Аш-Шинкити · Тафсир · на арабском
Аль-Анфаль 8:41, продолжение
قالَ: ويَبْدَأُ مِنَ الخُمُسِ بِإصْلاحِ القَناطِرِ، وبِناءِ المَساجِدِ، وأرْزاقِ القُضاةِ، والجُنْدِ، ورُوِيَ نَحْوُ هَذا عَنِ الشّافِعِيِّ أيْضًا.
وَمَذْهَبُ الإمامِ مالِكٍ رَحِمَهُ اللَّهُ أنَّ أمْرَ خُمُسِ الغَنِيمَةِ مَوْكُولٌ إلى نَظَرِ الإمامِ واجْتِهادِهِ؛ فِيما يَراهُ مَصْلَحَةً، فَيَأْخُذُ مِنهُ مِن غَيْرِ تَقْدِيرٍ، ويُعْطِي القَرابَةَ بِاجْتِهادِهِ، ويَصْرِفُ الباقِي في مَصالِحِ المُسْلِمِينَ.
قالَ القُرْطُبِيُّ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ الَّتِي نَحْنُ بِصَدَدِها: وبِقَوْلِ مالِكٍ هَذا: قالَ الخُلَفاءُ الأرْبَعَةُ، وبِهِ عَمِلُوا، وعَلَيْهِ يَدُلُّ قَوْلُهُ ﷺ: «مالِي مِمّا أفاءَ اللَّهُ عَلَيْكم إلّا الخُمُسَ، والخُمُسُ مَرْدُودٌ عَلَيْكم»، فَإنَّهُ لَمْ يُقَسِّمْهُ أخْماسًا، ولا أثْلاثًا، وإنَّما ذَكَرَ في الآيَةِ مَن ذَكَرَ عَلى وجْهِ التَّنْبِيهِ عَلَيْهِمْ؛ لِأنَّهم مِن أهَمِّ مَن يُدْفَعُ إلَيْهِ.
قالَ الزَّجّاجُ: مُحْتَجًّا لِمالِكٍ، قالَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿يَسْألُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ قُلْ ما أنْفَقْتُمْ مِن خَيْرٍ فَلِلْوالِدَيْنِ والأقْرَبِينَ واليَتامى والمَساكِينِ وابْنِ السَّبِيلِ﴾ [البقرة: ٢١٥] .
وَلِلرَّجُلِ جائِزٌ بِإجْماعِ العُلَماءِ أنَّ يُنْفِقَ في غَيْرِ هَذِهِ الأصْنافِ، إذا رَأى ذَلِكَ، وذَكَرَ النَّسائِيُّ عَنْ عَطاءٍ، قالَ: «خُمُسُ اللَّهِ، وخُمُسُ رَسُولِهِ واحِدٌ، كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَحْمِلُ مِنهُ، ويُعْطِي مِنهُ، ويَضَعُهُ حَيْثُ شاءَ» اهـ مِنَ القُرْطُبِيِّ.
وَقالَ ابْنُ كَثِيرٍ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ ما نَصُّهُ: " وقالَ آخَرُونَ: إنَّ الخُمُسَ يَتَصَرَّفُ فِيهِ الإمامُ بِالمَصْلَحَةِ لِلْمُسْلِمِينَ، كَما يَتَصَرَّفُ في مالِ الفَيْءِ.
وَقالَ شَيْخُنا العَلّامَةُ ابْنُ تَيْمِيَةَ: رَحِمَهُ اللَّهُ وهَذا قَوْلُ مالِكٍ، وأكْثَرُ السَّلَفِ، وهو أصَحُّ الأقْوالِ اهـ مِنِ ابْنِ كَثِيرٍ.
وَهَذا القَوْلُ هو رَأْيُ البُخارِيِّ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: بابُ قَوْلِ اللَّهِ تَعالى: ﴿فَأنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ ولِلرَّسُولِ﴾، يَعْنِي لِلرَّسُولِ قَسْمُ ذَلِكَ.
(p-٦٦)وَقالَ رَسُولُ اللَّهِ: «إنَّما أنا قاسِمٌ، وخازِنٌ، واللَّهُ يُعْطِي»، ثُمَّ ساقَ البُخارِيُّ أحادِيثَ البابِ، في كَوْنِهِ ﷺ قاسِمًا بِأمْرِ اللَّهِ تَعالى.
قالَ مُقَيِّدُهُ عَفا اللَّهُ عَنْهُ: وهَذا القَوْلُ قَوِيٌّ، وسَتَأْتِي لَهُ أدِلَّةٌ إنْ شاءَ اللَّهُ في المَسْألَةِ الَّتِي بَعْدَ هَذا، ولَكِنَّ أقْرَبَ الأقْوالِ لِلسَّلامَةِ هو العَمَلُ بِظاهِرِ الآيَةِ، كَما قالَ الشّافِعِيُّ، وأحْمَدُ رَحِمَهُما اللَّهُ؛ لِأنَّ اللَّهَ أمَرَنا أنْ نَعْلَمَ أنَّ خُمُسَ ما غَنِمْنا لِهَذِهِ المَصارِفِ المَذْكُورَةِ، ثُمَّ أتْبَعَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنْ كُنْتُمْ آمَنتُمْ بِاللَّهِ﴾، وهو واضِحٌ جِدًّا، كَما تَرى.
وَأمّا قَوْلُ بَعْضِ أهْلِ البَيْتِ؛ كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ، وعَلِيِّ بْنِ الحُسَيْنِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: بِأنَّ الخُمُسَ كُلَّهُ لَهم دُونَ غَيْرِهِمْ، وأنَّ المُرادَ بِاليَتامى، والمَساكِينِ: يَتاماهم، ومَساكِينُهم، وقَوْلُ مَن زَعَمَ أنَّهُ بَعْدَ النَّبِيِّ ﷺ، يَكُونُ لِقَرابَةِ الخَلِيفَةِ الَّذِي يُوَلِّيهِ المُسْلِمُونَ، فَلا يَخْفى ضَعْفُهُما، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.
* *
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: أجْمَعَ العُلَماءُ عَلى أنَّ الذَّهَبَ، والفِضَّةَ، وسائِرَ الأمْتِعَةِ؛ كُلُّ ذَلِكَ داخِلٌ في حُكْمِ الآيَةِ: يُخَمَّسُ، ويُقْسَّمُ الباقِي عَلى الغانِمِينَ، كَما ذَكَرْنا.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: أمّا أرْضُهُمُ المَأْخُوذَةُ عَنْوَةً، فَقَدِ اخْتَلَفَ العُلَماءُ فِيها، فَقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: يُخَيَّرُ الإمامُ بَيْنَ قِسْمَتِها، كَما يُفْعَلُ بِالذَّهَبِ، والفِضَّةِ، ولا خَراجَ عَلَيْها، بَلْ هي أرْضُ عُشْرٍ مَمْلُوكَةٌ لِلْغانِمِينَ، وبَيْنَ وقْفِها لِلْمُسْلِمِينَ بِصِيغَةٍ.
وَقِيلَ: بِغَيْرِ صِيغَةٍ، ويَدْخُلُ في ذَلِكَ تَرْكُها لِلْمُسْلِمِينَ بِخَراجٍ مُسْتَمِرٍّ يُؤْخَذُ مِمَّنْ تَقَرُّ بِيَدِهِ، وهَذا التَّخْيِيرُ هو مَذْهَبُ الإمامِ أحْمَدَ.
وَعَلى هَذا القَوْلِ: إذا قَسَّمَها الإمامُ، فَقِيلَ: تُخَمَّسُ، وهو أظْهَرُ، وقِيلَ: لا، واخْتارَهُ بَعْضُ أجِلّاءِ العُلَماءِ قائِلًا: إنَّ أرْضَ خَيْبَرَ لَمْ يُخَمَّسْ ما قُسِّمَ مِنها.
والظّاهِرُ أنَّ أرْضَ خَيْبَرَ خُمِّسَتْ، كَما جَزَمَ بِهِ غَيْرُ واحِدٍ، ورَواهُ أبُو داوُدَ بِإسْنادٍ صَحِيحٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ.
وَهَذا التَّخْيِيرُ بَيْنَ القَسْمِ، وإبْقائِها لِلْمُسْلِمِينَ، الَّذِي ذَكَرْنا أنَّهُ مَذْهَبُ الإمامِ أحْمَدَ - هو أيْضًا مَذْهَبُ الإمامِ أبِي حَنِيفَةَ، والثَّوْرِيِّ.
وَأمّا مالِكٌ رَحِمَهُ اللَّهُ فَذَهَبَ إلى أنَّها تَصِيرُ وقْفًا لِلْمُسْلِمِينَ، بِمُجَرَّدِ الِاسْتِيلاءِ عَلَيْها.
وَأمّا الشّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ فَذَهَبَ إلى أنَّها غَنِيمَةٌ يَجِبُ قَسْمُها عَلى المُجاهِدِينَ، بَعْدَ (p-٦٧)إخْراجِ الخُمُسِ، وسَنَذْكُرُ إنْ شاءَ اللَّهُ حُجَجَ الجَمِيعِ، وما يَظْهَرُ لَنا رُجْحانُهُ بِالدَّلِيلِ.
أمّا حُجَّةُ الإمامِ الشّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ فَهي بِكِتابٍ وسُنَّةٍ.
أمّا الكِتابُ، فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿واعْلَمُوا أنَّما غَنِمْتُمْ مِن شَيْءٍ﴾ الآيَةَ، فَهو يَقْتَضِي بِعُمُومِهِ شُمُولَ الأرْضِ المَغْنُومَةِ.
وَأمّا السُّنَّةُ: فَما ثَبَتَ أنَّهُ ﷺ، قَسَّمَ أرْضَ قُرَيْظَةَ، بَعْدَ أنْ خَمَّسَها، وبَنِي النَّضِيرِ، ونَصَّفَ أرْضَ خَيْبَرَ بَيْنَ الغانِمِينَ.
قالَ: فَلَوْ جازَ أنْ يَدَّعِيَ إخْراجَ الأرْضِ، جازَ أنْ يَدَّعِيَ إخْراجَ غَيْرِها، فَيَبْطُلُ حُكْمُ الآيَةِ.
قالَ مُقَيِّدُهُ عَفا اللَّهُ عَنْهُ، الِاسْتِدْلالُ بِالآيَةِ: ظاهِرٌ، وبِالسُّنَّةِ غَيْرُ ظاهِرٍ؛ لِأنَّهُ لا حُجَّةَ فِيهِ عَلى مَن يَقُولُ بِالتَّخْيِيرِ؛ لِأنَّهُ يَقُولُ: كانَ مُخَيَّرًا فاخْتارَ القَسْمَ، فَلَيْسَ القَسْمُ واجِبًا، وهو واضِحٌ كَما تَرى.
وَحُجَّةُ مَن قالَ بِالتَّخْيِيرِ: أنَّ النَّبِيَّ ﷺ، قَسَمَ نِصْفَ أرْضِ خَيْبَرَ، وتَرَكَ نِصْفَها، وقَسَمَ أرْضَ قُرَيْظَةَ، وتَرَكَ قَسْمَ مَكَّةَ، فَدَلَّ قَسَمُهُ تارَةً، وتَرْكُهُ القَسْمَ أُخْرى، عَلى التَّخْيِيرِ.
فَفِي ”السُّنَنِ“ و ”المُسْتَدْرَكِ“: «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ، لَمّا ظَهَرَ عَلى خَيْبَرَ قَسَمَها عَلى سِتَّةٍ وثَلاثِينَ سَهْمًا، جَمْعُ كُلِّ سَهْمٍ مِائَةُ سَهْمٍ، فَكانَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، ولِلْمُسْلِمِينَ النِّصْفُ مِن ذَلِكَ، وعَزَلَ النِّصْفَ الباقِيَ لِمَن يَنْزِلُ بِهِ مِنَ الوُفُودِ، والأُمُورِ، ونَوائِبِ النّاسِ»، هَذا لَفْظُ أبِي داوُدَ.
وَفِي لَفْظٍ: «عَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثَمانِيَةَ عَشَرَ سَهْمًا، وهو الشَّطْرُ لِنَوائِبِهِ، وما يَنْزِلُ بِهِ مِن أمْرِ المُسْلِمِينَ، فَكانَ ذَلِكَ: الوَطِيحَ، والكُتَيْبَةَ، والسُّلالِمَ، وتَوابِعَها» .
وَفِي لَفْظٍ أيْضًا: «عَزَلَ نِصْفَها لِنَوائِبِهِ، وما يَنْزِلُ بِهِ؛ الوَطِيحَةَ، والكُتَيْبَةَ، وما أُحِيزَ مَعَهُما، وعَزَلَ النِّصْفَ الآخَرَ: فَقَسَّمَهُ بَيْنَ المُسْلِمِينَ، الشَّقَّ، والنَّطاةَ، وما أُحِيزَ مَعَهُما، وكانَ سَهْمُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِيما أُحِيزَ مَعَهُما» .
وَرَدَّ المُخالِفُ هَذا الِاحْتِجاجَ، بِأنَّ النِّصْفَ المَقْسُومَ مِن خَيْبَرَ: مَأْخُوذٌ عَنْوَةً، والنِّصْفَ الَّذِي لَمْ يُقَسَّمْ مِنها: مَأْخُوذٌ صُلْحًا، وجَزَمَ بِهَذا ابْنُ حَجَرٍ في ”فَتْحِ البارِيِّ“ .
وَقالَ النَّوَوِيُّ في ”شَرْحِ مُسْلِمٍ“ في الكَلامِ عَلى قَوْلِ أنَسٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ: وأصَبْناها (p-٦٨)عَنْوَةً، ما نَصُّهُ قالَ القاضِي: قالَ المازِرِيُّ: ظاهِرُ هَذا أنَّها كُلَّها فُتِحَتْ عَنْوَةً، وقَدْ رَوى مالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهابٍ، أنَّ بَعْضَها فُتِحَ عَنْوَةً، وبَعْضُها صُلْحًا، قالَ: وقَدْ يَشْكُلُ ما رُوِيَ في سُنَنِ أبِي داوُدَ، أنَّهُ قَسَمَها نِصْفَيْنِ: نِصْفًا لِنَوائِبِهِ، وحاجَتِهِ، ونِصْفًا لِلْمُسْلِمِينَ، قالَ: وجَوابُهُ، ما قالَ بَعْضُهم: إنَّهُ كانَ حَوْلَها ضِياعٌ وقُرًى أُجْلِيَ عَنْها أهْلُها، فَكانَتْ خالِصَةً لِلنَّبِيِّ ﷺ، وما سِواها لِلْغانِمِينَ، فَكانَ قَدْرُ الَّذِي جَلَوْا عَنْهُ النِّصْفَ، فَلِهَذا قُسِمَ نِصْفَيْنِ. اهـ مِنهُ بِلَفْظِهِ.
وَقالَ أبُو داوُدَ في ”سُنَنِهِ“: حَدَّثَنا حُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ العِجْلِيُّ، ثَنا يَحْيى - يَعْنِي ابْنَ آدَمَ - ثَنا ابْنُ أبِي زائِدَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إسْحاقَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، وعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبِي بَكْرٍ، وبَعْضِ ولَدِ مُحَمَّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ، قالُوا: «بَقِيَتْ بَقِيَّةٌ مِن أهْلِ خَيْبَرَ تَحَصَّنُوا، فَسَألُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ: أنْ يَحْقِنَ دِماءَهم، ويُسَيِّرَهم، فَفَعَلَ، فَسَمِعَ بِذَلِكَ أهْلُ فَدَكَ، فَنَزَلُوا عَلى مِثْلِ ذَلِكَ، فَكانَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ خاصَّةً؛ لِأنَّها لَمْ يُوجَفْ عَلَيْها بِخَيْلٍ ولا رِكابٍ» .
حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيى بْنِ فارِسٍ، ثَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ جُوَيْرِيَةَ، عَنْ مالِكٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ: أنَّ سَعِيدَ بْنَ المُسَيَّبِ أخْبَرَهُ: «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، افْتَتَحَ بَعْضَ خَيْبَرَ عَنْوَةً» .
قالَ أبُو داوُدَ: وقُرِئَ عَلى الحارِثِ بْنِ مِسْكِينٍ، وأنا شاهِدٌ، أخْبَرَهُمُ ابْنُ وهْبٍ، قالَ: حَدَّثَنِي مالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهابٍ: أنَّ خَيْبَرَ كانَ بَعْضُها عَنْوَةً، وبَعْضُها صُلْحًا، والكُتَيْبَةُ أكْثَرُها عَنْوَةً، وفِيها صُلْحٌ؛ قُلْتُ لِمالِكٍ: وما الكُتَيْبَةُ ؟ قالَ: أرْضُ خَيْبَرَ، وهي أرْبَعُونَ ألْفَ عَذْقٍ.
قالَ مُقَيِّدُهُ عَفا اللَّهُ عَنْهُ: وهَذا الَّذِي ذَكَرْنا: يَقْدَحُ في الِاحْتِجاجِ لِتَخْيِيرِ الإمامِ في القَسْمِ، والوَقْفِيَّةُ بِقَضِيَّةِ خَيْبَرَ كَما تَرى وحُجَّةُ قَوْلِ مالِكٍ رَحِمَهُ اللَّهُ ومَن وافَقَهُ في أنَّ أرْضَ العَدُوِّ المَفْتُوحَةَ عَنْوَةً تَكُونُ وقْفًا لِلْمُسْلِمِينَ، بِمُجَرَّدِ الِاسْتِيلاءِ عَلَيْها - أُمُورٌ:
مِنها: قَوْلُهُ ﷺ الثّابِتُ في ”صَحِيحِ مُسْلِمٍ“ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: «مُنِعَتِ العِراقُ دِرْهَمَها وقَفِيزَها، ومُنِعَتِ الشّامُ مُدْيَها ودِينارَها، ومُنِعَتْ مِصْرُ إرْدَبَّها ودِينارَها، وعُدْتُمْ مِن حَيْثُ بَدَأْتُمْ، وعُدْتُمْ مِن حَيْثُ بَدَأْتُمْ، وعُدْتُمْ مِن حَيْثُ بَدَأْتُمْ، شَهِدَ عَلى ذَلِكَ، لَحْمُ أبِي هُرَيْرَةَ ودَمُهُ» .
وَوَجْهُ الِاسْتِدْلالِ عِنْدَهم بِالحَدِيثِ: أنَّ: ”مُنِعَتِ العِراقُ. . . إلَخْ“ بِمَعْنى (p-٦٩)سَتُمْنَعُ؛ وعَبَّرَ بِالماضِي إيذانًا بِتَحَقُّقِ الوُقُوعِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَنُفِخَ في الصُّورِ﴾ الآيَةَ [الكهف: ٩٩] و [يس: ٥١] و [الزمر:، ٦٨ ] [ ٥٠ \ ٢٠]، وقَوْلِهِ: ﴿أتى أمْرُ اللَّهِ﴾ الآيَةَ [النحل: ١] .
قالُوا: فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّها لا تَكُونُ لِلْغانِمِينَ؛ لِأنَّ ما مَلَكَهُ الغانِمُونَ لا يَكُونُ فِيهِ قَفِيزٌ ولا دِرْهَمٌ، ولِحَدِيثِ مُسْلِمٍ هَذا شاهِدٌ مِن حَدِيثِ جابِرٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ أيْضًا، ومِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ أيْضًا عِنْدَ البُخارِيِّ.
وَقالَ ابْنُ حَجَرٍ في ”فَتْحِ البارِيِّ“ في كِتابِ ”فَرْضِ الخُمُسِ“ ما نَصُّهُ: وذَكَرَ ابْنُ حَزْمٍ: أنَّ بَعْضَ المالِكِيَّةِ احْتَجَّ بِقَوْلِهِ في حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ: ”مُنِعَتِ العِراقُ دِرْهَمَها“ الحَدِيثَ عَلى أنَّ الأرْضَ المَغْنُومَةَ: لا تُباعُ، ولا تُقَسَّمُ، وأنَّ المُرادَ بِالمَنعِ: مَنعُ الخَراجِ، ورَدُّهُ بِأنَّ الحَدِيثَ ورَدَ في الإنْذارِ بِما يَكُونُ مِن سُوءِ العاقِبَةِ، وأنَّ المُسْلِمِينَ سَيُمْنَعُونَ حُقُوقَهم في آخِرِ الأمْرِ، وكَذَلِكَ وقَعَ.
واحْتَجُّوا أيْضًا بِما ثَبَتَ في الصَّحِيحِ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: ”لَوْلا آخِرُ المُسْلِمِينَ ما فُتِحَتْ قَرْيَةٌ إلّا قَسَمْتُها بَيْنَ أهْلِها، كَما قَسَّمَ النَّبِيُّ ﷺ خَيْبَرَ“ .
وَفِي لَفْظٍ في الصَّحِيحِ عَنْ عُمَرَ: ”أما والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَوْلا أنْ أتْرُكَ آخِرَ النّاسِ بَبّانًا لَيْسَ لَهم شَيْءٌ ما فُتِحَتْ عَلَيَّ قَرْيَةٌ إلّا قَسَمْتُها، كَما قَسَمَ النَّبِيُّ ﷺ خَيْبَرَ، ولَكِنِّي أتْرُكُها خِزانَةً لَهم يَقْتَسِمُونَها“ .
واحْتَجَّ أهْلُ هَذا القَوْلِ أيْضًا: بِأنَّ الأرْضَ المَغْنُومَةَ لَوْ كانَتْ تُقَسَّمُ، لَمْ يَبْقَ لِمَن جاءَ بَعْدَ الغانِمِينَ شَيْءٌ، واللَّهُ أثْبَتَ لِمَن جاءَ بَعْدَهم شَرِكَةً بِقَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ جاءُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنا اغْفِرْ لَنا﴾ الآيَةَ [الحشر: ١٠]، فَإنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿لِلْفُقَراءِ المُهاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا﴾ [الحشر: ٨]، وقَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدّارَ والإيمانَ﴾ [الحشر: ٩]، وقَوْلُ مَن قالَ: إنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ جاءُوا مِن بَعْدِهِمْ﴾، مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ: يَقُولُونَ، غَيْرُ صَحِيحٍ؛ لِأنَّهُ يَقْتَضِي أنَّهُ تَعالى أخْبَرَ بِأنَّ كُلَّ مَن يَأْتِي بَعْدَهم يَقُولُ: ﴿رَبَّنا اغْفِرْ لَنا ولِإخْوانِنا﴾ الآيَةَ.
والواقِعُ خِلافُهُ؛ لِأنَّ كَثِيرًا مِمَّنْ جاءَ بَعْدَهم يَسُبُّونَ الصَّحابَةَ ويَلْعَنُونَهم، والحَقُّ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿والَّذِينَ جاءُوا﴾، مَعْطُوفٌ عَلى ما قَبْلَهُ، وجُمْلَةَ يَقُولُونَ، حالٌ كَما تَقَدَّمَ في ”آلِ عِمْرانَ“، وهي قَيْدٌ لِعامِلِها وصْفٌ لِصاحِبِها.
(p-٧٠)قالَ مُقَيِّدُهُ عَفا اللَّهُ عَنْهُ: هَذِهِ الأدِلَّةُ الَّتِي اسْتَدَلَّ بِها المالِكِيَّةُ، لا تَنْهَضُ فِيما يَظْهَرُ؛ لِأنَّ الأحادِيثَ المَذْكُورَةَ لا يَتَعَيَّنُ وجْهُ الدَّلالَةِ فِيها؛ لِأنَّهُ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الإمامُ مُخَيَّرًا، فاخْتارَ إبْقاءَها لِلْمُسْلِمِينَ، ولَمْ يَكُنْ واجِبًا في أوَّلِ الأمْرِ، كَما قَدَّمْنا.
والِاسْتِدْلالُ بِآيَةِ الحَشْرِ المَذْكُورَةِ واضِحُ السُّقُوطِ؛ لِأنَّها في الفَيْءِ، والكَلامُ في الغَنِيمَةِ، والفَرْقُ بَيْنَهُما مَعْلُومٌ كَما قَدَّمْنا.
قالَ مُقَيِّدُهُ عَفا اللَّهُ عَنْهُ: أظْهَرُ الأقْوالِ دَلِيلًا أنَّ الإمامَ مُخَيَّرٌ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ كَلامُ عُمَرَ في الأثَرِ المارِّ آنِفًا، وبِهِ تَنْتَظِمُ الأدِلَّةُ، ولَمْ يَكُنْ بَيْنَها تَعارُضٌ، والجَمْعُ واجِبٌ مَتى ما أمْكَنَ.
وَغايَةُ ما في البابِ: أنْ تَكُونَ السُّنَّةُ دَلَّتْ عَلى تَخْصِيصٍ واقِعٍ في عُمُومِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واعْلَمُوا أنَّما غَنِمْتُمْ مِن شَيْءٍ﴾ الآيَةَ.
وَتَخْصِيصُ الكِتابِ بِالسُّنَّةِ كَثِيرٌ.
قالَ القُرْطُبِيُّ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ الَّتِي نَحْنُ بِصَدَدِها، بَعْدَ أنْ ذَكَرَ القَوْلَ بِالتَّخْيِيرِ، ما نَصُّهُ: " قالَ شَيْخُنا أبُو العَبّاسِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: وكَأنَّ هَذا جَمْعٌ بَيْنَ الدَّلِيلَيْنِ، ووَسَطٌ بَيْنَ المَذْهَبَيْنِ، وهو الَّذِي فَهِمَهُ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَطْعًا.
وَلِذَلِكَ قالَ: ”لَوْلا آخِرُ النّاسِ“، فَلَمْ يُخْبِرْ بِنَسْخِ فِعْلِ النَّبِيِّ ﷺ؛ ولا بِتَخْصِيصِهِ بِهِمْ.
فَإنْ قِيلَ: لا تَعارُضَ بَيْنَ الأدِلَّةِ عَلى مَذْهَبِ الشّافِعِيِّ؛ لِأنَّ ما وقَعَ فِيهِ القَسْمُ مِن خَيْبَرَ مَأْخُوذٌ عَنْوَةً، وما لَمْ يُقَسَّمْ مِنها مَأْخُوذٌ صُلْحًا، والنَّضِيرُ فَيْءٌ، وقُرَيْظَةُ قُسِّمَتْ.
وَلَوْ قالَ قائِلٌ: إنَّها فَيْءٌ أيْضًا؛ لِنُزُولِهِمْ عَلى حُكْمِ النَّبِيِّ ﷺ، قَبْلَ أنْ يُحَكِّمَ فِيهِمْ سَعْدًا، لَكانَ غَيْرَ بَعِيدٍ، ولَكِنْ يَرُدُّهُ: أنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَمَّسَها، كَما قالَهُ مالِكٌ، وغَيْرُهُ.
وَمَكَّةُ مَأْخُوذَةٌ صُلْحًا؛ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ ﷺ: «مَن دَخَلَ دارَ أبِي سُفْيانَ فَهو آمِنٌ، ومَن ألْقى السِّلاحَ فَهو آمِنٌ، ومَن أغْلَقَ بابَهُ فَهو آمِنٌ» .
هَذا ثابِتٌ في صَحِيحِ مُسْلِمٍ.
فالجَوابُ: أنَّ التَّحْقِيقَ أنَّ مَكَّةَ فُتِحَتْ عَنْوَةً، ولِذَلِكَ أدِلَّةٌ واضِحَةٌ.
مِنها: أنَّهُ لَمْ يَنْقُلْ أحَدٌ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ صالَحَ أهْلَها زَمَنَ الفَتْحِ، ولا جاءَهُ أحَدٌ مِنهم فَصالَحَهُ عَلى البَلَدِ، وإنَّما جاءَهُ أبُو سُفْيانَ فَأعْطاهُ الأمانَ لِمَن دَخَلَ دارَهُ، أوْ أغْلَقَ بابَهُ، (p-٧١)أوْ دَخَلَ المَسْجِدَ، أوْ ألْقى سِلاحَهُ.
وَلَوْ كانَتْ قَدْ فُتِحَتْ صُلْحًا لَمْ يَقُلْ: «مَن دَخَلَ دارَهُ، أوْ أغْلَقَ بابَهُ، أوْ دَخَلَ المَسْجِدَ - فَهو آمِنٌ»، فَإنَّ الصُّلْحَ يَقْتَضِي الأمانَ العامَّ.
وَمِنها: أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «إنَّ اللَّهَ حَبَسَ عَنْ مَكَّةَ الفِيلَ، وسَلَّطَ عَلَيْها رَسُولَهُ والمُؤْمِنِينَ، وإنَّهُ أذِنَ لِي فِيها ساعَةً مِن نَهارٍ» .
وَفِي لَفْظِ: «إنَّها لَمْ تَحِلَّ لِأحَدٍ قَبْلِي، ولا تَحِلُّ لِأحَدٍ بَعْدِي، وإنَّما أُحِلَّتْ لِي ساعَةً مِن نَهارٍ» .
وَفِي لَفْظٍ: «فَإنْ أحَدٌ تَرَخَّصَ بِقِتالِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقُولُوا: إنَّ اللَّهَ أذِنَ لِرَسُولِهِ، ولَمْ يَأْذَنْ لَكم، وإنَّما أذِنَ لِي ساعَةً مِن نَهارٍ، وقَدْ عادَتْ حُرْمَتُها اليَوْمَ كَحُرْمَتِها بِالأمْسِ»، وهَذا صَرِيحٌ في أنَّها فُتِحْتَ عَنْوَةً.
وَمِنها: أنَّهُ ثَبَتَ في الصَّحِيحِ، «أنَّهُ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ جَعَلَ خالِدَ بْنَ الوَلِيدِ عَلى المُجَنِّبَةِ اليُمْنى، وجَعَلَ الزُّبَيْرَ عَلى المُجَنِّبَةِ اليُسْرى، وجَعَلَ أبا عُبَيْدَةَ عَلى الحُسَّرِ، فَأخَذُوا بَطْنَ الوادِي، ثُمَّ قالَ: ”يا أبا هُرَيْرَةَ اهْتِفْ لِي بِالأنْصارِ“، فَجاءُوا يُهَرْوِلُونَ، فَقالَ: ”يا مَعْشَرَ الأنْصارِ، هَلْ تَرَوْنَ إلى أوْباشِ قُرَيْشٍ ؟“ قالُوا: نَعَمْ، قالَ: ”انْظُرُوا إذا لَقِيتُوهم غَدًا أنْ تَحْصِدُوهم حَصْدًا“، وأخْفى بِيَدِهِ، ووَضَعَ يَمِينَهُ عَلى شِمالِهِ، وقالَ: ”مَوْعِدُكُمُ الصَّفا“، وجاءَتِ الأنْصارُ، فَأطافُوا بِالصَّفا، قالَ: فَما أشْرَفَ يَوْمَئِذٍ لَهم أحَدٌ إلّا أنامُوهُ، وصَعِدَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الصَّفا، وجاءَتِ الأنْصارُ، فَأطافُوا بِالصَّفا، فَجاءَ أبُو سُفْيانَ، فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ أُبِيدَتْ خَضْراءُ قُرَيْشٍ، لا قُرَيْشَ بَعْدَ اليَوْمِ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " مَن دَخَلَ دارَ أبِي سُفْيانَ فَهو آمِنٌ، ومَن ألْقى السِّلاحَ فَهو آمِنٌ، ومَن أغْلَقَ بابَهُ فَهو آمِنٌ» .
أخْرَجَهُ مُسْلِمٌ في ”صَحِيحِهِ“ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ.
وَذَكَرَ أهْلُ المَغازِي تَفْصِيلَ ما أُجْمِلَ في حَدِيثِ مُسْلِمٍ هَذا، فَبَيَّنُوا أنَّهُ قُتِلَ مِنَ الكُفّارِ اثْنا عَشَرَ، وقِيلَ: قُتِلَ مِن قُرَيْشٍ أرْبَعَةٌ وعِشْرُونَ، ومِن هُذَيْلٍ أرْبَعَةٌ، وقُتِلَ يَوْمَئِذٍ مِنَ المُسْلِمِينَ ثَلاثَةٌ، وهم سَلَمَةُ بْنُ المُيَلاءِ الجُهَنِيُّ، وكُرْزُ بْنُ جابِرٍ المُحارِبِيُّ نِسْبَةً إلى مُحارِبِ بْنِ فِهْرٍ، وخُنَيْسُ بْنُ خالِدٍ الخُزاعِيُّ، أخُو أُمِّ مَعْبَدٍ، وقالَ كُرْزٌ قَبْلَ أنْ يُقْتَلَ في دِفاعِهِ عَنْ خُنَيْسٍ: [ الرَّجَزُ ](p-٧٢)
؎قَدْ عَلِمَتْ بَيْضاءُ مِن بَنِي فِهْرِ ∗∗∗ نَقِيَّةُ اللَّوْنِ نَقِيَّةُ الصَّدْرِ ∗∗∗ لَأضْرِبَنَّ اليَوْمَ عَنْ أبِي صَخْرِ
وَفِيهِ نَقْلُ الحَرَكَةِ في الوَقْفِ، ورَجَزُ حَماسِ بْنِ قَيْسٍ المَشْهُورِ يَدُلُّ عَلى القِتالِ يَوْمَ الفَتْحِ، وذَكَرَهُ الشِّنْقِيطِيُّ في مَغازِيهِ بِقَوْلِهِ: [ الرَّجَزُ ]
؎وَزَعَمَ ابْنُ قَيْسٍ أنْ سَيَحْفِدا ∗∗∗ نِساءَهم خِلْتَهُ وأنْشَدا ∗∗∗ إنْ يُقْبِلُوا اليَوْمَ فَمالِيَ عِلَّهْ ∗∗∗ هَذا سِلاحٌ كامِلٌ وألَّهْ ∗∗∗ وَذُو غِرارَيْنِ سَرِيعُ السَّلَّهْ ∗∗∗ وَشَهِدَ المَأْزَقَ فِيهِ حُطَما ∗∗∗ مُرَبَّبٌ مِن قَوْمِهِ فانْهَزَما ∗∗∗ وَجاءَ فاسْتَغْلَقَ بابَها البَتُولْ ∗∗∗ فاسْتَفْهَمَتْهُ أيْنَما كُنْتَ تَقُولْ ∗∗∗ فَقالَ والفَزَعُ زَعْفَرَ دَمَهْ ∗∗∗ إنَّكَ لَوْ شَهِدْتَ يَوْمَ الخَنْدَمَهْ ∗∗∗ إذْ فَرَّ صَفْوانُ وفَرَّ عِكْرِمَهْ ∗∗∗ وَبُو يَزِيدَ قائِمٌ كالمُؤْتَمَهْ ∗∗∗ واسْتَقْبَلَتْنا بِالسُّيُوفِ المُسْلِمَهْ ∗∗∗ لَهم نَهِيتٌ خَلْفَنا وهَمْهَمَهْ ∗∗∗ يَقْطَعْنَ كُلَّ ساعِدٍ وجُمْجُمَهْ ∗∗∗ ضَرْبًا فَلا تَسْمَعُ إلّا غَمْغَمَهْ ∗∗∗ لَمْ تَنْطِقِي بِاللَّوْمِ أدْنى كَلِمَهْ
وَهَذا الرَّجَزُ صَرِيحٌ في وُقُوعِ القِتالِ والقَتْلِ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ، ومِصْداقُهُ في الصَّحِيحِ كَما تَقَدَّمَ.
وَمِنها أيْضًا: أنَّ أُمَّ هانِئٍ، بِنْتَ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها أجارَتْ رَجُلًا، فَأرادَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَتْلَهُ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «قَدْ أجَرْنا مَن أجَرْتِ يا أُمَّ هانِئٍ»، وفي لَفْظٍ عَنْها: «لَمّا كانَ يَوْمُ فَتْحِ مَكَّةَ، أجَرْتُ رَجُلَيْنِ مِن أحْمائِي، فَأدْخَلْتُهُما بَيْتًا، وأغْلَقْتُ عَلَيْهِما بابًا، فَجاءَ ابْنُ أُمِّي عَلَيَّ، فَتَفَلْتُ عَلَيْهِما بِالسَّيْفِ» فَذَكَرْتُ حَدِيثَ الأمانِ وقَوْلَ النَّبِيِّ ﷺ: «قَدْ أجَرْنا مَن أجَرْتِ يا أُمَّ هانِئٍ»، وذَلِكَ ضُحًى بِبَطْنِ مَكَّةَ بَعْدَ الفَتْحِ، وقِصَّتُها ثابِتَةٌ في الصَّحِيحِ.
فَإجارَتُها لَهُ، وإرادَةُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَتْلَهُ، وإمْضاءُ النَّبِيِّ ﷺ إجارَتَها - صَرِيحٌ في أنَّها فُتِحْتَ عَنْوَةً.
وَمِنها: أنَّهُ ﷺ، أمَرَ بِقَتْلِ مِقْيَسِ بْنِ صُبابَةَ، وابْنِ خَطَلٍ، وجارِيَتَيْنِ.
وَلَوْ كانَتْ فُتِحَتْ صُلْحًا، لَمْ يُؤْمَرْ بِقَتْلِ أحَدٍ مِن أهْلِها، ولَكانَ ذِكْرُ هَؤُلاءِ مُسْتَثْنًى مِن (p-٧٣)عَقْدِ الصُّلْحِ.
وَأمْرُهُ ﷺ بِقَتْلِ مَن ذَكَرَ، ثابِتٌ عَنْهُ ﷺ . \ ٥ وفي السُّنَنِ بِإسْنادٍ صَحِيحٍ: «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ، لَمّا كانَ يَوْمُ فَتْحِ مَكَّةَ، قالَ: أمِّنُوا النّاسَ إلّا امْرَأتَيْنِ وأرْبَعَةَ نَفَرٍ؛ اقْتُلُوهم وإنْ وجَدْتُمُوهم مُتَعَلِّقِينَ بِأسْتارِ الكَعْبَةِ»، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأدِلَّةِ.
فَهَذِهِ أدِلَّةٌ واضِحَةٌ عَلى أنَّ مَكَّةَ - حَرَسَها اللَّهُ - فُتِحَتْ عَنْوَةً.
وَكَوْنُها فُتِحَتْ عَنْوَةً: يَقْدَحُ فِيما ذَهَبَ إلَيْهِ الشّافِعِيُّ مِن وُجُوبِ قَسْمِ الأرْضِ المَغْنُومَةِ عَنْوَةً.
فالَّذِي يَتَّفِقُ عَلَيْهِ جَمِيعُ الأدِلَّةِ، ولا يَكُونُ بَيْنَها أيُّ تَعارُضٍ: هو ما قَدَّمْنا مِنَ القَوْلِ بِالتَّخْيِيرِ بَيْنَ قَسْمِ الأرْضِ، وإبْقائِها لِلْمُسْلِمِينَ، مَعَ ما قَدَّمْنا مِنَ الحُجَجِ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.
وَإذا عَرَفْتَ أنَّ التَّحْقِيقَ أنَّ مَكَّةَ فُتِحَتْ عَنْوَةً، فاعْلَمْ أنَّ العُلَماءَ اخْتَلَفُوا في رِباعِ مَكَّةَ: هَلْ يَجُوزُ تَمَلُّكُها، وبَيْعُها، وإيجارُها ؟ عَلى ثَلاثَةِ أقْوالٍ:
أحَدُها: أنَّهُ لا يَجُوزُ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ، وبِهِ قالَ أبُو حَنِيفَةَ، والأوْزاعِيُّ، والثَّوْرِيُّ، ومُجاهِدٌ، وعَطاءٌ، وطاوُسٌ، وإبْراهِيمُ، والحَسَنُ، وإسْحاقُ. وغَيْرُهم.
وَكَرِهَهُ مالِكٌ رَحِمَهُ اللَّهُ.
وَأجازَ جَمِيعَ ذَلِكَ الشّافِعِيُّ، وأبُو يُوسُفَ.
وَبِهِ قالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وجَماعَةٌ مِنَ الصَّحابَةِ ومَن بَعْدَهم.
وَتَوَسَّطَ الإمامُ أحْمَدُ، فَقالَ: تُمَلَّكُ، وتُوَرَّثُ، ولا تُؤَجَّرُ، ولا تُباعُ، عَلى إحْدى الرِّوايَتَيْنِ، جَمْعًا بَيْنَ الأدِلَّةِ، والرِّوايَةُ الثّانِيَةِ كَمَذْهَبِ الشّافِعِيِّ.
* *
وَهَذِهِ المَسْألَةُ: تَناظَرَ فِيها الإمامُ الشّافِعِيُّ، وإسْحاقُ بْنُ راهَوَيْهِ في مَسْجِدِ الخَيْفِ، والإمامُ أحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ حاضِرٌ، فَأسْكَتَ الشّافِعِيُّ إسْحاقَ بِالأدِلَّةِ، بَعْدَ أنْ قالَ لَهُ: ما أحْوَجَنِي أنْ يَكُونَ غَيْرُكَ في مَوْضِعِكَ، فَكُنْتُ آمُرُ بِفَرْكِ أُذُنَيْهِ، أنا أقُولُ لَكَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وأنْتَ تَقُولُ: قالَ طاوُسٌ، والحَسَنُ، وإبْراهِيمُ، وهَلْ لِأحَدٍ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ حُجَّةٌ ؟ في كَلامٍ طَوِيلٍ.
وَنَحْنُ نَذْكُرُ إنْ شاءَ اللَّهُ أدِلَّةَ الجَمِيعِ، وما يَقْتَضِي الدَّلِيلُ رُجْحانَهُ مِنها.
(p-٧٤)فَحُجَّةُ الشّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ ومَن وافَقَهُ بِأُمُورٍ:
الأوَّلُ: حَدِيثُ أُسامَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ لَمّا سَألَهُ: «أيْنَ تَنْزِلُ غَدًا ؟ فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: ”وَهَلْ تَرَكَ لَنا عَقِيلٌ مِن رِباعٍ أوْ دُورٍ ؟»“، وفي بَعْضِ الرِّواياتِ ”مِن مَنزِلٍ“، وفي بَعْضِها ”مَنزِلًا“، أخْرَجَ هَذا الحَدِيثَ البُخارِيُّ في كِتابِ ”الحَجِّ“ في بابِ ”تَوْرِيثِ دُورِ مَكَّةَ، وشِرائِها“ إلَخْ، وفي كِتابِ ”المَغازِي“ في غَزْوَةِ الفَتْحِ في رَمَضانَ في بابِ: ”أيْنَ رَكَزَ النَّبِيُّ ﷺ الرّايَةَ يَوْمَ الفَتْحِ“، وفي كِتابِ ”الجِهادِ“ في بابِ: ”إذا أسْلَمَ قَوْمٌ في دارِ الحَرْبِ، ولَهم مالٌ وأرْضُونَ فَهي لَهم“، وأخْرَجَهُ مُسْلِمٌ في كِتابِ ”الحَجِّ“ في بابِ: ”النُّزُولِ بِمَكَّةَ لِلْحاجِّ وتَوْرِيثِ دُورِها“، بِثَلاثِ رِواياتٍ هي مِثْلُ رِواياتِ البُخارِيِّ.
فَقَوْلُهُ ﷺ في هَذا الحَدِيثِ المُتَّفَقِ عَلَيْهِ: «وَهَلْ تَرَكَ لَنا عَقِيلٌ مِن رِباعٍ»، صَرِيحٌ في إمْضائِهِ ﷺ بَيْعَ عَقِيلِ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ تِلْكَ الرِّباعَ.
وَلَوْ كانَ بَيْعُها، وتَمَلُّكُها لا يَصِحُّ لَما أقَرَّهُ النَّبِيُّ ﷺ؛ لِأنَّهُ لا يُقِرُّ عَلى باطِلٍ بِإجْماعِ المُسْلِمِينَ.
الثّانِي: أنَّ اللَّهَ تَبارَكَ وتَعالى أضافَ لِلْمُهاجِرِينَ مِن مَكَّةَ دِيارَهم، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّها مِلْكُهم في قَوْلِهِ: ﴿لِلْفُقَراءِ المُهاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ﴾ [الحشر: ٨] .
قالَ النَّوَوِيُّ في ”شَرْحِ المُهَذَّبِ“: فَإنْ قِيلَ: قَدْ تَكُونُ الإضافَةُ لِلْيَدِ والسُّكْنى، لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَقَرْنَ في بُيُوتِكُنَّ﴾ [الأحزاب: ٣٣] .
فالجَوابُ: أنَّ حَقِيقَةَ الإضافَةِ تَقْتَضِي المِلْكَ، ولِذَلِكَ لَوْ قالَ: هَذِهِ الدّارُ لِزَيْدٍ حَكَمَ بِمِلْكِها لِزَيْدٍ، ولَوْ قالَ: أرَدْتُ بِهِ السُّكْنى واليَدَ، لَمْ يُقْبَلْ.
وَنَظِيرُ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ما احْتُجَّ بِهِ أيْضًا مِنَ الإضافَةِ في قَوْلِهِ: «مَن دَخَلَ دارَ أبِي سُفْيانَ فَهو آمِنٌ» الحَدِيثَ. وقَدْ قَدَّمْنا أنَّهُ في ”صَحِيحِ مُسْلِمٍ“ .
الثّالِثُ: الأثَرُ المَشْهُورُ في سُنَنِ البَيْهَقِيِّ وغَيْرِهِ: ”أنَّ نافِعَ بْنَ الحارِثِ، اشْتَرى مِن صَفْوانَ بْنِ أُمَيَّةَ، دارَ السِّجْنِ لِعُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، بِأرْبَعِمِائَةٍ“، وفي رِوايَةٍ: ”بِأرْبَعَةِ آلافٍ“، ولَمْ يُنْكِرْ ذَلِكَ أحَدٌ مِنَ الصَّحابَةِ.
وَرَوى الزُّبَيْرُ بْنُ بَكّارٍ والبَيْهَقِيُّ: أنَّ حَكِيمَ بْنَ حِزامٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، باعَ دارَ النَّدْوَةِ بِمَكَّةَ مِن مُعاوِيَةَ بْنِ أبِي سُفْيانَ بِمِائَةِ ألْفٍ، فَقالَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ: يا أبا خالِدٍ بِعْتَ مَأْثَرَةَ (p-٧٥)قُرَيْشٍ وكَرِيمَتَها، فَقالَ: هَيْهاتَ ذَهَبَتِ المَكارِمُ فَلا مَكْرُمَةَ اليَوْمَ إلّا الإسْلامُ، فَقالَ: اشْهَدُوا أنَّها في سَبِيلِ اللَّهِ تَعالى؛ يَعْنِي الدَّراهِمَ الَّتِي باعَها بِها.
وَعَقَدَهُ الشَّيْخُ أحْمَدُ البَدَوِيُّ الشِّنْقِيطِيُّ في نَظْمِهِ عَمُودِ النَّسَبِ بِقَوْلِهِ يَعْنِي قُصَيًّا: [ الرَّجَزُ ]
؎واتَّخَذَ النَّدْوَةَ لا يُخْتَرَعُ ∗∗∗ فِي غَيْرِها أمْرٌ ولا تُدَّرَعُ ∗∗∗ جارِيَةٌ أوْ يُعْذَرُ الغُلامُ ∗∗∗ إلّا بِأمْرِهِ بِها يُرامُ ∗∗∗ وَباعَها بَعْدُ حَكِيمُ بْنُ حِزامْ ∗∗∗ وَأنَّبُوهُ وتَصَدَّقَ الهُمامْ ∗∗∗ سَيِّدُ نادِيهِ بِكُلِّ الثَّمَنِ ∗∗∗ إذِ العُلى بِالدِّينِ لا بِالدِّمَنِ
الرّابِعُ: أنَّها فُتِحَتْ صُلْحًا، فَبَقِيَتْ عَلى مِلْكِ أهْلِها، وقَدْ قَدَّمْنا ضَعْفَ هَذا الوَجْهِ.
الخامِسُ: القِياسُ؛ لِأنَّ أرْضَ مَكَّةَ أرْضٌ حَيَّةٌ لَيْسَتْ مَوْقُوفَةً، فَيَجُوزُ بَيْعُها قِياسًا عَلى غَيْرِها مِنَ الأرْضِ.
واحْتَجَّ مَن قالَ: بِأنَّ رِباعَ مَكَّةَ لا تُمَلَّكُ ولا تُباعُ بِأدِلَّةٍ:
مِنها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والمَسْجِدِ الحَرامِ الَّذِي جَعَلْناهُ لِلنّاسِ سَواءً العاكِفُ فِيهِ والبادِي﴾ [الحج: ٢٥]، قالُوا: والمُرادُ بِالمَسْجِدِ: جَمِيعُ الحَرَمِ كُلِّهِ لِكَثْرَةِ إطْلاقِهِ عَلَيْهِ في النُّصُوصِ،
• كَقَوْلِهِ: ﴿سُبْحانَ الَّذِي أسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ المَسْجِدِ الحَرامِ﴾ الآيَةَ [الإسراء: ١]،
• وقَوْلِهِ: ﴿إلّا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ عِنْدَ المَسْجِدِ الحَرامِ﴾ الآيَةَ [التوبة: ٧]،
• وقَوْلِهِ: ﴿هَدْيًا بالِغَ الكَعْبَةِ﴾ [المائدة: ٩٥]،
مَعَ أنَّ المَنحَرَ الأكْبَرَ مِنَ الحَرَمِ ”مِنًى“ .
وَمِنها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّما أُمِرْتُ أنْ أعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ البَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَها﴾ [النمل: ٩١] قالُوا: والمُحَرَّمُ لا يَجُوزُ بَيْعُهُ.
وَمِنها: ما أخْرَجَهُ البَيْهَقِيُّ مِن طَرِيقِ إسْماعِيلَ بْنِ إبْراهِيمَ بْنِ مُهاجِرٍ، عَنْ أبِيهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ باباهُ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَكَّةُ مُناخٌ لا تُباعُ رِباعُها، ولا تُؤاجَرُ بُيُوتُها» .
وَمِنها: ما رَواهُ أبُو حَنِيفَةَ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أبِي زِيادٍ، عَنْ أبِي نَجِيحٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، قالَ: قالَ النَّبِيُّ ﷺ: «مَكَّةُ حَرامٌ، وحَرامٌ بَيْعُ رِباعِها، وحَرامٌ أجْرُ بُيُوتِها» .
(p-٧٦)وَمِنها ما رُوِيَ عَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها أنَّها قالَتْ: قُلْتُ: «يا رَسُولَ اللَّهِ ألا نَبْنِي لَكَ بَيْتًا أوْ بِناءً يُظِلُّكَ مِنَ الشَّمْسِ ؟ قالَ: ”لا، إنَّما هو مُناخُ مَن سَبَقَ إلَيْهِ»“، أخْرَجَهُ أبُو داوُدَ.
وَمِنها: ما رَواهُ البَيْهَقِيُّ، وابْنُ ماجَهْ، عَنْ عُثْمانَ بْنِ أبِي سُلَيْمانَ، عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ نَضْلَةَ الكِنانِيِّ، قالَ: «كانَتْ بُيُوتُ مَكَّةَ تُدْعى السَّوائِبَ، لَمْ تُبَعْ رِباعُها في زَمانِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، ولا أبِي بَكْرٍ، ولا عُمَرَ، مَنِ احْتاجَ سَكَنَ، ومَنِ اسْتَغْنى أسْكَنَ» .
وَمِنها: ما رُوِيَ عَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها: أنَّ النَّبِيَّ ﷺ، قالَ: «مِنًى مُناخٌ لِمَن سَبَقَ» .
قالَ النَّوَوِيُّ في ”شَرْحِ المُهَذَّبِ“ في الجَنائِزِ، في ”بابِ الدَّفْنِ“ في هَذا الحَدِيثِ، رَواهُ أبُو مُحَمَّدٍ الدّارِمِيُّ، وأبُو داوُدَ، والتِّرْمِذِيُّ، وابْنُ ماجَهْ، وغَيْرُهم، بِأسانِيدَ جَيِّدَةٍ مِن رِوايَةِ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها.
قالَ التِّرْمِذِيُّ: هو حَدِيثٌ حَسَنٌ.
وَذَكَرَ في البُيُوعِ، في الكَلامِ عَلى بَيْعِ دُورِ مَكَّةَ، وغَيْرِها مِن أرْضِ الحَرَمِ: أنَّ هَذا الحَدِيثَ صَحِيحٌ.
Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии