Ибн УсейминАн‑Ниса · 4:23

Ибн Усеймин · Тафсир · на арабском

Ан-Ниса 4:23, продолжение

* الشيخ: نقول: الجمع بين الزوجة وأختها حرام؛ لأن الله قال: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا﴾. ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا﴾ هذه معطوفة على قوله: ﴿أُمَّهَاتُكُمْ﴾ يعني وحرم عليكم أن تجمعوا بين الأختين. المحرمات بالجمع ثلاث: أخت الزوجة، وعمتها، وخالتها؛ هذه محرمات بالجمع، فلا يجوز لإنسان أن يجمع بين المرأة وأختها ولا بين المرأة وعمتها، ما صلتها بعمتها؟

* طلبة: بنت أخيها.

* الشيخ: بنت أخيها، ولا بالمرأة وخالتها بنت أختها، هذه ثلاث محرمات بالجمع عرفتم؟

ولا شك أن هذا أحسن ضابط ذكره الفقهاء أنه يحرم الجمع بين كل امرأتين لو قدرت إحداهما ذكرًا لم تحلّ للأخرى بنسب أو رضاع لا مصاهرة؛ لأن هذا الآن يحتاج إلى زمن لتصوره، ثم تطبيقه، لكن إذا قلت: الجمع بين المرأة وأختها كما في القرآن؛ الجمع بين المرأة وعمتها وبين المرأة وخالتها كما في السنة، قال: ﴿إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾.

ذكرنا ضوابط التحريم السبع؟ لا، لازم نذكره في الفوائد!

* طلبة: في الشرح.

* الشيخ: في الشرح طيب المحرمات السبع يمكن نحيل على ما سبق في الشرح أو في التفسير على ما سبق في التفسير؛ لأن مهم أن نعرف أن الأم يدخل فيها الأم والجدة ومن قبل الأب ومن قبل الأم، إي نعم، خلاص. الثاني: ثبوت التحريم بالرضاع؛ لقوله: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾.

* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الأم عند الإطلاق لا يدخل فيها الأم من الرضاع، وجه ذلك أنه لو كانت الأم من الرضاع تدخل في الأم عند الإطلاق ما احتيج إلى قوله: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾ لأنها تدخل في قوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾.

* ويتفرع على هذه الفائدة: أن أم الزوجة من الرضاع لا تدخل في قوله: ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ﴾ لماذا؟ لأن الأم عند الإطلاق لا يدخل فيها الأم من الرضاع، فإذا قال قائل: أم الزوجة من الرضاع حرام لدخولها في عموم قوله: ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ﴾؟ قلنا: لا نسلّم بهذا، ليش؟ لأن الأم عند الإطلاق لا يدخل فيها الأم من الرضاع بدليل قوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾ ولو كانت الأم عند الإطلاق يدخل فيها الأم من الرضاعة لكان في الآية تكرار ينافي البلاغة.

* ومن فوائد الآية الكريمة: ثبوت الأمومة بالرضاع، وعلى هذا فيصح أن يقول القائل لمن أرضعته: أمي، لكن لا ينبغي أن يقولها إلا مقيده؛ لأن الله قيدها فقال: ﴿أُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾ فأنت تقول: أمي من الرضاع، تقيّد لئلا يتوهم السامع أنها أم من النسب.

* ويتفرع من هذه الفائدة: ما يطلقه كثير من الناس على زوجة الأب أنها عمة، وبعضهم يسميها خالة على الإطلاق، وكذلك ما يفعله بعض الناس من إطلاق اسم العم أو الخال على أب الزوجة، يقول: عمي، وخالي، واحد يقول: عمي، وواحد يقول: خالي. هذا غلط؛ لأنها تسمية لا تصح لغة ولا شرعًا، وتُوهم؛ ولهذا نهى النبي عليه الصلاة والسلام عن تسمية العشاء بالعتمة وقال: «لَا يَغْلِبَنَّكُمُ الْأَعْرَابُ عَلَى صَلَاتِكُمُ الْعِشَاءِ تُسَمُّونَهَا الْعَتَمَةَ فَإِنَّهَا ِفي صَلَاةِ اللَّهِ الْعِشَاءُ»[[أخرجه مسلم (٦٤٤ / ٢٢٩)، ولفظه: «لَا تَغْلِبَنَّكُمُ الْأَعْرَابُ عَلَى اسْمِ صَلَاتِكُمُ الْعِشَاءِ، فَإِنَّهَا فِي كِتَابِ اللهِ الْعِشَاءُ، وَإِنَّهَا تُعْتِمُ بِحِلَابِ الْإِبِلِ».]] . ﴿وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ﴾ [النور ٥٨] كما في القرآن، فالمصطلحات أو الحقائق الشرعية لا ينبغي أن تطلق على خلاف الحقائق الشرعية.

* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن المرضعة تحرم بمطلق الرضاعة؛ لقوله: ﴿أُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾ والرضاع يصدق بمرة بل بمصة؛ لأن من مص من ثدي المرأة قيل: رضع، وعلى هذا فيثبت التحريم بمجرد رضعة واحدة، وإلى هذا ذهب الظاهرية وقالوا: إن التحريم بالرضاع يثبت بالرضعة الواحدة؛ لأنه جاء مطلقًا في القرآن، والمطلق يصدق بمرة واحدة، ولكن الصحيح أن هذا الإطلاق في القرآن قد قيدته السنة فيما صح عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في قوله: «لَا تُحَرِّمُ الْمَصَّةُ وَلَا الْمَصَّتَانِ أَوِ الْإِمْلَاجَةُ وَلَا الْإِمْلَاجَتَانِ»[[أخرجه أبو داود (٢٠٦٣) والترمذي (١١٥٠) بالمقطع الأول فقط، وأخرجه ابن حبان تامًّا (٤٢٢٦). ]] «لَا تُحَرِّمُ الْمَصَّةُ وَلَا الْمَصَّتَانِ». طيب والثلاث؟ الثلاث تحرّم بمقتضى مفهوم هذا الحديث «لَا تُحَرِّمُ الْمَصَّةُ وَالْمَصَّتَانِ»[[أخرجه أبو داود (٢٠٦٣) والترمذي (١١٥٠).]] مفهومه أن المصة والمصتين تحرمان.

* طلبة: لا، لا تحرّم.

* الشيخ: لا تحرم، هذا منطوقه إذن، مفهومه أن ما زاد عليهما يحرم، وإلى هذا ذهب أيضًا كثير من العلماء، أهل القياس ما هو أهل الظاهر أهل القياس، وقالوا: إن الثلاث محرِّمة لمفهوم الحديث، وقال بعض العلماء: لا يحرم إلا خمس؛ لما صح في مسلم عن عائشة رضي الله عنها قالت: «كان فيما أنزل من القرآن عشر رضعات معلومات يحرّمن فنُسخنَ بخمس معلومات فتُوفّي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهي فيما يُقرأ من القرآن »[[أخرجه مسلم (١٤٥٢ / ٢٤).]] . وإلى هذا ذهب الإمام أحمد رحمه الله إلى أن المحرِّم خمس رضعات، وأجاب عن الحديث: «لَا تُحَرِّمُ الْمَصَّةُ وَالْمَصَّتَانِ»[[أخرجه أبو داود (٢٠٦٣) والترمذي (١١٥٠). ]] بأن تحريم الثلاث بالمفهوم، وإذا تعارض المفهوم والمنطوق يُقدّم أيش؟ المنطوق، لماذا؟ لأن المفهوم واسع يصدق بصورة واحدة فمثلًا: «لَا تُحَرِّمُ الْمَصَّةُ وَلَا الْمَصَّتَانِ»[[ أخرجه أبو داود (٢٠٦٣) والترمذي (١١٥٠).]] لا تحرّم، والثلاث والأربع والخمس والعشر مسكوت عليهم بالمفهوم، إذا رضع خمس رضعات ثبت التحريم، وإذا قلنا: يثبت التحريم بخمس رضعات فإننا لم نخالف المنطوق؛ يعني مفهومه الثنتان لا تُحرّم، وما زاد فيصدق بصورة واحدة، لهذا نقول: إننا نقدّم دلالة المنطوق، لكن بعض العلماء طعن في هذا الحديث طعنًا موجعًا، قال: هذا الحديث لا يصح ولو كان في مسلم، كيف يُتوفّى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهي فيما يُتلى من القرآن ولم نجدها الآن في القرآن؛ لأن الواجب إذا كانت بعد وفاة الرسول عليه الصلاة والسلام موجودة في القرآن يجب أن لا تبقى، ولو فُتح الباب لكان هذا سبيلًا إلى تصحيح قول الرافضة: إن في القرآن شيئًا محذوفًا، وبناء على ذلك فالمتن منكر، ونأخذ بحديث: «لَا تُحَرِّمُ الْمَصَّةُ وَلَا الْمَصَّتَانِ»[[أخرجه أبو داود (٢٠٦٣) والترمذي (١١٥٠). ]] . أو نأخذ بالإطلاق، ولكن عند التأمل لا يتبيّن أن هذا طعن في الحديث؛ لأن عائشة صرّحت بالنسخ، بالنسخ نسخ، ولكنها كانت مما يتلى من القرآن عند وفاة الرسول ﷺ لعدم علم التالي لها، بأيش؟ بالنسخ، وهذا أمر واقع، فالحديث يدل على أن النسخ وقع متأخرًا لم يعلم به بعض الناس فصار يقرؤه فيما يتلو من القرآن، وإذا زال الإشكال فإنه لا ينبغي أن نتجرأ على طعن الرواة؛ لأنك إذا حكمت بنكارة المتن حكمت بوهم من؟ وهم الرواة وخطئهم، وهذا شيء صعب، فمهما أمكن قبول خبر الثقة فاقبله، أما إذا لم يمكن وكان مخالفًا للقرآن فلا تقبله، لكن إذا كان غير مخالف ويمكن الجمع فاجمع، وهذا الذي ذهب إليه الإمام أحمد رحمه الله هو الصحيح أنها خمس رضعات، وفي الحديث: «مَعْلُومَات»[[أخرجه مسلم (١٤٥٢ / ٢٤).]] فيفيد أنه لو وقع الشك في عددها هل هي خمس أو أربع فلا عبرة به، لا عبرة بهذا الرضاع؛ لأن الحديث قيد بماذا؟ بمعلومات، ومع الشك لا يثبت الحكم، وهذا مما يطمئن الإنسان لما يفتي به الناس في هذه المسألة؛ لأن كثيرًا من الناس يأتي يقول: الرضاع ثابت، لكن ما ندري كم الرضاع، نقول: الحمد لله، ما دام أن الحديث خمس رضعات معلومات فإن ما شُكّ فيه ليس معلومًا، وحينئذٍ لا يثبت به الحكم، واضح؟ بقي علينا أن ننظر هل يمكن أن يقيد إطلاق القرآن بالسنة؟

إي نعم، يمكن، يمكن أن يقيّد إطلاق القرآن بالسنة كما يُخصّص عموم القرآن كذلك بالسنة، وأما نسخ القرآن بالسنة فالصحيح أنه يُنسخ القرآن بالسنة إذا صحت؛ لأن الكل من عند الله عز وجل قد ينسخ الله قوله بقوله، وقد ينسخ الله قوله بقول رسوله صلى الله عليه وآله وسلم، إذن المحرّم كم؟ خمس رضاعات معلومات، فما هي الخمس أو ما هي الرضعة؟ على الأصح، ما هي الرضعة؟

* طالب: الرضعة المشبعة.

* الشيخ: المشبعة ما في الحديث خمس رضعات مشبعات، خمس رضعات، فقال بعضهم: الرضعة: المصّة؛ لقوله: «لَا تُحَرِّمُ الْمَصَّةُ وَلَا الْمَصَّتَانِ»[[أخرجه أبو داود (٢٠٦٣) والترمذي (١١٥٠).]] والمصَّة: هي الرضعة، ومعلوم أن الطفل إذا مصّ فقد رضع وأتاه اللبن بمصته، وعلى هذا يمكن أن تكون الخمس في مجلس واحد، وفي نفَس واحد ولَّا لا؟ الطفل يمكن يمص خمس مرات في نفس واحد؟ يمكن أن يمص خمس مرات والثدي في فمه، ولكن هذا فيه شيء من الاشتباه؛ لأن الإحاطة بهذا صعبة.

وقال بعض العلماء: المراد بالرضعة التقام الثدي، فما دام الصبي ملتقمًا الثدي فهذه رضعة، وإذا أطلقه لأي سبب من الأسباب فقد تمت الرضعة سواء أطلقه لتنفّس أو لسماع صوت أزعجه أو لملل أمه من الجهة اليمنى لتحوّله إلى اليسرى أو ما أشبه ذلك، المهم أن الرضعة التقام الثدي فما دام الطفل ملتقمًا للثدي فهي رضعة، وإذا أطلقه لأي سبب فقد تمت الرضعة، وعلى هذا يمكن أن تتم الخمس في مجلس واحد، هذان قولان.

القول الثالث: أن الرضعة هي (فَعْلَة) مما يُعدّ رضعة أي: وجبة في الرضاع، كما تقول: أَكْلَة، كما جاء في الحديث: «إِنَّ اللَّهَ لَيَرْضَى عَنِ الْعَبْدِ يَأْكُلُ الْأَكْلَةَ فَيَحْمَدُهُ عَلَيْهَا»[[أخرجه مسلم (٢٧٣٤ / ٨٨) تامًّا بلفظ: «إِنَّ اللَّهَ لَيَرْضَى عَنِ الْعَبْدِ أَنْ يَأْكُلَ الْأكْلَةَ فَيَحْمَدهُ عَلَيْهَا أَوْ يَشْرَبَ الشَّرْبَةَ فَيَحْمَدَهُ عَلَيْهَا».]] هل الحمد كلما أكلت لقمة قلت: الحمد لله، ولَّا عند الانتهاء؟

عند الانتهاء، فيكون الرَّضْعة كالأَكْلة تمامًا، فلا بد أن تكون الرضعة الأخرى منفصلة عنها بزمن يُعدّ انفصالًا كأن تكون واحدة في الصباح، وواحدة في المساء، وواحدة في الليل، وواحدة في السحر وما أشبه ذلك، وهذا هو اختيار شيخنا عبد الرحمن بن سعدي رحمه الله أن المراد بالرضعة ما انفصلت عن أختها انفصالًا بيّنًا لتكون رضعة كاملة، وإذا قدرنا أن الحديث يحتمل المعاني الثلاثة وهي: أيش؟ المصة، التقام الثدي، الوجبة من الرضاع، فالأصل الحِلّ حتى يقوم دليل بيّن على أن هذا الرضاع محرّم، وبناءً على هذا الأصل يكون الراجح الثالث ولَّا الأول ولَّا الثاني؟

* طلبة: الثالث.

* الشيخ: الثالث، وهو الأخير؛ لأن نقول: دلالة الحديث على المعنى الأول مشكلة فيها اشتباه، وعلى المعنى الثاني فيها اشتباه، وعلى المعنى الثالث تتفق الأقوال ما فيه اشتباه، وحينئذٍ نأخذ بهذا؛ لأن الأصل أيش؟ الحِلّ حتى يثبت التحريم بيقين ليرفع هذا الأصل، إذن الآية: ﴿اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾ مطلق مُقيّد بماذا؟ بالسنة، خمس رضاعات، أيضًا في الآية إطلاق آخر: ﴿اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾ ظاهر الآية أنه يشمل الإرضاع في الصغر والإرضاع في الكبر، فهل هذا مراد؟ نقول: نعم، هو مراد عند بعض العلماء عند الظاهرية مراد، أن إرضاع الكبير كإرضاع الصغير، واستأنسوا لقولهم بحديث سالم مولى أبي حذيفة حيث كان متبنًّى عند أبي حذيفة من أبنائه الذين تبنّاهم في الجاهلية، ومعلوم أنه إذا كان ابنًا فسوف يدخل على البيت ليلًا ونهارًا، وفي أقصى البيت وأدناه كالولد تمامًا، فلما أبطل الله التبنّي «جاءت امرأة أبي حذيفة إلى النبي عليه الصلاة والسلام وقالت: إن سالِمًا كان يدخل علينا؛ يعني ويشق علينا أن نتحرّز منه، فقال: «أَرْضِعِيهِ تَحْرُمِي عَلَيْهِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٠٨٨) ومسلم (١٤٥٣ / ٢٨).]] يعني وإذا حرمتِ عليه جاز أن ينظر إليكِ، وأن يخلو بكِ وهو كبير، وهذا الحديث مطابق لظاهر الآية فيكون شاهدًا للإطلاق، أعرفتم؟

وقال بعض العلماء: إنه لا يُعتبر الرضاع إلا إذا كان في الحولين؛ لأن قوله: ﴿أُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾ أي: الإرضاع المعتبر شرعًا، وقد قال الله تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾ [البقرة ٢٣٣] فما كان في الحولين فهو رضاع معتبَر، وما كان بعد الحولين فلا عبرة به؛ لأن هذا هو زمن الإرضاع الذي قال الله تعالى فيه: ﴿اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾ وهذا هو المشهور عند أكثر أهل العلم وهو المشهور من مذهب الإمام أحمد أن العبرة بماذا؟

* الطلبة: (...).

* الشيخ: بالحولين، فما كان قبلهما فهو رضاع معتبر، وما كان بعدهما فليس بمعتبر، قالوا: وهذا حدّ فاصل لا يُبقِي اشتباهًا، وعليه فلو أرضعته ثلاث مرات في يوم السبت، والرابعة في ضحى يوم الأحد، والخامسة بعد ظهر يوم الأحد، لكن كانت ولادته عند زوال الشمس؛ يعني يتم سنتين عند زوال الشمس، فهل الرضاع معتبر أو غير معتبر؟

الطلبة: غير معتبر، على قول السنتين.

* الشيخ: غير معتبر؛ لأن الخامسة وقعت بعد الحولين فلا يعتبر مع أن الرابعة لم تتهضّم بعد من المعدة، هي في معدته، ولكن تمت السنتان، كما أن الرجل قبل تمام خمس عشرة سنة غير بالغ وبعدها بالغ؛ يعني لو أن الشخص فعل شيئًا يُشترط فيه البلوغ ضُحى اليوم الذي بلغ فيه فإنه لا يؤاخذ به، وآخر النهار يُؤاخذ به.

وقال بعض العلماء: المعتبَر الفطام، فما كان قبل الفطام فهو معتبر، وما كان بعده فليس بمعتبر لحديث: «لَا رَضَاعَ إِلَّا مَا أَنْشَزَ الْعَظْمَ وَكَانَ قَبْلَ الْفِطَامُ»[[أخرجه أبو داود (٢٠٦٠) بغير المقطع الأخير، وقد ورد تامًّا عند الطبراني في الكبير (٨٥٠٠) ولكن بلفظ: «لَمْ تُحَرَّمْ عَلَيْكَ، إِنَّمَا يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعِ مَا أَنَبْتَ اللَّحْمَ وَشَدَّ الْعَظْمَ، وَلَا رَضَاعَ بَعْدَ فِطَامٍ».]] . وهذا وإن كان فيه شيء من النظر.. من الصحة يعني أنه ضعيف، لكن يؤيده النظر؛ لأن الإرضاع قبل الفطام يؤثر في نمو الولد، وليس له إلا هذا الغذاء، وبعده بعد الفطام لا فرق بين الصغير والكبير في تأثير أيش؟ الرضاع؛ لأنه إذا فُطم وصار لا يأكل إلا الطعام لا فرق بينه وبين من له عشر سنوات، تأثير الغذاء عنده باللبن كتأثيره عند صاحب عشر سنوات، وهذا القول -أعني أن الحكم معلّق بالفطام- اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله؛ أن العبرة بالفطام، وهذا من حيث المعنى -كما سمعتم- أصح، لكن فيه شيء من العسر؛ وذلك لعدم انضباطه في بعض الأحيان؛ لأن الطفل ليس يُفطم مرة واحدة، بل يُفطم شيئًا فشيئًا لصعوبة الفطام عليه.

ولو قال قائل: باعتبار الأكثر من الفطام أو السنتين لم يكن هذا القول بعيدًا. يعني فإذا فطم قبل السنتين امتدّ الحكم إلى السنتين، وإن تمت السنتان قبل فطامه امتد الحكم إلى فطامه، لو قيل بهذا لكان جيدًا، لكن تعليقه بالفطام أصح من حيث المعنى؛ لأنه إذا فُطم لا يتغذّى باللبن، وليس معنى قولنا: لا يتغذى باللبن أنه لا يستفيد منه، لا، الإنسان يستفيد من اللبن لو له خمسون سنة، لو كان له خمسون سنة لاستفاد من اللبن، لكن لا يتغذّى به، ولا يصير غذاءً له إذا فُطم.

فإن قال قائل: ما الجواب عن إطلاق الآية وعن قصة سالم؟

قلنا: أما إطلاق الآية فقد ذكرنا أنها مقيّدة بعدد خمس رضعات، فلتقيّد بزمن أيضًا وهو (الحولين)، ثم إن ظاهر الآية أيضًا يؤيد اشتراط الفطام؛ لأنه قال: ﴿اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾. ومعلوم أن الكبار ليسوا من المراضيع قد فُطموا وانتهوا، فظاهره أن ﴿أَرْضَعْنَكُمْ﴾ يعني في وقت الرضاع.

ونرد عليهم بالنسبة لقصة سالم مولى أبي حذيفة بأحد وجهين، بل بأحد ثلاثة أوجه: إما أنها منسوخة، أو مخصوصة خاصة به عينًا، أو مخصوصة به نوعًا، عرفتم؟ منسوخة، أو مخصوصة به عينًا، أو مخصوصة به نوعًا. أما القول بأنها منسوخة فهذا ليس بشيء؛ لأن الأصل عدم النسخ، ولا بد من إثبات التاريخ وتعذّر الجمع، وأما القول: بأنها مخصوصة به عينًا فضعيف أيضًا؛ لأن الله عز وجل لا يمكن أن يخص أحدًا بحكم إلا لمعنى فيه حتى النبي عليه الصلاة والسلام ما خُصّ بما خُصّ به من الأحكام إلا لأنه نبي، لا لأنه محمد بن عبد الله؛ لأنه نبي، فلا بد من علّة يتغير بها الحكم ويُخصّص به من اتصف بها، وما المعنى الذي يخص به سالم حتى نقول: إن الحكم لا يتعداه، وأنه خاص به؟ لأننا إذا قلنا: إن الحكم لا يتعداه وأنه خاص به صار معناه أنه حُكِم له بذلك لأنه سالم مولى أبي حذيفة، وهذا لا معنى له، وعلى هذا فيضعف هذا القول أيضًا؛ أنه خاص به عينًا. بقي أن يكون خاصًّا به نوعًا؛ يعني فإذا وُجد حال مثل حال سالم ثبت الحكم، وهذا لا يمكن الآن، لماذا؟ لأن ابن التبنّي بطل، ما يمكن، وعلى هذا فلا يرد علينا أبدًا ما دمنا قررنا أنه لا أحد يخصّص عينًا بحكم من شريعة الله، لا بد أن يكون هناك معنى يتعدى إلى نوعه، وهذا لا يمكن، لكن شيخ الإسلام رحمه الله لم يعتبر في بعض كلام له كلامان: الكلام الأول يوافق ما قلت؛ أنه لا بد من مراعاة التبنّي، القول الثاني: يعتبر الحاجة، وأنه متى احتيج إلى إرضاع الكبير رُضِّع وثبت حكم الرضاع، ولكن قوله هذا ضعيف، كقول الجمهور؛ الجمهور يرى أن رضاع الكبير لا، قوله هذا ضعيف، لماذا؟ لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «إِيَّاكُمْ وَالدُّخُولَ عَلَى النِّسَاءِ» قالوا: يا رسول الله، أرَأَيْتَ الْحَمْوَ؟ » _من الحمو؟ أخو الزوج أو عمه أو خاله أو ما أشبه ذلك، قريبه_ «قال: «الْحَمْوُ الْمَوْتُ»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٢٣٢) ومسلم (٢١٧٢ / ٢٠).]] . ومعلوم أن أخ الزوج يحتاج إلى الدخول إلى بيت أخيه لا سيما إذا كانوا في بيت واحد، ولو كان إرضاع الكبير مؤثرًا لقال: الحمو ترضعه زوجة قريبه ليزول الحرج، فلما لم يقل ذلك عُلم أن مطلق الحاجة لا يؤثر في ثبوت حكم الرضاع في الكبير، وأنه لا بد أن تكون حاجة خاصة نتمشى بها على كل ما حصل في قضية سالم مولى أبي حذيفة، وإذا اعتبرنا ذلك صارت الآن أيش؟ غير موجودة، وبهذا تسلم الأدلة من التعارُض ويحصل الجمع بينهم.

فيه أيضًا ﴿أُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾ هل لا بد من مباشرة الإرضاع بحيث لو صُبّ اللبن في إناء وشربه الطفل لا يؤثر أو لا؟

الجواب: لا، ليس من الشرط أن يلتقم الثدي، بل لو صُبّ في إناء وشربه وفُرّق له ذلك خمس مرات ثبت الحكم؛ لأن المعنى موجود في هذا كما هو موجود في التقام الثدي، هذا من حيث تغذّي الطفل باللبن، لكن يفقد منه الحنان والمحبة، فإن الرضيع إذا كان يلتقم الثدي حصل من حنان المرضعة ومحبتها له ما لم يحصل فيما لو صُبّ لبنها في إناء وأُسقي الطفل، فهل هذا معتَبر، وأن الشرع لاحظ التحريم بالرضاع؛ لأنه يحصل من المرضعة مثل ما يحصل من أم النسب من المحبة والحنو، ولذلك صارت هذه العلاقة مؤثرة؟ أو أن المقصود تغذي الطفل باللبن؟

هذا هو موضع خلاف فيما أظن، لكن الظاهر العموم؛ يعني أنه لا فرق بين أن يرتضعه من ثدي المرضعة أو أن يُصبّ له في إناء ويشرب؛ لأن الجسم يتغذّى بهذا وهذا، واضح؟ والله وأعلم.

* طالب: (...) على بعض النصوص التي وردت إما عن النبي عليه الصلاة والسلام، وإما من السلف (...) في قول الأخ: لا يزيد عنها إلا هالك أو مشرك، معنى أو مشرك؟

* الشيخ: هذا الهالك تعُمّ المشرك وغير المشرك، لكن يعني عطف الخاص الأشد على الأخف هذا مما يتسامح فيه، وما دام لم يعزها للرسول عليه الصلاة والسلام فلا بأس، أما لو عزاها للرسول قلنا: لا تتجاوز.

* طالب: شيخ، الله يرحمك بالنسبة لما ذكره الأخان يعني الإمام السيوطي رحمه الله يقول: إن الإدراج في كلام النبي ﷺ مطلقًا حرام.

* الشيخ: هو ما عزاه للرسول.

* الطالب: لكن ذكره السامع قد يظن أنه..

* الشيخ: لكن كلمة قد احذفها هنا، ما عزاه للرسول.

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾ أخذنا منها فوائد، وتكلمنا على الرضاع مما يُغني عن إعادته.

* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن لبن الفحل محرِّم، أيش معنى لبن الفحل محرم؟ يعني أن الأخت من الأب من الرضاعة حرام؛ لعموم قوله: ﴿وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾ وهذا -والله أعلم- من فائدة ذكر الأخوات دون البنات من الرضاعة، البنات من الرضاعة ما ذكرن والعمات ما ذكرن، لكن الأخوات تغني عن العمات؛ لأنهن حواشي، وهن أقرب الحواشي إلى الإنسان؛ إذن يستفاد من هذه الآية أن الأخوات من الأب، أو الأخوات من الأم، أو الأخوات من أم وأب من الرضاع كلهن حرام.

* ومن فوائد الآية الكريمة: أن أم الزوجة حرام بدون شرط؛ لقوله: ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ﴾ فبمجرد العقد على المرأة عقدًا صحيحًا تحرم أمها، وكذلك جداتها وإن علون.

* ومن فوائدها: أن أم المزنيّ بها لا تحرم على الزاني خلافًا لما ذهب إليه كثير من أهل العلم؛ لقوله: ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ﴾ والمزنيّ بها ليست من نسائه، ولا يمكن قياسها على نسائه، لأن نساءه حللن له بعقد شرعي صحيح، والمزنيّ بها لم تحلّ له، فكيف يُقاس السفاح على النكاح الصحيح؟!

* ومن فوائد هذه الآية الكريمة أيضًا: بطلان قول من قال: إن التلوّط بالذكر -والعياذ بالله- كعقد النكاح، وأن من تلوّط بذكر حرمت عليه أمه كأم الزوجة، هذا منكر من القول! كيف تجعل هذه الفاحشة العظيمة بمنزلة النكاح الصحيح؟! فأم الملوط به حلال وليست حرامًا، لكن نعم اللائط والزاني لا يحل أن يُزوّج من أي امرأة حتى يتوب.

* ومن فوائد الآية الكريمة: تحريم الربيبة، لكن اشترط الله تعالى لتحريم الربيبة كم؟

* طالب: مذكورة في قوله تعالى: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ﴾ الشرط الأول أن تكون في حجره.

* الشيخ: الشرط الأول: أن تكون في حجره، والشرط الثاني: أن يكون قد دخل بأمها، ولكن دلت الآية الكريمة على أن الشرط كونها في الحجر غير مقصود، لبيان الواقع وليس شرطًا للحكم بدليل قوله: ﴿فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾.

* ومن فوائد الآية الكريمة: تحريم حلائل الأبناء من زوجات أو مملوكات؛ لقوله: ﴿حَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ﴾ لكن المملوكة لا تكون حليلة إلا بالوطء، ولذلك لو أن شخصًا اشترى أمة ولم يطأها، ثم ملكها أبوه فإنها تحل لأبيه، لكن لو عقد على امرأة ولم يطأها ثم طلّقها فلا تحل لأبيه؛ لأن المملوكة لا تكون حليلة إلا بالوطء، وأما الزوجة فتكون حليلة بمجرد العقد الصحيح.

* ومن فوائد الآية الكريمة: أن حليلة ابن الرضاع لا تحرم لقوله: ﴿الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ﴾.

وسبق في التفسير اختلاف العلماء هل هذا القيد مخرج لابن التبنّي أو لابن الرضاع؟ وذكرنا أن الصواب أنه مُخرج لابن الرضاع، أما ابن التبني فإنه ليس ابنًا شرعيًّا فلا يحتاج إلى قيد لإخراجه.

* ومن فوائد الآية الكريمة: تحريم الجمع بين الأختين؛ لقوله: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾ وعمومه يشمل الأختين من النسب والأختين من الرضاع، فلا يجوز أن يجمع الإنسان بين أختين من الرضاع ولا بين أختين من النسب، وهل هذا شامل لملك اليمين أو خاص بعقد النكاح؟ اختلف فيه السلف، والصحيح أنه شامل لملك اليمين وعقد النكاح، وأن الإنسان إذا كان عنده مملوكتان أختان ووطئ إحداهما فإن الأخرى تحرم عليه حتى يحرم الموطوءة بإخراج لها عن ملكه يبيعها مثلًا، أو يزوّجها بعد الاستبراء، أما ما دامت عنده وقد وطئها فإنه لا يحل له أن يطأ الأخرى. وبالنسبة للنكاح هل يشترط لتحريم الأخت أن يطأ التي عنده أو تحرم الأخت بمجرد العقد؟

* الطلبة: تحرم الأخت بمجرد العقد.

* الشيخ: تحرم الأخت بمجرد العقد، ولهذا يجوز أن يجمع بين الأختين في ملك يمين بعقد بيع أو غيره، ولا يجوز أن يجمع بينهما بعقد نكاح، والفرق أن ملك اليمين يُراد للوطء ولغيره، والنكاح للوطء، فصار الحكم ثابتًا بمجرّد عقد النكاح، أما في الإماء فبالوطء.

* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن ما سلف من الذنوب قبل الشرع فلا يُؤاخذ به؛ لقوله: ﴿إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ وكذلك ما حصل من الذنوب بعد الشرع قبل علم الفاعل فإنه لا يؤاخذ به؛ لقول الله تعالى: ﴿فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ [البقرة ٢٧٥] ولكن سبق لنا أنه إذا كان مفرّطًا في ترك السؤال فترك واجبًا من أجل هذا التفريط فإنه يلزمه قضاؤه.

* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات اسمين من أسماء الله؛ هما: الغفور والرحيم، فبالمغفرة زوال المكروه، وبالرحمة حصول المطلوب، المغفرة للذنوب والرحمة للحسنات أن الله يرفع بها درجات، ومن هذين الاسمين نأخذ صفتين هما: المغفرة والرحمة؛ لأن من طريق أهل السنة والجماعة أن كل اسم من أسماء الله دال على ذات الله وصفته والصفة المشتق منها، فالغفور دال على الذات وعلى الصفة؛ وهي المغفرة، الرحيم دال على الذات وعلى الصفة؛ وهي الرحمة، وقد قسم العلماء -رحمهم الله- الرحمة إلى قسمين: عامة وخاصة؛ فالعامة هي الشاملة لجميع الخلق، ولكنها رحمة لا تتصل بها رحمة الآخرة إنما يتصل بها عدل الآخرة، وهذه للكافرين والمؤمنين، ورحمة خاصة للمؤمنين، هذه تتصل بها الرحمة في الآخرة بالرحمة في الدنيا، يكون الإنسان مرحومًا فيهما في الدنيا والآخرة؛ فمن الأول قوله تعالى: ﴿وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ﴾ [الكهف ٥٨] أي: عامة. وقوله: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة ٣]، ومن الثاني قوله تعالى: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ [الأحزاب ٤٣]. ثم قال تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء ٢٤] يعني وحُرّمت عليكم المحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم، ﴿الْمُحْصَنَاتُ﴾ اسم مفعول من فعل رباعي، وهو (أُحْصِن)؛ لأن اسم المفعول يكون فعله مبنيًّا للمفعول، والإحصان يطلق على عدة معانٍ: فيطلق على الحرائر، ويطلق على العفيفات، ويطلق على المتزوجات، وكل هذا جاء في القرآن، قال الله تعالى في الأول: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء ٢٥] المراد بالمحصنات هنا الحرائر.

ومن الثاني: قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ [النور ٢٣] ﴿الْمُحْصَنَاتِ﴾ يعني العفيفات عن الزنا.

ومن الثالث: المتزوجات هذه الآية: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾. فإن قال قائل: مثل هذه الألفاظ المشتركة لعدة معانٍ كيف نعرف تعيين المعنى المقصود من هذه المعاني؟

نقول: نعرفه بالسياق، فإن لم يكن سياق يُعيّن فالصحيح أنه يجوز استعمال الاسم المشترَك في جميع معانيه ويكون شاملًا لها كما يشمل اللفظ العام جميع أفراده، فاللفظ المشترك بين معنيين فأكثر يكون عامًّا للمعنيين إذا لم يوجد قرينة تعيّن أحد المعنيين، انتبهوا للفائدة هذه.

كما أن اللفظ العام يشمل جميع أفراده، فاللفظ المشترك يشمل جميع معانيه، لننظر الآن في الأمثلة الثلاثة:

المثال الأول: أن المراد بالمحصنات الحرائر، ما هو السياق الذي يعيّن ذلك؟ قوله: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ ﴿مِنْ مَا مَلَكَتْ﴾ إذن المحصنات غير المملوكات، حرائر.

والثانية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ يعيّنها قوله: ﴿الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ غافلات عن الزنا، ولم يطرأ لهن على بال فهن عفيفات.

الثالثة: المتزوجات، هذه ليس في اللفظ الذي في الآية الكريمة ما يعيّن المراد، لكن السنة جاءت به، فما المحصنات وما معنى قوله: ﴿إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾؟ هل معناه أن الرجل إذا كان له أمة متزوجة فإنه يجوز أن يجامعها؟ لا، لكن المسألة وقعت في شيء معيّن؛ وهي المرأة المسبيّة في القتال مع الكفار إذا كانت ذات زوج، ثم ملكها المسلمون فإنها تحلّ لانفساخ نكاح زوجها الأول بسبيها، إذن المحصنات يعني المتزوجات اللاتي يُسبين بأيش؟ بالجهاد، فإذا سبين بالجهاد صرن أيش؟ ملكًا للسابي، وحينئذٍ تحل له، إذن ﴿الْمُحْصَنَاتُ﴾ يعني المتزوجات ﴿مِنَ النِّسَاءِ﴾ يعني المسبيّات؛ من النساء المسبيات، وذلك في قتال من؟

* طلبة: الكفار.

* الشيخ: الكفار، أما قتال المؤمنين فإنه لا سبي للنساء ولو كان قتالًا محرمًا كأهل البغي مثلًا فإن نساءهم لا يسبين، لكن المراد نساء الكفار. ﴿إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ يعني فإنهن حلال، لكن يجب أن نلاحظ حلال ما لم يكن من المحرمات قد تكون أخت الإنسان أو عمته أو ما أشبه ذلك، ﴿إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ ﴿كِتَابَ﴾ قيل: إنه مفعول لفعل محذوف أي: الزموا كتاب الله عليكم؛ أي: الزموا فريضة الله عليكم؛ لأن الكتاب هنا بمعنى (مكتوب)؛ أي: مفروض، والكتْب يأتي بمعنى الفرض كما في قوله: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ [البقرة ١٨٣] الزموا كتاب الله عليكم؛ أي: الزموا فريضة الله عليكم، لا تتجاوزوها، وأكّد الله ذلك لأهميته، ويحتمل أن يكون ﴿كِتَابَ اللَّهِ﴾ مصدرًا لفعل محذوف أي: كتب الله كتاب الله عليكم، فيكون مصدرًا لفعل محذوف دل عليه السياق، لكن المعنى الأول كأنه أوضح ﴿كِتَابَ اللَّه ِ عَلَيْكُمْ﴾ أي: فرضه مفروض عليكم.

﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء ٢٤] ﴿أُحِلَّ﴾ وفي قراءة سبعية: ﴿أَحَلَّ﴾ فالقراءة السبعية ﴿أَحَلَّ﴾ أليق بالسياق في قوله: ﴿كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ والقراءة الأخرى السبعية ﴿أُحِلَّ﴾ أليق بالسياق في قوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ يعني حُرّم مبني للمفعول. ﴿أُحِلَّ﴾ مبني للمفعول، فيكون تناسب بين اللفظين الدالين على هذين الحكمين، وعلى كل حال فالقراءة التي فيها البناء للمفعول حذف الفاعل؛ لأنه معلوم؛ لأن الخلق أو الشرع إذا بُنِي للمفعول فإنما ذلك للعلم بالفاعل؛ لأنه لا خالق إلا الله، ولا شارع إلا الله عز وجل.

وقوله: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ ﴿مَا وَرَاءَ﴾ هنا بمعنى دون أو سوى؛ يعني ما سوى ذلك فهو حلال، وهذا لفظ عام ﴿مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ لأن (ما) اسم موصول للعموم فتشمل كل ما سوى ذلك، وحينئذٍ نرجع إلى الآية ننظر ماذا يحدث. العمة من الرضاع، حلال؟

* طالب: (...).

* الشيخ: هل ذُكرت؟

* طالب: لا، العمة من الرضاع ما ذُكرت.

الشيخ: أخواتكم من الرضاعة؟ نقول: قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٣٧٠) ومسلم (١٤٤٧ / ١٢). ]] فيكون هذا الحكم مما زادت به السنة، وما جاء عن رسول الله فهو كما جاء عن الله، من يطع الرسول فقد أطاع الله، ومن يعص الرسول فقد عصى الله، إذن تحريم العمة من الرضاع والخالة من الرضاع يُستفاد من أين؟

* طلبة: من السنة.

* الشيخ: من السنة، إذن ﴿أُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ دخله تخصيص، ما هو؟

* طلبة: العمة من الرضاع، والخالة.

* الشيخ: العمة من الرضاع والخالة من الرضاع ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾. طيب لو جمع الإنسان بين المرأة وعمتها؟

* طلبة: لا يجوز.

* الشيخ: لا يجوز؟ لا، الله قال: ﴿بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾ ولا شك أن بين الأختين من الروابط ما ليس بين غيرهما.

* طلبة: السنة.

* الشيخ: نقول: جاءت به السّنة: «لَا يُجْمَعُ بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَعَمَّتِهَا وَلَا بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَخَالَتِهَا»[[متفق عليه؛ البخاري (٥١٠٩) ومسلم (١٤٠٨ / ٣٣).]] . إذن عندنا الآن أربع: العمة من الرضاع، والخالة من الرضاع، والجمع بين المرأة وعمتها، والجمع بين المرأة وخالتها، كل ذلك مما جاءت به السنة فيكون مخصصًا لعموم قوله: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾. وهنا نسأل عن التحريم لأني نسيت أن آتي به، تحريم الجمع بين الأختين إلى متى ينتهي؟

* طالب: إذا حصل طلاق.

* الشيخ: إلى أن تموت؟

* طالب: أو حصل طلاق.. أو تطلق.

* الشيخ: أو تُطلّق.

* طالب: أو يفسخ العقد.

* الشيخ: طيب، إذا طُلّقت هل هناك تفصيل أو لا؟ نقول: إذا طلقت طلاقًا رجعيًّا وجب الانتظار حتى تنتهي العدة؛ يعني لو طلّق امرأته ولها أخت طلاقًا رجعيًّا _وعرفتم الطلاق الرجعي من قبل_ فإنه يجب الانتظار بالإجماع حتى تنتهي العدة، إذا كان الطلاق بائنًا، بل قل: إذا كان الفراق بائنًا بطلاق ثلاث، أو طلاق على عِوض، أو فسخ، فهل يجب الانتظار حتى تنتهي العدة أو له أن يتزوج أختها؟

المشهور من مذهب الحنابلة أنه يجب الانتظار، يجب الانتظار حتى تنتهي العدة؛ لأنها إلى الآن مشغولة بحق من حقوق الزوج، فيجب الانتظار. وقال بعض العلماء: إذا كان الفراق بائنًا بفسخ أو طلاق على عِوض أو طلاق ثلاث فإنه يصح أن يتزوج أختها..

بل قل: إذا كان الفراق بائنًا بطلاق ثلاث، أو طلاق على عوض أو فسخ، فهل يجب الانتظار حتى تنتهي العدة أو له أن يتزوج أختها؟

المشهور من المذهب -الحنابلة- أنه يجب الانتظار حتى تنتهي العدة؛ لأنها إلى الآن مشغولة بحق من حقوق الزوج، فيجب الانتظار.

Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии

Содержание

Аят аль-Курси36Аль-Кахфстр. 42джуз 15Бухари 1Муслим 2999

Вид

Тема
Размер текста
Вид

Read in English