Ибн Усеймин · Тафсир · на арабском
Аль-Фуркан 25:25–31
25:25–31Страница 362
وَيَوۡمَ تَشَقَّقُ ٱلسَّمَآءُ بِٱلۡغَمَٰمِ وَنُزِّلَ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ تَنزِيلًا ٢٥
В тот день небо разверзнется и покроется облаками, и будут низведены ангелы.
ٱلۡمُلۡكُ يَوۡمَئِذٍ ٱلۡحَقُّ لِلرَّحۡمَٰنِۚ وَكَانَ يَوۡمًا عَلَى ٱلۡكَٰفِرِينَ عَسِيرٗا ٢٦
В тот день власть будет истинной и будет принадлежать Милостивому, и день тот будет тяжким для неверующих.
وَيَوۡمَ يَعَضُّ ٱلظَّالِمُ عَلَىٰ يَدَيۡهِ يَقُولُ يَٰلَيۡتَنِي ٱتَّخَذۡتُ مَعَ ٱلرَّسُولِ سَبِيلٗا ٢٧
В тот день беззаконник станет кусать свои руки и скажет: «Лучше бы я последовал путем Посланника!
يَٰوَيۡلَتَىٰ لَيۡتَنِي لَمۡ أَتَّخِذۡ فُلَانًا خَلِيلٗا ٢٨
О горе мне! Лучше бы я не брал такого-то себе в друзья!
لَّقَدۡ أَضَلَّنِي عَنِ ٱلذِّكۡرِ بَعۡدَ إِذۡ جَآءَنِيۗ وَكَانَ ٱلشَّيۡطَٰنُ لِلۡإِنسَٰنِ خَذُولٗا ٢٩
Это он отвратил меня от Напоминания (Корана) после того, как оно дошло до меня». Воистину, дьявол оставляет человека без поддержки.
وَقَالَ ٱلرَّسُولُ يَٰرَبِّ إِنَّ قَوۡمِي ٱتَّخَذُواْ هَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانَ مَهۡجُورٗا ٣٠
Посланник сказал: «Господи! Мой народ забросил этот Коран».
وَكَذَٰلِكَ جَعَلۡنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّٗا مِّنَ ٱلۡمُجۡرِمِينَۗ وَكَفَىٰ بِرَبِّكَ هَادِيٗا وَنَصِيرٗا ٣١
Так для каждого пророка Мы создали врагов из числа грешников, но довольно того, что твой Господь наставляет на прямой путь и помогает.
(﴿وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ تَنْزِيلًا﴾ هو يوم القيامة، ونصبُه بـ(اذكر) مقدَّرًا، وفي قراءة بتشديد شين ﴿تَشَقَّقُ﴾ بإدغام التاء الثانية في الأصل فيها، وفي أخرى ﴿وَنُنْزِلُ﴾ بنونين؛ الثانية ساكنة وضمِّ اللام ونصب ﴿الْمَلَائِكَةَ﴾ ).
القراءات الآن ثلاثة:
أولًا: القراءة المشهورة اللي معنا ﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ تَنْزِيلًا﴾ [الفرقان ٢٥].
وقراءة ثانية: ﴿تَشَّقَّقُ﴾ ، وأصلها: تتشقَّق، فأُدْغِمَت التاء في الشين فصارت: ﴿تَشَّقَّقُ﴾ .
وأيهما أبلغ: ﴿تَشَقَّقُ﴾ ولّا ﴿تَشَّقَّقُ﴾ ؟ ﴿تَشَّقَّقُ﴾ أبلغ.
وأما ﴿نُزِّلَ﴾ ففيها قراءتان سبعيتان: ﴿نُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ﴾ على أنها فعل ماض، و﴿الْمَلَائِكَةُ﴾ نائب فاعل.
والثانية: ﴿نُنْزِلُ الْمَلَائِكَةَ﴾ على أنها فعل مضارع، و﴿الْمَلَائِكَةَ﴾ مفعول به، والفاعل هو الله.
والقرآن من بلاغته أن القراءات يستفاد منها إما التفسير، وإما زيادة المعنى؛ فعلى قراءة ﴿تَشَّقَّقُ﴾ فيها زيادة معنى، وعلى قراءة ﴿نُنْزِلُ الْمَلَائِكَةَ﴾ فيها تفسير؛ لأن ﴿نُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ﴾ مبني للمجهول، فالفاعل غير معلوم، ﴿وَنُنْزِلُ الْمَلَائِكَةَ﴾ مبنية للفاعل فالفاعل فيها معلوم. وعلى هذا إذا سُئِلْتَ: من الذي يُنَزِّل الملائكة؟ تقول: هو الله، أولًا: الدليل أمر مفهوم بالأذهان، ودليل آخر من لفظ الآية القراءة الثانية: ﴿نُنْزِلُ الْمَلَائِكَةَ﴾ .
(﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ﴾ [الفرقان ٢٦] لا يَشْرَكهُ فيه أحد).
﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ﴾، ﴿الْحَقُّ﴾ صفة لـ﴿الْمُلْكُ﴾؛ يعني: ﴿الْمُلْكُ﴾ الثابت المؤكَّد المحقَّق في ذلك اليوم لله سبحانه وتعالى ﴿لِلرَّحْمَنِ﴾. والملك للرحمن سبحانه وتعالى في ذلك اليوم وفي غيره، لكنَّ ملكيَّته تبارك وتعالى في ذلك اليوم أظهر وأبين؛ لأن الدنيا فيها ملوك، فيها من يملك تصرُّفًا، وفيها من يقال له: ملك، لكن في الآخرة ما فيه ملك، الناس على حدٍّ سواء، يقول الله عز وجل: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ [غافر ١٦]، فالملك في ذلك اليوم لا يكون لأحد سوى الله تبارك وتعالى.
وفي قوله: ﴿لِلرَّحْمَنِ﴾ -ولم يقل: لله- إشارة إلى كثرة رحمة الله في ذلك اليوم، كما جاء في الحديث الصحيح: «إِنَّ للَّهِ تَعَالَى مِئَةَ رَحْمَةٍ، أَنْزَلَ مِنْهَا رَحْمَةً يَتَرَاحَمُ بِهَا الْخَلْقُ، فَإِذَا كَانَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى الرَّحْمَةَ الَّتِي نَزَلَتْ في الدُّنْيَا مَعَ مَا عِنْدَهُ وَهِيَ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ، فَرِحِمَ بِهَا الْخَلَائِقَ»[[أخرج مسلم (٢٧٥٣/٢١) عن سلمان رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «إن الله خلق يوم خلق السماوات والأرض مئة رحمة، كل رحمة طباق ما بين السماء والأرض، فجعل منها في الأرض رحمة، فبها تعطف الوالدة على ولدها، والوحش والطير بعضها على بعض، فإذا كان يوم القيامة أكملها بهذه الرحمة».]]، فيظهر من رحمة الله سبحانه وتعالى في ذلك اليوم ما لا يظهر في غيره؛ ولهذا عبَّر بقوله: ﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ﴾.
وقد سبق أن الرحمن صفة متضمِّنة للرحمة، ولكنها تدلُّ على عظمة هذه الرحمة وعلى سعتها؛ لأن كلمة (فعلان)، ويش تدل عليه؟ تدل على الوصف المالئ الذي يملأ موصوفَه، كما يقال: غضبان، يعني ممتلئ غضبًا، ومن ثَمَّ فسَّر بعض العلماء (الرحمن) بأنه ذو الرحمة الواسعة، و(الرحيم) بأنه الرحمة الخاصَّة بالمؤمنين، ولكن الصواب أن (الرحمن) باعتبار وصفِهِ، و(الرحيم) باعتبار فعله؛ يعني إيصال الرحمة إلى من شاء، وأما (الرحمن) فهو باعتبار الوصف؛ فلهذا جاءت على (فعلان)؛ لأن (فعلان) صفة مشبهة.
﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ﴾ وفي هذا تخويف وتحذير من تَسلُّط الملوك، فإنَّهم يجب أن يذكروا هذا اليوم الذي تزول فيه ملكيتُهم، ولا يبقى إلا ملك الله سبحانه وتعالى.
وفيه أيضًا تبشيرٌ للناسِ عمومًا بقوله: (الرحمن)؛ حيثُ يشير إلى أنه سبحانه وتعالى يظهر من رحمته في ذلك اليوم، ومن مُلكِه ما لا يظهر في غيره.
استدلَّ شيخ الإسلام ابن تيمية وغيره من أهل العلم، استدلُّوا بهذه الآية على نزولِ الله سبحانه وتعالى للقضاء بين عباده، فما وجه الدلالة؟ وجه الدلالة من الآية؟
* طالب: (...)؟
* الشيخ: لا، صحيح أنه لو كان على مقتضى الفصل بين العباد فمثل ما قلت؛ لأن الملك هو الذي يفصل. لكن على نزوله؟
* طالب: يعني من (...)؟
* الشيخ: من الآية؟
* الطالب: (...)؟
* الشيخ: من الآية نشوف وجه الدلالة.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: ملك غيره.
* الطالب: ملك غيره.
* الشيخ: فهو في الحقيقة ما في لفظ الآية ما يدل عليه، لكن الآية مفسَّرة بالحديث؛ أنها تتشقق بالغمام لنزول الله سبحانه وتعالى. فهي لا يتم الاستدلال بها بمجرد لفظها، إلا بالإضافة حينما صح عن النبي ﷺ في ذلك في تفسير الآية، أنها تشقق بالغمام لنزولِ الله تبارك وتعالى للفصل بين عباده[[ورد معناه في حديث الصُّورِ الطويل الذي أخرجه إسحاق بن راهوية (١٠)، والطبراني في الأحاديث الطوال (٣٦) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه بسند ضعيف، وانظر إتحاف الخيرة المهرة للحافظ ابن حجر (١/١٨٧).]].
* طالب: (...)؟
* الشيخ: إي نعم، بس هذه آية ثانية، آية أخرى.
* وفي الآية هذه: دليل على أن الملائكة في السماء؛ لقوله: ﴿وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ تَنْزِيلًا﴾.
* وفيها دليل: على عظمة الله تبارك وتعالى وكثرة مخلوقاته؛ لأن الملائكة تَنْزِل وتحيط بالخلق، مما يدل على كثرتهم.
* وفيها أيضًا: الاستعداد لهذا اليوم الذي لا يجد الإنسان فيه مفرًّا؛ لأن -لله المثل الأعلى- لو أحاطت بك جنود الملك من كل جانب وبأعداد كثيرة وبصفوف متعددة، هل يمكن أن تَفِرَّ من قبضتِه؟ تفرض أنه مثلًا –ولله المثل الأعلى– أن الناس حُشِرُوا في مكان، وجاءت الجنودُ الشُّرَط وأحاطت بهم صفوفًا؛ صفًّا من وراء صف، هل يمكن للناس أن يَفِرُّوا من هذا؟ لا يمكن، فيوم القيامة كذلك، لا يمكن أن يفر الناس من هذا اليوم وأهواله وأحكامه، ففيه التحذير من هذا اليوم.
قال: (﴿وَكَانَ﴾ الْيَوْم ﴿يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا﴾ بخلاف المؤمنين).
هنا قيَّدَ الله سبحانه وتعالى العُسْرَ على الكافرين ﴿وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا﴾، يعني: دون المؤمنين، وفي آية أخرى: ﴿فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ﴾ [المدثر ٩]، ولم يقيده.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: يقال: إن اليومَ نفسه عسير جدًّا بالنظر إلى ذات اليوم، لكن هذا العُسْرَ لا يتناول المؤمن، بدليل قوله: ﴿عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ﴾ [المدثر ١٠]، فمفهومُه أنه على المؤمنين يسير؛ فبالنظر إلى ذات اليوم وأهواله ويش نصفه به؟ بالعسر على الكافرين، بالعسر في حد ذاته، ثم إن هذا العسر لا يسري إلى المؤمنين، بل ييسره الله تبارك وتعالى عليهم بدليل قوله: ﴿وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا﴾، وبدليل قوله: ﴿عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ﴾.
فالحاصل أنه بالنظر إلى ذات اليوم فاليوم عسير وشديد، فـ﴿يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا﴾ [المزمل ١٧]، وبالنظر إلى ما يتأثر به وبعسره يكون هذا للكافرين فقط؛ لقوله: ﴿عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ﴾، أما على المؤمن فإنه يسير.
وفي هذا دليل لكونه عسيرًا -ولكن عسره يكون على الكافرين فقط- فيه دليل على اختلاف الناس في ذلك الموقف، وأن يُسْرَ ذلك اليوم وعُسْرَه بحسب حال الإنسان، وكلما كان الإنسان أشدَّ إيمانًا وأشدَّ تقوى لله عز وجل كان ذلك اليوم أيسرَ له؛ ولهذا ثبت في الحديث الصحيح: «سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ»[[متفق عليه؛ البخاري (٦٨٠٦)، ومسلم (١٠٣١ / ٩١) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]]، وأن «كُلَّ امْرِئٍ فِي ظِلِّ صَدَقَتِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ»[[أخرجه أحمد (١٧٣٣٢) وأبو نعيم -واللفظ له- (٨ / ١٨١) من حديث عقبة بن عامر رضي الله عنه.]]. وعلى هذا نقول: كلما كان الإنسان أقوى إيمانًا بالله وأشد تقوى لله، كان يُسْرُ ذلك اليومَ عليه بحسبه.
طيب، كلما كان الإنسان أعتى وأكفر، يكون أشدَّ ولَّا لا؟ نعم، يكون أشد وأعظم، وقد أخبر النبي عليه الصلاة والسلام أنه رأى في النار عمرَو بن لُحَيٍّ يجر قصبه وأمعاءه[[أخرج ابن حبان (٧٤٩٠) عن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ قال: «عُرِضَت عليَّ النارُ فرأيت فيها عمرو بن لحي بن قمعة بن خندف يجر قصبه في النار، وكان أول مَن غَيَّر عهد إبراهيم وسيب السوائب».. الحديثَ.]]، مما يدل على أنه كلما زاد عتو الإنسان وكفره زاد عسر ذلك اليوم عليه.
ثم إنه أيضًا في قاعدة الأصول: إذا عُلِّق الحكمُ على وصف، كان أثرُ ذلك الحكم بحسب ذلك الوصف، فإذا كان العُسر معلقًا بالكفر فكلما كان الكفر أشد كان العسر أشد، وإذا عُلِّق اليسر بالإيمان صار كلما كان الإيمان أقوى صار اليسر أقوى.
فالحاصل أن كلَّ شيء، كل حكم عُلِّق على وصف، فإنه يختلف أثر ذلك الحكم بحسب ذلك الوصف.
* طالب: القاعدة (...)؟
* الشيخ: القاعدة أن نقولَ: كلما عُلِّق الحكم على وصف كان أثرُ ذلك الحكم بحسب ذلك الوصف؛ يعني أن تأثير الوصف في الحكم بحسب الوصف.
* طالب: ما ثبت عن أنبياء كلهم (...)، هذا دليل على أنهم في ذلك الوقت في شدة وخوف؟
* الشيخ: ما فيه شك أن فيه شدة وخوفًا ﴿يَوْمًا يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا﴾ [المزمل ١٧]، لكن هذه الشدة والخوف يتحملها الإنسان بحسب ما معه من الإيمان؛ يعني أنه لا تكون شديدةً عليه بحسب ما معه من الإيمان، فهم يخافون، لكنه ليس شديدًا عليهم؛ يعني أنهم يتوقعون أن يقعوا في شيء، ولكنهم لا يقعون.
﴿وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا﴾.
وتأمل قول الله تعالى: ﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا﴾ قد يقول قائل: أين الرحمة مع عسره على الكافرين؟ فيقال: إن عذاب الكافرين وشدته عليهم هو رحمة، رحمة بِمَن؟ بالمؤمنين؛ لأنَّ المؤمن يرى عدوَّه الذي كان يسخر به في الدنيا وعدل الله تعالى يمضي فيه، فلا شكَّ أن ذلك سرورٌ له ورحمة، كما قال الله تعالى: ﴿فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ (٣٤) عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ﴾ [المطففين ٣٤، ٣٥]، فهم على أرائكهم ينظرون إلى هؤلاء يُعَذَّبون فيُسَرُّون بهم ويضحكون بهم، مثل ما أن أعداءهم في الدنيا يضحكون بهم ويسخرون بهم.
ثم إننا نقول أيضًا: تنفيذُ العدل يعتبر رحمة، أما في الدنيا فظاهر؛ فإننا إذا أقمنا الحد على السارق أو أقمناه على الزاني أو ما أشبه ذلك، فهو رحمة بالناس عمومًا وبه خصوصًا، حتى بهذا الذي جُلِدَ أو قطعت يده هو رحمة بهم، كيف ذلك؟ لأننا نمنعه من ممارسة العمل مرة ثانية كلما تذكر هذا الألم، ولأنَّ الحد يكون كفارة له فلا يُعَذَّب عليه في الآخرة؛ لأن الله تعالى لا يجمع له بين عقوبتين.
﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ﴾ [الفرقان ٢٧] معطوفة على: ﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ﴾؛ يعني: واذكر يوم يعض الظالم على يديه.
﴿يَعَضُّ﴾ من باب أيش؟ عندكم في الصرف الأبواب ستة، فهنا ﴿يَعَضُّ﴾ من باب: (نصَر ينصُر) ولّا (سمِع يسمَع) ولّا أيش؟
* طالب: (...).
* الشيخ: تقول: (يعُض)، (نصَر ينصُر) من (عضَّ يعُض)؟
* طالب: (...).
* الشيخ: لا. نعم؟
* طالب: (...) يسمَع.
* الشيخ: لا؛ لأن (عضَّ) ما هي مكسورة.
* طالب: (...).
* الشيخ: كتب؟
* طالب: (...) يا شيخ.
* الشيخ: لا، (...) يعُض، وهي عندنا يعَض.
طيب، ما نكمل الأبواب؟
* طلبة: (...)؟
* الشيخ: لا، فتح يفتَح.
* طالب: (...).
* الشيخ: من باب (فتح)، وعند العامة يحطونه من باب نصر، يقولون: (يعُض، فلان يعُض فلانًا)، والصواب: فلان يعَضُّ فلانًا، فهي من باب (فتَح) يعني أنها يفتح فيها المضارع. كما أن الماضي كذلك مفتوح، لكن الماضي مشددة.
﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ﴾ المؤلف يقول: (المشرك)، والآية قد نقول: إنها أعم من المشرك؛ لأن الظلم يشمل الشرك فما دونه. ولكن نشوف السياق الآن: هل يعيِّن أن يكون الظلم بمعنى الشرك ولّا لا؟
ثم إن المؤلف خصَّصها تخصيصًا آخر، فقال: (عُقْبَة بن أبي مُعَيْطٍ كان نطق بالشهادتَيْنِ ثم رجع إرضاء لأُبَيِّ بن خَلَف).
قوله: (وهو عُقْبَة) هذا تخصيص لعموم، فإن كان المؤلف يريد أن يجعله مثالًا مما تنطبق عليه الآية فالأمر سهل، وإن كان يريد المؤلفُ أن يجعل الآية من باب العام الذي أُريد به الخاص فهذا غير مُسَلَّم؛ لأنه لا دليل على ذلك، ليس فيه دليل على أن المراد به الخاص، بل الآية عامة، لكن تشمل عقبة وغيره.
وقوله: (﴿عَلَى يَدَيْهِ﴾ ندمًا وتَحَسُّرًا)، أي يوم القيامة يقول: ﴿يَا لَيْتَنِي﴾ إلى آخره.
يعَضُّ على يديه، العض على اليد، ويش يدل عليه؟
يدل على الندم والتحسر؛ ولهذا بعض الناس إذا فاته الأمر فهو يعَضُّ يده ثم (...) بها هكذا؛ يعني أنه فاته، فهو دليل على التَّحَسُّر والندم، وما أعظم الحسرة والندم حين يرى المؤمنين في حال والظالمين في حال! وهذا أعظم ما يكون.
وقوله: ﴿عَلَى يَدَيْهِ﴾ زعم علماء البيان أن في الآية مجازًا؛ لأن الإنسان ما هو بيعض على يده كلها (...) ما يقدر، يقول: المراد باليدين الأصابع؛ يعني: لأنه ما يمكن يَعَضُّ على اليد كلها.
ولكننا نقول: في الحقيقة لا مجاز في الآية؛ لأنه إذا دلَّ السياق على معنى فهو المراد، كلٌّ يعرف أن المرادَ ﴿يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ﴾ يعني على أصابعه، كل يعرف، فهي لم تدلَّ على اليد كلها من الأصل بحسب السياق حتى نقول: إنها نُزِّلَتْ عن معناها إلى المعنى الثاني. وهذا الذي قررناه هو الذي أوجب لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله أن يُنْكِرَ وجود المجاز في اللغة العربية؛ لأن شيخ الإسلام لا يرى وجود المجاز في اللغة العربية إطلاقًا لا في القرآن ولا في غيره؛ لأنه يقول: إن دلالة اللفظ على المعنى ليست ذاتيَّة، يعني ليس اللفظ نفسه يدل بذاته على المعنى، وإنما يدل بالسياق، وأبرز مثال يبين لك ذلك الألفاظ المشتركة التي تصلح لمعنيين فأكثر، ويش يعين المعنى؟ يعنيه السياق، وهكذا غيرُه أيضًا. فبناء على ذلك يقول: لا يوجد مجاز في اللغة العربية لا في القرآن ولا في غيره.
ولكن تجد أكثر الناس يرون أنه يوجد المجاز في القرآن وفي غيره من كلام العرب، وبعض العلماء يرى أنه لا مجاز في القرآن وفي اللغة العربية يوجد المجاز. والذي أوجب لهؤلاء التوسط أنهم قالوا: إن ميزان المجاز الذي لا أحد يمانع فيه ميزانُه صحة نفيه، صحة نفي المجاز، وليس في القرآن ما يصح نفيه؛ يعني عندما تقول: رأيت أسدًا يقرأ، ويش المراد بالأسد؟ الرجل الشجاع، كأنما قلت: رأيت شجاعًا يقرأ، لكن عبَّرت بالأسد لأن الشجاعة فيه أظهر. هم يقولون: إنك إذا قلت: رأيت أسدًا يقرأ، فإنه يجوز للمخاطَب أن يقول: هذا ليس بأسد، فينفيه. وهذا صحيح ولَّا غير صحيح؟ صحيح، ليس بأسد. فهم يقولون: إذا كان المجاز علامتُه الكبرى أنه يصح نفيه فليس في القرآن ما يصح نفيه، أما غيره من كلام العرب فيمكن أن تنفيَه ولا تبالي.
ولكن إذا رجعنا إلى ما قاله شيخ الإسلام وهو أن الألفاظ ليست دلالتها على المعنى ذاتية، حتى نقول: إنها إذا دلَّت على معنى آخر في مكان آخر فهي مجازية، بل دلالتُها على الألفاظ بحسب السياق.
فعلى هذا نقول في الآية التي معنا: ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ﴾ فيها مجاز ولّا لا؟ لا مجاز؛ لأنه ما يمكن أحد يفهم أن المراد بذلك في الأصل أنه يعض على اليد كلها، كلٌّ يعرف أن المراد (يعض على يديه) أي: ما يعض عليه عادة وهي الأصابع.
* طالب: (...) ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ﴾ ولم يقل: يديه؟
* الشيخ: أيش لون؟
* الطالب: ﴿عَلَى﴾ بيان الانتهاء (...) أين مكان العض، ولم يقل: يعض يديه، لو قال: يعض يديه، ممكن (...)؟
* الشيخ: لا، إذا قلت: عضَّ على يديه.
* الطالب: المكان اللي يعض على يديه لا على (...)؟
* الشيخ: لا، هي لو كانت (في) للظرفية يمكن، لكن عضضت على كذا.
* الطالب: وإن كان أصابع (...)؟
* الشيخ: ما هي بظاهرة، حتى لو عض على أصبعه بيعض على رأس الأصبع مثلًا.
* الطالب: يكون عض عليه، يجوز إطلاقها (...)؟
* الشيخ: أيش تقولون في هذا؟ هو يقول: إن (يعض على يديه) يعني: على بعض يديه، كذا؟
* الطالب: نعم.
* الشيخ: وأنه استفاد البعضية من كلمة ﴿عَلَى﴾، ولم يقل: يعض يديه. لكن يشاف هل إن (عض) تتعدى بـ(على) ولَّا بنفيها؟
* طالب: ولو أن تعض على أصل شجرة.
* الشيخ: إي، «وَلَوْ أَنْ تَعَضَّ عَلَى أَصْلِ شَجَرَةٍ»[[متفق عليه؛ البخاري (٧٠٨٤)، ومسلم (١٨٤٧/٥١) من حديث حذيفة بن اليمان رضي الله عنه.]].
* طالب: ما هو بعام، ما هو (...).
* الشيخ: إي نعم، لكن (عض) هي تتعدى بنفسها ولّا بـ(على)؟ تتعدى بنفسها وبـ(على)، «عَلَامَ يَعَضُّ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ كَمَا يَقْضَمُ الْفَحْلُ»[[أخرجه البخاري (٦٨٩٢) من حديث عمران بن حصين رضي الله عنه بلفظ: «يَعَضُّ أحدكم أخاه كما يعض الفحل؟».]]، كالرجل الذي عض يد إنسان فانتزعها فسقطت أسنانه. هو فيه احتمال أن نقول: إنها ما تدل على الكليَّة، لكن حتى لفظ اليد ما يراد بها الكل هنا، حتى ولو كانت تدل على الجزئية فلا يراد بها الكل.
* طالب: يا شيخ.
* الشيخ: نعم.
* الطالب: في الحديث (...)؟
* الشيخ: الظاهر أنه ما يقال؛ لأنه هو يقول بس في القرآن؛ لأن الحديث النبوي تجوز روايته بالمعنى، فيجوز أن راويًا غَيَّر الكلمة.
* الطالب: (...).
* الشيخ: إي نعم، نفي هذه الكلمة، لا أصل المعنى.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: لا، الظاهر أنه كلما قَوِيَ الندم على اليدين كليهما.
* الطالب: كل اليدين؟
* الشيخ: إي، (...).
* الطالب: (...)؟
* الشيخ: ما أظن يستفاد (...).
* طالب: قول عطاء (...)؟
* الشيخ: أظنه ما يصح.
* الطالب: (...).
* الشيخ: أظن يحتاج سنده إلى عطاء، ثم إذا وصل إلى عطاء وقف، يعني ما يقبل لو قال؛ لأنه مرسل.
* طالب: قوله تعالى: (...)؟
* الشيخ: ﴿فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا﴾ [الكهف ١٠٥] يعني: ما يعتبر لهم وزن.
* الطالب: (...)؟
* الشيخ: إي، لكن ما توزن مثل ما توزن سيئات المؤمنين؛ لأن سيئات المؤمنين توزن لأجل الموازنة بينها وبين الحسنات، فما رجح اعتُبِرَ، وأما أولئك فلإقامة الحجة عليهم فقط.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: هذا صحيح، نعم.
* الطالب: كيف يعني؟
* الشيخ: معناه أن الله لو ناقشك في حسابه هَلَكْتَ؛ لأنه سبحانه وتعالى لو ناقشك على نعمة واحدة من نعمه لكان جميع (...) ما تقابلها.
* الطالب: (...)؟
* الشيخ: لا، ما نقول (...).
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، فيما سبق من الآيات أمر الله تعالى أن يُذْكَر هذا اليوم العظيم، وهو يوم تشقُّقِ السماء بالغمام بنزول الله سبحانه وتعالى.
* وفي الآية: إثبات نزول الله؛ لأن هذا التشقُّق إنما يكون لنزوله، والغرض من ذكره التحذير منه والاستعداد له؛ لأنه كلما ذُكِرَ الشيء حذره الإنسان واستعد له، وفيما سبق وصف الله تعالى يوم القيامة بأنه عسير وصفًا مُقيَّدًا بالكافرين، وفي آية أخرى وصفه وصفًا مطلقًا بأنه عسير.
وذكرنا فيما سبق أنه وإن كان عسيرًا، لكنه بالنسبة للمؤمنين يكون يسيرًا، فالوصف المطلق لذلك اليوم أنَّه عسير، ولكن الذي يتأثر به ويكون عسيرًا عليه هم الكافرون، أما المؤمنون فلا.
ثم أمر الله تعالى بأن تُذْكَر حال المجرمين يومئذٍ من الندم والتحسر العظيم والعض على الأيدي ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ﴾، والمؤلف خصَّ الآية بمَنْ؟ بعُقْبَة بن أبي مُعَيْط. والصواب أنها عامة لكل ظالم؛ وذلك لأن الأصل بقاء العموم على ما هو عليه حتى يقوم دليل على أن المراد به الخاص.
وهنا ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ﴾ عامٌّ لعقبة وغيره.
يقول: (﴿يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ﴾ محمدٍ ﴿سَبِيلًا﴾ طريقًا إلى الهدى).
﴿يَقُولُ﴾ الجملة حال من ﴿الظَّالِمُ﴾؛ يعني أنه ﴿يَعَضُّ﴾، وهذا دليل على الندم بالفعل، و﴿يَقُولُ يَا لَيْتَنِي﴾ (...) النداء، من علامات الاسم النداء، فـ(يا) لا تدخل إلا على اسم، وإذا دخلت على حرف كما هنا أو على فعل فإنها تفيد التنبيه فقط؛ هذا أحد القولين في إعرابها.
والقول الثاني: أنها للنداء وأن المنادى محذوف، والتقدير في مثل هذه الآية يقول: يا رب ليتني أو يا قوم ليتني.
ولكن نقول: إن الأصل عدم التقدير، وإذا كان الأصل عدم التقدير فالأولى ألا نقدِّر شيئًا هنا وأن نجعل (يا) للتنبيه، لمجرد التنبيه. وإنما كانت لمجرد التنبيه؛ لأن أصل النداء، ويش أصله؟ للتنبيه، عندما تقول: يا فلان، تنبِّهه لينتبه لك ويُقبِل إليك بوجهه، فهي للتنبيه ولا حاجة إلى أن نقدِّر المنادى.
وقوله: ﴿يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا﴾ (ليت) للتمني، والتمني هو طلب ما لا يمكن حصولُه أو ما يعسر حصوله. الشيء الذي يتعذر أو يتعسر حصوله يُسَمَّى طلبه تمنِّيًا:
أَلَا لَيْتَ الشَّبَابَ يَعُودُ يَوْمًا ∗∗∗ فَأُخْبِرُهُ بِمَا فَعَلَ الْمَشِيبُ
هذا متعذِّر، ويقول الفقير: ليت لي مالًا فأتصدقَّ به. هذا عسير وليس متعذرًا.
﴿يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا﴾ من أي القسمين؟
* طالب: هذا من المستحيل.
* الشيخ: هذا من المستحيل؛ لأنه فات الأمر.
﴿يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا﴾، أي: سلكت ﴿سَبِيلًا﴾، وهو الطريق الموصِل إلى الله سبحانه وتعالى.
وقول المؤلف: (﴿مَعَ الرَّسُولِ﴾ مُحَمَّد) بناء على أن الآية يُقْصَد بها عُقْبَة بن أبي مُعَيْطٍ، فعلى هذا تكون (أل) للعهد، أيُّ العهود؟
* طالب: الذهني.
* الشيخ: الذهني، العهد الذهني. وإذا قلنا بالعموم وهو الأرجح، فإن المراد بـ﴿الرَّسُولِ﴾ هنا مَنْ أُرْسِل إلى قومه، فتكون (أل) للجنس للعموم؛ لأن المراد بها جنس الرسول الشامل بمحمد ﷺ وغيره.
(﴿يَا وَيْلَتَى﴾ أَلِفُه عِوَضٌ عن ياء الإضافة، أي: ويلتي، ومعناه: هلكتي، ﴿لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا﴾ أيْ: أُبَيًّا ﴿خَلِيلًا﴾ ).. إلى آخره.
﴿يَا وَيْلَتَى﴾ ﴿يَا﴾ حرف نداء، و﴿وَيْلَتَى﴾ منادى، وأصله: ويلتي، فقُلِبَت الياء ألفًا، فصارت ﴿يَا وَيْلَتَى﴾، وهذا جائز لغة، يجوز لغة أن تقول: يا ويلتي، ويجوز أن تقول: يا ويلتى. والويل الهلاك، وكأنه يقول: يا هلاكي احضر، ﴿لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ﴾.. إلى آخره.
في التمني الأول ما قال: ﴿يَا وَيْلَتَى﴾، لكن في التمني الثاني قال: ﴿يَا وَيْلَتَى﴾؛ لأنه زاد تَحَسُّره. الأول لأول مرة يعبر عن تحسره، والثاني للمرة الثانية، فيكون ذلك أبلغَ في التَّحَسُّر؛ فلهذا قال: ﴿يَا وَيْلَتَى﴾.
وقوله: ﴿لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ﴾ لم أصير ﴿فُلَانًا﴾ فلان هذه اسم جنس يُكْنَى به عن الواحد من بني آدم، وفلانة يكنى بها عن الواحدة من بني آدم. ولم يذكر هنا ﴿فُلَانًا﴾ باسمه؛ لأنه كما أشرنا إليه للعموم، ففي عقبة بن أبي مُعَيْطٍ يكون المراد بفلان مَنْ؟ أبي بن خلف، وفي غيره يكون المراد به من أضله عن ذكر الله.
﴿لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا﴾ الخليلُ هو الحبيب الذي بلغت محبته الغاية؛ لأنَّ الخُلَّة أعلى أنواع المحبة، وكُنِّيَتْ بذلك لأن المحبة تخلَّلت مسالك البدن كما قال الشاعر:
قَدْ تَخَلَّلْتِ مَسْلَكَ الرُّوحِ مِنِّي ∗∗∗ وَبِذَا سُمِّيَ الْخَلِيلُ خَلِيلًا
وعلى هذا فالخلُّة أعلى من المحبة، وبه نعرف خطأ من قال: محمد حبيبُ الله، وإبراهيم خليل الله، وموسى كليم الله؛ لأن هؤلاء نزَّلوا مرتبة النبي ﷺ، حيث وصفوه بأنه حبيب الله وإبراهيم خليل الله، فإنَّ الخُلَّة أعلى، والنبي ﷺ خليلُ الله كما أن إبراهيم خليل الله، قال النبي ﷺ: «إِنَّ اللَّهَ اتَّخَذَنِي خَلِيلًا كَمَا اتَّخَذَ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا»[[أخرجه مسلم (٥٣٢ / ٢٣) وابن حبان –واللفظ له- (٦٤٢٥) من حديث جندب بن عبد الله البجلي رضي الله عنه.]]. وأما موسى كليم الله، فنقول: أيضًا محمدٌ كليم الله، وإذا كان موسى كليم الله في الأرض؛ فإن محمدًا ﷺ كليم الله في السماء.
(﴿لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ﴾ أَيْ الْقُرْآن ﴿بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي﴾ ).
لقد أضلني، اللام موطئة للقسم، وقد للتحقيق، فالجملة إذن مُؤَكَّدَة. بكم مؤكِّد؟
* طالب: بقد و(...).
* الشيخ: نعم، أنا قلت: بكم؟
* طالب: ﴿لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي﴾ مؤكدة.
* الشيخ: طيب، ويش هي؟
* الطالب: القسم و(قد).
* الشيخ: وين القسم؟
* الطالب: القسم..
* الشيخ: القسم وقد، (قد) معروفة موجودة، والقسم؟
* الطالب: لأن اللام هذه تُسمى موطِّئة للقسم، أي جواب قسم (...).
* الشيخ: طيب، (...) مؤكَّدة بثلاثةِ مؤكدات: القسم واللام و(قد)، وهو يؤكد في هذا اليوم أن ذلك الخليل أضلَّه تأكيدًا يراد به لوم نفسه، ولكن ذلك لا ينفعه الآن، لو كان هذا التأكيد في الدنيا لنفعه، أما الآن فلا ينفعه ولكنه يزيد في تَحَسُّرِه.
لقد أضلني عن الذكر، يقول المؤلف: (أي القرآن) وهو بناء منه على أن المراد بما سبق في الظالم أو في ابن أبي معيط، فيكون الذكر القرآن. وإذا قلنا بالعموم وهو الراجح فيكون المراد بالذكر الكتاب المنزَّل على ذلك الرسول، وفي عهد موسى التوراة، وفي عهد عيسى الإنجيل، وكذلك في العهود الأخرى الكتب المنزلة على الرسل.
﴿أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي﴾ [الفرقان ٢٩]، هذا الظرف له فائدته العظيمة، يعني: بعد أن حصل لي الذِّكر وعلمتُه وفهمتُه حصل الإضلال، وهذا أبلغ مما لو أضله عن أمر متوقَّع غير واقع، هذا أمر واقع، أقر بأن الذكر جاءه وقامت عليه الحجة، وأضله هذا الخليل بعد إذ جاءه.
(بأنْ ردَّني عن الإيمان به، قال الله تعالى: ﴿وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ﴾ للكافر)، (للإنسان للكافر) ولّا (الكافر)؟
* طالب: (...).
* الشيخ: (الكافر ﴿خَذُولًا﴾ بأنْ يترُكَه ويتبرَّأ منه عند البلاء).
قوله: (قال الله تعالى: ﴿وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولًا﴾ [الفرقان ٢٩])، كأن المؤلف مشى على أن هذه الجملة ليست من قول الظالم، وأن قول الظالم انتهى عند قوله: ﴿بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي﴾، وعلى هذا فينبغي الوقف: ﴿لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي﴾ فتقف، ثم تستأنف وتقول: ﴿وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولًا﴾.
وقوله: ﴿الشَّيْطَانُ﴾ يُراد به الجنس؛ لأن الشياطين كثيرون، قال الله تعالى: ﴿وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ﴾ [الشعراء ٢١٠]، وقال: ﴿طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ﴾ [الصافات ٦٥]، فالمرادُ به هنا الجنس. وهم أنواع، والظاهر -والله أعلم- أن لكل نوع من المعاصي شيطانًا، فشيطان الشرك وشيطان الجحود وشيطان البخل وغير ذلك، لكل نوع شيطان، هذا ما يظهر والله أعلم.
وقوله: ﴿لِلْإِنْسَانِ﴾ المراد به على كلام المؤلف: (الكافر)، وهو عُقْبَة بن أبي معيط أو عام؛ لأن هذا الكلام من كلام الله، ليس من كلام الظالم، من كلام الله عز وجل، ويحتمل أن يكون عامًّا للكافر والمؤمن، فإن الشيطان أيضًا يغوي المؤمن ثم بعد ذلك يتخلى عنه.
فالظاهر أن المراد بالإنسان هنا الجنس، يعني المؤمن أو الكافر، وإنما قلنا: إن ذلك هو الظاهر؛ لأنه كما يغوي الكافرين بالكفر، كذلك يغوي المؤمنين بالفسق.
وقوله: ﴿خَذُولًا﴾، هذه إما أن تكون صفة مشبهة وإما أن تكون صيغة مبالغة، وعلى الأمرين يكون وصف الشيطان بالنسبة للإنسان الخذلان، أو يكون خذلان الشيطان للإنسان دائمًا؛ لأن المبالغة تقتضي الكثرة. والخذلان معناه: إذلال الإنسان في موطن يحتاج معه إلى النصر؛ هذا الخذلان؛ أنك تتخلى عن إنسان في موطن يحتاج فيه إلى النصر. والشيطان عندما نتأمل ما ذكر الله عنه في القرآن، نجد أنه يخذل الإنسان في مواطن النصر؛ زين لقريش أن يخرجوا لقتال النبي ﷺ، فخرجوا ﴿فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ﴾ [الأنفال ٤٨]، زين للإنسان الكفر ﴿كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنْسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ﴾ [الحشر ١٦]. هذا في الدنيا، في الآخرة: ﴿وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ﴾ بمغيثكم ﴿وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ﴾ [إبراهيم ٢٢]، هذا أيضًا خذلان عظيم، فالشيطان في مواطن النصر يخذل الإنسان ويتبرأ منه.
وهذا الوصف ﴿وَكَانَ الشَّيْطَانُ﴾ نقول: (كان) في علم الله ولّا (كان) فيما مضى وانتهى؟
* طالب: في علم الله.
* طالب: نقول: (كان) لا تفيد الزمنية.
* الشيخ: هذا مر علينا قريبًا (...).
* الطالب: لا، مجردة عن الزمن.
* الشيخ: إي، مجردة عن الزمن؛ يعني أنَّ (كان) تأتي ولا يراد بها الزمن، يراد بها مطلق الوصف بالحدث، مثل: ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء ٩٦]، ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا﴾ [الأحزاب ٢٧]، ليس معناه: كان فيما مضى، (...) المعنى أن هذا وصف لله مستمر.
وكذلك هنا: ﴿وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولًا﴾، ليس معناه أن الشيطان كان خذولًا للإنسان فيما مضى وأصبح غير خذول، بل المعنى أن هذا وصف ملازم للشيطان بالنسبة للإنسان.
* طالب: ألا (...) ﴿وَكَانَ﴾ يعني في الدنيا؟
* الشيخ: لا، هو في الدنيا والآخرة، حتى في الآخرة: ﴿وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ﴾ [إبراهيم ٢٢] تلوناها الآن.
طيب، وهنا؟
* طالب: يا شيخ.
* الشيخ: نعم.
* الطالب: (...)؟
* الشيخ: تارة يراد بها الدلالة على الزمن، وتارة يراد بها مجرد الحدث؛ يعني مجردة عن الزمن، فتقول مثلًا: كان زيد قائمًا، يعني فيما مضى، ثم جلس. وتقول: كان الله غفورًا رحيمًا، ما هو المعنى فيما مضى، بل المعنى أن وصفه المغفرة والرحمة.
هنا الشيطان وصفه الخذلان لبني آدم دائمًا، ليس معناه فيما مضى فقط، وإنما أخبرنا الله تبارك وتعالى بأن الشيطان خذولٌ للإنسان لأجل أن نتخذه عدوًّا وألا نغتر به؛ فإنه سوف يخذلنا في موطن نحتاج فيه إلى نصره، فنحذر منه.
فإذا قال إنسان: ما هي علامة كون الشيطان أو كون هذا الفعل من أوامر الشيطان؟ ويش يدرينا مثلًا أن الشيطان أمرنا بهذا وأن هذا من عمل الشيطان؟
* طالب: (...) كما جاء به الشرع.
* الشيخ: نعم.
* الطالب: فإن كان مخالفًا له فهو من أوامر الشيطان.
* الشيخ: إي نعم، هذا الضابط: ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ﴾ [البقرة ٢٦٨]، فإذا رأينا أن النفس تريد منا أن نقع في هذا العمل، إذا كان مخالفًا للشرع علمنا أن هذا من أمر الشيطان فوجب علينا الحذر منه؛ لأننا نعلم أن هذا الشيطان سيخذلنا في موطن نحتاج فيه إلى النصر. هذه هي العلامة الفارقة بين ما يكون من أمر الشيطان وما يكون من أمر الله تبارك وتعالى.
(﴿وَقَالَ الرَّسُولُ﴾ محمد).
* طالب: (...)؟
* الشيخ: لا، النفس الأمارة بالسوء تأتمر بأمر الشيطان؛ لأنك أنت لا تحس بأن الشيطان مثلًا نزل بك وجاء بك، لكن نفسك تأمرك بهذا، فهي تأتمر بأمر الشيطان.
* الطالب: (...)؟
* الشيخ: إي نعم، يعني يجعلها كالوسيط بينه وبين قلب المرء.
(﴿وَقَالَ الرَّسُولُ﴾ محمد ﴿يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي﴾ قريشًا ﴿اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا﴾ [الفرقان ٣٠]).
هنا المؤلف أيضًا خصَّها بالنبي ﷺ، وهنا قد نوافق المؤلف على أنها خاصة بالنبي ﷺ، بدليل قوله: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ﴾ [الفرقان ٣١]؛ لأن المراد بهذه الجملة التسلية، وهذا هو الذي يؤيد ما قال المؤلف.
Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии