Аш-Шинкити · Тафсир · на арабском
Аль-Джинн 72:18, продолжение
لا يَكُونُ شَدُّ الرِّحالِ لِمُجَرَّدِ الزِّيارَةِ، بَلْ تَكُونُ لِلْمَسْجِدِ مِن أجْلِ الزِّيارَةِ، عَمَلًا بِنَصِّ الحَدِيثِ، فَتَقَوَّلُوا عَلَيْهِ ما لَمْ يَقُلْهُ صَراحَةً. ولَوْ حُمِلَ كَلامُهُ عَلى النَّفْيِ بَدَلًا مِنَ النَّهْيِ لَكانَ مُوافِقًا، أيْ: لا يَتَأتّى ذَلِكَ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَمْنَعْ زِيارَتَهُ ﷺ ولا السَّلامَ عَلَيْهِ، بَلْ يَجْعَلُها مِنَ الفَضائِلِ والقُرُباتِ، وإنَّما يَلْتَزِمُ بِنَصِّ الحَدِيثِ في جَعْلِ شَدِّ الرِّحالِ إلى المَسْجِدِ، ولِكُلِّ شَيْءٍ ومِنهُ السَّلامُ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَما صَرَّحَ بِذَلِكَ في كُتُبِهِ.
قالَ في بَعْضِ رَسائِلِهِ ورُدُودِهِ ما نَصُّهُ:
* *
فَصْلٌ
قَدْ ذَكَرْتُ فِيما كَتَبْتُهُ مِنَ المَناسِكِ: أنَّ السَّفَرَ إلى مَسْجِدِهِ وزِيارَةَ قَبْرِهِ، كَما يَذْكُرُ أئِمَّةُ المُسْلِمِينَ في مَناسِكِ الحَجِّ عَمَلٌ صالِحٌ مُسْتَحَبٌّ.
وَقَدْ ذَكَرْتُ في عِدَّةِ مَناسِكِ الحَجِّ السُّنَّةَ في ذَلِكَ وكَيْفَ يُسَلَّمُ عَلَيْهِ، وهَلْ يَسْتَقْبِلُ الحُجْرَةَ أمِ القِبْلَةَ عَلى قَوْلَيْنِ. فالأكْثَرُونَ يَقُولُونَ: يَسْتَقْبِلُ الحُجْرَةَ، كَمالِكٍ، والشّافِعِيِّ، وأحْمَدَ، إلى أنْ قالَ:
والصَّلاةُ تُقْصَرُ في هَذا السَّفَرِ المُسْتَحَبِّ بِاتِّفاقِ أئِمَّةِ المُسْلِمِينَ، لَمْ يَقُلْ أحَدٌ مِن أئِمَّةِ (p-٣٤٥)المُسْلِمِينَ: إنَّ هَذا السَّفَرَ لا تُقْصَرُ فِيهِ الصَّلاةُ، ولا نَهى أحَدٌ عَنِ السَّفَرِ إلى مَسْجِدِهِ، وإنْ كانَ المُسافِرُ إلى مَسْجِدِهِ يَزُورُ قَبْرَهُ ﷺ، بَلْ هَذا مِن أفْضَلِ الأعْمالِ الصّالِحَةِ، ولا في شَيْءٍ مِن كَلامِي وكَلامِ غَيْرِي نَهْيٌ عَنْ ذَلِكَ، ولا نَهْيٌ عَنِ المَشْرُوعِ في زِيارَةِ قُبُورِ الأنْبِياءِ والصّالِحِينَ، ولا عَنِ المَشْرُوعِ في زِيارَةِ سائِرِ القُبُورِ.
إلى أنْ قالَ:
وَإذا كانَتْ زِيارَةُ قُبُورِ عُمُومِ المُؤْمِنِينَ مَشْرُوعَةً، فَزِيارَةُ قُبُورِ الأنْبِياءِ والصّالِحِينَ أوْلى.
وَلَكِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَهُ خاصِّيَّةٌ لَيْسَتْ لِغَيْرِهِ مِنَ الأنْبِياءِ والصّالِحِينَ، وهو أنْ أمَرَنا أنْ نُصَلِّيَ عَلَيْهِ ونُسَلِّمَ عَلَيْهِ في كُلِّ صَلاةٍ، ويَتَأكَّدُ ذَلِكَ في الصَّلاةِ وعِنْدَ الأذانِ وسائِرِ الأدْعِيَةِ، وأنْ نُصَلِّيَ ونُسَلِّمَ عَلَيْهِ عِنْدَ دُخُولِ المَسْجِدِ، مَسْجِدِهِ وغَيْرِ مَسْجِدِهِ، وعِنْدَ الخُرُوجِ مِنهُ؛ فَكُلُّ مَن دَخَلَ مَسْجِدَهُ فَلا بُدَّ أنْ يُصَلِّيَ فِيهِ ويُسَلِّمَ عَلَيْهِ في الصَّلاةِ.
والسَّفَرُ إلى مَسْجِدِهِ مَشْرُوعٌ، لَكِنَّ العُلَماءَ فَرَّقُوا بَيْنَهُ وبَيْنَ غَيْرِهِ، حِينَ كَرِهَ مالِكٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أنْ يُقالَ: زُرْتُ قَبْرَ النَّبِيِّ ﷺ؛ لِأنَّ المَقْصُودَ الشَّرْعِيَّ بِزِيارَةِ القُبُورِ السَّلامُ عَلَيْها والدُّعاءُ لَهم، وذَلِكَ السَّلامُ والدُّعاءُ قَدْ حَصَلَ عَلى أكْمَلِ الوُجُوهِ في الصَّلاةِ في مَسْجِدِهِ وغَيْرِ مَسْجِدِهِ، وعِنْدَ سَماعِ الأذانِ وعِنْدَ كُلِّ دُعاءٍ. فَتُشْرَعُ الصَّلاةُ عَلَيْهِ عِنْدَ كُلِّ دُعاءٍ، فَإنَّهُ أوْلى بِالمُؤْمِنِينَ مِن أنْفُسِهِمْ. اهـ.
وَإذا كانَ هَذا كَلامَهُ، فَإنَّ المَسْألَةَ شَكْلِيَّةٌ ولَيْسَتْ حَقِيقِيَّةً. إذْ أنَّهُ يُقَرِّرُ بِأنَّ السَّفَرَ إلى مَسْجِدِهِ ﷺ مَشْرُوعٌ وإنْ كانَ يَزُورُ قَبْرَهُ ﷺ ويُسَلِّمُ عَلَيْهِ، وأنَّ ذَلِكَ مِن أفْضَلِ القُرُباتِ ومِن صالَحِ الأعْمالِ.
أيْ: وإنْ كانَتِ الزِّيارَةُ مَقْصُودَةً عِنْدَ السَّفَرِ.
وَإذا كانَ السَّفَرُ إلى المَسْجِدِ لا يَنْفَكُّ عَنِ السَّلامِ عَلَيْهِ ﷺ، والسَّلامُ عَلَيْهِ لا يَنْفَكُّ عَنِ الصَّلاةِ في المَسْجِدِ. فَلا مُوجِبَ لِهَذا النِّقاشِ، وجَعْلِ هَذِهِ المَسْألَةِ مَثارَ نِزاعٍ أوْ جِدالٍ.
وَقَدْ صَرَّحَ بِما يَقْرُبُ مِن هَذا المَعْنى في مَوْضِعٍ آخَرَ مِن كَلامِهِ، إذْ يَقُولُ في ج ٢٧ ص ٣٤٢ مِنَ المَجْمُوعِ، ما نَصُّهُ:
(p-٣٤٦)فَمَن سافَرَ إلى المَسْجِدِ الحَرامِ، أوِ المَسْجِدِ الأقْصى، أوْ مَسْجِدِ الرَّسُولِ ﷺ، فَصَلّى في مَسْجِدِهِ وصَلّى في مَسْجِدِ قُباءٍ، وزارَ القُبُورَ كَما قَضَتْ بِهِ سُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَهَذا هو الَّذِي عَمِلَ العَمَلَ الصّالِحَ.
وَمَن أنْكَرَ هَذا السَّفَرَ، فَهو كافِرٌ يُسْتَتابُ، فَإنْ تابَ وإلّا قُتِلَ.
وَأمّا مَن قَصَدَ السَّفَرَ لِمُجَرَّدِ زِيارَةِ القَبْرِ ولَمْ يَقْصِدِ الصَّلاةَ في المَسْجِدِ، وسافَرَ إلى مَدِينَتِهِ فَلَمْ يُصَلِّ في مَسْجِدِهِ ﷺ ولا يُسَلِّمُ عَلَيْهِ في الصَّلاةِ، بَلْ أتى القَبْرَ ثُمَّ رَجَعَ؛ فَهَذا مُبْتَدِعٌ ضالٌّ، مُخالِفٌ لِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، ولِإجْماعِ أصْحابِهِ، ولِعُلَماءِ الأُمَّةِ.
وَهُوَ الَّذِي ذُكِرَ فِيهِ القَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ مُحَرَّمٌ. والثّانِي: أنَّهُ لا شَيْءَ عَلَيْهِ، ولا أجْرَ لَهُ.
والَّذِي يَفْعَلُهُ عُلَماءُ المُسْلِمِينَ هو الزِّيارَةُ الشَّرْعِيَّةُ يُصَلُّونَ في مَسْجِدِهِ ﷺ، ويُسَلِّمُونَ عَلَيْهِ في الدُّخُولِ لِلْمَسْجِدِ وفي الصَّلاةِ، وهَذا مَشْرُوعٌ بِاتِّفاقِ المُسْلِمِينَ. إلى أنْ قالَ: وذَكَرْتُ أنَّهُ يُسَلِّمُ عَلى النَّبِيِّ ﷺ وعَلى صاحِبَيْهِ. اهـ.
فَأيُّ مُوجِبٍ لِنِزاعٍ أوْ خِلافٍ في هَذا القَوْلِ، فَإنْ كانَ في قَوْلِهِ فِيمَن قَصَدَ السَّفَرَ لِمُجَرَّدِ زِيارَةِ القَبْرِ، ولَمْ يَقْصِدِ الصَّلاةَ في المَسْجِدِ، وسافَرَ إلى مَدِينَتِهِ فَلَمْ يُصَلِّ في مَسْجِدِهِ ﷺ ولا سَلَّمَ عَلَيْهِ في الصَّلاةِ بَلْ أتى القَبْرَ ثُمَّ رَجَعَ؛ فَهَذا مُبْتَدِعٌ. . إلخ.
فَمَن مِنَ المُسْلِمِينَ يُجِيزُ لِمُسْلِمٍ: أنْ يَشُدَّ رَحْلَهُ إلى المَدِينَةِ؛ لِمُجَرَّدِ زِيارَةِ القَبْرِ دُونَ قَصْدِ الصَّلاةِ في مَسْجِدِهِ ﷺ، ودُونَ أنْ يُصَلِّيَ عَلَيْهِ ﷺ في الصَّلاةِ، وهو يَعْلَمُ أنَّ الصَّلاةَ في مَسْجِدِهِ ﷺ بِألْفِ صَلاةٍ.
فَدَلَّ كَلامُهُ أنَّ زِيارَةَ القَبْرِ والصَّلاةَ في المَسْجِدِ مُرْتَبِطَتانِ، ومَنِ ادَّعى انْفِكاكَهُما عَمَلِيًّا فَقَدْ خالَفَ الواقِعَ، وإذا ثَبَتَتِ الرّابِطَةُ بَيْنَهُما انْتَفى الخِلافُ وزالَ مُوجِبُ النِّزاعِ. والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ.
وَصَرَّحَ في مَوْضِعٍ آخَرَ ص ٣٤٦ في قَصْرِ الصَّلاةِ في السَّفَرِ لِزِيارَةِ قُبُورِ الصّالِحِينَ عَنْ أصْحابِ أحْمَدَ أرْبَعَةَ أقْوالٍ. الثّالِثُ مِنها: تُقْصَرُ إلى قَبْرِ نَبِيِّنا - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - .
وَقالَ في التَّعْلِيلِ لِهَذا القَوْلِ: إذا كانَ عامَّةُ المُسْلِمِينَ لا بُدَّ أنْ يُصَلُّوا في مَسْجِدِهِ (p-٣٤٧)فَكُلُّ مَن سافَرَ إلى قَبْرِهِ المُكَرَّمِ فَقَدْ سافَرَ إلى مَسْجِدِهِ المُفَضَّلِ.
وَكَذَلِكَ قالَ بَعْضُ أصْحابِ الشّافِعِيِّ، إلى أنْ قالَ: وكَذَلِكَ كَثِيرٌ مِنَ العُلَماءِ يُطْلِقُ السَّفَرَ إلى قَبْرِهِ المُكَرَّمِ، وعِنْدَهم أنَّ هَذا يَتَضَمَّنُ السَّفَرَ إلى مَسْجِدِهِ، إذْ كانَ كُلُّ مُسْلِمٍ لا بُدَّ إذا أتى الحُجْرَةَ المُكَرَّمَةَ أنْ يُصَلِّيَ في مَسْجِدِهِ فَهُما عِنْدَهم مُتَلازِمانِ.
وَبَعْدَ نَقْلِهِ لِأقْوالِ العُلَماءِ، قالَ ما نَصُّهُ:
وَحَقِيقَةُ الأمْرِ أنَّ فِعْلَ الصَّلاةِ في مَسْجِدِهِ مِن لَوازِمِ هَذا السَّفَرِ، فَكُلُّ مَن سافَرَ إلى قَبْرِهِ المُكَرَّمِ لا بُدَّ أنْ تَحْصُلَ لَهُ طاعَةٌ وقُرْبَةٌ، يُثابُ عَلَيْها بِالصَّلاةِ في مَسْجِدِهِ.
وَأمّا نَفْسُ القَصْدِ، فَأهْلُ العِلْمِ بِالحَدِيثِ يَقْصِدُونَ السَّفَرَ إلى مَسْجِدِهِ، وإنْ قَصْدَ مِنهم مَن قَصَدَ السَّفَرَ إلى القَبْرِ أيْضًا إذا لَمْ يَعْلَمِ النَّهْيَ.
وَهَذا غايَةٌ في التَّصْرِيحِ مِنهُ أنَّهُ لا انْفِكاكَ مِن حَيْثُ الواقِعُ بَيْنَ الزِّيارَةِ والصَّلاةِ في المَسْجِدِ عِنْدَ عامَّةِ العُلَماءِ.
ثُمَّ قالَ في حَقِّ الجاهِلِ: وأمّا مَن لَمْ يَعْرِفْ هَذا فَقَدْ لا يَقْصِدُ إلّا السَّفَرَ إلى القَبْرِ، ثُمَّ إنَّهُ لا بُدَّ أنْ يُصَلِّيَ في مَسْجِدِهِ فَيُثابَ عَلى ذَلِكَ. وما فَعَلَهُ وهو مَنهِيٌّ عَنْهُ ولَمْ يَعْلَمْ أنَّهُ مَنهِيٌّ عَنْهُ لا يُعاقَبُ عَلَيْهِ، فَيَحْصُلُ لَهُ أجُرٌ ولا يَكُونُ عَلَيْهِ وِزْرٌ. اهـ.
وَقَدْ أكْثَرْنا النُّقُولَ عَنْهُ؛ لِما وجَدْنا مَن لَيْسَ في هَذا المَوْضُوعِ عَلى كَثِيرٍ مِنَ النّاسِ، حَتّى قالَ ابْنُ حَجَرٍ في فَتْحِ البارِي فِيها: وهَذا أعْظَمُ ما أُخِذَ عَلى ابْنِ تَيْمِيَةَ، فَهي وإنْ كانَتْ شَهادَةً مِنَ ابْنِ حَجَرٍ أنَّها أشَدُّ ما أُخِذَ عَلَيْهِ مَعَ ما رُمِيَ بِهِ مِن خُصُومِهِ في العَقائِدِ ومُحارَبَةِ البِدَعِ، إلّا أنَّها - بِحَمْدِ اللَّهِ - بَعْدَ هَذِهِ النُّقُولِ عَنْهُ مِن صَرِيحِ كَلامٍ لَمْ يَعُدْ فِيها ما يَتَعاظَمُ مِنهُ، فَعَلى كُلِّ مُتَكَلِّمٍ في هَذِهِ المَسْألَةِ أنْ يَرْجِعَ إلى أقْوالِهِ فَلَمْ يَتْرُكْ جانِبًا إلّا وبَيَّنَهُ، سَواءٌ في حَقِّ العالِمِ أوِ الجاهِلِ. وبِاللَّهِ تَعالى التَّوْفِيقُ.
هَذا ما يَتَعَلَّقُ بِخُصُوصِ السَّفَرِ إلى المَدِينَةِ المُنَوَّرَةِ لِلْمَسْجِدِ ولِلزِّيارَةِ مَعًا، عَلى التَّفْصِيلِ المُتَقَدِّمِ.
أمّا بَقِيَّةُ الأماكِنِ ما عَدا المَساجِدَ الثَّلاثَةَ، فَلا تُشَدُّ الرِّحالُ إلَيْها لِلصَّلاةِ أوِ الدُّعاءِ أوِ الِاعْتِكافِ ونَحْوِ ذَلِكَ، مِمّا لا مَزِيَّةَ لَها في مَكانٍ دُونَ آخَرَ قَطُّ، أيًّا كانَتْ تِلْكَ البُقْعَةُ أوْ (p-٣٤٨)كانَتْ تِلْكَ العِبادَةُ. وذَلِكَ لِحَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ في المُوَطَّأِ في السّاعَةِ الَّتِي في يَوْمِ الجُمُعَةِ، قالَ: " خَرَجْتُ إلى الطُّورِ، فَلَقِيتُ كَعْبَ الأحْبارِ فَجَلَسْتُ مَعَهُ، فَحَدَّثَنِي عَنِ التَّوْراةِ، وحَدَّثْتُهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَكانَ فِيما حَدَّثْتُهُ أنْ قُلْتُ لَهُ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «خَيْرُ يَوْمٍ طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ يَوْمُ الجُمُعَةِ؛ فِيهِ خُلِقَ آدَمُ وفِيهِ أُهْبِطَ، وفِيهِ تِيبَ عَلَيْهِ، وفِيهِ ماتَ، وفِيهِ تَقُومُ السّاعَةُ، وما مِن دابَّةٍ إلّا وهي مُصِيخَةٌ يَوْمَ الجُمُعَةِ مِن حِينِ تَطْلُعُ الشَّمْسُ؛ شَفَقًا مِنَ السّاعَةِ إلّا الجِنُّ والإنْسُ، وفِيهِ ساعَةٌ لا يُصادِفُها عَبْدٌ مُسْلِمٌ وهو يُصَلِّي يَسْألُ اللَّهَ شَيْئًا إلّا أعْطاهُ إيّاهُ» .
قالَ كَعْبٌ: ذَلِكَ في كُلِّ سَنَةٍ يَوْمٌ. فَقُلْتُ: بَلْ في كُلِّ جُمُعَةٍ، فَقَرَأ كَعْبٌ التَّوْراةَ، فَقالَ: صَدَقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ .
قالَ أبُو هُرَيْرَةَ: فَلَقِيتُ بُصْرَةَ بْنَ أبِي بُصْرَةَ الغِفارِيَّ، فَقالَ: مِن أيْنَ أقْبَلْتَ ؟ فَقُلْتُ: مِنَ الطُّورِ. فَقالَ: لَوْ أدْرَكْتُكَ قَبْلَ أنْ تَخْرُجَ إلَيْهِ ما خَرَجْتَ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: ”«لا تُعْمَلُ المَطِيُّ إلّا إلى ثَلاثَةِ مَساجِدَ: إلى المَسْجِدِ الحَرامِ، وإلى مَسْجِدِي هَذا، وإلى مَسْجِدِ إيلِياءَ أوْ بَيْتِ المَقْدِسِ“» يَشُكُّ أبُو هُرَيْرَةَ.
ثُمَّ لَقِيتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَلامٍ، فَحَدَّثْتُهُ بِمَجْلِسِي مَعَ كَعْبِ الأحْبارِ وما حَدَّثْتُهُ بِهِ في يَوْمِ الجُمُعَةِ إلى آخِرِ الحَدِيثِ هَذا العَظِيمِ.
قالَ الباجِيُّ: عَلى هَذا الحَدِيثِ: خُرُوجُ أبِي هُرَيْرَةَ إلى الطُّورِ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ لِحاجَةٍ عَنَّتْ لَهُ فِيهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ قَصَدَهُ عَلى مَعْنى التَّعَبُّدِ والتَّقَرُّبِ بِإتْيانِهِ، إلّا أنَّ قَوْلَ بُصْرَةَ: لَوْ أدْرَكْتُكَ قَبْلَ أنْ تَخْرُجَ إلَيْهِ ما خَرَجْتَ. دَلِيلٌ عَلى أنْ فَهِمَ مِنهُ التَّقَرُّبَ بِقَصْدِهِ. وسُكُوتُ أبِي هُرَيْرَةَ حِينَ أنْكَرَ عَلَيْهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الَّذِي فَهِمَ مِنهُ كانَ قَصْدَهُ. أقُولُ: لَقَدْ صَرَّحَ أبُو هُرَيْرَةَ أنَّهُ كانَ لِلصَّلاةِ كَما في مَجْمَعِ الزَّوائِدِ لِأحْمَدَ عَنْ شَهْرٍ، وقالَ: حَسَنٌ.
والحَدِيثُ يَدُلُّ عَلى أنَّ مَن نَذَرَ صَلاةً بِمَسْجِدِ البَصْرَةِ أوِ الكُوفَةِ أنَّهُ يُصَلِّي بِمَوْضِعِهِ ولا يَأْتِيهِ؛ لِحَدِيثِ بُصْرَةَ المَنصُوصِ في ذَلِكَ، وذَلِكَ أنَّ النَّذْرَ يَكُونُ فِيما فِيهِ القُرْبَةُ. ولا فَضِيلَةَ لِمَساجِدِ البِلادِ عَلى بَعْضِها البَعْضِ، تَقْتَضِي قَصْدَهُ بِإعْمالِ المَطِيِّ إلَيْهِ إلّا المَساجِدُ الثَّلاثَةُ؛ فَإنَّها تَخْتَصُّ بِالفَضِيلَةِ.
وَأمّا مَن نَذَرَ الصَّلاةَ والصِّيامَ في شَيْءٍ مِن مَساجِدِ الثُّغُورِ، فَإنَّهُ يَلْزَمُهُ إتْيانُها والوَفاءُ (p-٣٤٩)بِنَذْرِهِ؛ لِأنَّ نَذْرَهُ قَصْدَها لَمْ يَكُنْ لِمَعْنى الصَّلاةِ فِيها، بَلْ قَدِ اقْتَرَنَ بِذَلِكَ الرِّباطِ، فَوَجَبَ الوَفاءُ بِهِ.
وَلا خِلافَ في المَنعِ مِن ذَلِكَ مِن غَيْرِ المَساجِدِ الثَّلاثَةِ، إلّا ما قالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ في المَبْسُوطِ. فَإنَّهُ أضافَ إلى ذَلِكَ مَسْجِدًا رابِعًا وهو مَسْجِدُ قُباءٍ، فَقالَ: مَن نَذَرَ أنْ يَأْتِيَهُ فَيُصَلِّي فِيهِ كانَ عَلَيْهِ ذَلِكَ. اهـ.
وَلَعَلَّ مَقْصِدَ مُحَمَّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ في إضافَتِهِ مَسْجِدَ قُباءٍ، العَمَلُ بِما جاءَ في مَسْجِدِ قُباءٍ مِن أثَرٍ اخْتُصَّ بِهِ عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ فِيما رَواهُ عُمَرُ بْنُ شَبَّةَ، قالَ: حَدَّثَنا سُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ، قالَ: حَدَّثَنا أيُّوبُ بْنُ صِيامٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الرُّقَيْشِ الأسَدِيِّ، قالَ: جاءَنا أنَسُ بْنُ مالِكٍ إلى مَسْجِدِ قُباءٍ، فَصَلّى رَكْعَتَيْنِ إلى بَعْضِ هَذِهِ السَّوارِي، ثُمَّ سَلَّمَ وجَلَسْنا حَوْلَهُ، فَقالَ: سُبْحانَ اللَّهِ ! ما أعْظَمَ حَقَّ هَذا المَسْجِدِ، ولَوْ كانَ عَلى مَسِيرَةِ شَهْرٍ كانَ أهْلًا أنْ يُؤْتى، مَن خَرَجَ مِن بَيْتِهِ يُرِيدُهُ مُعْتَمِدًا إلَيْهِ لِيُصَلِّيَ فِيهِ أرْبَعَ رَكَعاتٍ أقْلَبَهُ اللَّهُ بِأجْرِ عُمْرَةٍ.
وَتَقَدَّمَ عَنْ وفاءِ الوَفاءِ نَقْلُهُ بِقَوْلِهِ:
وَكانَ هَذا الحُكْمُ مَعْلُومًا عِنْدَ العامَّةِ، حَتّى قالَ ابْنُ شَبَّةَ: قالَ أبُو غَسّانَ: ومِمّا يُقَوِّي هَذِهِ الأخْبارَ، ويَدُلُّ عَلى تَظاهُرِها في العامَّةِ والخاصَّةِ، قَوْلُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الحَكَمِ في شِعْرٍ لَهُ:
؎فَإنْ أهْلِكَ فَقَدْ أقْرَرْتُ عَيْنًا مِنَ المُعْتَمِراتِ إلى قُباءٍ.
؎مِنَ اللّاتِي سَوالِفْهُنَّ غِيدٌ عَلَيْهِنَّ المَلاحَةُ بِالبَهاءِ
تَنْبِيهٌ.
إنَّ قَوْلَ أنَسٍ لَيُشْعِرُ بِجَوازِ شَدِّ الرَّحْلِ إلى قُباءٍ لَوْ كانَ بَعِيدًا، ولَكِنَّهُ لِلْمَعانِي في المَساجِدِ الثَّلاثَةِ الأُخْرى، فَلا يَتَعارَضُ مَعَ الحَدِيثِ الأوَّلِ.
تَنْبِيهٌ آخَرٌ.
أبْياتُ الشّاعِرِ تُشْعِرُ بِخَطَأِ التَّجَمُّعِ في يَوْمٍ مُعَيَّنٍ لِقُباءٍ، واجْتِماعِ الرِّجالِ والنِّساءِ.
(p-٣٥٠)تَنْبِيهٌ ثالِثٌ.
يُوجَدُ فَرْقٌ بِصِفَةٍ إجْمالِيَّةٍ عامَّةٍ بَيْنَ زِيارَةِ عُمُومِ المَقابِرِ لِعامَّةِ النّاسِ، وخُصُوصِ زِيارَةِ القُبُورِ الثَّلاثَةِ. إذِ الغَرَضُ مِن زِيارَةِ عامَّةِ المَقابِرِ هو الدُّعاءُ لَها، وتَذَكُّرُ الآخِرَةِ كَما قالَ ﷺ: ”«كُنْتُ نَهَيْتُكم عَنْ زِيارَةِ القُبُورِ ألا فَزُورُوها؛ فَإنَّها تُذَكِّرُ الآخِرَةَ“» .
أمّا هَذِهِ الثَّلاثَةُ المُشَرَّفَةُ، فَلَها خَصائِصُ لَمْ يُشارِكْها فِيها غَيْرُها:
أوَّلًا: ومِن حَيْثُ المَوْضُوعُ: ارْتِباطُها بِالمَسْجِدِ النَّبَوِيِّ أحَدِ المَساجِدِ الَّتِي مِن حَقِّها شَدُّ الرَّحالِ إلَيْها.
ثانِيًا: عَظِيمُ حَقِّ مَن فِيها عَلى المُسْلِمِينَ، إذْ بِزِيارَتِهِمْ لا بِتَذَكُّرِ الآخِرَةِ فَحَسْبُ، بَلْ ويَسْتَفِيدُ ذِكْرَياتِ الدُّنْيا وعَظِيمَ جِهادِهِمْ في سَبِيلِ إعْلاءِ كَلِمَةِ اللَّهِ، ونُصْرَةِ دِينِهِ، وهِدايَةِ الأُمَّةِ، والقِيامِ بِأمْرِ اللَّهِ، حَتّى عُبِدَ اللَّهُ وحْدَهُ وعُمِلَ بِشَرْعِهِ، فِيما يُثِيرُ إحْساسَ المُسْلِمِ وُجُوبَ تَجْدِيدِ العَهْدِ مَعَ اللَّهِ تَعالى وحْدَهُ عَلى العَمَلِ بِكِتابِ اللَّهِ وسُنَّةِ رَسُولِهِ ﷺ، وهَدْيِ خُلَفائِهِ الرّاشِدِينَ - رِضْوانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ - .
وَهَذا ما يَجْعَلُ الإنْسانَ يَتَوَجَّهُ إلى اللَّهِ عَقِبَ السَّلامِ عَلَيْهِمْ بِخالِصِ الدُّعاءِ، أنْ يَجْزِيَهم عَلى ذَلِكَ ما يَعْلَمُ سُبْحانَهُ أنَّهم أهْلٌ لَهُ.
ثالِثًا: عَظِيمُ الفَضْلِ مِنَ اللَّهِ عَلى مَن سَلَّمَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، أنْ يَرُدَّ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ ﷺ رُوحَهُ فَيَرُدَّ عَلَيْهِ السَّلامَ، وكُلُّ ذَلِكَ أوْ بَعْضُهُ لا يُوجَدُ عِنْدَ عامَّةِ المَقابِرِ. وهَذا مَعَ مُراعاةِ الآدابِ الشَّرْعِيَّةِ في الزِّيارَةِ لِما تَقَدَّمَ.
* *
مَسْألَةٌ.
فِي هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿وَأنَّ المَساجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أحَدًا﴾ [الجن: ١٨]، جَمَعَ بَيْنَ مَسْألَتَيْنِ، فَكَأنَّ الأُولى تَدُلُّ عَلى الثّانِيَةِ بِمَفْهُومِها، وكَأنَّ الثّانِيَةَ تَكُونُ مَنطُوقَ الأُولى؛ لِأنَّ كَوْنَ المَساجِدِ لِلَّهِ يَقْتَضِي إفْرادَهُ تَعالى بِالعِبادَةِ وألّا يُدْعى مَعَهُ أحَدٌ.
أمّا إفْرادُهُ بِالعِبادَةِ، فَقَدْ كَتَبَ الشَّيْخُ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا وعَلَيْهِ - عَلى ذَلِكَ مَبْحَثًا كامِلًا في سُورَةِ ”الحُجُراتِ“ في مَسْألَةٍ مِنَ المَسائِلِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أصْواتَكم فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ ولا تَجْهَرُوا لَهُ بِالقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكم لِبَعْضٍ أنْ تَحْبَطَ أعْمالُكم وأنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ﴾ [الحجرات: ٢] .
(p-٣٥١)وَبَيَّنَ في هَذِهِ المَسْألَةِ ما هو حَقٌّ لِلَّهِ، وما هو حَقٌّ لِرَسُولِ اللَّهِ، ووُجُوبَ إفْرادِ اللَّهِ تَعالى بِما هو حَقُّهُ تَعالى، وبَيَّنَ فِيها آدابَ السَّلامِ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وأنَّ وضْعَ اليَدِ عَلى اليَدِ كَهَيْأةِ الصَّلاةِ نَوْعٌ مِن أنْواعِ العِبادَةِ الَّتِي لا تَنْبَغِي إلّا لِلَّهِ تَعالى. اهـ.
وَأنَّ الجَمْعَ هُنا بَيْنَ المَفْهُومِ والمَنطُوقِ بِنَفْسِ المَفْهُومِ، لِما يَدُلُّ عَلى شِدَّةِ الِاهْتِمامِ بِهِ والعِنايَةِ بِأمْرِهِ، وإنَّهُ لَيَلْفِتُ النَّظَرَ إلى ما جاءَ في الأحادِيثِ الصَّحِيحَةِ مِنَ النَّهْيِ الأكِيدِ والوَعِيدِ الشَّدِيدِ بِالنِّسْبَةِ لِقَضِيَّةِ المَساجِدِ ودَعْوَةِ التَّوْحِيدِ، وما كانَ يَفْعَلُهُ الأوَّلُونَ مِن بِناءِ المَساجِدِ عَلى القُبُورِ، ويَفْتَحُونَ بِذَلِكَ بابًا مُطِلًّا عَلى الشِّرْكِ. كَحَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ وأُمِّ حَبِيبَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - عِنْدَ البُخارِيِّ ومُسْلِمٍ، في قِصَّتَيْهِما عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ما شاهَدَتاهُ بِالحَبَشَةِ مِن هَذا القَبِيلِ، فَقالَ ﷺ: «أُولَئِكَ كانُوا إذا ماتَ فِيهِمُ الرَّجُلُ الصّالِحُ، أوِ العَبْدُ الصّالِحُ، بَنَوْا عَلى قَبْرِهِ مَسْجِدًا؛ أُولَئِكَ شِرارُ الخَلْقِ عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ القِيامَةِ» .
وَكَحَدِيثِ الصَّحِيحَيْنِ: «لَعَنَ اللَّهُ اليَهُودَ والنَّصارى اتَّخَذُوا قُبُورَ أنْبِيائِهِمْ مَساجِدَ»، قالَتْ عائِشَةُ: ولَوْلا ذَلِكَ لِأُبْرِزَ قَبْرُهُ، أيْ: خَشْيَةَ اتِّخاذِهِ مَسْجِدًا " .
حَدِيثُ المُوَطَّأِ قَوْلُهُ ﷺ: «اللَّهُمَّ لا تَجْعَلْ قَبْرِي وثَنًا يُعْبَدُ، اشْتَدَّ غَضَبُ اللَّهِ عَلى قَوْمٍ اتَّخَذُوا قُبُورَ أنْبِيائِهِمْ مَساجِدَ» فَكُلُّ ذَلِكَ مِمّا يُشَدِّدُ الحَذَرَ مِنَ الجَمْعِ بَيْنَ القُبُورِ والمَساجِدِ؛ خَشْيَةَ الفِتْنَةِ وسَدًّا لِلذَّرِيعَةِ، ويَشْهَدُ لِهَذا ما ذَكَرَهُ عُلَماءُ التَّفْسِيرِ - رَحِمَهُمُ اللَّهُ - مِن سَبَبِ النُّزُولِ، أنَّ اليَهُودَ والنَّصارى كانُوا إذا دَخَلُوا كَنائِسَهم وبِيَعَهم، أشْرَكُوا مَعَ اللَّهِ غَيْرَهُ، فَحَذَّرَ اللَّهُ المُسْلِمِينَ أنْ يَفْعَلُوا ذَلِكَ.
وَهَذِهِ المَسْألَةُ مِمّا تَفَشَّتْ في كَثِيرٍ مِنَ البِلْدانِ الإسْلامِيَّةِ مِمّا يَسْتَوْجِبُ التَّنَبُّهَ لَها، ورَبْطَ هَذِهِ الآيَةَ بِها مَعَ تِلْكَ النُّصُوصِ النَّبَوِيَّةِ الصَّرِيحَةِ في شَأْنِها مَهْما كانَ المَسْجِدُ.
وَذَكَرَ ابْنُ كَثِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ لَمْ يَكُنْ في الأرْضِ مَسْجِدٌ إلّا المَسْجِدَ الحَرامَ، ومَسْجِدَ إيلِياءَ، بَيْتِ المَقْدِسِ.
تَنْبِيهٌ.
قَدْ أُثِيرَ في هَذِهِ المَسْألَةِ تَساؤُلاتٌ مِن بَعْضِ النّاسِ بِالنِّسْبَةِ لِلْمَسْجِدِ النَّبَوِيِّ ومَوْضِعِ الحُجْرَةِ مِنهُ بَعْدَ إدْخالِها فِيهِ.
(p-٣٥٢)وَقَدْ أجابَ عَنْ ذَلِكَ ابْنُ حَجَرٍ في فَتْحِ البارِي بِقَوْلِهِ عَلى حَدِيثِ عائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها -: إنَّهُ ﷺ قالَ في مَرَضِهِ الَّذِي ماتَ فِيهِ: ”«لَعَنَ اللَّهُ اليَهُودَ والنَّصارى؛ اتَّخَذُوا قُبُورَ أنْبِيائِهِمْ مَساجِدَ“» . قالَتْ: ولَوْلا ذَلِكَ لَأُبْرِزَ قَبْرُهُ، غَيْرَ أنِّي أخْشى أنْ يُتَّخَذَ مَسْجِدًا. رَواهُ البُخارِيُّ في كِتابِ الجَنائِزِ.
وَفِي بَعْضِ رِواياتِهِ: غَيْرَ أنَّهُ خَشِيَ، فَقالَ ابْنُ حَجَرٍ: وهَذا قالَتْهُ عائِشَةُ قَبْلَ أنْ يُوَسَّعَ المَسْجِدُ النَّبَوِيُّ، ولِهَذا لَمّا وُسِّعَ المَسْجِدُ جُعِلَتْ حُجْرَتُها مُثَلَّثَةَ الشَّكْلِ مُحَدَّدَةً؛ حَتّى لا يَتَأتّى لِأحَدٍ أنْ يُصَلِّيَ إلى جِهَةِ القَبْرِ مَعَ اسْتِقْبالِ القِبْلَةِ. اهـ.
وَذَكَرَتْ كُتُبُ السِّيرَةِ وتارِيخِ المَسْجِدِ النَّبَوِيِّ بَعْضَ الأخْبارِ في ذَلِكَ، مِن ذَلِكَ ما رَواهُ السَّمْهُودِيُّ في وفاءِ الوَفاءِ، قالَ: وعَنِ المُطَّلِبِ، قالَ: كانُوا يَأْخُذُونَ مِن تُرابِ القَبْرِ فَأمَرَتْ عائِشَةُ بِجِدارٍ فَضُرِبَ عَلَيْهِمْ، وكانَ في الجِدارِ كُوَّةٌ فَأمَرَتْ بِالكُوَّةِ فَسُدَّتْ هي أيْضًا. ونُقِلَ عَنِ ابْنِ شَبَّةَ، قالَ أبُو غَسّانَ بْنُ يَحْيى بْنِ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ الحَمِيدِ - وكانَ عالِمًا بِأخْبارِ المَدِينَةِ ومِن بَيْتِ كِتابَةٍ وعِلْمٍ -: لَمْ يَزَلْ بَيْتُ النَّبِيِّ ﷺ الَّذِي دُفِنَ فِيهِ هو وأبُو بَكْرٍ وعُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - ظاهِرًا، حَتّى بَنى عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ عَلَيْهِ الخِطارَ المُزَوَّرَ الَّذِي هو عَلَيْهِ اليَوْمَ، حِينَ بَنى المَسْجِدَ في خِلافَةِ الوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ المَلِكِ، وإنَّما جَعَلَهُ مُزَوَّرًا؛ كَراهَةَ أنْ يُشْبِهَ تَرْبِيعَ الكَعْبَةِ، وأنْ يُتَّخَذَ قِبْلَةً يُصَلّى إلَيْهِ.
قالَ أبُو زَيْدِ بْنُ شَبَّةَ، قالَ أبُو غَسّانَ: وقَدْ سَمِعْتُ غَيْرَ واحِدٍ مِن أهْلِ العِلْمِ يَزْعُمُ: أنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ العَزِيزِ بَنى البَيْتَ غَيْرَ بِنائِهِ الَّذِي كانَ عَلَيْهِ، وسَمِعْتُ مَن يَقُولُ: بَنى عَلى بَيْتِ النَّبِيِّ ﷺ ثَلاثَةَ أجْدُرٍ فَدُونَ القَبْرِ ثَلاثَةُ أجْدُرٍ: جِدارُ بِناءِ بَيْتِ النَّبِيِّ ﷺ، وجِدارُ البَيْتِ الَّذِي يَزْعُمُ أنَّهُ بَنى عَلَيْهِ - يَعْنِي عُمَرَ بْنَ عَبْدِ العَزِيزِ -، وجِدارُ الخِطارِ الظّاهِرِ، وقالَ: قالَ أبُو غَسّانَ فِيما حَكاهُ الأقْشَهْدِيُّ: أخْبَرَنِي الثِّقَةُ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ، عَنْ مَنصُورِ بْنِ رَبِيعَةَ، عَنْ عُثْمانَ بْنِ عُرْوَةَ، قالَ: قالَ عُرْوَةُ: نازَلْتُ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ العَزِيزِ في قَبْرِ النَّبِيِّ ﷺ، ألّا يُجْعَلَ في المَسْجِدِ أشَدَّ المُنازَلَةِ، فَأبى وقالَ: كِتابُ أمِيرِ المُؤْمِنِينَ لا بُدَّ مِن إنْفاذِهِ.
قالَ: قُلْتُ: فَإنْ كانَ لا بُدَّ فاجْعَلْ لَهُ جُؤْجُؤًا. أيْ: وهو المَوْضِعُ لِنَزُورَ خَلْفَ الحُجْرَةِ. اهـ.
(p-٣٥٣)فَهَذِهِ مُنازَلَةٌ في مَوْضُوعِ الحُجْرَةِ والمَسْجِدِ، وهَذا جَوابُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ.
وَقَدْ آلَتْ إلَيْهِ الخِلافَةُ وهو الخَلِيفَةُ الرّاشِدُ الخامِسُ، وقَدْ أقَرَّ هَذا الوَضْعَ لَمّا اتُّخِذَتْ تِلْكَ الِاحْتِياطاتُ مِن أنْ يَكُونَ القَبْرُ قِبْلَةً لِلْمُصَلِّينَ، وهَذا مِمّا لا شَكَّ فِيهِ في خَيْرِ القُرُونِ الأُولى، ومَشْهَدٍ مِن أكابِرِ المُسْلِمِينَ، مِمّا لا يَدَعُ لِأحَدٍ مَجالًا لِاعْتِراضٍ أوِ احْتِجاجٍ أوِ اسْتِدْلالٍ، وقَدْ بُحِثَتْ هَذِهِ المَسْألَةُ مِن عُلَماءِ المُسْلِمِينَ في كُلِّ عَصْرٍ.
وَقالَ القُرْطُبِيُّ: بالَغَ المُسْلِمُونَ في سَدِّ الذَّرِيعَةِ في قَبْرِ النَّبِيِّ ﷺ، فَأعْلَوْا حِيطانَ تُرْبَتِهِ، وسَدُّوا المَدْخَلَ إلَيْها، وجَعَلُوها مُحْدِقَةً بِقَبْرِهِ ﷺ، ثُمَّ خافُوا أنْ يُتَّخَذَ مَوْضِعُ قَبْرِهِ قِبْلَةً إذا كانَ مُسْتَقْبِلَ المُصَلِّينَ، فَتُصَوَّرُ الصَّلاةُ إلَيْهِ بِصُورَةِ العِبادَةِ، فَبَنَوْا جِدارَيْنِ مِن رُكْنَيِ القَبْرِ الشَّمالِيَّيْنِ، وحَرَّفُوهُما حَتّى التَقَيا عَلى زاوِيَةٍ مُثَلَّثَةٍ مِن ناحِيَةِ الشَّمالِ؛ حَتّى لا يَتَمَكَّنَ أحَدٌ مِنَ اسْتِقْبالِ قَبْرِهِ. اهـ. مِن فَتْحِ المَجِيدِ.
وَقَدْ قالَ بَعْضُ العُلَماءِ: إنَّ هَذا العَمَلَ الَّذِي اتُّخِذَ حِيالَ القَبْرِ الشَّرِيفِ وقَبْرَيْ صاحِبَيْهِ، إنَّما هو اسْتِجابَةُ دُعائِهِ ﷺ: «اللَّهُمَّ لا تَجْعَلْ قَبْرِي وثَنًا يُعْبَدُ»، كَما قالَ ابْنُ القَيِّمِ في نُونِيَّتِهِ، كابْنِ تَيْمِيَّةَ قالَ:
؎فَأجابَ رَبُّ العالَمِينَ دُعاءَهُ وأحاطَهُ بِثَلاثَةِ الجُدْرانِ
؎حَتّى غَدَتْ أرْجاؤُهُ بِدُعائِهِ ∗∗∗ في عِزَّةٍ وحِمايَةٍ وصِيانِ
وَقالَ صاحِبُ فَتْحِ المَجِيدِ: ودَلَّ الحَدِيثُ أنَّ قَبْرَ النَّبِيِّ ﷺ لَوْ عُبِدَ لَكانَ وثَنًا. ولَكِنْ حَماهُ اللَّهُ تَعالى بِما حالَ بَيْنَهُ وبَيْنَ النّاسِ؛ فَلا يُوصَلُ إلَيْهِ.
وَدَلَّ الحَدِيثُ عَلى أنَّ الوَثَنَ هو ما يُباشِرُهُ العابِدُ مِنَ القُبُورِ والتَّوابِيتِ الَّتِي عَلَيْها. اهـ.
وَهَذا الَّذِي قالَهُ حَقِيقَةٌ دَقِيقٌ مَأْخَذُها؛ لِأنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ بَعْدَ إدْخالِ الحُجْرَةِ في مَأْمَنٍ مِنَ الصَّلاةِ إلَيْهِ لَكانَ وثَنًا، وحاشاهُ ﷺ يَكُونُ في حَياتِهِ داعِيًا إلى اللَّهِ وبَعْدَ انْتِقالِهِ إلى الرَّفِيقِ الأعْلى يَكُونُ قَبْرُهُ وثَنًا يُنافِي التَّوْحِيدَ، ويَهْدِمُ ما بَناهُ في حَياتِهِ.
وَكَيْفَ يَرْضى اللَّهُ لِرَسُولِهِ ذَلِكَ حاشا وكَلّا. هَذا مُجْمَلُ ما قِيلَ في هَذِهِ المَسْألَةِ.
* *
(p-٣٥٤)وُجْهَةُ نَظَرٍ.
وَهُنا وُجْهَةُ نَظَرٍ، وإنْ كُنْتُ لَمْ أقِفْ عَلى قَوْلٍ فِيها، وهي أنَّ كُلَّ نَصٍّ مُتَقَدِّمٍ صَرِيحٌ في النَّهْيِ عَنِ اتِّخاذِ المَساجِدِ عَلى القُبُورِ؛ بِأنْ يَكُونَ القَبْرُ أوَّلًا ثُمَّ يُتَّخَذَ عَلَيْهِ المَسْجِدُ. كَما جاءَ في قِصَّةِ أصْحابِ الكَهْفِ: ﴿قالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلى أمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا﴾ أيْ: أنَّ القَبْرَ أوَّلًا والمَسْجِدَ ثانِيًا.
أمّا قَضِيَّةُ الحُجْرَةِ والمَسْجِدِ النَّبَوِيِّ فَهي عَكْسُ ذَلِكَ، إذِ المَسْجِدُ هو الأوَّلُ وإدْخالُ الحُجْرَةِ ثانِيًا، فَلا تَنْطَبِقُ عَلَيْهِ تِلْكَ النُّصُوصُ في نَظَرِي. واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.
وَمِن ناحِيَةٍ أُخْرى، لَمْ يَكُنِ الَّذِي أُدْخِلُ في المَسْجِدِ هو القَبْرَ أوِ القُبُورَ، بَلِ الَّذِي أُدْخِلَ في المَسْجِدِ هو الحُجْرَةُ، أيْ: بِما فِيها، وقَدْ تَقَدَّمَ كَلامُ صاحِبِ فَتْحِ المَجِيدِ في تَعْرِيفِ الوَثَنِ: أنَّهُ ما سُجِدَ إلَيْهِ مِن قَرِيبٍ.
وَعَلَيْهِ فَما مِن مُصَلٍّ يَبْعُدُ عَنْ مَكَّةَ إلّا ويَقَعُ بَيْنَهُ وبَيْنَ الكَعْبَةِ قُبُورٌ ومَقابِرُ. ولا يُعْتَبَرُ مُصَلِّيًا إلى القُبُورِ لِبُعْدِها ووُجُودِ الحَواجِزِ دُونَهُ، وإنْ كانَ البُعْدُ نِسْبِيًّا. فَكَذَلِكَ في مَوْضُوعِ القُبُورِ الثَّلاثَةِ في الحُجْرَةِ، فَإنَّها بَعِيدَةٌ عَنْ مُباشَرَةِ الصَّلاةِ إلَيْها، والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ.
وَأيْضًا لِابْنِ تَيْمِيَّةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - كَلامٌ في ذَلِكَ مُلَخَّصُهُ مِنَ المَجْمُوعِ: مُجَلَّدُ ٢٧ ص ٣٢٣ وكَأنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمّا ماتَ ودُفِنَ في حُجْرَةِ عائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها -، وكانَتْ هي وحُجَرُ نِسائِهِ في شَرْقِيِّ المَسْجِدِ وقِبْلِيِّهِ، لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ داخِلًا المَسْجِدَ. واسْتَمَرَّ الأمْرُ عَلى ذَلِكَ إلى أنِ انْقَرَضَ عَصْرُ الصَّحابَةِ بِالمَدِينَةِ.
ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ في خِلافَةِ الوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ المَلِكِ بْنِ مَرْوانَ بِنَحْوٍ مِن سَنَةٍ مِن بَيْعَتِهِ، وُسِّعَ المَسْجِدُ، وأُدْخِلَتْ فِيهِ الحُجْرَةُ لِلضَّرُورَةِ. فَإنَّ الوَلِيدَ كَتَبَ إلى نائِبِهِ - عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ -: أنْ يَشْتَرِيَ الحُجَرَ مِن مُلّاكِها ورَثَةِ أزْواجِ النَّبِيِّ ﷺ، فَإنَّهُنَّ كُنَّ تُوُفِّينَ كُلُّهُنَّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُنَّ -، فَأمَرَهُ أنْ يَشْتَرِيَ الحُجَرَ ويَزِيدَها في المَسْجِدِ، فَهَدَمَها وأدْخَلَها في المَسْجِدِ، وبَقِيَتْ حُجْرَةُ عائِشَةَ عَلى حالِها. وكانَتْ مُغْلَقَةً لا يُمَكَّنُ أحَدٌ مِنَ الدُّخُولِ إلى قَبْرِ النَّبِيِّ ﷺ لا لِصَلاةٍ عِنْدَهُ، ولا لِدُعاءٍ، ولا غَيْرِ ذَلِكَ. إلى حِينِ كانَتْ عائِشَةُ في الحَياةِ وهي تُوُفِّيَتْ قَبْلَ إدْخالِ الحُجْرَةِ بِأكْثَرَ مِن عِشْرِينَ أوْ ثَلاثِينَ سَنَةً.
وَقالَ في صَفْحَةِ ٣٢٨: ولَمْ تَكُنْ تُمَكِّنُ أحَدًا أنْ يَفْعَلَ عِنْدَ قَبْرِهِ شَيْئًا مِمّا نَهى عَنْهُ (p-٣٥٥)وَبَعْدَها كانَتْ مُغْلَقَةً، إلى أنْ أُدْخِلَتْ في المَسْجِدِ فَسُدَّ بابُها وبُنِيَ عَلَيْها حائِطٌ آخَرُ.
فَكُلُّ ذَلِكَ صِيانَةٌ لَهُ ﷺ، أنْ يُتَّخَذَ بَيْتُهُ عِيدًا وقَبْرُهُ وثَنًا. وإلّا فَمَعْلُومٌ أنَّ أهْلَ المَدِينَةِ كُلُّهم مُسْلِمُونَ، ولا يَأْتِي إلى هُناكَ إلّا مُسْلِمٌ، وكُلُّهم مُعَظِّمُونَ لِلرَّسُولِ ﷺ، فَما فَعَلُوا ذَلِكَ لِيُسْتَهانَ بِالقَبْرِ المُكَرَّمِ؛ بَلْ فَعَلَوْهُ لِئَلّا يُتَّخَذَ وثَنًا يُعْبَدُ. ولا يُتَّخَذَ بَيْتُهُ عِيدًا، ولِئَلّا يُفْعَلَ بِهِ كَما فَعَلَ أهْلُ الكِتابِ بِقُبُورِ أنْبِيائِهِمْ. انْتَهى.
وَتَقَدَّمَ شَرْحُ ابْنِ القَيِّمِ لِوَضْعِ الجُدْرانِ الثَّلاثَةِ وجَعْلِ طَرَفِ الجِدارِ الثّالِثِ مِنَ الشَّمالِ عَلى شَكْلِ رَأْسِ مُثَلَّثٍ، وأنَّ المُشاهَدَ اليَوْمَ بَعْدَ ابْنِ تَيْمِيَةَ وابْنِ القَيِّمِ، وُجُودُ الشَّبَكِ الحَدِيدِيِّ مِن وراءِ ذَلِكَ كُلِّهِ، ويَبْعُدُ عَنْ رَأْسِ المُثَلَّثِ إلى الشَّمالِ ما يَقْرُبُ مِن سِتَّةِ أمْتارٍ يَتَوَسَّطُها، أيْ: تِلْكَ المَسافَةُ مِحْرابٌ كَبِيرٌ، وهَذا كانَ في المَسْجِدِ سابِقًا، أيْ: قَبْلَ الشَّبَكِ. مِمّا يَدُلُّ عَلى بُعْدِ ما بَيْنَ المُصَلِّي في الجِهَةِ الشَّمالِيَّةِ مِنَ الحُجْرَةِ المُكَرَّمَةِ وبَيْنَ القُبُورِ الثَّلاثَةِ، ويَنْفِي أيَّ عَلاقَةٍ لِلصَّلاةِ مِن ورائِهِ بِالقُبُورِ الشَّرِيفَةِ. والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ.
وَفِي خِتامِ هَذِهِ المَسْألَةِ، وقَدْ أُثِيرَ فِيها كَلامٌ في مَوْسِمِ حَجِّ سَنَةِ ١٣٩٤ في مِنى ومِن بَعْضِ المُشْتَغِلِينَ بِالعِلْمِ نَقُولُ:
لَوْ أنَّها لَمْ تَدْخُلْ بِالفِعْلِ لَكانَ لِلْقَوْلِ بِعَدَمِ إدْخالِها مَجالٌ. أمّا وقَدْ أُدْخِلَتْ بِالفِعْلِ وفي عَهْدِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ وفي القُرُونِ المَشْهُودِ لَها بِالخَيْرِ، ومَضى عَلى إدْخالِها ثَلاثَةَ عَشَرَ قَرْنًا، فَلا مَجالَ لِلْقَوْلِ إذًا.
Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии