Аш-Шинкити · Тафсир · на арабском
Аль-Анфаль 8:41
8:41Страница 182
۞ وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّمَا غَنِمۡتُم مِّن شَيۡءٖ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُۥ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي ٱلۡقُرۡبَىٰ وَٱلۡيَتَٰمَىٰ وَٱلۡمَسَٰكِينِ وَٱبۡنِ ٱلسَّبِيلِ إِن كُنتُمۡ ءَامَنتُم بِٱللَّهِ وَمَآ أَنزَلۡنَا عَلَىٰ عَبۡدِنَا يَوۡمَ ٱلۡفُرۡقَانِ يَوۡمَ ٱلۡتَقَى ٱلۡجَمۡعَانِۗ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٌ ٤١
Знайте, что если вы захватили трофеи, то пятая часть их принадлежит Аллаху, Посланнику, близким родственникам Посланника, сиротам, беднякам и путникам, если вы уверовали в Аллаха и в то, что Мы ниспослали Нашему рабу в день различения, в день, когда встретились две армии при Бадре. Воистину, Аллах способен на всякую вещь.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واعْلَمُوا أنَّما غَنِمْتُمْ مِن شَيْءٍ فَأنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ ولِلرَّسُولِ ولِذِي القُرْبى واليَتامى والمَساكِينِ وابْنِ السَّبِيلِ﴾ .
ظاهِرُ هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّ كُلَّ شَيْءٍ حَواهُ المُسْلِمُونَ مِن أمْوالِ الكُفّارِ فَإنَّهُ يُخَمَّسُ حَسْبَما نُصَّ عَلَيْهِ في الآيَةِ، سَواءً أوْجَفُوا عَلَيْهِ الخَيْلَ والرِّكابَ أوْ لا، ولَكِنَّهُ تَعالى بَيَّنَ في سُورَةِ ”الحَشْرِ“ أنَّ ما أفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِن غَيْرِ إيجافِ المُسْلِمِينَ عَلَيْهِ الخَيْلَ والرِّكابَ، أنَّهُ لا يُخَمَّسُ ومَصارِفُهُ الَّتِي بَيَّنَ أنَّهُ يُصْرَفُ فِيها كَمَصارِفِ خُمُسِ الغَنِيمَةِ المَذْكُورَةِ هُنا، وذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: في فَيْءِ بَنِي النَّضِيرِ ﴿وَما أفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنهم فَما أوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِن خَيْلٍ ولا رِكابٍ﴾ الآيَةَ [ ٦ ]، ثُمَّ بَيَّنَ شُمُولَ الحُكْمِ لِكُلِّ ما أفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِن جَمِيعِ القُرى بِقَوْلِهِ: ﴿ما أفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِن أهْلِ القُرى فَلِلَّهِ ولِلرَّسُولِ﴾ الآيَةَ [ ٧ ] .
اعْلَمْ أوَّلًا أنَّ أكْثَرَ العُلَماءِ: فَرَّقُوا بَيْنَ الفَيْءِ والغَنِيمَةِ فَقالُوا: الفَيْءُ: هو ما يَسَّرَهُ اللَّهُ لِلْمُسْلِمِينَ مِن أمْوالِ الكُفّارِ مِن غَيْرِ انْتِزاعِهِ مِنهم بِالقَهْرِ، كَفَيْءِ بَنِي النَّضِيرِ الَّذِينَ نَزَلُوا عَلى حُكْمِ النَّبِيِّ ﷺ، ومَكَّنُوهُ مِن أنْفُسِهِمْ وأمْوالِهِمْ يَفْعَلُ فِيها ما يَشاءُ لِشِدَّةِ الرُّعْبِ الَّذِي ألْقاهُ اللَّهُ في قُلُوبِهِمْ، ورَضِيَ لَهم ﷺ أنْ يَرْتَحِلُوا بِما يَحْمِلُونَ عَلى الإبِلِ غَيْرَ السِّلاحِ، وأمّا الغَنِيمَةُ: فَهي ما انْتَزَعَهُ المُسْلِمُونَ مِنَ الكَفّارِ بِالغَلَبَةِ والقَهْرِ، وهَذا التَّفْرِيقُ يُفْهَمُ مِن قَوْلِهِ: ﴿واعْلَمُوا أنَّما غَنِمْتُمْ﴾ الآيَةَ، مَعَ قَوْلِهِ: ﴿فَما أوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِن خَيْلٍ ولا رِكابٍ﴾، فَإنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿فَما أوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ﴾ الآيَةَ، ظاهِرٌ في أنَّهُ يُرادُ بِهِ بَيانُ الفَرْقِ بَيْنَ ما أوْجَفُوا عَلَيْهِ وما لَمْ يُوجِفُوا عَلَيْهِ كَما تَرى، والفَرْقُ المَذْكُورُ بَيْنَ الغَنِيمَةِ والفَيْءِ عَقَدَهُ الشَّيْخُ أحْمَدُ البَدَوِيُّ الشِّنْقِيطِيُّ في نَظْمِهِ لِلْمَغازِي بِقَوْلِهِ في غَزْوَةِ بَنِيَ النَّضِيرِ: [ الرَّجَزُ ]
؎وَفَيْئُهم والفَيْءُ في الأنْفالِ ما لَمْ يَكُنْ أُخِذَ عَنْ قِتالِ
؎(p-٥٥)أمّا الغَنِيمَةُ فَعَنْ زِحافٍ ∗∗∗ والأخْذُ عَنْوَةً لَدى الزِّحافِ
لِخَيْرِ مُرْسَلٍ إلَخْ.
وَقَوْلُهُ: وفَيْئُهم مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ لِخَيْرِ مُرْسَلٍ، وقَوْلُهُ: والفَيْءُ في الأنْفالِ. . . إلَخْ، كَلامٌ اعْتِراضِيٌّ بَيْنَ المُبْتَدَأِ والخَبَرِ بَيَّنَ بِهِ الفَرْقَ بَيْنَ الغَنِيمَةِ والفَيْءِ، وعَلى هَذا القَوْلِ فَلا إشْكالَ في الآياتِ؛ لِأنَّ آيَةَ: ﴿واعْلَمُوا أنَّما غَنِمْتُمْ﴾، ذُكِرَ فِيها حُكْمُ الغَنِيمَةِ، وآيَةَ: ﴿ما أفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ﴾ ذُكِرَ فِيها حُكْمُ الفَيْءِ وأُشِيرَ لِوَجْهِ الفَرْقِ بَيْنَ المَسْألَتَيْنِ بِقَوْلِهِ: ﴿فَما أوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِن خَيْلٍ ولا رِكابٍ﴾ أيْ فَكَيْفَ يَكُونُ غَنِيمَةً لَكم، وأنْتُمْ لَمْ تَتْعَبُوا فِيهِ ولَمْ تَنْتَزِعُوهُ بِالقُوَّةِ مِن مالِكِيهِ.
وَقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: إنَّ الغَنِيمَةَ والفَيْءَ واحِدٌ، فَجَمِيعُ ما أُخِذَ مِنَ الكُفّارِ عَلى أيِّ وجْهٍ كانَ غَنِيمَةً وفَيْئًا، وهَذا قَوْلُ قَتادَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ وهو المَعْرُوفُ في اللُّغَةِ، فالعَرَبُ تُطْلِقُ اسْمَ الفَيْءِ عَلى الغَنِيمَةِ، ومِنهُ قَوْلُ مُهَلْهِلِ بْنِ رَبِيعَةَ التَّغْلِبِيِّ: [ الوافِرُ ]
؎فَلا وأبِي جَلِيلَةَ ما أفَأْنا ∗∗∗ مِنَ النَّعَمِ المُؤَبَّلِ مِن بَعِيرِ
؎وَلَكِنّا نَهَكْنا القَوْمَ ضَرْبًا ∗∗∗ عَلى الأثْباجِ مِنهم والنُّحُورِ
يَعْنِي أنَّهم لَمْ يَشْتَغِلُوا بِسَوْقِ الغَنائِمِ ولَكِنْ بِقَتْلِ الرِّجالِ فَقَوْلُهُ:
أفَأْنا: يَعْنِي غَنِمْنا، ويَدُلُّ لِهَذا الوَجْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمّا أفاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ﴾ [الأحزاب: ٥٠]؛ لِأنَّ ظاهِرَ هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ شُمُولُ ذَلِكَ لِجَمِيعِ المَسْبِيّاتِ ولَوْ كُنَّ مُنْتَزَعاتٍ قَهْرًا، ولَكِنَّ الِاصْطِلاحَ المَشْهُورَ عِنْدَ العُلَماءِ هو ما قَدَّمْنا مِنَ الفَرْقِ بَيْنَهُما، وتَدُلُّ لَهُ آيَةُ الحَشْرِ المُتَقَدِّمَةُ، وعَلى قَوْلِ قَتادَةَ فَآيَةُ الحَشْرِ مُشْكِلَةٌ مَعَ آيَةِ الأنْفالِ هَذِهِ، ولِأجْلِ ذَلِكَ الإشْكالِ قالَ قَتادَةُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى -: إنَّ آيَةَ ﴿واعْلَمُوا أنَّما غَنِمْتُمْ﴾ الآيَةَ، ناسِخَةٌ لِآيَةِ ﴿وَما أفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ﴾ الآيَةَ، وهَذا القَوْلُ الَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ رَحِمَهُ اللَّهُ باطِلٌ بِلا شَكٍّ، ولَمْ يُلْجِئْ قَتادَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ إلى هَذا القَوْلِ إلّا دَعْواهُ اتِّحادَ الفَيْءِ والغَنِيمَةِ، فَلَوْ فَرَّقَ بَيْنَهُما كَما فَعَلَ غَيْرُهُ لَعُلِمَ أنَّ آيَةَ الأنْفالِ في الغَنِيمَةِ، وآيَةَ الحَشْرِ في الفَيْءِ، ولا إشْكالَ. ووَجْهُ بُطْلانِ القَوْلِ المَذْكُورِ: أنَّ آيَةَ ﴿واعْلَمُوا أنَّما غَنِمْتُمْ مِن شَيْءٍ﴾ الآيَةَ، نَزَلَتْ بَعْدَ وقْعَةِ بَدْرٍ، قَبْلَ قَسْمِ غَنِيمَةِ بَدْرٍ بِدَلِيلِ حَدِيثِ عَلِيٍّ الثّابِتِ في ”صَحِيحِ مُسْلِمٍ“، الدّالِّ عَلى أنَّ غَنائِمَ بَدْرٍ خُمِّسَتْ، وآيَةُ التَّخْمِيسِ الَّتِي شَرَعَهُ اللَّهُ بِها هي هَذِهِ، وأمّا آيَةُ الحَشْرِ فَهي نازِلَةٌ في غَزْوَةِ بَنِيَ النَّضِيرِ بِإطْباقِ العُلَماءِ، وغَزْوَةُ بَنِي النَّضِيرِ بَعْدَ غَزْوَةِ بَدْرٍ بِإجْماعِ (p-٥٦)المُسْلِمِينَ، ولا مُنازَعَةَ فِيهِ البَتَّةَ، فَظَهَرَ مِن هَذا عَدَمُ صِحَّةِ قَوْلِ قَتادَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى، وقَدْ ظَهَرَ لَكَ أنَّهُ عَلى القَوْلِ بِالفَرْقِ بَيْنَ الغَنِيمَةِ والفَيْءِ لا إشْكالَ في الآياتِ، وكَذَلِكَ عَلى قَوْلِ مَن يَرى أمْرَ الغَنائِمِ والفَيْءِ راجِعًا إلى نَظَرِ الإمامِ، فَلا مُنافاةَ عَلى قَوْلِهِ بَيْنَ آيَةِ ”الحَشْرِ“، وآيَةِ التَّخْمِيسِ إذا رَآهُ الإمامُ، واللَّهُ أعْلَمُ.
* *
مَسائِلُ مِن أحْكامِ هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ
المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّ جَماهِيرَ عُلَماءِ المُسْلِمِينَ عَلى أنَّ أرْبَعَةَ أخْماسِ الغَنِيمَةِ لِلْغُزاةِ الَّذِينَ غَنِمُوها، ولَيْسَ لِلْإمامِ أنْ يَجْعَلَ تِلْكَ الغَنِيمَةَ لِغَيْرِهِمْ، ويَدُلُّ لِهَذا قَوْلُهُ تَعالى: غَنِمْتُمْ فَهو يَدُلُّ عَلى أنَّها غَنِيمَةٌ لَهم فَلَمّا قالَ: ﴿فَأنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾، عَلِمْنا أنَّ الأخْماسَ الأرْبَعَةَ الباقِيَةَ لَهم لا لِغَيْرِهِمْ، ونَظِيرُ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ ولَدٌ ووَرِثَهُ أبَواهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ﴾، أيْ: ولِأبِيهِ الثُّلْثانِ الباقِيانِ إجْماعًا، فَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿فَأنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾، أيْ: ولِلْغانِمِينَ ما بَقِيَ، وهَذا القَوْلُ هو الحَقُّ الَّذِي لا شَكَّ فِيهِ، وحَكى الإجْماعَ عَلَيْهِ غَيْرُ واحِدٍ مِنَ العُلَماءِ ومِمَّنْ حَكى إجْماعَ المُسْلِمِينَ عَلَيْهِ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ عَبْدِ البَرِّ، والدّاوُدِيُّ، والمازِرِيُّ، والقاضِي عِياضٌ، وابْنُ العَرَبِيِّ، والأخْبارُ بِهَذا المَعْنى مُتَظاهِرَةٌ، وخالَفَ في ذَلِكَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ، وهو قَوْلُ كَثِيرٍ مِنَ المالِكِيَّةِ، ونَقَلَهُ عَنْهُمُ المازِرِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ أيْضًا، قالُوا: لِلْإمامِ أنْ يَصْرِفَ الغَنِيمَةَ فِيما يَشاءُ مِن مَصالِحِ المُسْلِمِينَ، ويَمْنَعَ مِنها الغُزاةَ الغانِمِينَ.
واحْتَجُّوا لِذَلِكَ بِأدِلَّةٍ مِنها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الأنْفالِ قُلِ الأنْفالُ لِلَّهِ والرَّسُولِ﴾ الآيَةَ [الكهف: ١] قالُوا: الأنْفالُ: الغَنائِمُ كُلُّها، والآيَةُ مُحْكَمَةٌ لا مَنسُوخَةٌ، واحْتَجُّوا لِذَلِكَ أيْضًا بِما وقَعَ في فَتْحِ مَكَّةَ، وقِصَّةِ حُنَيْنٍ قالُوا: إنَّهُ ﷺ فَتَحَ مَكَّةَ عَنْوَةً بِعَشَرَةِ آلافِ مُقاتِلٍ، ومَنَّ عَلى أهْلِها فَرَدَّها عَلَيْهِمْ، ولَمْ يَجْعَلْها غَنِيمَةً ولَمْ يُقَسِّمْها عَلى الجَيْشِ، فَلَوْ كانَ قَسْمُ الأخْماسِ الأرْبَعَةِ عَلى الجَيْشِ واجِبًا لَفَعْلَهُ ﷺ لَمّا فَتَحَ مَكَّةَ، قالُوا: وكَذَلِكَ غَنائِمُ هَوازِنَ في غَزْوَةِ حُنَيْنٍ، أعْطى مِنها عَطايا عَظِيمَةً جِدًّا، ولَمْ يُعْطِ الأنْصارَ مِنها مَعَ أنَّهم مِن خِيارِ المُجاهِدِينَ الغازِينَ مَعَهُ ﷺ، وقَدْ أشارَ لِعَطاياهُ مِن غَنائِمِ هَوازِنَ في وقْعَةِ حُنَيْنٍ الشَّيْخُ أحْمَدُ البَدَوِيُّ الشِّنْقِيطِيُّ في نَظْمِهِ لِلْمَغازِي في غَزْوَةِ حُنَيْنٍ بِقَوْلِهِ: [ الرَّجَزُ ](p-٥٧)
؎أعْطى عَطايا شَهِدَتْ بِالكَرَمِ يَوْمَئِذٍ لَهُ ولَمْ تُجَمْجَمِ
؎أعْطى عَطايا أخْجَلَتْ دَلْحَ الدِّيَمْ ∗∗∗ إذْ مَلَأتْ رَحْبَ الغَضا مِنَ النَّعَمْ
؎زُهاءَ ألْفَيْ ناقَةٍ مِنها وما ∗∗∗ مَلَأ بَيْنَ جَبَلَيْنِ غَنَما
؎لِرَجُلٍ وبَلِهٍ ما لِحَلْقِهِ ∗∗∗ مِنها ومِن رَقِيقِهِ ووَرْقِهِ
إلَخْ. . .
قالُوا: لَوْ كانَ يَجِبُ قَسْمُ الأخْماسِ الأرْبَعَةِ عَلى الجَيْشِ الَّذِي غَنِمَها، لَما أعْطى ﷺ ألْفَيْ ناقَةٍ مِن غَنائِمِ هَوازِنَ لِغَيْرِ الغُزاةِ، ولَما أعْطى ما مَلَأ بَيْنَ جَبَلَيْنِ مِنَ الغَنَمِ لِصَفْوانَ بْنِ أُمَيَّةَ، وفي ذَلِكَ اليَوْمِ أعْطى الأقْرَعَ بْنَ حابِسٍ التَّمِيمِيَّ مِائَةً مِنَ الإبِلِ، وكَذَلِكَ عُيَيْنَةُ بْنُ حِصْنٍ الفَزارِيُّ، حَتّى غارَ مِن ذَلِكَ العَبّاسُ بْنُ مِرْداسٍ السُّلَمِيُّ، وقالَ في ذَلِكَ شِعْرَهُ المَشْهُورَ: [ المُتَقارِبُ ]
؎أتَجْعَلُ نَهْبِي ونَهْبَ العَبِيدِ ∗∗∗ بَيْنَ عُيَيْنَةَ والأقْرَعِ
؎فَما كانَ حِصْنٌ ولا حابِسٌ ∗∗∗ يَفُوقانِ مِرْداسَ في مَجْمَعِ
؎وَما كُنْتُ دُونَ امْرِئٍ مِنهُما ∗∗∗ ومَن تَضَعِ اليَوْمَ لا يُرْفَعِ
؎وَقَدْ كُنْتُ في الحَرْبِ ذا تُدْرَإٍ ∗∗∗ فَلَمْ أُعْطَ شَيْئًا ولَمْ أُمْنَعِ
؎إلّا أباعِيرَ أُعْطِيتُها ∗∗∗ عَدِيدَ قَوائِمِهِ الأرْبَعِ
؎وَكانَتْ نِهابًا تَلافَيْتُها ∗∗∗ بِكَرِّي عَلى المُهْرِ في الأجْرَعِ
؎وَإيقاظِيَ القَوْمَ إنْ يَرْقُدُوا ∗∗∗ إذا هَجَعَ النّاسُ لَمْ أهْجَعِ
قالُوا: فَلَوْ كانَ قَسْمُ الأخْماسِ الأرْبَعَةِ عَلى الجَيْشِ الغانِمِينَ واجِبًا، لَما فُضِّلَ الأقْرَعُ وعُيَيْنَةُ في العَطاءِ مِنَ الغَنِيمَةِ عَلى العَبّاسِ بْنِ مِرْداسٍ في أوَّلِ الأمْرِ قَبْلَ أنْ يَقُولَ شِعْرَهُ المَذْكُورَ، وأُجِيبَ مِن جِهَةِ الجُمْهُورِ عَنْ هَذِهِ الِاحْتِجاجاتِ: فالجَوابُ عَنْ آيَةِ ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الأنْفالِ﴾ هو ما قَدَّمْنا مِن أنَّها مَنسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿واعْلَمُوا أنَّما غَنِمْتُمْ مِن شَيْءٍ﴾ الآيَةَ [الأنفال: ٤١]، ونَسَبَهُ القُرْطُبِيُّ لِجُمْهُورِ العُلَماءِ، والجَوابُ عَمّا وقَعَ في فَتْحِ مَكَّةَ مِن أوْجُهٍ:
الأوَّلُ: أنَّ بَعْضَ العُلَماءِ زَعَمُوا أنَّ مَكَّةَ لَمْ تُفْتَحْ عَنْوَةً، ولَكِنَّ أهْلَها أخَذُوا الأمانَ مِنهُ ﷺ، ومِمَّنْ قالَ بِهَذا الشّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ.
واسْتَدَلَّ قائِلُوا هَذا القَوْلِ بِقَوْلِهِ ﷺ: «مَن دَخَلَ دارَ أبِي سُفْيانَ فَهو آمِنٌ»، وهو (p-٥٨)ثابِتٌ في الصَّحِيحِ، وهَذا الخِلافُ في مَكَّةَ هَلْ أخَذَها النَّبِيُّ ﷺ عَنْوَةً ؟ وهو قَوْلُ الجُمْهُورِ، أوْ أخَذَ لَها الأمانَ؛ والأمانُ شِبْهُ الصُّلْحِ، عَقَدَهُ الشَّيْخُ أحْمَدُ البَدَوِيُّ الشِّنْقِيطِيُّ في مَغازِيهِ بِقَوْلِهِ: في غَزْوَةِ الفَتْحِ يَعْنِي مَكَّةَ: [ الرَّجَزُ ]
واخْتَلَفُوا فِيها فَقِيلَ أمِنَتْ وقِيلَ عَنْوَةً وكَرْهًا أُخِذَتْ والحَقُّ أنَّها فُتِحَتْ عَنْوَةً كَما سَيَأْتِي تَحْقِيقُهُ إنْ شاءَ اللَّهُ، ومِن أظْهَرِ الأجْوِبَةِ عَمّا وقَعَ في فَتْحِ مَكَّةَ، أنَّ مَكَّةَ لَيْسَتْ كَغَيْرِها مِنَ البِلادِ؛ لِأنَّها حَرامٌ بِحُرْمَةِ اللَّهِ مِن يَوْمِ خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، وإنَّما أُحِلَّتْ لَهُ ﷺ ساعَةً مِن نَهارٍ، ولَمْ تَحِلَّ لِأحَدٍ قَبْلَهُ ولا بَعْدَهُ، وما كانَ بِهَذِهِ المَثابَةِ، فَلَيْسَ كَغَيْرِهِ مِنَ البِلادِ الَّتِي لَيْسَتْ لَها هَذِهِ الحُرْمَةُ العَظِيمَةُ.
وَأمّا ما وقَعَ في قِصَّةِ حُنَيْنٍ فالجَوابُ عَنْهُ ظاهِرٌ، وهو أنَّ النَّبِيَّ ﷺ اسْتَطابَ نُفُوسَ الغُزاةِ عَنِ الغَنِيمَةِ؛ لِيُؤَلِّفَ بِها قُلُوبَ المُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهم لِأجْلِ المَصْلَحَةِ العامَّةِ لِلْإسْلامِ والمُسْلِمِينَ، ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ أنَّهُ ﷺ لَمّا سَمِعَ أنَّ بَعْضَ الأنْصارِ قالَ: يَمْنَعُنا ويُعْطِي قُرَيْشًا، وسُيُوفُنا تَقْطُرُ مِن دِمائِهِمْ، جَمَعَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ، وكَلَّمَهم كَلامَهُ المَشْهُورَ البالِغَ في الحُسْنِ، ومِن جُمْلَتِهِ أنَّهُ قالَ لَهم: «ألا تَرْضَوْنَ يا مَعْشَرَ الأنْصارِ أنْ يَذْهَبَ النّاسُ بِالشّاءِ والبَعِيرِ وتَرْجِعُونَ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ إلى رِحالِكم»، إلى آخِرِ كَلامِهِ، فَرَضِيَ القَوْمُ، وطابَتْ نُفُوسُهم، وقالُوا: رَضِينا بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ قِسْمًا وحَظًّا، وهَذا ثابِتٌ في الصَّحِيحِ، ونَوَّهَ الشَّيْخُ أحْمَدُ البَدَوِيُّ الشِّنْقِيطِيُّ في مَغازِيهِ بِحُسْنِ هَذا الكَلامِ الَّذِي خاطَبَهم بِهِ ﷺ بِقَوْلِهِ: في غَزْوَةِ حُنَيْنٍ: [ الرَّجَزُ ]
؎وَوَكَّلَ الأنْصارَ خَيْرَ العالَمِينَ ∗∗∗ لِدِينِهِمْ إذْ ألَّفَ المُؤَلَّفِينَ
؎فَوَجَدُوا عَلَيْهِ أنْ مَنَعَهم ∗∗∗ فَأرْسَلَ النَّبِيُّ مَن جَمَعَهُمْ
؎وَقالَ قَوْلًا كالفَرِيدِ المُؤْنَقِ ∗∗∗ عَنْ نَظْمِهِ ضَعُفَ سِلْكُ مَنطِقِي
فالحاصِلُ أنَّ أرْبَعَةَ أخْماسِ الغَنِيمَةِ الَّتِي أوْجَفَ الجَيْشُ عَلَيْها الخَيْلَ والرِّكابَ لِلْغُزاةِ الغانِمِينَ عَلى التَّحْقِيقِ، الَّذِي لا شَكَّ فِيهِ، وهو قَوْلُ الجُمْهُورِ.
وَقَدْ عَلِمْتَ الجَوابَ عَنْ حُجَجِ المُخالِفِينَ في ذَلِكَ؛ ومِنَ العُلَماءِ مَن يَقُولُ: لا يَجُوزُ لِلْإمامِ أنْ يُنْفِّلَ أحَدًا شَيْئًا مِن هَذِهِ الأخْماسِ الأرْبَعَةِ؛ لِأنَّها مِلْكٌ لِلْغانِمِينَ، وهو قَوْلُ مالِكٍ.
(p-٥٩)وَذَهَبَ بَعْضُ العُلَماءِ إلى أنَّ لِلْإمامِ أنْ يُنْفِّلَ مِنها بَعْضَ الشَّيْءِ بِاجْتِهادِهِ، وهو أظْهَرُ دَلِيلًا، وسَيَأْتِي لَهُ زِيادَةُ إيضاحٍ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى.
* *
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: هي تَحْقِيقُ المَقامِ في مَصارِفِ الخُمُسِ الَّذِي يُؤْخَذُ مِنَ الغَنِيمَةِ قَبْلَ القِسْمَةِ؛ فَظاهِرُ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّهُ يُجْعَلُ سِتَّةَ أنْصِباءَ: نُصِيبٍ لِلَّهِ جَلَّ وعَلا، ونَصِيبٍ لِلرَّسُولِ ﷺ، ونَصِيبٍ لِذِي القُرْبى، ونَصِيبٍ لِلْيَتامى، ونَصِيبٍ لِلْمَساكِينِ، ونَصِيبٍ لِابْنِ السَّبِيلِ.
وَبِهَذا قالَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ: قالَ أبُو جَعْفَرٍ الرّازِيُّ، عَنِ الرَّبِيعِ، عَنْ أبِي العالِيَةِ الرِّياحِيِّ، قالَ: " «كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُؤْتى بِالغَنِيمَةِ فَيُخَمِّسُها عَلى خَمْسَةٍ تَكُونُ أرْبَعَةُ أخْماسٍ مِنها لِمَن شَهِدَها، ثُمَّ يُؤْخَذُ الخُمُسُ فَيَضْرِبُ بِيَدِهِ فِيهِ، فَيَأْخُذُ الَّذِي قَبَضَ كَفَّهُ، فَيَجْعَلُهُ لِلْكَعْبَةِ وهو سَهْمُ اللَّهِ، ثُمَّ يُقَسِّمُ ما بَقِيَ عَلى خَمْسَةِ أسْهُمٍ، فَيَكُونُ سَهْمٌ لِلرَّسُولِ ﷺ، وسَهْمٌ لِذِي القُرْبى، وسَهْمٌ لِلْيَتامى، وسَهْمٌ لِلْمَساكِينِ، وسَهْمٌ لِابْنِ السَّبِيلِ» .
وَعَلى هَذا القَوْلِ فَنَصِيبُ اللَّهِ جَلَّ وعَلا يُجْعَلُ لِلْكَعْبَةِ، ولا يَخْفى ضَعْفُ هَذا القَوْلِ لِعَدَمِ الدَّلِيلِ عَلَيْهِ.
وَقالَ بَعْضُ مَن قالَ بِهَذا القَوْلِ: إنَّ نَصِيبَ اللَّهِ جَلَّ وعَلا يُرَدُّ عَلى ذَوِي الحاجَةِ.
والتَّحْقِيقُ أنَّ نَصِيبَ اللَّهِ جَلَّ وعَلا، ونَصِيبَ الرَّسُولِ ﷺ واحِدٌ، وذِكْرُ اسْمِهِ جَلَّ وعَلا اسْتِفْتاحُ كَلامٍ لِلتَّعْظِيمِ، ومِمَّنْ قالَ بِهَذا القَوْلِ ابْنُ عَبّاسٍ، كَما نَقَلَهُ عَنْهُ الضَّحّاكُ. وهو قَوْلُ إبْراهِيمَ النَّخَعِيِّ، والحَسَنِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الحَنَفِيَّةِ، والحَسَنِ البَصْرِيِّ، والشَّعْبِيِّ، وعَطاءِ بْنِ أبِي رَباحٍ، وعَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ، وقَتادَةَ، ومُغِيرَةَ وغَيْرِ واحِدٍ كَما نَقَلَهُ عَنْهُمُ ابْنُ كَثِيرٍ.
والدَّلِيلُ عَلى صِحَّةِ هَذا القَوْلِ ما رَواهُ البَيْهَقِيُّ بِإسْنادٍ صَحِيحٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَقِيقٍ، عَنْ رَجُلٍ، قالَ: «أتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ وهو بِوادِي القُرى، وهو يَعْرِضُ فَرَسًا، فَقُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ ما تَقُولُ في الغَنِيمَةِ ؟ فَقالَ: ”لِلَّهِ خُمُسُها، وأرْبَعَةُ أخْماسِها لِلْجَيْشِ“، قُلْتُ: فَما أحَدٌ أوْلى بِهِ مِن أحَدٍ ؟ قالَ: ”لا ولا السَّهْمُ تَسْتَخْرِجُهُ مِن جَيْبِكَ لَسْتَ أحَقَّ بِهِ مِن أخِيكَ المُسْلِمِ»“، وهَذا دَلِيلٌ واضِحٌ عَلى ما ذَكَرْنا.
وَيُؤَيِّدُهُ أيْضًا ما رَواهُ الإمامُ أحْمَدُ عَنِ المِقْدامِ بْنِ مَعْدِيكَرِبَ الكِنْدِيِّ، أنَّهُ جَلَسَ مَعَ عُبادَةَ بْنِ الصّامِتِ، وأبِي الدَّرْداءِ، والحارِثِ بْنِ مُعاوِيَةَ الكِنْدِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم، فَتَذاكَرُوا (p-٦٠)حَدِيثَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقالَ أبُو الدَّرْداءِ لِعُبادَةَ: يا عُبادَةُ: «يا عُبادَةُ كَلِماتُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في غَزْوَةِ كَذا وكَذا في شَأْنِ الأخْماسِ، فَقالَ عُبادَةُ: إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صَلّى بِهِمْ في غَزْوَةٍ إلى بَعِيرٍ مِنَ المَغْنَمِ؛ فَلَمّا سَلَّمَ قامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَتَناوَلَ وبَرَةً بَيْنَ أُنْمُلَتَيْهِ، فَقالَ: ”إنَّ هَذِي مِن غَنائِمِكم، وإنَّهُ لَيْسَ لِي فِيها إلّا نَصِيبِي مَعَكُمُ الخُمُسُ، والخُمُسُ مَرْدُودٌ عَلَيْكم، فَأدُّوا الخَيْطَ والمَخِيطَ وأكْبَرَ مِن ذَلِكَ وأصْغَرَ، ولا تَغُلُّوا فَإنَّ الغُلُولَ عارٌ ونارٌ عَلى أصْحابِهِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، وجاهِدُوا النّاسَ في اللَّهِ القَرِيبَ والبَعِيدَ، ولا تُبالُوا في اللَّهِ لَوْمَةَ لائِمٍ، وأقِيمُوا حُدُودَ اللَّهِ في السَّفَرِ والحَضَرِ، وجاهِدُوا في اللَّهِ، فَإنَّ الجِهادَ بابٌ مِن أبْوابِ الجَنَّةِ عَظِيمٌ يُنْجِي اللَّهُ بِهِ مِنَ الهَمِّ والغَمِّ»“ .
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ بَعْدَ أنْ ساقَ حَدِيثَ أحْمَدَ هَذا عَنْ عُبادَةَ بْنِ الصّامِتِ: هَذا حَدِيثٌ حَسَنٌ عَظِيمٌ، ولَمْ أرَهُ في شَيْءٍ مِنَ الكُتُبِ السِّتَّةِ مِن هَذا الوَجْهِ، ولَكِنْ رَوى الإمامُ أحْمَدُ أيْضًا، وأبُو داوُدَ، والنَّسائِيُّ مِن حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ نَحْوَهُ في قِصَّةِ الخُمُسِ، والنَّهْيِ عَنِ الغُلُولِ.
وَعَنْ عَمْرِو بْنِ عَبَسَةَ: «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صَلّى بِهِمْ إلى بَعِيرٍ مِنَ المَغْنَمِ، فَلَمّا سَلَّمَ أخَذَ وبَرَةً مِن هَذا البَعِيرِ، ثُمَّ قالَ: ”وَلا يَحِلُّ لِي مِن غَنائِمِكم مِثْلُ هَذِهِ إلّا الخُمُسُ، والخُمُسُ مَرْدُودٌ عَلَيْكم»“ رَواهُ أبُو داوُدَ، والنَّسائِيُّ.
فَإذا عَرَفْتَ أنَّ التَّحْقِيقَ أنَّ الخُمُسَ في حَياةِ النَّبِيِّ ﷺ، يُقَسَّمُ خَمْسَةَ أسْهُمٍ؛ لِأنَّ اسْمَ اللَّهِ ذُكِرَ لِلتَّعْظِيمِ وافْتِتاحِ الكَلامِ بِهِ، مَعَ أنَّ كُلَّ شَيْءٍ مَمْلُوكٌ لَهُ جَلَّ وعَلا، فاعْلَمْ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ يَصْرِفُ نَصِيبَهُ، الَّذِي هو خُمُسُ الخُمُسِ، في مَصالِحِ المُسْلِمِينَ. بِدَلِيلِ قَوْلِهِ في الأحادِيثِ الَّتِي ذَكَرْناها آنِفًا: «والخُمُسُ مَرْدُودٌ عَلَيْكم»، وهو الحَقُّ.
وَيَدُلُّ لَهُ ما ثَبَتَ في الصَّحِيحِ: مِن أنَّهُ كانَ يَأْخُذُ قُوتَ سَنَتِهِ مِن فَيْءِ بَنِيَ النَّضِيرِ، كَما سَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى.
وَأمّا بَعْدَ وفاتِهِ، وانْتِقالِهِ إلى الرَّفِيقِ الأعْلى صَلَواتُ اللَّهِ وسَلامُهُ عَلَيْهِ؛ فَإنَّ بَعْضَ العُلَماءِ يَقُولُ بِسُقُوطِ نَصِيبِهِ بِوَفاتِهِ.
وَمِمَّنْ قالَ بِذَلِكَ: أبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ، واخْتارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ.
وَزادَ أبُو حَنِيفَةَ سُقُوطَ سَهْمِ ذَوِي القُرْبى أيْضًا بِوَفاتِهِ ﷺ .
والصَّحِيحُ أنَّ نَصِيبَهُ ﷺ باقٍ، وأنَّ إمامَ المُسْلِمِينَ يَصْرِفُهُ فِيما كانَ يَصْرِفُهُ فِيهِ (p-٦١)رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِن مَصالِحِ المُسْلِمِينَ.
وَقالَ بَعْضُ العُلَماءِ يَكُونُ نَصِيبُهُ ﷺ لِمَن يَلِي الأمْرَ بَعْدَهُ، ورُوِيَ عَنْ أبِي بَكْرٍ، وعَلِيٍّ، وقَتادَةَ، وجَماعَةٍ، قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وجاءَ فِيهِ حَدِيثٌ مَرْفُوعٌ.
قالَ مُقَيِّدُهُ عَفا اللَّهُ عَنْهُ: والظّاهِرُ أنَّ هَذا القَوْلَ راجِعٌ في المَعْنى إلى ما ذَكَرْنا أنَّهُ الصَّحِيحُ، وأنَّ مَعْنى كَوْنِهِ لِمَن يَلِي الأمْرَ بَعْدَهُ، أنَّهُ يَصْرِفُهُ فِيما كانَ يَصْرِفُهُ فِيهِ ﷺ، والنَّبِيُّ قالَ: «الخُمُسُ مَرْدُودٌ عَلَيْكم» وهو واضِحٌ كَما تَرى.
وَلا يَخْفى أنَّ كُلَّ الأقْوالِ في نَصِيبِ النَّبِيِّ ﷺ بَعْدَ وفاتِهِ راجِعَةٌ إلى شَيْءٍ واحِدٍ؛ وهو صَرْفُهُ في مَصالِحِ المُسْلِمِينَ.
وَقَدْ كانَ الخُلَفاءُ الرّاشِدُونَ المَهْدِيُّونَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم - يَصْرِفُونَهُ فِيما كانَ يَصْرِفُهُ فِيهِ ﷺ .
وَكانَ أبُو بَكْرٍ، وعُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما يَصْرِفانِهِ في الكُراعِ والسِّلاحِ.
وَجُمْهُورُ العُلَماءِ عَلى أنَّ نَصِيبَ ذَوِي القُرْبى باقٍ، ولَمْ يَسْقُطْ بِمَوْتِهِ ﷺ .
واخْتَلَفَ العُلَماءُ فِيهِ مِن ثَلاثِ جِهاتٍ:
الأُولى: هَلْ يَسْقُطُ بِوَفاتِهِ أوْ لا ؟
وَقَدْ ذَكَرْنا أنَّ الصَّحِيحَ عَدَمُ السُّقُوطِ، خِلافًا لِأبِي حَنِيفَةَ.
الثّانِيَةُ: في المُرادِ بِذِي القُرْبى.
الثّالِثَةُ: هَلْ يُفَضَّلُ ذَكَرُهم عَلى أُنْثاهم أوْ لا ؟
أمّا ذَوُو القُرْبى: فَهم بَنُو هاشِمٍ، وبَنُو المُطَّلِبِ؛ عَلى أظْهَرِ الأقْوالِ دَلِيلًا، وإلَيْهِ ذَهَبُ الشّافِعِيُّ، وأحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، وأبُو ثَوْرٍ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، وابْنُ جُرَيْجٍ، ومُسْلِمُ بْنُ خالِدٍ.
قالَ البُخارِيُّ في صَحِيحِهِ، في كِتابِ ”فَرْضِ الخُمُسِ“ .
حَدَّثَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابْنِ شِهابٍ، عَنِ ابْنِ المُسَيَّبِ، عَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ، قالَ: «مَشَيْتُ أنا وعُثْمانُ بْنُ عَفّانَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقُلْنا: يا رَسُولَ اللَّهِ أعْطَيْتَ بَنِي المُطَّلِبِ وتَرَكْتَنا، ونَحْنُ وهَمَ مِنكَ بِمَنزِلَةٍ واحِدَةٍ، فَقالَ (p-٦٢)رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ”إنَّما بَنُو المُطَّلِبِ، وبَنُو هاشِمٍ شَيْءٌ واحِدٌ»“ .
قالَ اللَّيْثَ: حَدَّثَنِي يُونُسُ وزادَ قالَ جُبَيْرٌ: ولَمْ يُقَسِّمِ النَّبِيُّ ﷺ لِبَنِي عَبْدِ شَمْسٍ، ولا لِبَنِي نَوْفَلٍ. اهـ.
وَقالَ البُخارِيُّ أيْضًا في المَغازِي: حَدَّثَنا يَحْيى بْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنا اللَّيْثُ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ ابْنِ شِهابٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ، أنَّ جُبَيْرَ بْنَ مُطْعِمٍ أخْبَرَهُ، قالَ: «مَشَيْتُ أنا وعُثْمانُ بْنُ عَفّانَ إلى النَّبِيِّ ﷺ، فَقُلْنا: أعْطَيْتَ بَنِي المُطَّلِبِ مِن خُمُسِ خَيْبَرَ، وتَرَكْتَنا، ونَحْنُ بِمَنزِلَةٍ واحِدَةٍ مِنكَ، فَقالَ: ”إنَّما بَنُو هاشِمٍ، وبَنُو المُطَّلِبِ شَيْءٌ واحِدٌ“، قالَ جُبَيْرٌ: لَمْ يُقَسِّمِ النَّبِيُّ ﷺ لِبَنِي عَبْدِ شَمْسٍ، وبَنِي نَوْفَلٍ شَيْئًا» اهـ.
وَإيضاحُ كَوْنِهِمْ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ بِمَنزِلَةٍ واحِدَةٍ: أنَّ جُبَيْرَ بْنَ مُطْعِمِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ نَوْفَلِ بْنِ عَبْدِ مَنافٍ، وعُثْمانَ بْنَ عَفّانَ بْنِ أبِي العاصِ بْنِ عَبْدِ شَمْسِ بْنِ عَبْدِ مَنافٍ.
فَأوْلادُ عَبْدِ مَنافِ بْنِ قُصَيٍّ أرْبَعَةٌ:
هاشِمٌ، والمُطَّلِبُ، وعَبْدُ شَمْسٍ.
وَهم: أشِقّاءُ أُمِّهِمْ: عاتِكَةَ، بِنْتِ مُرَّةَ بْنِ هِلالٍ السُّلَمِيَّةَ، إحْدى عَواتِكِ سُلَيْمٍ؛ اللّاتِي هُنَّ جَدّاتُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وهُنَّ ثَلاثٌ:
هَذِهِ الَّتِي ذَكَرْنا.
والثّانِيَةُ: عَمَّتُها؛ وهي: عاتِكَةُ بِنْتُ هِلالٍ الَّتِي هي أُمُّ عَبْدِ مَنافٍ.
والثّالِثَةُ: بِنْتُ أخِي الأُولى؛ وهي عاتِكَةُ بِنْتُ الأوْقَصِ بْنِ مُرَّةَ بْنِ هِلالٍ، وهي أُمُّ وهْبٍ، والِدِ آمِنَةَ، أُمِّ النَّبِيِّ ﷺ .
وَرابِعُ أوْلادِ عَبْدِ مَنافٍ: نَوْفَلُ بْنُ عَبْدِ مَنافٍ، وأُمُّهُ: واقِدَةُ بِنْتُ أبِي عَدِيٍّ، واسْمُهُ نَوْفَلُ بْنُ عُبادَةَ بْنِ مازِنِ بْنِ صَعْصَعَةَ.
قالَ الشَّيْخُ أحْمَدُ البَدَوِيُّ الشِّنْقِيطِيُّ في نَظْمِهِ عَمُودِ النَّسَبِ: [ الرَّجَزُ ]
؎عَبْدُ مَنافٍ قَمَرُ البَطْحاءِ ∗∗∗ أرْبَعَةٌ بَنُوهُ هَؤُلاءِ ∗∗∗ مُطَّلِبٌ، وهاشِمٌ، ونَوْفَلُ ∗∗∗ وَعَبْدُ شَمْسٍ، هاشِمٌ لا يُجْهَلُ
وَقالَ في بَيانِ عَواتِكِ سُلَيْمٍ اللّاتِي هُنَّ جَدّاتٌ لَهُ ﷺ: [ الرَّجَزُ ]
؎عَواتِكُ النَّبِيِّ: أُمُّ وهْبِ ∗∗∗ وَأُمُّ هاشِمٍ، وأُمُّ النَّدْبِ ∗∗∗ عَبْدِ مَنافٍ، وذِهِ الأخِيرِهْ ∗∗∗ عَمَّةُ عَمَّةِ الأُولى الصَّغِيرَهْ(p-٦٣)
؎وَهُنَّ بِالتَّرْتِيبِ ذا لِذِي الرِّجالِ ∗∗∗ الأوْقَصِ بْنِ مُرَّةَ بْنِ هِلالِ
فَبِهَذا الَّذِي بَيَّنّا يَتَّضِحُ أنَّ الصَّحِيحَ أنَّ المُرادَ بِذِي القُرْبى في الآيَةِ: بَنُو هاشِمٍ، وبَنُو المُطَّلِبِ دُونَ بَنِي عَبْدِ شَمْسٍ، وبَنِي نَوْفَلٍ.
وَوَجْهُهُ أنَّ بَنِي عَبْدِ شَمْسٍ، وبَنِي نَوْفَلٍ عادَوُا الهاشِمِيِّينَ، وظاهَرُوا عَلَيْهِمْ قُرَيْشًا، فَصارُوا كالأباعِدِ مِنهم؛ لِلْعَداوَةِ، وعَدَمِ النُّصْرَةِ.
وَلِذا قالَ فِيهِمْ أبُو طالِبٍ؛ في لامِيَّتِهِ المَشْهُورَةِ: [ الطَّوِيلُ ]
؎جَزى اللَّهُ عَنّا عَبَدَ شَمْسٍ، ونَوْفَلًا ∗∗∗ عُقُوبَةَ شَرٍّ، عاجِلٍ، غَيْرِ آجِلِ ∗∗∗ بِمِيزانِ قِسْطٍ لا يَخِيسُ شَعِيرَةً ∗∗∗ لَهُ شاهِدٌ مِن نَفْسِهِ، غَيْرُ عائِلِ ∗∗∗ لَقَدْ سَفِهَتْ أحْلامُ قَوْمٍ تَبَدَّلُوا ∗∗∗ بَنِي خَلَفٍ قَيْضًا بِنا، والغَياطِلِ ∗∗∗ وَنَحْنُ الصَّمِيمُ مِن ذُؤابَةِ هاشِمٍ ∗∗∗ وَآلِ قُصَيٍّ في الخُطُوبِ الأوائِلِ
بِهَذا الحَدِيثِ الصَّحِيحِ الَّذِي ذَكَرْنا: يَتَّضِحُ عَدَمُ صِحَّةِ قَوْلِ مَن قالَ: بِأنَّهم بَنُو هاشِمٍ فَقَطْ، وقَوْلِ مَن قالَ: إنَّهم قُرَيْشٌ كُلُّهم.
وَمِمَّنْ قالَ بِأنَّهم بَنُو هاشِمٍ فَقَطْ: عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ، وزَيْدُ بْنُ أرْقَمَ، ومالِكٌ، والثَّوْرِيُّ، ومُجاهِدٌ، وعَلِيُّ بْنُ الحُسَيْنِ، والأوْزاعِيُّ، وغَيْرُهم.
وَقَدْ أخْرَجَ الشّافِعِيُّ، وعَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، ومُسْلِمٌ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ: عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّ نَجْدَةَ الحَرُورِيَّ كَتَبَ إلَيْهِ: يَسْألُهُ عَنْ ذَوِي القُرْبى الَّذِينَ ذَكَرَ اللَّهُ، فَكَتَبَ إلَيْهِ: إنّا كُنّا نَرى أنّا هم، فَأبى ذَلِكَ عَلَيْنا قَوْمُنا، وقالُوا: قُرَيْشٌ كُلُّها ذَوُو قُرْبى.
وَزِيادَةُ قَوْلِهِ: وقالُوا: ”قُرَيْشٌ كُلُّها“ تَفَرَّدَ بِها أبُو مَعْشَرٍ، وفِيهِ ضَعْفٌ.
وَما قَدَّمْنا مِن قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ، وفِعْلِهِ الثّابِتِ في الصَّحِيحِ: يُعَيِّنُ أنَّهم بَنُو هاشِمٍ، والمُطَّلِبِ، وهو قَوْلُ الشّافِعِيِّ وأحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، وكَثِيرٍ مِن أهْلِ العِلْمِ.
فَإذا عَرَفْتَ أنَّهُ ﷺ قَضى بِخُمُسِ الخُمُسِ مِن غَنائِمِ خَيْبَرَ لِبَنِي هاشِمٍ والمُطَّلِبِ، وأنَّهم هم ذَوُو القُرْبى المَذْكُورُونَ في الآيَةِ.
فاعْلَمْ أنَّ العُلَماءَ اخْتَلَفُوا: هَلْ يُفَضَّلُ ذَكَرُهم عَلى أُنْثاهم، أوْ يُقَسَّمُ عَلَيْهِمْ بِالسَّوِيَّةِ ؟
فَذَهَبَ بَعْضُ العُلَماءِ إلى أنَّهُ كالمِيراثِ، لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ؛ وهَذا هو مَذْهَبُ (p-٦٤)أحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ في أصَحِّ الرِّوايَتَيْنِ.
قالَ صاحِبُ ”الإنْصافِ“: هَذا المَذْهَبُ جَزَمَ بِهِ الخِرَقِيُّ، وصاحِبُ ”الهِدايَةِ“، و ”المُذْهَبِ“، و ”مَسْبُوكِ الذَّهَبِ“، و ”العُمْدَةِ“، و ”الوَجِيزِ“، وغَيْرِهِمْ؛ وقَدَّمَهُ في ”الرِّعايَتَيْنِ“، و ”الحاوِيَيْنِ“، وغَيْرِهِمْ، وصَحَّحَهُ في ”البُلْغَةِ“، و ”النَّظْمِ“، وغَيْرِهِما.
وَعَنْهُ: الذَّكَرُ والأُنْثى؛ سَواءٌ. قَدَّمَهُ ابْنُ رُزَيْنٍ في شَرْحِهِ؛ وأطْلَقَهُما في ”المُغْنِي“، و ”الشَّرْحِ“، و ”المُحَرَّرِ“، و ”الفُرُوعِ“، اهـ مِن ”الإنْصافِ“ .
وَتَفْضِيلُ ذَكَرِهِمْ عَلى أُنْثاهُمُ الَّذِي هو مَذْهَبُ الإمامِ أحْمَدَ: هو مَذْهَبُ الشّافِعِيِّ أيْضًا.
وَحُجَّةُ مَن قالَ بِهَذا القَوْلِ: أنَّهُ سَهْمٌ اسْتُحِقَّ بِقَرابَةِ الأبِ شَرْعًا؛ بِدَلِيلِ أنَّ أوْلادَ عَمّاتِهِ ﷺ، كالزُّبَيْرِ بْنِ العَوّامِ، وعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبِي أُمَيَّةَ؛ لَمْ يَقْسِمْ لَهم في خُمُسِ الخُمُسِ، وكَوْنُهُ مُسْتَحِقًّا بِقَرابَةِ الأبِ خاصَّةً يَجْعَلُهُ كالمِيراثِ؛ فَيُفَضَّلُ فِيهِ الذَّكَرُ عَلى الأُنْثى.
وَقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: ذَكَرُهم وأُنْثاهم سَواءٌ.
وَمِمَّنْ قالَ بِهِ المُزَنِيُّ: وأبُو ثَوْرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ.
قالَ مُقَيِّدُهُ عَفا اللَّهُ عَنْهُ: وهَذا القَوْلُ أظْهَرُ عِنْدِي؛ لِأنَّ تَفْضِيلَ الذَّكَرِ عَلى الأُنْثى يَحْتاجُ إلى دَلِيلٍ، ولَمْ يَقُمْ عَلَيْهِ في هَذِهِ المَسْألَةِ دَلِيلٌ، ولَمْ يَنْقُلْ أحَدٌ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، أنَّهُ فَضَّلَ ذَكَرَهم عَلى أُنْثاهم في خُمُسِ الخُمُسِ.
والدَّلِيلُ عَلى أنَّهُ لَيْسَ كالمِيراثِ: أنَّ الِابْنَ مِنهم يَأْخُذُ نَصِيبَهُ مَعَ وُجُودِ أبِيهِ، وجَدِّهِ اهـ.
وَصَغِيرُهم، وكَبِيرُهم سَواءٌ؛ وجُمْهُورُ العُلَماءِ القائِلِينَ بِنَصِيبِ القَرابَةِ عَلى أنَّهُ يُقَسَّمُ عَلى جَمِيعِهِمْ؛ ولَمْ يُتْرَكْ مِنهم أحَدٌ خِلافًا لِقَوْمٍ.
والظّاهِرُ شُمُولُ غَنِيِّهِمْ، خِلافًا لِمَن خَصَّصَ بِهِ فُقَراءَهم؛ لِأنَّهُ ﷺ لَمْ يُخَصِّصْ بِهِ فُقَراءَهم، بِخِلافِ نَصِيبِ اليَتامى، والمَساكِينِ، وابْنِ السَّبِيلِ.
فالظّاهِرُ أنَّهُ يُخَصَّصُ بِهِ فُقَراؤُهم، ولا شَيْءَ لِأغْنِيائِهِمْ، فَقَدْ بانَ لَكَ مِمّا تَقَدَّمَ أنَّ مَذْهَبَ الشّافِعِيِّ، وأحْمَدَ رَحِمَهُما اللَّهُ في هَذِهِ المَسْألَةِ: أنَّ سَهْمَ اللَّهِ، وسَهْمَ رَسُولِهِ ﷺ واحِدٌ؛ وأنَّهُ بَعْدَ وفاتِهِ يُصْرَفُ في مَصالِحِ المُسْلِمِينَ؛ وأنَّ سَهْمَ القَرابَةِ لِبَنِي (p-٦٥)هاشِمٍ، وبَنِي المُطَّلِبِ؛ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ، وأنَّهُ لِجَمِيعِهِمْ: غَنِيِّهِمْ وفَقِيرِهِمْ، قاتَلُوا أمْ لَمْ يُقاتِلُوا، وأنَّ لِلذَّكَرِ مِنهم مِثْلَ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ، وأنَّ الأنْصِباءَ الثَّلاثَةَ الباقِيَةَ لِخُصُوصِ الفُقَراءِ مِنَ اليَتامى، والمَساكِينِ، وابْنِ السَّبِيلِ.
وَمَذْهَبُ أبِي حَنِيفَةَ: سُقُوطُ سَهْمِ الرَّسُولِ ﷺ، وسَهْمِ قَرابَتِهِ بِمَوْتِهِ، وأنَّ الخُمُسَ يُقَسَّمُ عَلى الثَّلاثَةِ الباقِيَةِ: الَّتِي هي اليَتامى، والمَساكِينُ، وابْنُ السَّبِيلِ.
Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии