Abu Hayyan · Tafsir · in Arabic
Yunus 10:61–70
10:61Page 215
وَمَا تَكُونُ فِي شَأۡنٖ وَمَا تَتۡلُواْ مِنۡهُ مِن قُرۡءَانٖ وَلَا تَعۡمَلُونَ مِنۡ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيۡكُمۡ شُهُودًا إِذۡ تُفِيضُونَ فِيهِۚ وَمَا يَعۡزُبُ عَن رَّبِّكَ مِن مِّثۡقَالِ ذَرَّةٖ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَلَا فِي ٱلسَّمَآءِ وَلَآ أَصۡغَرَ مِن ذَٰلِكَ وَلَآ أَكۡبَرَ إِلَّا فِي كِتَٰبٖ مُّبِينٍ ٦١
And, [O Muḥammad], you are not [engaged] in any matter and do not recite any of the Qur’ān and you [people] do not do any deed except that We are witness over you when you are involved in it. And not absent from your Lord is any [part] of an atom's weight1 within the earth or within the heaven or [anything] smaller than that or greater but that it is in a clear register.
﴿وما تَكُونُ في شَأْنٍ وما تَتْلُو مِنهُ مِن قُرْآنٍ ولا تَعْمَلُونَ مِن عَمَلٍ إلّا كُنّا عَلَيْكم شُهُودًا إذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وما يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِن مِثْقالِ ذَرَّةٍ في الأرْضِ ولا في السَّماءِ ولا أصْغَرَ مِن ذَلِكَ ولا أكْبَرَ إلّا في كِتابٍ مُبِينٍ﴾: مُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ لِما قَبْلَها أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ جُمْلَةً مِن أحْوالِ الكُفّارِ ومَذاهِبِهِمْ والرَّدَّ عَلَيْهِمْ، ومُحاوَرَةَ الرَّسُولِ ﷺ لَهم، وذَكَرَ فَضْلَهُ تَعالى عَلى النّاسِ وأنَّ أكْثَرَهم لا يَشْكُرُهُ عَلى فَضْلِهِ، ذَكَرَ تَعالى اطِّلاعَهُ عَلى أحْوالِهِمْ وحالِ الرَّسُولِ مَعَهم في مُجاهَدَتِهِ لَهم، وتِلاوَةِ القُرْآنِ عَلَيْهِمْ، وأنَّهُ تَعالى عالِمٌ بِجَمِيعِ أعْمالِهِمْ، واسْتَطْرَدَ مِن ذَلِكَ إلى ذِكْرِ أوْلِياءِ اللَّهِ تَعالى، لِيُظْهِرَ التَّفاوُتَ بَيْنَ الفَرِيقَيْنِ (p-١٧٤)فَرِيقِ الشَّيْطانِ وفَرِيقِ الرَّحْمَنِ. والخِطابُ في قَوْلِهِ تَعالى: وما تَكُونُ في شَأْنٍ، وما تَتْلُو لِلرَّسُولِ ﷺ وهو عامٌّ بِجَمِيعٍ شُئُونِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ. وما تَتْلُو مُنْدَرِجٌ تَحْتَ عُمُومِ شَأْنٍ، وانْدَرَجَ مِن حَيْثُ المَعْنى في الخِطابِ كُلُّ ذِي شَأْنٍ.
وما في الجُمْلَتَيْنِ نافِيَةٌ، والضَّمِيرُ في مِنهُ عائِدٌ عَلى شَأْنٍ، ومِن قُرْآنٍ تَفْسِيرٌ لِلضَّمِيرِ، وخُصَّ مِنَ العُمُومِ لِأنَّ القُرْآنَ هو أعْظَمُ شُئُونِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ. وقِيلَ: يَعُودُ عَلى التَّنْزِيلِ، وفُسِّرَ بِالقُرْآنِ لِأنَّ كُلَّ جُزْءٍ مِنهُ قُرْآنٌ، وأُضْمِرَ قَبْلَ الذِّكْرِ عَلى سَبِيلِ التَّفْخِيمِ لَهُ.
وقِيلَ: يَعُودُ عَلى اللَّهِ تَعالى، أيْ: وما تَتْلُو مِن عِنْدِ اللَّهِ مِن قُرْآنٍ. والخِطابُ في قَوْلِهِ: ولا تَعْمَلُونَ عامٌّ، وكَذا إلّا كُنّا عَلَيْكم شُهُودًا. ووَلِيَ إلّا هُنا الفِعْلُ غَيْرَ مَصْحُوبٍ بِقَدْ، لِأنَّهُ قَدْ تَقَدَّمَ إلّا فِعْلٌ.
والجُمْلَةُ بَعْدَ إلّا حالٌ وشُهُودًا رُقَباءَ نُحْصِي عَلَيْكم، وإذْ مَعْمُولَةٌ لِقَوْلِهِ: شُهُودًا. ولَمّا كانَتِ الأفْعالُ السّابِقَةُ المُرادُ بِها الحالَةُ الدّائِمَةُ وتَنْسَحِبُ عَلى الأفْعالِ الماضِيَةِ كانَ الظَّرْفُ ماضِيًا، وكانَ المَعْنى: وما كُنْتَ في شَأْنٍ وما تَلَوْتَ مِن قُرْآنٍ ولا عَمِلْتُمْ مِن عَمَلٍ إلّا كُنّا عَلَيْكم شُهُودًا إذْ أفَضْتُمْ فِيهِ.
وإذْ تُخَلِّصُ المُضارِعَ لِمَعْنى الماضِي، ولَمّا كانَ قَوْلُهُ: إلّا كُنّا عَلَيْكم شُهُودًا فِيهِ تَحْذِيرٌ وتَنْبِيهٌ عَدَلَ عَنْ خِطابِهِ ﷺ إلى خِطابِ أُمَّتِهِ بِقَوْلِهِ: ولا تَعْمَلُونَ مِن عَمَلٍ، وإنْ كانَ اللَّهُ شَهِيدًا عَلى أعْمالِ الخَلْقِ كُلِّهِمْ. و(تُفِيضُونَ): تَخُوضُونَ أوْ تَنْشُرُونَ أوْ تَدْفَعُونَ أوْ تَنْهَضُونَ أوْ تَأْخُذُونَ أوْ تَنْقُلُونَ أوْ تَتَكَلَّمُونَ أوْ تَسْعَوْنَ أقْوالٌ مُتَقارِبَةٌ، ثُمَّ واجَهَهُ تَعالى بِالخِطابِ وحْدَهُ في قَوْلِهِ: وما يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ، تَشْرِيفًا لَهُ وتَعْظِيمًا.
ولَمّا ذَكَرَ شَهادَتَهُ تَعالى عَلى أعْمالِ الخَلْقِ ناسَبَ تَقْدِيمُ الأرْضِ الَّذِي هي مَحَلُّ المُخاطَبِينَ عَلى السَّماءِ، بِخِلافِ ما في سُورَةِ سَبَأٍ، وإنْ كانَ الأكْثَرُ تَقْدِيمَها عَلى الأرْضِ.
وقَرَأ ابْنُ وثّابٍ والأعْمَشُ وابْنُ مُصَرِّفٍ والكِسائِيُّ: يَعْزِبُ بِكَسْرِ الزّايِ، وكَذا في سَبَأٍ. والمِثْقالُ: اسْمٌ لا صِفَةٌ، ومَعْناهُ هُنا: وزْنُ ذَرَّةٍ. والذَّرُّ: صِغارُ النَّمْلِ، ولَمّا كانَتِ الذَّرَّةُ أصْغَرَ الحَيَوانِ المُتَناسِلِ المَشْهُورِ النَّوْعِ عِنْدَنا، جَعَلَها اللَّهُ مِثالًا لِأقَلِّ الأشْياءِ وأحْقَرِها، إذْ هي أحْقَرُ ما نُشاهِدُ.
ثُمَّ قالَ: ﴿ولا أصْغَرَ مِن ذَلِكَ﴾ أيْ: مِن مِثْقالِ ذَرَّةٍ. ولَمّا ذَكَرَ تَعالى أنَّهُ لا يَغِيبُ عَنْ عِلْمِهِ أدَقُّ الأشْياءِ الَّتِي نُشاهِدُها، ناسَبَ تَقْدِيمُ ﴿ولا أصْغَرَ مِن ذَلِكَ﴾، ثُمَّ أتى بِقَوْلِهِ: (ولا أكْبَرَ) عَلى سَبِيلِ إحاطَةِ عِلْمِهِ بِجَمِيعِ الأشْياءِ.
ومَعْلُومٌ أنَّ مَن عَلِمَ أدَقَّ الأشْياءِ وأخْفاها كانَ عِلْمُهُ مُتَعَلِّقًا بِأكْبَرِ الأشْياءِ وأظْهَرِها. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (لا أصْغَرَ مِن ذَلِكَ ولا أكْبَرَ) بِفَتْحِ الرّاءِ فِيهِما، ووُجِّهَ عَلى أنَّهُ عَطْفٌ عَلى ذَرَّةٍ أوْ عَلى مِثْقالِ عَلى اللَّفْظِ.
وقَرَأ حَمْزَةُ وحْدَهُ: بِرَفْعِ الرّاءِ فِيهِما، ووُجِّهَ عَلى أنَّهُ عَطْفٌ عَلى مَوْضِعِ (مِثْقالِ) لِأنَّ مِن زائِدَةٌ فَهو مَرْفُوعٌ بِـ (يَعْزُبُ)، هَكَذا وجَّهَهُ الحَوْفِيُّ وابْنُ عَطِيَّةَ وأبُو البَقاءِ.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ تابِعًا لِاخْتِيارِ الزَّجّاجِ: والوَجْهُ النَّصْبُ عَلى نَفْيِ الجِنْسِ، والرَّفْعُ عَلى الِابْتِداءِ، يَكُونُ كَلامًا مُبْتَدَأً. وفي العَطْفِ عَلى مَحَلِّ (مِثْقالِ ذَرَّةٍ) أوْ لَفْظِهِ فَتْحًا في مَوْضِعِ الجَرِّ إشْكالٌ، لِأنَّ قَوْلَكَ: لا يَعْزُبُ عَنْهُ شَيْءٌ إلّا في كِتابٍ، مُشْكِلٌ انْتَهى.
وإنَّما أشْكَلَ عِنْدَهُ، لِأنَّ التَّقْدِيرَ يَصِيرُ: إلّا في كِتابٍ فَيَعْزُبُ، وهَذا كَلامٌ لا يَصِحُّ. وخَرَّجَهُ أبُو البَقاءِ عَلى أنَّهُ اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ تَقْدِيرُهُ: لَكِنْ هو في كِتابٍ مُبِينٍ، ويَزُولُ بِهَذا التَّقْدِيرِ الإشْكالُ.
وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: أجابَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ مِن وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ الِاسْتِثْناءَ مُنْقَطِعٌ، والآخَرُ: أنَّ العُزُوبَ: عِبارَةٌ عَنْ مُطْلَقِ البُعْدِ، والمَخْلُوقاتُ قِسْمٌ أوْجَدَهُ اللَّهُ ابْتِداءً مِن غَيْرِ واسِطَةٍ كالمَلائِكَةِ والسَّماواتِ والأرْضِ، وقِسْمٌ أوْجَدَهُ بِواسِطَةِ القِسْمِ الأوَّلِ، مِثْلَ الحَوادِثِ الحادِثَةِ في عالَمِ الكَوْنِ والفَسادِ، وهَذا قَدْ يَتَباعَدُ في سِلْسِلَةِ العِلِيَّةِ والمَمْلُوكِيَّةِ عَنْ مَرْتَبَةِ وُجُودِ واجِبِ الوُجُودِ، فالمَعْنى: لا يَبْعُدُ عَنْ مَرْتَبَةِ وُجُودِهِ مِثْقالُ ذَرَّةٍ في الأرْضِ ولا في السَّماءِ إلّا وهو في كِتابٍ مُبِينٍ، كَتَبَهُ اللَّهُ، وأثْبَتَ صُوَرَ تِلْكَ المَعْلُوماتِ فِيها انْتَهى.
وفِيهِ بَعْضُ تَلْخِيصٍ. وقالَ الجُرْجانِيُّ صاحِبُ النَّظْمِ (p-١٧٥)إلّا بِمَعْنى الواوِ أيْ: وهو في كِتابٍ مُبِينٍ. والعَرَبُ تَضَعُ إلّا مَوْضِعَ واوِ النَّسَقِ كَقَوْلِهِ: ﴿إلّا مَن ظُلِمَ﴾ [النساء: ١٤٨] ﴿إلّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنهُمْ﴾ [البقرة: ١٥٠] انْتَهى.
وهَذا قَوْلٌ ضَعِيفٌ، لَمْ يَثْبُتْ مِن لِسانِ العَرَبِ وُضِعَ إلّا مَوْضِعَ الواوِ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى قَوْلِهِ: ﴿إلّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنهُمْ﴾ [البقرة: ١٥٠] وسَيَأْتِي عَلى قَوْلِهِ: ﴿إلّا مَن ظُلِمَ﴾ [النساء: ١٤٨] إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى.
10:62–64Page 216
أَلَآ إِنَّ أَوۡلِيَآءَ ٱللَّهِ لَا خَوۡفٌ عَلَيۡهِمۡ وَلَا هُمۡ يَحۡزَنُونَ ٦٢
Unquestionably, [for] the allies of Allāh there will be no fear concerning them, nor will they grieve -
ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ ٦٣
Those who believed and were fearing Allāh.
لَهُمُ ٱلۡبُشۡرَىٰ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا وَفِي ٱلۡأٓخِرَةِۚ لَا تَبۡدِيلَ لِكَلِمَٰتِ ٱللَّهِۚ ذَٰلِكَ هُوَ ٱلۡفَوۡزُ ٱلۡعَظِيمُ ٦٤
For them are good tidings in the worldly life and in the Hereafter. No change is there in the words [i.e., decrees] of Allāh. That is what is the great attainment.
﴿ألا إنَّ أوْلِياءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وكانُوا يَتَّقُونَ﴾ ﴿لَهُمُ البُشْرى في الحَياةِ الدُّنْيا وفي الآخِرَةِ لا تَبْدِيلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ ذَلِكَ هو الفَوْزُ العَظِيمُ﴾: أوْلِياءُ اللَّهِ هُمُ الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ بِالطّاعَةِ ويَتَوَلّاهم بِالكَرامَةِ.
وقَدْ فَسَّرَ ذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وكانُوا يَتَّقُونَ﴾ وعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سُئِلَ عَنْ أوْلِياءِ اللَّهِ فَقالَ: «هُمُ الَّذِينَ يُذَكِّرُونَ اللَّهَ بِرُؤْيَتِهِمْ» يَعْنِي السَّمْتَ والهَيْئَةَ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: الإخْباتُ والسَّكِينَةُ. وقِيلَ: هُمُ المُتَحابُّونَ في اللَّهِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذِهِ الآيَةُ يُعْطِي ظاهِرُها أنَّ: مَن آمَنَ واتَّقى فَهو داخِلٌ في أوْلِياءِ اللَّهِ، وهَذا هو الَّذِي تَقْتَضِيهِ الشَّرِيعَةُ في الوَلِيِّ، وإنَّما نَبَّهْنا هَذا التَّنْبِيهَ حَذَرًا مِن مَذْهَبِ الصُّوفِيَّةِ وبَعْضِ المُلْحِدِينَ في الوَلِيِّ، انْتَهى.
وإنَّما قالَ: حَذَرًا مِن مَذْهَبِ الصُّوفِيَّةِ، لِأنَّ بَعْضَهم نُقِلَ عَنْهُ أنَّ الوَلِيَّ أفْضَلُ مِنَ النَّبِيِّ، وهَذا لا يَكادُ يَخْطُرُ في قَلْبِ مُسْلِمٍ. ولِابْنِ العَرَبِيِّ الطّائِيِّ كَلامٌ في الوَلِيِّ وفي غَيْرِهِ نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنهُ.
وعَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: ”«إنَّ مِن عِبادِ اللَّهِ عِبادًا ما هم بِأنْبِياءَ ولا شُهَداءَ، يَغْبِطُهُمُ الأنْبِياءُ والشُّهَداءُ بِمَكانِهِمْ مِنَ اللَّهِ“ قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ ومَن هم ؟ قالَ: ”قَوْمٌ تَحابُّوا بِرَوْحِ اللَّهِ عَلى غَيْرِ أرْحامٍ ولا أمْوالٍ يَتَعاطَوْنَها، فَواللَّهِ إنَّ وُجُوهَهم لَتَنُّورٌ، وإنَّهم لَعَلى مَنابِرَ مِن نُورٍ، لا يَخافُونَ إذا خافَ النّاسُ، ولا يَحْزَنُونَ إذا حَزِنَ النّاسُ، ثُمَّ قَرَأ: ﴿ألا إنَّ أوْلِياءَ اللَّهِ﴾ الآيَةَ»، وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ ﴿لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ والَّذِينَ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا عَلى الصِّفَةِ، قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، أوْ عَلى البَدَلِ قالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ، أوْ بِإضْمارِ أمْدَحُ، ومَرْفُوعًا عَلى إضْمارِ هم، أوْ عَلى الِابْتِداءِ، والخَبَرُ لَهُمُ البُشْرى. وأجازَ الكُوفِيُّونَ رَفْعَهُ عَلى مَوْضِعِ أوْلِياءَ نَعْتًا أوْ بَدَلًا، وأُجِيزَ فِيهِ الخَبَرُ بَدَلًا مِن ضَمِيرِ عَلَيْهِمْ. وفي قَوْلِهِ: ﴿وكانُوا يَتَّقُونَ﴾: إشْعارٌ بِمُصاحَبَتِهِمْ لِلتَّقْوى مُدَّةَ حَياتِهِمْ، فَحالُهم في المُسْتَقْبَلِ كَحالِهِمْ في الماضِي.
وبُشْراهم في الحَياةِ الدُّنْيا تَظاهَرَتِ الرِّواياتُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ «أنَّها الرُّؤْيا الصّالِحَةُ يَراها المُؤْمِنُ“ أوْ ”تُرى لَهُ» فَسَّرَها بِذَلِكَ وقَدْ سُئِلَ. وعَنْهُ في صَحِيحِ مُسْلِمٍ:“ لَمْ يَبْقَ مِنَ المُبَشِّراتِ إلّا الرُّؤْيا الصّالِحَةُ ”وقالَ قَتادَةُ والضَّحّاكُ: هي ما يُبَشَّرُ بِهِ المُؤْمِنُ عِنْدَ مَوْتِهِ وهو حَيٌّ عِنْدَ المُعايَنَةِ. وقِيلَ: هي مَحَبَّةُ النّاسِ لَهُ، والذِّكْرُ الحَسَنُ.
وسُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ الرَّجُلِ يَعْمَلُ العَمَلَ لِلَّهِ ويُحِبُّهُ النّاسُ فَقالَ: «“ تِلْكَ عاجِلُ بُشْرى المُؤْمِنِ ”» وعَنْ عَطاءٍ: لَهُمُ البُشْرى عِنْدَ المَوْتِ تَأْتِيهِمُ المَلائِكَةُ بِالرَّحْمَةِ. قالَ تَعالى: ﴿تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ المَلائِكَةُ﴾ [فصلت: ٣٠] الآيَةَ قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويَصِحُّ أنَّ تَكُونَ بُشْرى الدُّنْيا في القُرْآنِ مِنَ الآياتِ المُبَشِّراتِ، ويُقَوِّي ذَلِكَ قَوْلُهُ في هَذِهِ الآيَةِ: لا تَبْدِيلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ، وإنْ كانَ ذَلِكَ كُلُّهُ يُعارِضُهُ قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ:“ هي الرُّؤْيا " إلّا إنْ قُلْنا: إنَّ النَّبِيَّ ﷺ أعْطى مِثالًا مِنَ البُشْرى وهي تَعُمُّ جَمِيعَ البَشَرِ.
وبُشْراهم في الآخِرَةِ تَلَقِّى المَلائِكَةِ إيّاهم مُسَلِّمِينَ مُبَشِّرِينَ بِالنُّورِ والكَرامَةِ، وما يَرَوْنَ مِن بَياضِ وُجُوهِهِمْ، وإعْطاءِ الصُّحُفِ بِأيْمانِهِمْ، وما يَقْرَءُونَ مِنها، وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ البِشاراتِ. لا تَبْدِيلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ، لا تَغْيِيرَ لِأقْوالِهِ، ولا خُلْفَ في مَواعِيدِهِ كَقَوْلِهِ: ﴿ما يُبَدَّلُ القَوْلُ لَدَيَّ﴾ [ق: ٢٩] والظّاهِرُ أنَّ ذَلِكَ إشارَةٌ إلى التَّبْشِيرِ والبُشْرى في مَعْناهُ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وذَلِكَ إشارَةٌ إلى كَوْنِهِمْ مُبَشَّرِينَ في الدّارَيْنِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: إشارَةٌ إلى النَّعِيمِ الَّذِي (p-١٧٦)وقَعَتْ بِهِ البُشْرى.
10:65–66Page 216
وَلَا يَحۡزُنكَ قَوۡلُهُمۡۘ إِنَّ ٱلۡعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًاۚ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡعَلِيمُ ٦٥
And let not their speech grieve you. Indeed, honor [due to power] belongs to Allāh entirely. He is the Hearing, the Knowing.
أَلَآ إِنَّ لِلَّهِ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَن فِي ٱلۡأَرۡضِۗ وَمَا يَتَّبِعُ ٱلَّذِينَ يَدۡعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ شُرَكَآءَۚ إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا ٱلظَّنَّ وَإِنۡ هُمۡ إِلَّا يَخۡرُصُونَ ٦٦
Unquestionably, to Allāh belongs whoever is in the heavens and whoever is on the earth. And those who invoke other than Allāh do not [actually] follow [His] "partners." They follow not except assumption, and they are not but misjudging.
﴿ولا يَحْزُنْكَ قَوْلُهم إنَّ العِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا هو السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ ﴿ألا إنَّ لِلَّهِ مَن في السَّماواتِ ومَن في الأرْضِ وما يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ شُرَكاءَ إنْ يَتَّبِعُونَ إلّا الظَّنَّ وإنْ هم إلّا يَخْرُصُونَ﴾: إمّا أنْ يَكُونَ قَوْلُهم أُرِيدَ بِهِ بَعْضُ أفْرادِهِ وهو التَّكْذِيبُ والتَّهْدِيدُ، وما يَتَشاوَرُونَ بِهِ في أمْرِ الرَّسُولِ ﷺ، فَيَكُونُ مِن إطْلاقِ العامِّ وأُرِيدَ بِهِ الخاصُّ.
وإمّا أنْ يَكُونَ مِمّا حُذِفَتْ مِنهُ الصِّفَةُ المُخَصِّصَةُ، أيْ: قَوْلُهُمُ الدّالُّ عَلى تَكْذِيبِكَ ومُعانَدَتِكَ، ثُمَّ اسْتَأْنَفَ بِقَوْلِهِ: إنَّ العِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا، أيْ: لا عِزَّةَ لَهم ولا مَنَعَةَ، فَهم لا يَقْدِرُونَ لَكَ عَلى شَيْءٍ ولا يُؤْذُونَكَ، إنَّ الغَلَبَةَ والقَهْرَ لِلَّهِ، وهو القادِرُ عَلى الِانْتِقامِ مِنهم، فَلا يُعازُّهُ شَيْءٌ ولا يُغالِبُهُ.
وكَأنَّ قائِلًا قالَ: لِمَ لا يُحْزِنْهُ قَوْلُهم وهو مِمّا يُحْزِنُ ؟ فَقِيلَ: ﴿إنَّ العِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾، لَيْسَ لَهم مِنها شَيْءٌ. وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: (أنَّ العِزَّةَ) بِفَتْحِ الهَمْزَةِ ولَيْسَ مَعْمُولًا لِقَوْلِهِمْ: لِأنَّ ذَلِكَ لا يُحْزِنُ الرَّسُولَ ﷺ، إذْ هو قَوْلٌ حَقٌّ. وخُرِّجَتْ هَذِهِ القِراءَةُ عَلى التَّعْلِيلِ، أيْ: لا يَقَعُ مِنكَ حُزْنٌ لِما يَقُولُونَ، لِأجْلِ أنَّ العِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا. ووُجِّهَتْ أيْضًا عَلى أنْ يَكُونَ ﴿إنَّ العِزَّةَ﴾ بَدَلٌ مِن قَوْلِهِمْ، ولا يَظْهَرُ هَذا التَّوْجِيهُ.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ومَن جَعَلَهُ بَدَلًا مِن قَوْلِهِمْ ثُمَّ أنْكَرَهُ، فالمُنْكَرُ هو تَخْرِيجُهُ لا ما أنْكَرَهُ مِنَ القُرْآنِ. وقالَ القاضِي: فَتْحُها شاذٌّ يُقارِبُ الكُفْرَ، وإذا كُسِرَتْ كانَ اسْتِئْنافًا، وهَذا يَدُلُّ عَلى فَضِيلَةِ عِلْمِ الإعْرابِ.
وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: لا يَجُوزُ فَتْحُ إنَّ في هَذا المَوْضِعِ وهو كُفْرٌ وغُلُوٌّ، وإنَّما قالَ القاضِي وابْنُ قُتَيْبَةَ بِناءً مِنهُما عَلى أنَّ (إنَّ) مَعْمُولَةٌ لِقَوْلِهِمْ، وقَدْ ذَكَرْنا تَوْجِيهَ ذَلِكَ عَلى التَّعْلِيلِ وهو تَوْجِيهٌ صَحِيحٌ. (هو السَّمِيعُ): لِما يَقُولُونَ، (العَلِيمُ): لِما يُرِيدُونَ.
وفِي هَذِهِ الآيَةِ تَأْمِينٌ لِلرَّسُولِ ﷺ مِن إضْرارِ الكُفّارِ، وأنَّ اللَّهَ تَعالى يُدِيلُهُ عَلَيْهِمْ ويَنْصُرُهُ.
﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأغْلِبَنَّ أنا ورُسُلِي﴾ [المجادلة: ٢١] ﴿إنّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا﴾ [غافر: ٥١] وقالَ الأصَمُّ: كانُوا يَتَعَزَّزُونَ بِكَثْرَةِ خَدَمِهِمْ وأمْوالِهِمْ، فَأخْبَرَ أنَّهُ قادِرٌ عَلى أنْ يَسْلُبَ مِنهم مِلْكَ الأشْياءِ، وأنْ يَنْصُرَكَ ويَنْقُلَ إلَيْكَ أمْوالَهم ودِيارَهُمُ انْتَهى.
ولا تَضادَّ بَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿إنَّ العِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾، وقَوْلِهِ: ﴿ولِلَّهِ العِزَّةُ ولِرَسُولِهِ ولِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [المنافقون: ٨] لِأنَّ عِزَّتَهم إنَّما هي بِاللَّهِ، فَهي كُلُّها لِلَّهِ.
﴿ألا إنَّ لِلَّهِ مَن في السَّماواتِ ومَن في الأرْضِ وما يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ شُرَكاءَ إنْ يَتَّبِعُونَ إلّا الظَّنَّ وإنْ هم إلّا يَخْرُصُونَ﴾ .
المُناسَبَةُ ظاهِرَةٌ في هَذِهِ الآيَةِ لَمّا ذَكَرَ أنَّ العِزَّةَ لَهُ تَعالى وهي: القَهْرُ والغَلَبَةُ، ذَكَرَ ما يُناسِبُ القَهْرَ وهو كَوْنُ المَخْلُوقاتِ مِلْكًا لَهُ تَعالى، ومِنَ الأصْلِ فِيها أنْ تَكُونَ لِلْعُقَلاءِ، وهُنا هي شامِلَةٌ لَهم ولِغَيْرِهِمْ عَلى حُكْمِ التَّغْلِيبِ، وحَيْثُ جِيءَ بِما كانَ تَغْلِيبًا لِلْكَثْرَةِ إذْ أكْثَرُ المَخْلُوقاتِ لا تَعْقِلُ.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يَعْنِي العُقَلاءَ المُمَيِّزِينَ وهُمُ المَلائِكَةُ والثَّقَلانِ، وإنَّما خَصَّهم لِيُؤْذِنَ أنَّ هَؤُلاءِ إذا كانُوا لَهُ في مِلْكِهِ فَهم عَبِيدٌ كُلُّهم، لا يَصْلُحُ أحَدٌ مِنهم لِلرُّبُوبِيَّةِ، ولا أنْ يَكُونَ شَرِيكًا فِيها، فَما دُونَهم مِمّا لا يَعْقِلُ أحَقُّ أنْ لا يَكُونَ نِدًّا وشَرِيكًا. ويَدُلُّ عَلى أنَّ مَنِ اتَّخَذَ غَيْرَهُ رَبًّا مِن مَلَكٍ أوْ إنْسِيٍّ فَضْلًا عَنْ صَنَمٍ أوْ غَيْرِ ذَلِكَ، فَهو مُبْطِلٌ تابِعٌ لِما أدّى إلَيْهِ التَّقْلِيدُ وتَرْكُ النَّظَرِ.
والظّاهِرُ أنَّ (ما) نافِيَةٌ، و(شُرَكاءَ) مَفْعُولُ يَتَّبِعُ، ومَفْعُولُ (يَدْعُونَ) مَحْذُوفٌ لِفَهْمِ المَعْنى تَقْدِيرُهُ: آلِهَةً أوْ شُرَكاءَ أيْ: أنَّ الَّذِينَ جَعَلُوهم آلِهَةً وأشْرَكُوهم مَعَ اللَّهِ في الرُّبُوبِيَّةِ لَيْسُوا شُرَكاءَ حَقِيقَةً، إذِ الشَّرِكَةُ في الأُلُوهِيَّةِ مُسْتَحِيلَةٌ، وإنْ كانُوا قَدْ أطْلَقُوا عَلَيْهِمُ اسْمَ الشُّرَكاءِ. وجَوَّزُوا أنْ تَكُونَ (ما) اسْتِفْهامِيَّةً في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِـ (يَتَّبِعُ)، وشُرَكاءَ مَنصُوبٌ بِيَدْعُونَ أيْ: وأيُّ شَيْءٍ يَتَّبِعُ عَلى تَحْقِيرِ المُتَّبَعِ، كَأنَّهُ قِيلَ: مَن يَدْعُو شَرِيكًا لِلَّهِ لا يَتَّبِعُ شَيْئًا. وأجازَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنْ تَكُونَ (p-١٧٧)(ما) مَوْصُولَةً عَطْفًا عَلى مِن، والعائِدُ مَحْذُوفٌ أيْ: والَّذِي يَتَّبِعُهُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ شُرَكاءَ، أيْ: ولَهُ شُرَكاؤُهم.
وأجازَ غَيْرُهُ أنْ تَكُونَ ما مَوْصُولَةً في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى الِابْتِداءِ، والخَبَرُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: والَّذِي يَتَّبِعُهُ المُشْرِكُونَ باطِلٌ. وقَرَأ السُّلَمِيُّ: (تَدْعُونَ) بِالتّاءِ عَلى الخِطابِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهي قِراءَةٌ غَيْرُ مُتَّجِهَةٍ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: تَدْعُونَ بِالتّاءِ، ووَجْهُهُ أنْ يُحْمَلَ (وما يَتَّبِعُ) عَلى الِاسْتِفْهامِ أيْ: وأيُّ شَيْءٍ يَتَّبِعُ الَّذِينَ تَدْعُونَهم شُرَكاءَ مِنَ المَلائِكَةِ والنَّبِيِّينَ، يَعْنِي: أنَّهم يَتَّبِعُونَ اللَّهَ تَعالى ويُطِيعُونَهُ، فَما لَكَمَ لا تَفْعَلُونَ مِثْلَ فِعْلِهِمْ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إلى رَبِّهِمُ الوَسِيلَةَ﴾ [الإسراء: ٥٧] انْتَهى.
وإنْ نافِيَةٌ أيْ: ما يَتَّبِعُونَ إلّا ظَنَّهم أنَّهم شُرَكاءُ. و(يَخْرُصُونَ): يَقْدِرُونَ.
ومَن قَرَأ تَدْعُونَ بِالتّاءِ كانَ قَوْلُهُ: (إنْ يَتَّبِعُونَ): التِفاتًا، إذْ هو خُرُوجٌ مِن خِطابٍ إلى غَيْبَةٍ.
10:67Page 216
هُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلَّيۡلَ لِتَسۡكُنُواْ فِيهِ وَٱلنَّهَارَ مُبۡصِرًاۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّقَوۡمٖ يَسۡمَعُونَ ٦٧
It is He who made for you the night to rest therein and the day, giving sight.1 Indeed in that are signs for a people who listen.
﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ والنَّهارَ مُبْصِرًا إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ﴾: هَذا تَنْبِيهٌ مِنهُ تَعالى عَلى عَظِيمِ قُدْرَتِهِ وشُمُولِ نِعْمَتِهِ لِعِبادِهِ، فَهو المُسْتَحَقُّ لِأنْ يُفْرَدَ بِالعِبادَةِ لِتَسْكُنُوا فِيهِ مِمّا تُقاسُونَ مِنَ الحَرَكَةِ والتَّرَدُّدِ في طَلَبِ المَعاشِ وغَيْرِهِ بِالنَّهارِ، وأضافَ الأبْصارَ إلى النَّهارِ مَجازًا، لِأنَّ الأبْصارَ تَقَعُ فِيهِ كَما قالَ:
؎ونِمْتُ وما لَيْلُ المَطِيِّ بِنائِمِ
أيْ: يُبْصِرُونَ فِيهِ مَطالِبَ مَعايِشِهِمْ.
وقالَ قُطْرُبٌ: يُقالُ: أظْلَمَ اللَّيْلُ: صارَ ذا ظُلْمَةٍ، وأضاءَ النَّهارُ وأبْصَرَ، أيْ: صارَ ذا ضِياءٍ وبَصَرٍ، انْتَهى.
وذَكَرَ عِلَّةَ خَلْقِ اللَّيْلِ وهي قَوْلُهُ: ﴿لِتَسْكُنُوا فِيهِ﴾، وحَذَفَها مِنَ النَّهارِ، وذَكَرَ وصْفَ النَّهارِ وحَذَفَهُ مِنَ اللَّيْلِ، وكُلٌّ مِنَ المَحْذُوفِ يَدُلُّ عَلى مُقابِلِهِ، والتَّقْدِيرُ: جَعَلَ اللَّيْلَ مُظْلِمًا لِتَسْكُنُوا فِيهِ، والنَّهارَ مُبْصِرًا لِتَتَحَرَّكُوا فِيهِ في مَكاسِبِكم وما تَحْتاجُونَ إلَيْهِ بِالحَرَكَةِ، ومَعْنى (يَسْمَعُونَ): سَماعٌ مُعْتَبَرٌ.
10:68–70Page 216
قَالُواْ ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ وَلَدٗاۗ سُبۡحَٰنَهُۥۖ هُوَ ٱلۡغَنِيُّۖ لَهُۥ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِۚ إِنۡ عِندَكُم مِّن سُلۡطَٰنِۭ بِهَٰذَآۚ أَتَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ مَا لَا تَعۡلَمُونَ ٦٨
They1 have said, "Allāh has taken a son." Exalted is He; He is the [one] Free of need. To Him belongs whatever is in the heavens and whatever is in the earth. You have no authority2 for this [claim]. Do you say about Allāh that which you do not know?
قُلۡ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَفۡتَرُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلۡكَذِبَ لَا يُفۡلِحُونَ ٦٩
Say, "Indeed, those who invent falsehood about Allāh will not succeed."
مَتَٰعٞ فِي ٱلدُّنۡيَا ثُمَّ إِلَيۡنَا مَرۡجِعُهُمۡ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ ٱلۡعَذَابَ ٱلشَّدِيدَ بِمَا كَانُواْ يَكۡفُرُونَ ٧٠
[For them is brief] enjoyment in this world; then to Us is their return; then We will make them taste the severe punishment because they used to disbelieve.
﴿قالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ ولَدًا سُبْحانَهُ هو الغَنِيُّ لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ إنْ عِنْدَكم مِن سُلْطانٍ بِهَذا أتَقُولُونَ عَلى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ ﴿قُلْ إنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ﴾ ﴿مَتاعٌ في الدُّنْيا ثُمَّ إلَيْنا مَرْجِعُهم ثُمَّ نُذِيقُهُمُ العَذابَ الشَّدِيدَ بِما كانُوا يَكْفُرُونَ﴾: الضَّمِيرُ في (قالُوا) عائِدٌ عَلى مَن نَسَبَ إلى اللَّهِ الوَلَدَ، مِمَّنْ قالَ: المَلائِكَةُ بَناتُ اللَّهِ، أوْ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ، أوِ المَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ، و(سُبْحانَهُ): تَنْزِيهٌ مِنَ اتِّخاذِ الوَلَدِ وتَعَجُّبٌ مِمَّنْ يَقُولُ ذَلِكَ.
(هو الغَنِيُّ): عِلَّةٌ لِنَفْيِ الوَلَدِ، لِأنَّ اتِّخاذَ الوَلَدِ إنَّما يَكُونُ لِلْحاجَةِ إلَيْهِ، واللَّهُ تَعالى غَيْرُ مُحْتاجٍ إلى شَيْءٍ، فالوَلَدُ مُنْتَفٍ عَنْهُ، وكُلُّ ما في السَّماواتِ والأرْضِ مِلْكُهُ فَهو غَنِيٌّ عَنِ اتِّخاذِ الوَلَدِ. و(إنْ): نافِيَةٌ، والسُّلْطانُ: الحُجَّةُ، أيْ: ما عِنْدَكم مِن حُجَّةٍ بِهَذا القَوْلِ. قالَ الحَوْفِيُّ: وبِهَذا مُتَعَلِّقٌ بِمَعْنى الِاسْتِقْرارِ يَعْنِي: الَّذِي تَعَلَّقَ بِهِ الظَّرْفُ.
وتَبِعَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ فَقالَ: الباءُ حَقُّها أنْ تَتَعَلَّقَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنْ عِنْدَكُمْ﴾ عَلى أنْ يُجْعَلَ القَوْلُ مَكانًا لِلسُّلْطانِ كَقَوْلِكَ: ما عِنْدَكم بِأرْضِكم نُورٌ، كَأنَّهُ قِيلَ: إنَّ عِنْدَكم فِيما تَقُولُونَ سُلْطانٌ. وقالَ أبُو البَقاءِ: وبِهَذا مُتَعَلِّقٌ بِسُلْطانٍ أوْ نَعْتٌ لَهُ، وأتَقُولُونَ: اسْتِفْهامُ إنْكارٍ وتَوْبِيخٍ لِمَنِ اتَّبَعَ ما لا يَعْلَمُ، ويُحْتَجُّ بِذَلِكَ في إبْطالِ التَّقْلِيدِ في أُصُولِ الدِّينِ، واسْتَدَلَّ بِها نُفاةُ القِياسِ وأخْبارِ الآحادِ.
ولَمّا نَفى البُرْهانَ عَنْهم جَعَلَهم غَيْرَ عالِمِينَ، فَدَلَّ عَلى أنَّ كُلَّ قَوْلٍ لا بُرْهانَ عَلَيْهِ لِقائِلِهِ فَذَلِكَ جَهْلٌ ولَيْسَ بِعِلْمٍ. و﴿الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ﴾ [يونس: ٦٠]: عامٌّ يَشْمَلُ مَن نَسَبَ إلى اللَّهِ الوَلَدَ، ومَن قالَ في اللَّهِ وفي صِفاتِهِ قَوْلًا بِغَيْرِ عِلْمٍ، وهو داخِلٌ في الوَعِيدِ بِانْتِفاءِ الإفْلاحِ، ولَمّا نَفى عَنْهُمُ الفَلاحَ وكانَ لَهم حَظٌّ مِن إفْلاحِهِمْ في الدُّنْيا، لِحُظُوظٍ فِيها مِن مالٍ وجاهٍ وغَيْرِ ذَلِكَ قِيلَ: ﴿مَتاعٌ قَلِيلٌ﴾ [آل عمران: ١٩٧]: جَوابٌ عَلى تَقْدِيرِ سُؤالٍ، كَأنَّ قائِلًا قالَ: كَيْفَ لا يُفْلِحُونَ وهم في الدُّنْيا مُفْلِحُونَ بِأنْواعٍ مِمّا يَتَلَذَّذُونَ بِهِ، فَقِيلَ: ذَلِكَ مَتاعٌ في الدُّنْيا، أوْ لَهم مَتاعٌ في الدُّنْيا زائِلٌ لا بَقاءَ لَهُ، ثُمَّ يَلْقَوْنَ (p-١٧٨)الشَّقاءَ المُؤَبَّدَ في الآخِرَةِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences