضِيًّا.
وَقَدْ مَثَّلَ لِهَذِهِ القاعِدَةِ النَّوَوِيُّ بِقَوْلِهِ: فَلَوْ أنَّ إنْسانًا في طَرِيقِهِ إلى الصَّلاةِ بِالمَسْجِدِ النَّبَوِيِّ فَوَجَدَ مَسْجِدًا آخَرَ يُصَلِّي جَماعَةً، فَكانَ بَيْنَ أنْ يُدْرِكَ الجَماعَةَ مَعَ هَؤُلاءِ أوْ يَتْرُكَها ويَمْضِيَ إلى المَسْجِدِ النَّبَوِيِّ، وتَفُوتُهُ الصَّلاةُ فَيُصَلِّي مُنْفَرِدًا بِألْفِ صَلاةٍ، فَقالَ: يُصَلِّي في هَذا المَسْجِدِ جَماعَةً أوْلى لَهُ؛ لِأنَّهُ تَحْصِيلُ الجَماعَةِ وصْفٌ ذاتِيٌّ لِلصَّلاةِ، وتَحْصِيلُ خَيْرٍ مِن ألْفِ صَلاةٍ وصْفٌ عَرَضِيٌّ بِسَبَبِ فَضْلِ المَسْجِدِ النَّبَوِيِّ. اهـ. مُلَخَّصًا.
وَقَدْ يُقالُ أيْضًا: إنَّ العَبْدَ مُكَلَّفٌ بِإيقاعِ الصَّلاةِ في جَماعَةٍ أكْثَرَ مِنهُ تَكْلِيفًا بِإيقاعِها في المَسْجِدِ النَّبَوِيِّ.
وَهَكَذا الحالُ؛ فَإنّا مُطالَبُونَ بِالصَّفِّ الأوَّلِ عَلى الإطْلاقِ حَيْثُ ما كانَ، أكْثَرَ مِنّا مُطالَبَةً بِالصَّلاةِ في الرَّوْضَةِ. والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.
* *
المَبْحَثُ الخامِسُ.
وَهُوَ في حالَةِ ازْدِحامِ المَسْجِدِ وامْتِدادِ الصُّفُوفِ إلى الخارِجِ في الشّارِعِ أوِ البَرْحَةِ، فَهَلْ لِامْتِدادِ الصُّفُوفِ تِلْكَ المُضاعَفَةُ أمْ لا ؟
لِنَعْلَمَ أنَّ فَضِيلَةَ الجَماعَةِ حاصِلَةٌ بِلا خِلافٍ. أمّا المُضاعَفَةُ إلى ألْفٍ، فَلَمْ أقِفْ عَلى نَصٍّ فِيها، وقَدْ سَألْتُ الشَّيْخَ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا وعَلَيْهِ - عَنْ ذَلِكَ مَرَّتَيْنِ، فَفي الأُولى: مالَ إلى اخْتِصاصِ المَسْجِدِ بِذَلِكَ، وفي المَرَّةِ الثّانِيَةِ - وبَيْنَهُما نَحْوٌ مِن عَشْرِ سَنَواتٍ -: مالَ إلى عُمُومِ الأجْرِ، وقالَ ما مَعْناهُ: إنَّ الزِّيادَةَ تَفَضُّلٌ مِنَ اللَّهِ، وهَذا امْتِنانٌ عَلى عِبادِهِ، فالمُؤَمَّلُ في سِعَةِ فَضْلِ اللَّهِ أنَّهُ لا يَكُونُ رَجُلانِ في الصَّفِّ مُتَجاوِرَيْنِ أحَدُهُما عَلى عَتَبَةِ المَسْجِدِ إلى الخارِجِ، والآخَرُ عَلَيْها إلى الدّاخِلِ، ويُعْطِي هَذا ألْفًا ويُعْطِي هَذا واحِدَةً. وكَتِفاهُما مُتَلاصِقَتانِ، وهَذا واضِحٌ. والحَمْدُ لِلَّهِ.
وَقَدْ رَأيْتُ في مَسْألَةِ الجُمُعَةِ عِنْدَ المالِكِيَّةِ نَصًّا، وكَذَلِكَ عِنْدَ غَيْرِهِمْ مِمَّنْ يَشْتَرِطُونَ المَسْجِدَ لِلْجُمُعَةِ، فَإنَّهم مُتَّفِقُونَ أنَّ الصُّفُوفَ إذا امْتَدَّتْ إلى الشَّوارِعِ والرَّحَباتِ خارِجَ المَسْجِدِ أنَّ الجُمُعَةَ صَحِيحَةٌ، مَعَ أنَّهم أوْقَعُوها في غَيْرِ المَسْجِدِ، لَكِنْ لَمّا كانَتِ الصُّفُوفُ مُمْتَدَّةً مِنَ المَسْجِدِ إلى خارِجِهِ انْجَرَّ عَلَيْها حُكْمُ المَسْجِدِ وصَحَّتِ الجُمُعَةُ.
فَنَقُولُ هُنا: كَذَلِكَ لَمّا كانَتِ الصُّفُوفُ خارِجَةً عَنِ المَسْجِدِ النَّبَوِيِّ: يَنْجَرُّ عَلَيْها حُكْمُ المَسْجِدِ - إنْ شاءَ اللَّهُ - . واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.
(p-٣٣٥)وَقَدْ يُسْتَدَلُّ لِذَلِكَ بِالعُرْفِ وهو: لَوْ سَألْتَ مَن صَلّى في مِثْلِ ذَلِكَ: أيْنَ صَلَّيْتَ ؟ أفِي قُباءٍ ؟ أمْ في المَسْجِدِ النَّبَوِيِّ ؟ لَقالَ: بَلْ في المَسْجِدِ النَّبَوِيِّ. فَلَمْ يَخْرُجْ بِذَلِكَ عَنْ مُسَمّى المَسْجِدِ عُرْفًا.
* *
المَبْحَثُ السّادِسُ.
وَهُوَ عِنْدَ الزِّحامِ في المَسْجِدِ النَّبَوِيِّ خاصَّةً، وفي بَقِيَّةِ المَساجِدِ عامَّةً. حِينَما يَضِيقُ المَكانُ ويُضْطَرُّ المُصَلُّونَ لِلصَّلاةِ في صُفُوفٍ عَدِيدَةٍ خارِجَ المَسْجِدِ، وأمامَ الإمامِ مُتَقَدِّمِينَ عَلَيْهِ بِعِدَّةِ صُفُوفٍ، فَما حُكْمُ صَلاةِ هَؤُلاءِ ؟
قَدْ ذَكَرَ النَّوَوِيُّ في المَجْمُوعِ الخِلافَ عَنِ الشّافِعِيِّ. وأنَّ الصَّحِيحَ مِنَ المَذْهَبِ هو الصِّحَّةُ مَعَ الكَراهَةِ.
وَذَكَرَ المالِكِيَّةُ الصِّحَّةَ كَذَلِكَ، وقَدِ اسْتَدَلُّوا لَها بِصَلاةِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - ذاتَ لَيْلَةٍ عِنْدَ مَيْمُونَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها - بِصَلاةِ النَّبِيِّ ﷺ .
وابْنُ عَبّاسٍ آنَذاكَ غُلامٌ، فَقامَ عَلى يَسارِهِ ﷺ، وجَعَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ يَمِينِهِ؛ تَكْرِيمًا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَلَمّا شَعَرَ بِهِ ﷺ وبَعْدَ أنْ كَبَّرَ ودَخَلَ في الصَّلاةِ، فَأخَذَهُ ﷺ بِيَدِهِ ونَقَلَهُ مِن ورائِهِ، وجَعَلَهُ ﷺ عَنْ يَمِينِهِ بِحِذائِهِ في مَوْقِفِ الواحِدِ، كَما هو مَعْلُومٌ مِن حُكْمِ المُنْفَرِدِ مَعَ الإمامِ.
وَمَحَلُّ الِاسْتِدْلالِ في ذَلِكَ هو أنَّ الجِهاتِ بِالنِّسْبَةِ لِلْإمامِ أرْبَعٌ: خَلْفَهُ؛ وهي لِلْكَثِيرِينَ مِنَ اثْنَيْنِ فَصاعِدًا. وعَنْ يَمِينِهِ؛ وهو مَوْقِفُ الفَرْدِ، ويَسارَهُ وأمامَهُ. أمّا اليَسارُ؛ فَقَدْ وقَفَ فِيهِ ابْنُ عَبّاسٍ ولَيْسَ بِمَوْقِفٍ، فَأخَذَهُ ﷺ وجَعَلَهُ عَنْ يَمِينِهِ.
وَلَكِنْ بَعْدَ أنْ دَخَلَ في الصَّلاةِ وأوْقَعَ بَعْضَ صِلاتِهِ في ذَلِكَ المَقامِ، وقَدْ صَحَّتْ صَلاتُهُ حَيْثُ بَنى عَلى الجُزْءِ الَّذِي سَبَقَ أنْ أوْقَعَهُ عَنِ اليَسارِ؛ لِضَرُورَةِ الجَهْلِ بِالمَوْقِفِ.
وَبَقِيَتْ جِهَةُ الإمامِ؛ فَلَيْسَتْ بِجِهَةِ مَوْقِفٍ، ولَكِنْ عِنْدَ الضَّرُورَةِ ولِلزَّحْمَةِ لَمْ يَكُنْ مِنَ التَّقَدُّمِ عَلى الإمامِ بُدٌّ، فَجازَتْ أوْ فَصَحَّتْ لِلضَّرُورَةِ، كَما صَحَّتْ عَنْ يَسارِهِ ﷺ . - واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ - .
وَيُقَوِّي هَذا الِاسْتِدْلالَ: أنَّهُ لَوْ جاءَ شَخْصٌ إلى الجَماعَةِ ولَمْ يَجِدْ لَهُ مَكانًا إلّا بِجِوارِ
(p-٣٣٦)الإمامِ، فَإنَّهُ يَقِفُ عَنْ يَمِينِهِ بِجِوارِهِ، كَما لَوْ كانَ مُنْفَرِدًا مَعَ وُجُودِ الصُّفُوفِ العَدِيدَةِ. ولَكِنْ صَحَّ وُقُوفُهُ لِلضَّرُورَةِ.
* *
المَبْحَثُ السّابِعُ.
مَوْضُوعُ الأرْبَعِينَ صَلاةً، وهو مِن جِهَةٍ خاصٌّ بِالمَسْجِدِ النَّبَوِيِّ، ومِن جِهَةٍ عامٌّ في كُلِّ مَسْجِدٍ، ولَكِنْ لا بِأرْبَعِينَ صَلاةً بَلْ بِأرْبَعِينَ يَوْمًا. أمّا ما يَخُصُّ المَسْجِدَ النَّبَوِيَّ، فَقَدْ جاءَ في حَدِيثِ أنَسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، أنَّهُ قالَ: «مَن صَلّى في مَسْجِدِي أرْبَعِينَ صَلاةً لا تَفُوتُهُ صَلاةٌ؛ كُتِبَتْ لَهُ بَراءَةٌ ونَجاةٌ مِنَ العَذابِ، وبَرِئَ مِنَ النِّفاقِ» .
قالَ المُنْذِرِيُّ في التَّرْغِيبِ والتَّرْهِيبِ: رُواتُهُ رُواةُ الصَّحِيحِ. أخْرَجَهُ أحْمَدُ في مُسْنَدِهِ والطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ.
وَفِي مَجْمَعِ الزَّوائِدِ: رِجالُهُ ثِقاتٌ. وهو عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ بِلَفْظِ: «مَن صَلّى أرْبَعِينَ يَوْمًا في جَماعَةٍ، يُدْرِكُ التَّكْبِيرَةَ الأُولى، كُتِبَ لَهُ بَراءَتانِ: بَراءَةٌ مِنَ النّارِ، وبَراءَةٌ مِنَ النِّفاقِ» .
قالَ التِّرْمِذِيُّ: هو مَوْقُوفٌ عَلى أنَسٍ، ولا أعْلَمُ أحَدًا رَفَعَهُ.
وَقالَ مُلّا عَلِيٍّ القارِّيِّ: مِثْلُ هَذا لا يُقالُ بِالرَّأْيِ، وقَدْ تَكَلَّمَ بَعْضُ النّاسِ في هَذا الحَدِيثِ بِرِوايَتَيْنِ:
أمّا الأُولى: فَبِسَبَبِ نُبَيْطِ بْنِ عُمَرَ.
وَأمّا الثّانِيَةُ: فَمِن جِهَةِ الرَّفْعِ والوَقْفِ. وقَدْ تَتَبَّعَ هَذَيْنِ الحَدِيثَيْنِ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ بِالتَّدْقِيقِ في السَّنَدِ، وأثْبَتَ صِحَّةَ الأوَّلِ، وحُكْمَ الرَّفْعِ لِلثّانِي. وقَدْ أفْرَدَهُما الشَّيْخُ حَمّادٌ الأنْصارِيُّ بِرِسالَةٍ رَدَّ فِيها عَلى بَعْضِ مَن تَكَلَّمَ فِيهِما مِنَ المُتَأخِّرِينَ. نُوجِزُ كَلامَهُ في الآتِي:
قالَ الحافِظُ ابْنُ حَجَرٍ في تَعْجِيلِ المَنفَعَةِ في زَوائِدِ الأرْبَعَةِ: نُبَيْطُ بْنُ عُمَرَ، ذَكَرَهُ ابْنُ حِبّانَ في الثِّقاتِ، فاجْتَمَعَ عَلى تَوْثِيقِ نُبَيْطٍ كُلٌّ مِنَ ابْنِ حِبّانَ والمُنْذِرِيِّ والبَيْهَقِيِّ وابْنِ حَجَرٍ، ولَمْ يُجَرِّحْهُ أحَدٌ مِن أئِمَّةِ هَذا الشَّأْنِ. فَمِن ثَمَّ لا يَجُوزُ لِأحَدٍ أنْ يَطْعَنَ ولا أنْ يُضَعِّفَ مَن وثَّقَهُ أئِمَّةٌ مُعْتَبَرُونَ، ولَمْ يُخالِفْهم إمامٌ مِن أئِمَّةِ الجَرْحِ والتَّعْدِيلِ. وكَفى مَن ذَكَرُوا مِن أئِمَّةِ هَذا الشَّأْنِ قُدْوَةً.
(p-٣٣٧)ذَلِكَ؛ ولَوْ فُرِضَ وقُدِّرَ جَدَلًا أنَّهُ في السَّنَدِ مَقالٌ، فَإنَّ أئِمَّةَ الحَدِيثِ لا يَمْنَعُونَ إذا لَمْ يَكُنْ في الحَدِيثِ حَلالٌ أوْ حَرامٌ أوْ عَقِيدَةٌ، بَلْ كانَ بابُ فَضائِلِ الأعْمالِ لا يَمْنَعُونَ العَمَلَ بِهِ؛ لِأنَّ بابَ الفَضائِلِ لا يُشَدَّدُ فِيهِ هَذا التَّشْدِيدَ.
وَنَقَلَ السُّيُوطِيُّ مِثْلَ ذَلِكَ عَنْ أحْمَدَ، وابْنِ المُبارَكِ.
أمّا حَدِيثُ إدْراكِ تَكْبِيرَةِ الإحْرامِ في أيِّ مَسْجِدٍ، فَهَذا أعَمُّ مِن مَوْضُوعِ المَسْجِدِ النَّبَوِيِّ الَّذِي نَتَحَدَّثُ عَنْهُ، وكُلُّ أسانِيدِهِ ضَعِيفَةٌ، ولَكِنْ قالَ الحافِظُ ابْنُ حَجَرٍ: يَنْدَرِجُ ضِمْنَ ما يُعْمَلُ بِهِ في فَضائِلِ الأعْمالِ. انْتَهى مُلَخَّصًا.
وَهَذا الحَثُّ عَلى أرْبَعِينَ صَلاةً في المَسْجِدِ النَّبَوِيِّ، لَعَلَّهُ - واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ - مِن بابِ التَّعَوُّدِ والتَّزَوُّدِ، لِما يُكْسِبُهُ ذَلِكَ العَمَلُ مِن مُداوَمَةٍ، وحِرْصٍ عَلى أداءِ الصَّلَواتِ الخَمْسِ ثَمانِيَةَ أيّامٍ في الجَماعَةِ، واشْتِغالِهِ الدّائِمِ بِشَأْنِ الصَّلاةِ وحِرْصِهِ عَلَيْها، حَتّى لا تَفُوتَهُ صَلاةٌ مِمّا يُعَلِّقُ قَلْبَهُ بِالمَسْجِدِ، فَتُصْبِحُ الجَماعَةُ لَهُ مَلَكَةً، ويُصْبِحُ مُرْتاحًا لِارْتِيادِ المَسْجِدِ، وحَرِيصًا عَلى بَقِيَّةِ الصَّلَواتِ في بَقِيَّةِ أيّامِهِ لا تَفُوتُهُ الجَماعَةُ إلّا مِن عُذْرٍ.
فَلَوْ كانَ زائِرًا ورَجَعَ إلى بِلادِهِ رَجَعَ بِهَذِهِ الخَصْلَةِ الحَمِيدَةِ، ولَعَلَّ في مُضاعَفَةِ الصَّلاةِ بِألْفٍ تَكُونُ بِمَثابَةِ الدَّواءِ المُكَثَّفِ الشَّدِيدِ الفَعالِيَةِ، السَّرِيعِ الفائِدَةِ، أكْثَرَ مِمّا جاءَ في عامَّةِ المَساجِدِ بِأرْبَعِينَ يَوْمًا لا تَفُوتُهُ تَكْبِيرَةُ الإحْرامِ، إذِ الأرْبَعُونَ صَلاةً في المَسْجِدِ النَّبَوِيِّ تُعادِلُ أرْبَعِينَ ألْفَ صَلاةٍ فِيما سِواهُ، وهي تُعادِلُ حَوالَيْ صَلَواتِ اثْنَيْنِ وعِشْرِينَ سَنَةً.
وَلَوْ راعَيْنا أجْرَ الجَماعَةِ: خَمْسًا وعِشْرِينَ دَرَجَةً، لَكانَتْ تُعادِلُ صَلاةَ المُنْفَرِدِ: خَمْسَمِائَةٍ وخَمْسِينَ سَنَةً، أيْ: في الأجْرِ والثَّوابِ لا في العَدَدِ، أيْ: كَيْفًا لا كَمًّا، كَما قَدَّمْنا. وفَضْلُ اللَّهِ عَظِيمٌ.
وَلْيُعْلَمْ أنَّ الغَرَضَ مِن هَذِهِ الأرْبَعِينَ هو كَما أسْلَفْنا التَّعَوُّدُ والحِرْصُ عَلى الجَماعَةِ.
أمّا لَوْ رَجَعَ فَتَرَكَ الجَماعَةَ وتَهاوَنَ في شَأْنِ الصَّلاةِ، عِياذًا بِاللَّهِ، فَإنَّها تَكُونُ غايَةَ النَّكْسَةِ. نَسْألُ اللَّهَ العافِيَةَ، كَما نَعْلَمُ أنَّ هَذِهِ الأرْبَعِينَ صَلاةً لا عَلاقَةَ لَها لا بِالحَجِّ ولا بِالزِّيارَةِ، عَلى ما تَقَدَّمَ لِلشَّيْخِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - في آدابِ الزِّيارَةِ في سُورَةِ ”الحُجُراتِ“ .
وَأنَّ الزِّيارَةَ تَتِمُّ بِصَلاةِ رَكْعَتَيْ تَحِيَّةِ المَسْجِدِ، والسَّلامِ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وعَلى
(p-٣٣٨)صاحِبَيْهِ - رِضْوانُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا وعَلَيْهِمْ -، ثُمَّ الدُّعاءِ لِنَفْسِهِ ولِلْمُسْلِمِينَ بِالخَيْرِ، ثُمَّ إنْ شاءَ انْصَرَفَ إلى أهْلِهِ، وإنْ شاءَ جَلَسَ ما تَيَسَّرَ لَهُ. وبِاللَّهِ تَعالى التَّوْفِيقُ.
* *
مَبْحَثُ السَّلامِ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
تَقَدَّمَ لِلشَّيْخِ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا وعَلَيْهِ - بَيانُ جانِبٍ مِن جَوانِبِ السَّلامِ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عِنْدَ الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أنْ تَحْبَطَ أعْمالُكم وأنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ﴾ [الحجرات: ٢] في التَّحْذِيرِ مِن مُبْطِلاتِ الأعْمالِ وبَيانِ ما هو حَقٌّ لِلَّهِ فَلا يُصْرَفُ لِغَيْرِهِ، وما هو حَقٌّ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَلا يُتَجاوَزُ بِهِ.
وَقَدْ يَجُرُّ الحَدِيثُ عَنِ السَّلامِ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وفَضْلِهِ وفَضِيلَتِهِ إلى مَوْضُوعِ شَدِّ الرِّحالِ إلى المَسْجِدِ، وإلى السَّلامِ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
* *
شَدُّ الرِّحالِ إلى المَسْجِدِ النَّبَوِيِّ لِلسَّلامِ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
وَمِمّا اخْتُصَّ بِهِ المَسْجِدُ النَّبَوِيُّ، بَلْ ومِن أهَمِّ خَصائِصِهِ بَعْدَ الصَّلاةِ، السَّلامُ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِن داخِلِ هَذا المَسْجِدِ قَدِيمًا وحَدِيثًا.
كَما جاءَ في الصَّحِيحِ: «ما مِن أحَدٍ يُسَلِّمُ عَلَيَّ إلّا رَدَّ اللَّهُ عَلَيَّ رُوحِي، فَأرُدُّ عَلَيْهِ السَّلامَ» ومُجْمِعُونَ أنَّ ذَلِكَ يَحْصُلُ لِمَن سَلَّمَ عَلَيْهِ ﷺ مِن قَرِيبٍ، وما كانَ هَذا السَّلامُ يَوْمًا مِنَ الأيّامِ إلّا مِنَ المَسْجِدِ النَّبَوِيِّ، سَواءٌ قَبْلَ أوْ بَعْدَ إدْخالِ الحُجْرَةِ في المَسْجِدِ.
وَمَعْلُومٌ أنَّ أوَّلَ آدابِ الزِّيارَةِ والسَّلامِ عَلَيْهِ ﷺ، البَدْءُ بِصَلاةِ رَكْعَتَيْنِ تَحِيَّةَ المَسْجِدِ، وبَعْدَ السَّلامِ يَنْصَرِفُ عَنِ المُواجَهَةِ، ويَدْعُو ما شاءَ وهو في أيِّ مَكانٍ مِنَ المَسْجِدِ.
وَهُنا مَسْألَةٌ طالَما أُثِيرَ النِّزاعُ فِيها: وهي شَدُّ الرِّحالِ لِلسَّلامِ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
وَهِيَ إنْ كانَ مَحَلُّها مَبْحَثَ الزِّيارَةِ وأحْكامِها وآدابِها، إلّا أنَّنا نَسُوقُ مُوجَزًا عَنْها بِمُناسَبَةِ حَدِيثِ شَدِّ الرِّحالِ، ونَسْألُ اللَّهَ تَعالى الهِدايَةَ والتَّوْفِيقَ.
مِنَ المَعْلُومِ أنَّ أصْلَ هَذِهِ المَسْألَةِ هو حَدِيثُ: «لا تُشَدُّ الرِّحالُ إلّا إلى ثَلاثَةِ مَساجِدَ» المُتَقَدِّمُ ذِكْرُهُ؛ لِاخْتِلافِهِمْ في تَقْدِيرِ المُسْتَثْنى مِنهُ. والمُرادُ بِشَدِّ الرِّحالِ إلَيْهِ في تِلْكَ (p-٣٣٩)المَساجِدِ، أهُوَ خُصُوصُ الصَّلاةِ أمْ لِلصَّلاةِ وغَيْرِها ؟ .
وَلِنَتَصَوَّرَ حَقِيقَةَ هَذِهِ المَسْألَةِ يَنْبَغِي أنْ نَعْلَمَ أوَّلًا: أنَّ البَحْثَ في هَذِهِ المَسْألَةِ لَهُ ثَلاثُ حالاتٍ:
الأُولى: شَدُّ الرِّحالِ إلى المَسْجِدِ النَّبَوِيِّ لِلزِّيارَةِ. وهَذا مُجْمَعٌ عَلَيْهِ.
الثّانِيَةُ: زِيارَةُ الرَّسُولِ ﷺ والسَّلامُ عَلَيْهِ مِن قَرِيبٍ بِدُونِ شَدِّ الرِّحالِ، وهَذا أيْضًا مُجْمَعٌ عَلَيْهِ.
الثّالِثَةُ: شَدُّ الرِّحالِ لِلزِّيارَةِ فَقَطْ. وهَذِهِ الحالَةُ الثّالِثَةُ هي مَحَلُّ البَحْثِ عِنْدَهم، ومَثارُ النِّقاشِ السّابِقِ.
قالَ ابْنُ حَجَرٍ في فَتْحِ البارِي عَلى حَدِيثِ شَدِّ الرِّحالِ: قالَ الكِرْمانِيُّ: وقَدْ وقَعَ في هَذِهِ المَسْألَةِ في عَصْرِنا في البِلادِ الشّامِيَّةِ مُناظَراتٌ كَثِيرَةٌ، وصُنِّفَتْ فِيها مَسائِلُ مِنَ الطَّرَفَيْنِ.
قُلْتُ: - أيِ: ابْنُ حَجَرٍ - يُشِيرُ إلى ما رَدَّ بِهِ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ السُّبْكِيُّ وغَيْرُهُ عَلى تَقِيِّ الدِّينِ بْنِ تَيْمِيَةَ، وما انْتَصَرَ بِهِ الحافِظُ: شَمْسُ الدِّينِ بْنُ عَبْدِ الهادِي وغَيْرُهُ لِابْنِ تَيْمِيَةَ، وهي مَشْهُورَةٌ في بِلادِنا. اهـ. وهَذا يُعْطِينا مَدى الخِلافِ فِيها وتارِيخِهِ.
وَقَدْ أشارَ ابْنُ حَجَرٍ إلى مُجْمَلِ القَوْلِ فِيها بِقَوْلِهِ: إنَّ الجُمْهُورَ أجازُوا بِالإجْماعِ شَدَّ الرِّحالِ لِزِيارَةِ النَّبِيِّ ﷺ، وإنَّ حَدِيثَ: «لا تُشَدُّ الرِّحالُ» إنَّما يُقْصَدُ بِهِ خُصُوصُ الصَّلاةِ، ولَيْسَ مَكانٌ أوْلى مِن مَكانٍ بِالصَّلاةِ تُشَدُّ لَهُ الرِّحالُ إلّا المَساجِدُ الثَّلاثَةُ؛ لِما خُصَّتْ مِن فَضِيلَةِ مُضاعَفَةِ الصَّلاةِ فِيها.
تَقِيُّ الدِّينِ جَعَلَ مَوْضُوعَ النَّهْيِ عَنْ شَدِّ الرِّحالِ عامًّا لِلصَّلاةِ وغَيْرِها. واعْتُرِضَ عَلَيْهِ بِاتِّفاقِ الأُمَّةِ عَلى جَوازِ شَدِّ الرِّحالِ لِأيِّ مَكانٍ؛ لِعِدَّةِ أُمُورٍ كَما هو مَعْلُومٌ.
وَمِمّا اسْتُدِلَّ بِهِ عَلى عَدَمِ شَدِّ الرِّحالِ لِمُجَرَّدِ الزِّيارَةِ، ما رُوِيَ عَنْ مالِكٍ: كَراهِيَةُ أنْ يُقالَ: زُرْتُ قَبْرَ النَّبِيِّ ﷺ .
وَأُجِيبَ عَنْ ذَلِكَ: بِأنَّ كَراهِيَةَ مالِكٍ لِلَّفْظِ فَقَطْ تَأدُّبًا لا أنَّهُ كَرِهَ أصْلَ الزِّيارَةِ، فَإنَّها مِن أفْضَلِ الأعْمالِ، وأجَلِّ القُرُباتِ المُوَصِّلَةِ إلى ذِي الجَلالِ، وأنَّ مَشْرُوعِيَّتَها مَحَلُّ إجْماعٍ (p-٣٤٠)بِلا نِزاعٍ. واللَّهُ الهادِي إلى الصَّوابِ. اهـ.
وَلَعَلَّ مَذْهَبَ البُخارِيِّ حَسَبَ صَنِيعِهِ هو مَذْهَبُ الجُمْهُورِ؛ لِأنَّهُ أتى في نَفْسِ البابِ، بَعْدَ حَدِيثِ شَدِّ الرِّحالِ مُباشَرَةً بِحَدِيثِ: «صَلاةٌ في مَسْجِدِي هَذا خَيْرٌ مِن ألْفِ صَلاةٍ فِيما سِواهُ»، مِمّا يُشْعِرُ بِأنَّهُ قَصَدَ بَيانَ مُوجِبِ شَدِّ الرِّحالِ هو فَضِيلَةُ الصَّلاةِ، فَيَكُونُ النَّهْيُ عَنْ شَدِّ الرِّحالِ مُخْتَصًّا بِالمَساجِدِ، ولِأجْلِ الصَّلاةِ إلّا في تِلْكَ المَساجِدِ الثَّلاثَةِ؛ لِاخْتِصاصِها بِمُضاعَفَةِ الصَّلاةِ فِيها دُونَ غَيْرِها مِن بَقِيَّةِ المَساجِدِ والأماكِنِ الأُخْرى.
وَقَدْ ناقَشَ ابْنُ حَجَرٍ لَفْظَ الحَدِيثِ، ورَجَّحَ هَذا المَذْهَبَ حَيْثُ قالَ:
قالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: قَوْلُهُ: «إلّا إلى ثَلاثَةِ مَساجِدَ» المُسْتَثْنى مِنهُ مَحْذُوفٌ. فَإمّا أنْ يُقَدَّرَ عامًّا فَيَصِيرَ لا تُشَدُّ الرِّحالُ إلى مَكانٍ في أيِّ أمْرٍ كانَ إلّا إلى الثَّلاثَةِ. أوْ أخَصَّ مِن ذَلِكَ. لا سَبِيلَ إلى الأوَّلِ لِإفْضائِهِ إلى سَدِّ بابِ السَّفَرِ لِلتِّجارَةِ وصِلَةِ الرَّحِمِ وطَلَبِ العِلْمِ وغَيْرِها، فَتَعَيَّنَ الثّانِي.
والأوْلى: أنْ يُقَدَّرَ ما هو أكْثَرُ مُناسَبَةً، وهو لا تُشَدُّ الرِّحالُ إلى مَسْجِدٍ لِلصَّلاةِ فِيهِ إلّا إلى الثَّلاثَةِ. فَيَبْطُلُ بِذَلِكَ قَوْلُ: مَن مَنَعَ شَدَّ الرِّحالِ إلى زِيارَةِ قَبْرِهِ الشَّرِيفِ ﷺ . وغَيْرِهِ مِن قُبُورِ الصّالِحِينَ. واللَّهُ أعْلَمُ.
وَقالَ السُّبْكِيُّ الكَبِيرُ: لَيْسَ في الأرْضِ بُقْعَةٌ تُفَضَّلُ لِذاتِها حَتّى تُشَدَّ إلَيْها الرِّحالُ غَيْرَ البِلادِ الثَّلاثَةِ. ومُرادِي بِالفَضْلِ: ما شَهِدَ الشَّرْعُ بِاعْتِبارِهِ، ورَتَّبَ عَلَيْهِ حُكْمًا شَرْعِيًّا. أمّا غَيْرُها مِنَ البِلادِ، فَلا تُشَدُّ إلَيْها لِذاتِها، بَلْ لِزِيارَةٍ أوْ جِهادٍ أوْ عِلْمٍ أوْ نَحْوِ ذَلِكَ مِنَ المَندُوباتِ أوِ المُباحاتِ.
قالَ: وقَدِ التَبَسَ ذَلِكَ عَلى بَعْضِهِمْ، فَزَعَمَ أنَّ شَدَّ الرِّحالِ إلى الزِّيارَةِ لِمَن في غَيْرِ الثَّلاثَةِ داخِلٌ في المَنعِ وهو خَطَأٌ؛ لِأنَّ الِاسْتِثْناءَ إنَّما يَكُونُ مِن جِنْسِ المُسْتَثْنى مِنهُ. فَمَعْنى الحَدِيثِ: لا تُشَدُّ الرِّحالُ إلى مَسْجِدٍ مِنَ المَساجِدِ أوْ إلى مَكانٍ مِنَ الأمْكِنَةِ لِأجْلِ ذَلِكَ المَكانِ، إلّا إلى الثَّلاثَةِ المَذْكُورَةِ. وشَدُّ الرِّحالِ إلى زِيارَةٍ أوْ طَلَبٍ لَيْسَ إلى المَكانِ، بَلْ إلى مَن في ذَلِكَ المَكانِ. واللَّهُ أعْلَمُ. اهـ.
(p-٣٤١)وَبِتَأمُّلِ كَلامِ ابْنِ حَجَرٍ، نَجِدُهُ يَتَضَمَّنُ إجْراءَ مُعادَلَةٍ عَلى نَصِّ الحَدِيثِ بِأنَّ لَهُ حالَتَيْنِ فَقَطْ:
الأُولى: أنْ يُقالَ: لا تُشَدُّ الرِّحالُ إلّا إلى المَساجِدِ الثَّلاثَةِ لِخُصُوصِ الصَّلاةِ، ولا تُشَدُّ لِغَيْرِها مِنَ الأماكِنِ لِأجْلِ الصَّلاةِ، فَيَكُونُ النَّهْيُ مُنْصَبًّا عَلى شَدِّ الرِّحالِ لِأيِّ مَكانٍ سِوى المَساجِدِ الثَّلاثَةِ؛ مِن أجْلِ أنْ يُصَلِّيَ فِيما عَداها. فَيَبْقى غَيْرُ الصَّلاةِ خارِجًا عَنِ النَّهْيِ؛ فَتُشَدُّ لَهُ الرِّحالُ لِأيِّ مَكانٍ كانَ.
وَغَيْرُ الصَّلاةِ يَشْمَلُ: طَلَبَ العِلْمِ، والتِّجارَةَ، والنُّزْهَةَ، والِاعْتِبارَ، والجِهادَ، ونَحْوَ ذَلِكَ، والنُّصُوصُ في ذَلِكَ كُلِّهِ مُتَضافِرَةٌ.
فَفِي طَلَبِ العِلْمِ ما قَدَّمْنا مِن نُصُوصٍ، وقَدْ رَحَلَ نَبِيُّ اللَّهِ مُوسى إلى الخَضِرِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وَإذْ قالَ مُوسى لِفَتاهُ لا أبْرَحُ حَتّى أبْلُغَ مَجْمَعَ البَحْرَيْنِ أوْ أمْضِيَ حُقُبًا﴾، إلى قَوْلِهِ: ﴿لَقَدْ لَقِينا مِن سَفَرِنا هَذا نَصَبًا﴾، إلى قَوْلِهِ: ﴿قالَ لَهُ مُوسى هَلْ أتَّبِعُكَ عَلى أنْ تُعَلِّمَنِي مِمّا عُلِّمْتَ رُشْدًا﴾ [الكهف: ٦٠ - ٦٦] .
وَفِي السَّفَرِ لِلتِّجارَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ في الأرْضِ يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ اللَّهِ﴾ [المزمل: ٢٠] . وقَوْلُهُ: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ ذَلُولًا فامْشُوا في مَناكِبِها وكُلُوا مِن رِزْقِهِ﴾ [الملك: ١٥]، وغَيْرُها كَثِيرَةٌ.
والسَّفَرُ لِلْعِبْرَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ سِيرُوا في الأرْضِ فانْظُرُوا﴾ [النمل: ٦٩] .
وَقَوْلُهُ ﴿ثُمَّ دَمَّرْنا الآخَرِينَ﴾ ﴿وَإنَّكم لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ﴾ ﴿وَبِاللَّيْلِ أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ [الصافات: ١٣٦ - ١٣٨] .
وَقَوْلُهُ: ﴿فَكَأيِّنْ مِن قَرْيَةٍ أهْلَكْناها وهي ظالِمَةٌ فَهي خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها وبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وقَصْرٍ مَشِيدٍ﴾ ﴿أفَلَمْ يَسِيرُوا في الأرْضِ فَتَكُونَ لَهم قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِها أوْ آذانٌ يَسْمَعُونَ بِها فَإنَّها لا تَعْمى الأبْصارُ ولَكِنْ تَعْمى القُلُوبُ الَّتِي في الصُّدُورِ﴾ [الحج: ٤٥ - ٤٦] .
فَقَدْ أمَرَ اللَّهُ العِبادَ بِالسَّيْرِ؛ لِيَعْقِلُوا بِقُلُوبِهِمْ حالَةَ تِلْكَ القُرى الخاوِيَةِ لِيَتَّعِظُوا بِأحْوالِ أهْلِها.
(p-٣٤٢)فَهَذِهِ نُصُوصُ جَوازِ السَّفَرِ لِعِدَّةِ أُمُورٍ، فَيَكُونُ مِن ضِمْنِها السَّفَرُ لِزِيارَةِ النَّبِيِّ ﷺ والسَّلامِ عَلَيْهِ. حَيْثُ إنَّ السَّلامَ عَلَيْهِ ﷺ مِنَ الأُمُورِ المَشْرُوعَةِ بِلا نِزاعٍ، والحالَةُ الثّانِيَةُ: أنْ يَكُونَ النَّهْيُ عامًّا لِجَمِيعِ الأماكِنِ في جَمِيعِ الأُمُورِ؛ فَلا تُشَدُّ الرِّحالُ قَطُّ إلّا إلى ثَلاثَةِ المَساجِدِ وبُلْدانِها الثَّلاثَةِ. ولَكِنْ لا لِخُصُوصِ الصَّلاةِ فَقَطْ، بَلْ لِكُلِّ شَيْءٍ مَشْرُوعٍ بِأصْلِهِ مِمّا قَدَّمْنا أنْواعَهُ مِن طَلَبِ العِلْمِ والتِّجارَةِ والعِظَةِ والنُّزْهَةِ وغَيْرِ ذَلِكَ: كَصَوْمٍ، واعْتِكافٍ، ومُجاوَرَةٍ، وحَجٍّ، وعُمْرَةٍ، وصِلَةِ رَحِمٍ، ومُشاهَدَةِ مَعالِمَ تارِيخِيَّةٍ ونَحْوِ ذَلِكَ.
وَمِن هَذا كُلِّهِ السَّلامُ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَإذا شَدَّ الرِّحالَ إلى المَدِينَةِ لِكُلِّ شَيْءٍ كانَ مِنها الزِّيارَةُ والسَّلامُ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، ولا مُعارَضَةَ عَلى حالَةٍ مِنَ الحالَتَيْنِ، ولا يَتَعارَضُ مَعَهُما الحَدِيثُ المَذْكُورُ، عَلى أيِّ تَقْدِيرٍ المُسْتَثْنى مِنهُ في هَذا الحَدِيثِ.
* *
وُجْهَةُ نَظَرٍ.
وَبِالتَّحْقِيقِ في هَذِهِ المَسْألَةِ وإثارَةِ النِّزاعِ فِيها، يَظْهَرُ أنَّ النِّزاعَ والجِدالَ فِيها أكْثَرُ مِمّا كانَتْ تَحْتَمِلُ، وهو إلى الشَّكْلِيِّ أقْرَبُ مِنهُ إلى الحَقِيقِيِّ. ولا وُجُودَ لَهُ عَمَلِيًّا.
وَتَحْقِيقُ ذَلِكَ كالآتِي: وهو ما دامُوا مُتَّفِقِينَ عَلى شَدِّ الرِّحالِ لِلْمَسْجِدِ النَّبَوِيِّ لِلسَّلامِ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، ومُتَّفِقُونَ عَلى السَّلامِ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِدُونِ شَدِّ الرِّحالِ؛ فَلَنْ يَتَأتّى لِإنْسانٍ أنْ يَشُدَّ الرِّحالَ لِلسَّلامِ دُونَ المَسْجِدِ، ولا يَخْطُرُ ذَلِكَ عَلى بالِ إنْسانٍ، وكَذَلِكَ شَدُّ الرَّحْلِ لِلصَّلاةِ في المَسْجِدِ النَّبَوِيِّ دُونَ أنْ يُسَلِّمَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَنْ يَخْطُرَ عَلى بالِ إنْسانٍ. وعَلَيْهِ فَلا انْفِكاكَ لِأحَدِهِما عَنِ الآخَرِ؛ لِأنَّ المَسْجِدَ النَّبَوِيَّ ما هو إلّا بَيْتُهُ ﷺ، وهَلْ بَيْتُهُ إلّا جُزْءٌ مِنَ المَسْجِدِ كَما في حَدِيثِ الرَّوْضَةِ: «ما بَيْنَ بَيْتِي ومِنبَرِي رَوْضَةٌ مِن رِياضِ الجَنَّةِ» .
فَهَذا قُوَّةُ رَبْطٍ بَيْنَ بَيْتِهِ ومِنبَرِهِ في مَسْجِدِهِ.
وَمِن ناحِيَةٍ أُخْرى: هَلْ يُسَلِّمُ أحَدٌ عَلَيْهِ ﷺ مِن قَرِيبٍ، لِيَنالَ فَضْلَ رَدِّ السَّلامِ عَلَيْهِ مِنهُ ﷺ، إلّا إذا كانَ سَلامُهُ عَنْ قُرْبٍ ومِنَ المَسْجِدِ نَفْسِهِ ؟
(p-٣٤٣)وَهَلْ تَكُونُ الزِّيارَةُ سُنِّيَّةً إلّا إذا دَخَلَ المَسْجِدَ وصَلّى أوَّلًا تَحِيَّةَ المَسْجِدِ ؟
وَبِهَذا؛ فَلا انْفِكاكَ لِشَدِّ الرَّحْلِ إلى المَسْجِدِ عَنْ زِيارَةِ الرَّسُولِ ﷺ، ولا لِزِيارَتِهِ ﷺ عَنِ المَسْجِدِ، فَلا مُوجِبَ لِهَذا النِّزاعِ.
وَهُنا وُجْهَةُ نَظَرٍ أُخْرى وهي: أنَّ قَوْلَهُ ﷺ: «ما مِن أحَدٍ يُسَلِّمُ عَلَيَّ إلّا رَدَّ اللَّهُ عَلَيَّ رُوحِي، فَأرُدَّ عَلَيْهِ السَّلامَ» . فَإنَّ إطْلاقَهُ عَنْ كُلِّ قَيْدٍ مِن قُرْبٍ أوْ بُعْدٍ مِمّا يَدُلُّ عَلى العُمُومِ مِن حَيْثُ المَجِيءُ لِلسَّلامِ عَلَيْهِ.
فَيُقالُ: إنَّ هَذِهِ فَضِيلَةٌ عَظِيمَةٌ، ولا يَتَأتّى لِلْبَعِيدِ تَحْصِيلُها إلّا بِشَدِّ الرِّحالِ إلَيْها كَوَسِيلَةٍ لِتَحْصِيلِها، والوَسِيلَةُ تَأْخُذُ حُكْمَ الغايَةِ مِن وُجُوبٍ أوْ نَدْبٍ أوْ إباحَةٍ، كالسَّعْيِ إلى الجُمُعَةِ واجِبٌ؛ لِأنَّ أداءَ الجُمُعَةِ واجِبٌ، وإعْدادَ الثِّيابِ الجَمِيلَةِ إلَيْها مَثَلًا مَندُوبٌ؛ لِأنَّ التَّجَمُّلَ إلَيْها مَندُوبٌ، ومِثْلُهُ إعْدادُ الطِّيبِ بِالنِّسْبَةِ لِحُضُورِها.
وَقَدْ رَأيْتُ لِابْنِ تَيْمِيَةَ مُناقَشَةَ هَذِهِ المَسْألَةِ، ولَكِنَّهُ جاءَ بِأمْثِلَةٍ قابِلَةٍ هي لِلنِّقاشِ، فَقالَ: لَيْسَ كُلُّ غايَةٍ مَشْرُوعَةٍ تَكُونُ وسِيلَتُها مَشْرُوعَةً، كَحَجِّ المَرْأةِ وخُرُوجِها إلى المَسْجِدِ، فَإنَّ الأوَّلَ مَشْرُوطٌ فِيهِ وُجُودُ المَحْرَمِ. والثّانِي: مَشْرُوطٌ فِيهِ إذْنُ الزَّوْجِ.
والنِّقاشُ لَها أنَّ سَفَرَ المَرْأةِ مُطْلَقًا مَمْنُوعٌ إلّا مَعَ المَحْرَمِ، سَواءٌ كانَ لِهَذا المَسْجِدِ ولِلْحَجِّ أوْ لِغَيْرِهِ.
وَخُرُوجُها إلى المَسْجِدِ لَيْسَ بِمَطْلُوبٍ مِنها في الأصْلِ، ولَكِنْ إذا طَلَبَتِ الإذْنَ يُؤْذَنُ لَها. فالأصْلُ فِيهِ المَنعُ حَتّى تَحْصُلَ عَلى الإذْنِ.
وَعَلى هَذا يُقالُ: لَوْ كانَ شَدُّ الرَّحْلِ إلَيْها غَيْرَ مَشْرُوعٍ، لَما كانَ لِفاعِلِهِ نَصِيبٌ في فَضْلِها، ولا يَحْصُلُ عَلى رَدِّ السَّلامِ مِنهُ ﷺ .
وَلَوْ كانَ كَذَلِكَ لَلَزِمَ التَّنْبِيهُ عَلَيْهِ عِنْدَ بَيانِ فَضِيلَتِهِ؛ لِعَدَمِ تَأْخِيرِ البَيانِ، فَكَأنْ يُقالُ مَثَلًا: فَأرُدَّ عَلَيْهِ السَّلامَ، إلّا مَن شَدَّ الرَّحْلَ لِذَلِكَ. أوْ يُقالُ: مَن أتانِي مِن قَرِيبٍ فَسَلَّمَ عَلَيَّ. . . إلخ. ولَكِنْ لَمْ يَأْتِ شَيْءٌ مِن هَذا التَّنْبِيهِ وبَقِيَ الحَدِيثُ عَلى عُمُومِهِ.
وَلْيُعْلَمْ أنَّ ابْنَ تَيْمِيَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - يُفَرِّقُ بَيْنَ السَّلامِ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وبَيْنَ عامَّةِ المُسْلِمِينَ، لِما لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِن حُقُوقٍ وخَصائِصَ لَيْسَتْ لِغَيْرِهِ مِن: وُجُوبِ مَحَبَّةٍ، وتَعْظِيمٍ، وفَرْضِيَّةِ صَلاةٍ، (p-٣٤٤)وَتَسْلِيمٍ في صَلَواتِنا، وعِنْدَ دُخُولِ المَساجِدِ والخُرُوجِ مِنها، بَلْ وعِنْدَ سَماعِ ذِكْرِهِ مِمّا لَيْسَ لِغَيْرِهِ قَطُّ.
كَما أنَّ زِيارَةَ غَيْرِهِ ﷺ لِلدُّعاءِ لَهُ والتَّرَحُّمِ عَلَيْهِ، بَيْنَما زِيارَتُهُ ﷺ والسَّلامُ عَلَيْهِ؛ لِيَرُدَّ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ رُوحَهُ فَيَرُدَّ عَلَيْنا السَّلامَ.
وَزِيارَةُ غَيْرِهِ في أيِّ مَكانٍ مِنَ العالَمِ لا مَزِيَّةَ لَهُ، بَيْنَما زِيارَتُهُ ﷺ مِن مَسْجِدِهِ وقَدْ خُصَّ بِما لَمْ يَخْتَصَّ بِهِ غَيْرُهُ.
وَأعْتَقِدُ أنَّ هَذِهِ المَسْألَةَ لَوْلا نِزاعُ مُعاصِرِي ابْنِ تَيْمِيَةَ مَعَهُ في غَيْرِها لَما كانَ لَها مَحَلٌّ ولا مَجالٌ.
وَلَكِنَّهم وجَدُوها حَسّاسَةً ولَها مَساسٌ بِالعاطِفَةِ، ومَحَبَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَأثارُوها وحَكَمُوا عَلَيْهِ بِالِالتِزامِ. أيْ: يُلازِمُ كَلامَهُ حِينَما قالَ:
Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии