Abu Hayyan · Tafsir · in Arabic
Yunus 10:71–82
10:71–74Page 217
۞ وَٱتۡلُ عَلَيۡهِمۡ نَبَأَ نُوحٍ إِذۡ قَالَ لِقَوۡمِهِۦ يَٰقَوۡمِ إِن كَانَ كَبُرَ عَلَيۡكُم مَّقَامِي وَتَذۡكِيرِي بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ فَعَلَى ٱللَّهِ تَوَكَّلۡتُ فَأَجۡمِعُوٓاْ أَمۡرَكُمۡ وَشُرَكَآءَكُمۡ ثُمَّ لَا يَكُنۡ أَمۡرُكُمۡ عَلَيۡكُمۡ غُمَّةٗ ثُمَّ ٱقۡضُوٓاْ إِلَيَّ وَلَا تُنظِرُونِ ٧١
And recite to them the news of Noah, when he said to his people, "O my people, if my residence and my reminding of the signs of Allāh has become burdensome upon you - then I have relied upon Allāh. So resolve upon your plan and [call upon] your associates. Then let not your plan be obscure to you.1 Then carry it out upon me and do not give me respite.
فَإِن تَوَلَّيۡتُمۡ فَمَا سَأَلۡتُكُم مِّنۡ أَجۡرٍۖ إِنۡ أَجۡرِيَ إِلَّا عَلَى ٱللَّهِۖ وَأُمِرۡتُ أَنۡ أَكُونَ مِنَ ٱلۡمُسۡلِمِينَ ٧٢
And if you turn away [from my advice] - then no payment have I asked of you. My reward is only from Allāh, and I have been commanded to be of the Muslims [i.e., those who submit to Allāh]."
فَكَذَّبُوهُ فَنَجَّيۡنَٰهُ وَمَن مَّعَهُۥ فِي ٱلۡفُلۡكِ وَجَعَلۡنَٰهُمۡ خَلَٰٓئِفَ وَأَغۡرَقۡنَا ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِنَاۖ فَٱنظُرۡ كَيۡفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلۡمُنذَرِينَ ٧٣
And they denied him, so We saved him and those with him in the ship and made them successors, and We drowned those who denied Our signs. Then see how was the end of those who were warned.
ثُمَّ بَعَثۡنَا مِنۢ بَعۡدِهِۦ رُسُلًا إِلَىٰ قَوۡمِهِمۡ فَجَآءُوهُم بِٱلۡبَيِّنَٰتِ فَمَا كَانُواْ لِيُؤۡمِنُواْ بِمَا كَذَّبُواْ بِهِۦ مِن قَبۡلُۚ كَذَٰلِكَ نَطۡبَعُ عَلَىٰ قُلُوبِ ٱلۡمُعۡتَدِينَ ٧٤
Then We sent after him messengers to their peoples, and they came to them with clear proofs. But they were not to believe in that which they had denied before.1 Thus We seal over the hearts of the transgressors.
﴿واتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأ نُوحٍ إذْ قالَ لِقَوْمِهِ ياقَوْمِ إنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكم مَقامِي وتَذْكِيرِي بِآياتِ اللَّهِ فَعَلى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأجْمِعُوا أمْرَكم وشُرَكاءَكم ثُمَّ لا يَكُنْ أمْرُكم عَلَيْكم غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إلَيَّ ولا تُنْظِرُونِ﴾ ﴿فَإنْ تَوَلَّيْتُمْ فَما سَألْتُكم مِن أجْرٍ إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى اللَّهِ وأُمِرْتُ أنْ أكُونَ مِنَ المُسْلِمِينَ﴾ ﴿فَكَذَّبُوهُ فَنَجَّيْناهُ ومَن مَعَهُ في الفُلْكِ وجَعَلْناهم خَلائِفَ وأغْرَقْنا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُنْذَرِينَ﴾ ﴿ثُمَّ بَعَثْنا مِن بَعْدِهِ رُسُلًا إلى قَوْمِهِمْ فَجاءُوهم بِالبَيِّناتِ فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبُوا بِهِ مِن قَبْلُ كَذَلِكَ نَطْبَعُ عَلى قُلُوبِ المُعْتَدِينَ﴾ ﴿ثُمَّ بَعَثْنا مِن بَعْدِهِمْ مُوسى وهارُونَ إلى فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ بِآياتِنا فاسْتَكْبَرُوا وكانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ﴾ [يونس: ٧٥] ﴿فَلَمّا جاءَهُمُ الحَقُّ مِن عِنْدِنا قالُوا إنَّ هَذا لَسِحْرٌ مُبِينٌ﴾ [يونس: ٧٦] ﴿قالَ مُوسى أتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمّا جاءَكم أسِحْرٌ هَذا ولا يُفْلِحُ السّاحِرُونَ﴾ [يونس: ٧٧] ﴿قالُوا أجِئْتَنا لِتَلْفِتَنا عَمّا وجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا وتَكُونَ لَكُما الكِبْرِياءُ في الأرْضِ وما نَحْنُ لَكُما بِمُؤْمِنِينَ﴾ [يونس: ٧٨] لَفَتَ عُنُقَهُ: لَواها وصَرَفَها.
وقالَ الأزْهَرِيُّ: لَفَتَ الشَّيْءَ وفَتَلَهُ: لَواهُ وهَذا مِنَ المَقْلُوبِ، انْتَهى. ومُطاوِعُ لَفَتَ: التَفَتَ، وقِيلَ: انْفَتَلَ.
﴿واتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأ نُوحٍ إذْ قالَ لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ إنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكم مَقامِي وتَذْكِيرِي بِآياتِ اللَّهِ فَعَلى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأجْمِعُوا أمْرَكم وشُرَكاءَكم ثُمَّ لا يَكُنْ أمْرُكم عَلَيْكم غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إلَيَّ ولا تُنْظِرُونِ﴾: لَمّا ذَكَرَ تَعالى الدَّلائِلَ عَلى وحْدانِيَّتِهِ، وذَكَرَ ما جَرى بَيْنَ الرَّسُولِ وبَيْنَ الكُفّارِ، ذَكَرَ قَصَصًا مِن قَصَصِ الأنْبِياءِ وما جَرى لَهم مَعَ قَوْمِهِمْ مِنَ الخِلافِ، وذَلِكَ تَسْلِيَةٌ لِلرَّسُولِ ﷺ ولِيَتَأسّى بِمَن قَبْلَهُ مِنَ الأنْبِياءِ فَيَخِفَّ عَلَيْهِ ما يَلْقى مِنهم مِنَ التَّكْذِيبِ وقِلَّةِ الِاتِّباعِ، ولِيَعْلَمَ المَتْلُوُّ عَلَيْهِمْ هَذا القَصَصُ عاقِبَةَ مَن كَذَّبَ الأنْبِياءَ، وما مَنَحَ اللَّهُ نَبِيَّهُ مِنَ العِلْمِ بِهَذا القَصَصِ وهو لَمْ يُطالِعْ كِتابًا ولا صَحِبَ عالِمًا، وأنَّها طِبْقُ ما أخْبَرَ بِهِ. فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ اللَّهَ أوْحاهُ إلَيْهِ وأعْلَمَهُ بِهِ، وأنَّهُ نَبِيٌّ لا شَكَّ فِيهِ. والضَّمِيرُ في عَلَيْهِمْ عائِدٌ عَلى أهْلِ مَكَّةَ الَّذِينَ تَقَدَّمَ ذِكْرُهم.
وكَبُرَ مَعْناهُ: عَظُمَ مَقامِي، أيْ: طُولُ مَقامِي فِيكم، أوْ قِيامِي لِلْوَعْظِ. كَما يُحْكى عَنْ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهُ كانَ يَعِظُ الحَوارِيِّينَ قائِمًا لِيَرَوْهُ وهم قُعُودٌ، وكَقِيامِ الخَطِيبِ لِيَسْمَعَ النّاسُ ولِيَرَوْهُ، أوْ نَسَبَ ذَلِكَ إلى مَقامِهِ والمُرادُ نَفْسُهُ كَما تَقُولُ: فَعَلْتُ كَذا لِمَكانِ فُلانٍ، وفُلانٌ ثَقِيلُ الظِّلِّ تُرِيدُ لِأجْلِ فُلانٍ وفُلانٌ ثَقِيلٌ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ولَمْ يُقْرَأْ هُنا بِضَمِّ المِيمِ، انْتَهى.
ولَيْسَ كَما ذَكَرَ، بَلْ قَرَأ مُقامِي بِضَمِّ المِيمِ أبُو مِجْلَزٍ وأبُو رَجاءٍ وأبُو الجَوْزاءِ. والمُقامُ الإقامَةُ بِالمَكانِ، والمَقامُ مَكانُ القِيامِ. والتَّذْكِيرُ وعْظُهُ إيّاهم وزَجْرُهم عَنِ المَعاصِي، وجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: فافْعَلُوا ما شِئْتُمْ. وقِيلَ: الجَوابُ فَعَلى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ. و(فَأجْمِعُوا) مَعْطُوفٌ عَلى الجَوابِ، وهو لا يَظْهَرُ لِأنَّهُ مُتَوَكِّلٌ عَلى اللَّهِ دائِمًا.
وقالَ الأكْثَرُونَ: الجَوابُ فَأجْمِعُوا، وفَعَلى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ جُمْلَةُ اعْتِراضٍ بَيْنَ الشَّرْطِ وجَزائِهِ كَقَوْلِهِ:
؎أما تَرَيْنِي قَدْ نَحَلْتُ ومَن يَكُنْ غَرَضًا لِأطْرافِ الأسِنَّةِ يَنْحَلِ
؎فَلَرُبَّ أبْلَجَ مِثْلِ ثِقَلِكِ بادِنٍ ∗∗∗ ضَخْمٍ عَلى ظَهْرِ الجَوادِ مُهَبَّلِ
وقَرَأ الجُمْهُورُ: فَأجْمِعُوا مِن أجْمَعَ الرَّجُلُ الشَّيْءَ عَزَمَ عَلَيْهِ ونَواهُ. قالَ الشّاعِرُ:
؎أجْمَعُوا أمْرَهم بِلَيْلٍ فَلَمّا ∗∗∗ أصْبَحُوا أصْبَحَتْ لَهم ضَوْضاءُ
وقالَ آخَرُ:(p-١٧٩)
؎يا لَيْتَ شِعْرِي والمُنى لا تَنْفَعُ ∗∗∗ هَلْ أعْذَرْتَ يَوْمًا وأمْرِي مُجْمَعُ
وقالَ أبُو قَيْدٍ السَّدُوسِيُّ: أجْمَعْتُ الأمْرَ: أفْصَحُ مِن أجْمَعْتُ عَلَيْهِ. وقالَ أبُو الهَيْثَمِ: أجْمَعَ أمْرَهُ: جَعَلَهُ مَجْمُوعًا بَعْدَما كانَ مُتَفَرِّقًا، قالَ: وتَفْرِقَتُهُ أنَّهُ يَقُولُ مَرَّةً أفْعَلُ كَذا، ومَرَّةً أفْعَلُ كَذا، فَإذا عَزَمَ عَلى أمْرٍ واحِدٍ قَدْ جَعَلَهُ، أيْ: جَعَلَهُ جَمِيعًا، فَهَذا هو الأصْلُ في الإجْماعِ، ثُمَّ صارَ بِمَعْنى العَزْمِ حَتّى وُصِلَ بِعَلى، فَقِيلَ: أجْمَعْتُ عَلى الأمْرِ، أيْ عَزَمْتُ عَلَيْهِ، والأصْلُ أجْمَعْتُ الأمْرَ، انْتَهى. وعَلى هَذِهِ القِراءَةِ يَكُونُ، وشُرَكاءَكم عَطْفًا عَلى أمْرَكم عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ: وأمْرُ شُرَكائِكم، أوْ عَلى أمْرِكم مِن غَيْرِ مُراعاةِ مَحْذُوفٍ.
لِأنَّهُ يُقالُ أيْضًا: أجْمَعْتُ شُرَكائِي، أوْ مَنصُوبًا بِإضْمارِ فِعْلٍ، أيْ: وادْعُوا شُرَكاءَكم، وذَلِكَ بِناءً عَلى أنَّهُ لا يُقالُ أجْمَعْتُ شُرَكائِي يَعْنِي في الأكْثَرِ، فَيَكُونُ نَظِيرَ قَوْلِهِ:
؎فَعَلَفْتُها تِبْنًا وماءً بارِدًا ∗∗∗ حَتّى شَتَتْ هَمّالَةً عَيْناها
فِي أحَدِ المَذْهَبَيْنِ، أيْ: وسَقَيْتُها ماءً بارِدًا، وكَذا هي في مُصْحَفِ أُبَيٍّ: وادْعُوا شُرَكاءَكم. وقالَ أبُو عَلِيٍّ: وقَدْ تُنْصَبُ الشُّرَكاءُ بِواوِ مَعَ، كَما قالُوا: جاءَ البَرْدُ والطَّيالِسَةِ. ولَمْ يَذْكُرِ الزَّمَخْشَرِيُّ في نَصْبِ وشُرَكاءَكم غَيْرَ قَوْلِ أُبَيٍّ عَلى أنَّهُ مَنصُوبٌ بِواوِ مَعَ، ويَنْبَغِي أنْ يَكُونَ هَذا التَّخْرِيجُ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ مَعَهُ مِنَ الفاعِلِ، وهو الضَّمِيرُ في فَأجْمِعُوا لا مِنَ المَفْعُولِ الَّذِي هو أمْرُكم، وذَلِكَ عَلى أشْهَرِ الِاسْتِعْمالَيْنِ. لِأنَّهُ يُقالُ: أجْمَعَ الشُّرَكاءُ، ولا يُقالُ جَمَعَ الشُّرَكاءُ أمْرَهم إلّا قَلِيلًا، ولا أجْمَعَتِ الشُّرَكاءُ إلّا قَلِيلًا.
وفِي اشْتِراطِ صِحَّةِ جَوازِ العَطْفِ فِيما يَكُونُ مَفْعُولًا مَعَهُ خِلافٌ، فَإذا جَعَلْناهُ مِنَ الفاعِلِ كانَ أوْلى.
وقَرَأ الزُّهْرِيُّ والأعْمَشُ والجَحْدَرِيُّ وأبُو رَجاءٍ والأعْرَجُ والأصْمَعِيُّ عَنْ نافِعٍ ويَعْقُوبَ بِخِلافٍ عَنْهُ: فاجْمَعُوا بِوَصْلِ الألِفِ وفَتْحِ المِيمِ مِن جَمَعَ، وشُرَكاءَكم عَطْفٌ عَلى أمْرَكم لِأنَّهُ يُقالُ: شُرَكائِي، أوْ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ مَعَهُ، أوْ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ: ذَوِي الأمْرِ مِنكم، فَجَرى عَلى المُضافِ إلَيْهِ ما جَرى عَلى المُضافِ لَوْ ثَبَتَ، قالَهُ أبُو عَلِيٍّ.
وفِي كِتابِ اللَّوامِحِ: أجْمَعْتُ الأمْرَ، أيْ جَعَلْتُهُ جَمِيعًا، وجَمَعْتُ الأمْوالَ جَمِيعًا، فَكانَ الإجْماعُ في الأحْداثِ والجَمْعُ في الأعْيانِ، وقَدْ يُسْتَعْمَلُ كُلُّ واحِدٍ مَكانَ الآخَرِ. وفي التَّنْزِيلِ: ﴿فَجَمَعَ كَيْدَهُ﴾ [طه: ٦٠]، انْتَهى.
وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ والحَسَنُ وابْنُ أبِي إسْحاقَ وعِيسى بْنُ عُمَرَ وسَلّامٌ و يَعْقُوبُ فِيما رُوِيَ عَنْهُ: وشُرَكاؤُكم بِالرَّفْعِ، ووُجِّهَ بِأنَّهُ عَطْفٌ عَلى الضَّمِيرِ في فَأجْمِعُوا وقَدْ وقَعَ الفَصْلُ بِالمَفْعُولِ فَحَسُنَ، وعَلى أنَّهُ مُبْتَدَأٌ مَحْذُوفُ الخَبَرِ لِدِلالَةِ ما قَبْلَهُ عَلَيْهِ، أيْ: وشُرَكاؤُكم فَلْيُجْمِعُوا أمْرَهم. وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: وشُرَكائِكم بِالخَفْضِ عَطْفًا عَلى الضَّمِيرِ في (أمْرَكم) أيْ: وأمْرَ شُرَكائِكم فَحُذِفَ كَقَوْلِ الآخَرِ:
؎أكُلِّ امْرِئٍ تَحْسَبِينَ امْرَءًا ∗∗∗ ونارٍ تُوَقَّدُ بِاللَّيْلِ نارا
أيْ: وكُلُّ نارٍ، فَحَذَفَ كُلَّ لِدِلالَةِ ما قَبْلَهُ عَلَيْهِ. والمُرادُ بِالشُّرَكاءِ الأنْدادُ مِن دُونِ اللَّهِ، أضافَهم إلَيْهِمْ إذْ هم يَجْعَلُونَهم شُرَكاءَ بِزَعْمِهِمْ، وأسْنَدَ الإجْماعَ إلى الشُّرَكاءِ عَلى وجْهِ التَّهَكُّمِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا شُرَكاءَكم ثُمَّ كِيدُونِ﴾ [الأعراف: ١٩٥] أوْ يُرادُ بِالشُّرَكاءِ مَن كانَ عَلى دِينِهِمْ وطَرِيقَتِهِمْ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: المُرادُ مِنَ الأمْرِ هُنا: وُجُودُ كَيْدِهِمْ ومَكْرِهِمْ، فالتَّقْدِيرُ: لا تَتْرُكُوا مِن أمْرِكم شَيْئًا إلّا أحْضَرْتُمُوهُ، انْتَهى.
وأمْرُهُ إيّاهم بِإجْماعِ أمْرِهِمْ دَلِيلٌ عَلى عَدَمِ مُبالاتِهِ بِهِمْ، ثِقَةً بِما وعَدَهُ رَبُّهُ مِن كِلاءَتِهِ وعِصْمَتِهِ، ثُمَّ لا يَكُنْ أمْرُكم عَلَيْكم غُمَّةً، أيْ: حالُكم مَعِي وصُحْبَتُكم لِي غَمًّا وهَمًّا، أيْ: ثُمَّ أهْلِكُونِي لِئَلّا يَكُونَ عَيْشُكم بِسَبَبِي غُصَّةً، وحالُكم عَلَيْكم غُمَّةً. والغَمُّ والغُمَّةُ كالكَرْبِ والكُرْبَةِ، قالَ أبُو الهَيْثَمِ: هو مِن قَوْلِهِمْ: غَمَّ عَلَيْنا الهِلالُ فَهو مَغْمُومٌ إذا التُمِسَ فَلَمْ يُرَ. وقالَ طَرَفَةُ:
؎لَعَمْرُكَ ما أمْرِي عَلَيَّ بِغُمَّةٍ ∗∗∗ نَهارِي ولا لَيْلِي عَلَيَّ بِسَرْمَدِ
(p-١٨٠)وقالَ اللَّيْثُ: يُقالُ: إنَّهُ لَفي غُمَّةٍ مِن أمْرِهِ إذا لَمْ يَتَبَيَّنْ لَهُ. وقالَ الزَّجّاجُ: أمْرُكم ظاهِرٌ مَكْشُوفٌ، وحَسَّنَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ فَقالَ: وقَدْ ذَكَرَ القَوْلَ الأوَّلَ الَّذِي يُرادُ بِالأمْرِ فَقالَ: والثّانِي أنْ يُرادَ بِهِ ما أُرِيدَ بِالأمْرِ الأوَّلِ.
والغُمَّةُ: السُّتْرَةُ، مِن غَمَّهُ إذا سَتَرَهُ. ومِنهُ قَوْلُهُ ﷺ: «ولا غُمَّةَ في فَرائِضِ اللَّهِ تَعالى» أيْ: لا تُسْتَرُ ولَكِنْ يُجاهَرُ بِها، يَعْنِي: ولا يَكُنْ قَصْدُكم إلى إهْلاكِي مَسْتُورًا عَلَيْكم، بَلْ مَكْشُوفًا مَشْهُورًا تُجاهِرُونَ بِهِ، انْتَهى.
ومَعْنى اقْضُوا إلَيَّ: أنْفِذُوا قَضاءَكم نَحْوِي، ومَفْعُولُ اقْضُوا مَحْذُوفٌ، أيِ: اقْضُوا إلَيَّ ذَلِكَ الأمْرَ وامْضُوا في أنْفُسِكم، واقْطَعُوا ما بَيْنِي وبَيْنَكم. وقَرَأ السَّرِيُّ بْنُ يَنْعُمَ: ثُمَّ أفْضُوا بِالفاءِ وقَطْعِ الألْفِ، أيِ: انْتَهُوا إلَيَّ بِشَرِّكم، مِن أفْضى بِكَذا: انْتَهى إلَيْهِ.
وقِيلَ: مَعْناهُ أسْرِعُوا. وقِيلَ: مِن أفْضى إذا خَرَجَ إلى الفَضاءِ، أيْ: فَأصْحِرُوا بِهِ إلَيَّ وأبْرِزُوهُ. ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎أبى الضَّيْمَ والنُّعْمانُ يَحْرِقُ نابُهُ ∗∗∗ عَلَيْهِ فَأفْضى والسُّيُوفُ مَعاقِلُهْ
ولا تُنْظِرُونِ أيْ: لا تُؤَخِّرُونِ، والنَّظِرَةُ التَّأْخِيرُ ﴿فَإنْ تَوَلَّيْتُمْ فَما سَألْتُكم مِن أجْرٍ إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى اللَّهِ وأُمِرْتُ أنْ أكُونَ مِنَ المُسْلِمِينَ﴾ ﴿فَكَذَّبُوهُ فَنَجَّيْناهُ ومَن مَعَهُ في الفُلْكِ وجَعَلْناهم خَلائِفَ وأغْرَقْنا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُنْذَرِينَ﴾:، أيْ: فَإنْ دامَ تَوَلِّيكم عَمّا جِئْتُ بِهِ إلَيْكم مِن تَوْحِيدِ اللَّهِ ورَفْضِ آلِهَتِكم فَلَسْتُ أُبالِي بِكم، لِأنَّ تَوَلِّيَكم لا يَضُرُّنِي في خاصَّتِي، ولا قَطَعَ عَنِّي صِلَةً مِنكم، إذْ ما دَعَوْتُكم إلَيْهِ وذَكَّرْتُكم بِهِ ووَعَظْتُكم، لَمْ أسْألْكم عَلَيْهِ أجْرًا، إنَّما يُثِيبُنِي عَلَيْهِ اللَّهُ تَعالى، أيْ: ما نَصَحْتُكم إلّا لِوَجْهِ اللَّهِ تَعالى لا لِغَرَضٍ مِن أغْراضِ الدُّنْيا، ثُمَّ أخْبَرَ أنَّهُ أمَرَهُ أنْ يَكُونَ مِنَ المُسْلِمِينَ مِنَ المُنْقادِينَ لِأمْرِ اللَّهِ الطّائِعِينَ لَهُ، فَكَذَّبُوهُ فَتَمُّوا عَلى تَكْذِيبِهِ، وذَلِكَ عِنْدَ مُشارَفَةِ الهَلاكِ بِالطُّوفانِ.
وفِي الفُلْكِ مُتَعَلِّقٌ بِالِاسْتِقْرارِ الَّذِي تَعَلَّقَ بِهِ مَعَهُ، أوْ بِـ (فَنَجَّيْناهُ) و(جَعَلْناهم): جُمِعُ ضَمِيرُ المَفْعُولِ عَلى مَعْنى مِن، و(خَلائِفَ) يَخْلُفُونَ الفارِقِينَ المُهْلَكِينَ.
ثُمَّ أمَرَ بِالنَّظَرِ في عاقِبَةِ المُنْذَرِينَ بِالعَذابِ، وإلى ما صارَ إلَيْهِ حالُهم. وفي هَذا الإخْبارِ تَوَعُّدٌ لِلْكُفّارِ بِمُحَمَّدٍ ﷺ، وضَرْبُ مِثالٍ لَهم في أنَّهم بِحالِ هَؤُلاءِ مِنَ التَّكْذِيبِ فَسَيَكُونُ حالُهم كَحالِهِمْ في التَّعْذِيبِ.
والخِطابُ في فانْظُرْ لِلسّامِعِ لِهَذِهِ القِصَّةِ، وفي ذَلِكَ تَعْظِيمٌ لِما جَرى عَلَيْهِمْ، وتَحْذِيرٌ لِمَن أنْذَرَهُمُ الرَّسُولُ، وتَسْلِيَةٌ لَهُ ﷺ .
﴿ثُمَّ بَعَثْنا مِن بَعْدِهِ رُسُلًا إلى قَوْمِهِمْ فَجاءُوهم بِالبَيِّناتِ فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبُوا بِهِ مِن قَبْلُ كَذَلِكَ نَطْبَعُ عَلى قُلُوبِ المُعْتَدِينَ﴾: مِن بَعْدِهِ، أيْ: مِن بَعْدِ نُوحٍ رُسُلًا إلى قَوْمِهِمْ، يَعْنِي هُودًا وصالِحًا ولُوطًا وإبْراهِيمَ وشُعَيْبًا. والبَيِّناتُ: المُعْجِزاتُ، والبَراهِينُ الواضِحَةُ المُثْبِتَةُ لِما جاءُوا بِهِ.
وجاءَ النَّفْيُ مَصْحُوبًا بِلامِ الجُحُودِ لِيَدُلَّ عَلى أنَّ إيمانَهم في حَيِّزِ الِاسْتِحالَةِ والِامْتِناعِ، والضَّمِيرُ في كَذَّبُوا عائِدٌ عَلى مَن عادَ عَلَيْهِ ضَمِيرُ كانُوا وهم قَوْمُ الرُّسُلِ. والمَعْنى: أنَّهم كانُوا قَبْلَ بِعْثَةِ الرُّسُلِ أهْلَ جاهِلِيَّةٍ وتَكْذِيبٍ لِلْحَقِّ، فَتَساوَتْ حالَتُهم قَبْلَ البِعْثَةِ وبَعْدُها، كَأنْ لَمْ يُبْعَثْ إلَيْهِمْ أحَدٌ.
ومِن قَبْلُ مُتَعَلِّقٌ بِكَذَّبُوا، أيْ: مِن قَبْلِ بِعْثَةِ الرُّسُلِ. وقِيلَ: المَعْنى أنَّهم بادَرُوا رُسُلَهم بِالتَّكْذِيبِ كُلَّما جاءَ رَسُولٌ، ثُمَّ لَحُّوا في الكُفْرِ وتَمادَوْا، فَلَمْ يَكُونُوا لِيُؤْمِنُوا بِما سَبَقَ بِهِ تَكْذِيبُهم مِن قَبْلِ لَحِّهِمْ في الكُفْرِ وتَمادِيهِمْ. وقالَ يَحْيى بْنُ سَلامٍ: مِن (p-١٨١)قَبْلُ مَعْناهُ مِن قَبْلِ العَذابِ، وهَذا القَوْلُ فِيهِ بُعْدٌ. وقِيلَ: الضَّمِيرُ في كَذَّبُوا عائِدٌ عَلى قَوْمِ نُوحٍ، أيْ: فَما كانَ قَوْمُ الرُّسُلِ لِيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبَ بِهِ قَوْمُ نُوحٍ، يَعْنِي: أنَّ شِنْشِنَتَهم واحِدَةٌ في التَّكْذِيبِ.
قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويَحْتَمِلُ اللَّفْظُ عِنْدِي مَعْنًى آخَرَ وهو: أنْ تَكُونَ ما مَصْدَرِيَّةً والمَعْنى: فَكَذَّبُوا رُسُلَهم فَكانَ عِقابُهم مِنَ اللَّهِ أنْ لَمْ يَكُونُوا لِيُؤْمِنُوا بِتَكْذِيبِهِمْ مِن قَبْلُ، أيْ: مِن سَبَبِهِ ومِن جَرّائِهِ، ويُؤَيِّدُ هَذا التَّأْوِيلَ كَذَلِكَ نَطْبَعُ، انْتَهى.
والظّاهِرُ أنَّ ما مَوْصُولَةٌ، ولِذَلِكَ عادَ الضَّمِيرُ عَلَيْها في قَوْلِهِ: بِما كَذَّبُوا بِهِ. ولَوْ كانَتْ مَصْدَرِيَّةً بَقِيَ الضَّمِيرُ غَيْرَ عائِدٍ عَلى مَذْكُورٍ، فَتَحْتاجُ أنْ يُتَكَلَّفَ ما يَعُودُ عَلَيْهِ الضَّمِيرُ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: نَطْبَعُ بِالنُّونِ، والعَبّاسُ بْنُ الفَضْلِ بِالياءِ، والكافُ لِلتَّشْبِيهِ، أيْ: مِثْلَ ذَلِكَ الطَّبْعِ المُحْكَمِ الَّذِي يَمْتَنِعُ زَوالُهُ نَطْبَعُ عَلى قُلُوبِ المُعْتَدِينَ المُجاوِزِينَ طَوْرَهم والمُبالِغِينَ في الكُفْرِ.
10:75–77Page 217
ثُمَّ بَعَثۡنَا مِنۢ بَعۡدِهِم مُّوسَىٰ وَهَٰرُونَ إِلَىٰ فِرۡعَوۡنَ وَمَلَإِيْهِۦ بِـَٔايَٰتِنَا فَٱسۡتَكۡبَرُواْ وَكَانُواْ قَوۡمٗا مُّجۡرِمِينَ ٧٥
Then We sent after them Moses and Aaron to Pharaoh and his establishment with Our signs, but they behaved arrogantly and were a criminal people.
فَلَمَّا جَآءَهُمُ ٱلۡحَقُّ مِنۡ عِندِنَا قَالُوٓاْ إِنَّ هَٰذَا لَسِحۡرٞ مُّبِينٞ ٧٦
So when there came to them the truth from Us, they said, "Indeed, this is obvious magic."
قَالَ مُوسَىٰٓ أَتَقُولُونَ لِلۡحَقِّ لَمَّا جَآءَكُمۡۖ أَسِحۡرٌ هَٰذَا وَلَا يُفۡلِحُ ٱلسَّٰحِرُونَ ٧٧
Moses said, "Do you say [thus] about the truth when it has come to you? Is this magic? But magicians will not succeed."
﴿ثُمَّ بَعَثْنا مِن بَعْدِهِمْ مُوسى وهارُونَ إلى فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ بِآياتِنا فاسْتَكْبَرُوا وكانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ﴾ ﴿فَلَمّا جاءَهُمُ الحَقُّ مِن عِنْدِنا قالُوا إنَّ هَذا لَسِحْرٌ مُبِينٌ﴾ ﴿قالَ مُوسى أتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمّا جاءَكم أسِحْرٌ هَذا ولا يُفْلِحُ السّاحِرُونَ﴾ أيْ: مِن بَعْدِ أُولَئِكَ الرُّسُلِ بِآياتِنا وهي المُعْجِزاتُ الَّتِي ظَهَرَتْ عَلى يَدَيْهِ، ولا يُخَصُّ قَوْلُهُ: ومَلْئِهِ بِالأشْرافِ، بَلْ هي عامَّةٌ لِقَوْمِ فِرْعَوْنَ شَرِيفِهِمْ ومَشْرُوفِهِمْ.
فاسْتَكْبَرُوا تَعاظَمُوا عَنْ قَبُولِها، وأعْظَمُ الكِبْرِ أنْ يَتَعاظَمَ العَبِيدُ عَنْ قَبُولِ رِسالَةِ رَبِّهِمْ بَعْدَ تَبَيُّنِها واسْتِيضاحِها، وبِاجْتِرامِهِمُ الآثامَ العَظِيمَةَ اسْتَكْبَرُوا واجْتَرَءُوا عَلى رَدِّها.
والحَقُّ هو: العَصا واليَدُ، قالُوا لِحُبِّهِمُ الشَّهَواتِ: ﴿إنَّ هَذا لَسِحْرٌ مُبِينٌ﴾ وهم يَعْلَمُونَ أنَّ الحَقَّ أبْعَدُ شَيْءٍ مِنَ السِّحْرِ الَّذِي لَيْسَ إلّا تَمْوِيهًا وباطِلًا، ولَمْ يَقُولُوا ﴿إنَّ هَذا لَسِحْرٌ مُبِينٌ﴾ إلّا عِنْدَ مُعايَنَةِ العَصا وانْقِلابِها، واليَدِ وخُرُوجِها بَيْضاءَ، ولَمْ يَتَعاطَوْا إلّا مُقاوَمَةَ العَصا وهي مُعْجِزَةُ مُوسى الَّذِي وقَعَ فِيها عَجْزُ المُعارِضِ.
وقَرَأ مُجاهِدٌ وابْنُ جُبَيْرٍ والأعْمَشُ: ﴿لَساحِرٌ مُبِينٌ﴾ [يونس: ٢]، جَعَلَ خَبَرَ إنَّ اسْمَ فاعِلٍ لا مَصْدَرًا كَقِراءَةِ الجَماعَةِ. ولَمّا كابَرُوا مُوسى فِيما جاءَ بِهِ مِنَ الحَقِّ أخْبَرُوا عَلى جِهَةِ الجَزْمِ بِأنَّ ما جاءَ بِهِ سِحْرٌ مُبِينٌ فَقالَ لَهم مُوسى: أتَقُولُونَ ؟ مُسْتَفْهِمًا عَلى جِهَةِ الإنْكارِ والتَّوْبِيخِ، حَيْثُ جَعَلُوا الحَقَّ سِحْرًا، أسِحْرٌ هَذا ؟ أيْ: مِثْلَ هَذا الحَقِّ لا يُدَّعى أنَّهُ سِحْرٌ.
وأخْبَرَ أنَّهُ لا يُفْلِحُ مَن كانَ ساحِرًا لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا يُفْلِحُ السّاحِرُ حَيْثُ أتى﴾ [طه: ٦٩] والظّاهِرُ أنَّ مَعْمُولَ أتَقُولُونَ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ وهو إنَّ هَذا لَسِحْرٌ، ويَجُوزُ أنْ يُحْذَفَ مَعْمُولُ القَوْلِ لِلدَّلالَةِ عَلَيْهِ نَحْوَ قَوْلِ الشّاعِرِ:
؎لَنَحْنُ الأُلى قُلْتُمْ فَأنّى مُلِئْتُمُ بِرُؤْيَتِنا قَبْلَ اهْتِمامٍ بِكم رُعْبا
ومَسْألَةُ الكِتابِ: مَتى رَأيْتَ أوْ قُلْتَ زَيْدًا مُنْطَلِقًا وقِيلَ: مَعْمُولُ أتَقُولُونَ هو أسِحْرٌ هَذا إلى آخِرِهِ، كَأنَّهم قالُوا: أجِئْتُما بِالسِّحْرِ تَطْلُبانِ بِهِ الفَلاحَ، ولا يُفْلِحُ السّاحِرُونَ.
كَما قالَ مُوسى لِلسَّحَرَةِ: ﴿ما جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ إنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ﴾ [يونس: ٨١] . والَّذِينَ قالُوا: بِأنَّ الجُمْلَةَ وأنَّ الِاسْتِفْهامَ هي مَحْكِيَّةٌ لِقَوْلِ اخْتَلَفُوا، فَقالَ بَعْضُهم: قالُوا ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ التَّعْظِيمِ لِلسِّحْرِ الَّذِي رَأوْهُ بِزَعْمِهِمْ، كَما تَقُولُ لِفَرَسٍ تَراهُ يُجِيدُ الجَرْيَ: أفَرَسٌ هَذا ؟ عَلى سَبِيلِ التَّعْجِيبِ والِاسْتِغْرابِ، وأنْتَ قَدْ عَلِمْتَ أنَّهُ فَرَسٌ، فَهو اسْتِفْهامٌ مَعْناهُ التَّعْجِيبُ والتَّعْظِيمُ.
وقالَ بَعْضُهم: قالَ ذَلِكَ مِنهم كُلُّ جاهِلٍ بِالأمْرِ، فَهو يَسْألُ أهْوَ سِحْرٌ ؟ لِقَوْلِ بَعْضِهِمْ: إنَّ هَذا لَسِحْرٌ، وأجازَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنْ يَكُونَ مَعْنى قَوْلِهِ: أتَقُولُونَ لِلْحَقِّ: أتَعِيبُونَهُ وتَطْعَنُونَ فِيهِ، فَكانَ عَلَيْكم أنْ تُذْعِنُوا لَهُ وتُعَظِّمُوهُ، قالَ: مِن قَوْلِهِمْ فُلانٌ يَخافُ القالَةَ، وبَيْنَ النّاسِ تَقاوُلٌ إذا قالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ ما يَسُوءُ، ونَحْوُ القَوْلِ الذِّكْرُ في قَوْلِهِ: سَمِعْنا فَتًى يَذْكُرُهم ثُمَّ قالَ: أسِحْرٌ هَذا ؟ فَأنْكَرَ ما قالُوهُ في عَيْبِهِ والطَّعْنِ عَلَيْهِ.
10:78–82Page 217
قَالُوٓاْ أَجِئۡتَنَا لِتَلۡفِتَنَا عَمَّا وَجَدۡنَا عَلَيۡهِ ءَابَآءَنَا وَتَكُونَ لَكُمَا ٱلۡكِبۡرِيَآءُ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَمَا نَحۡنُ لَكُمَا بِمُؤۡمِنِينَ ٧٨
They said, "Have you come to us to turn us away from that upon which we found our fathers and so that you two may have grandeur in the land? And we are not believers in you."
وَقَالَ فِرۡعَوۡنُ ٱئۡتُونِي بِكُلِّ سَٰحِرٍ عَلِيمٖ ٧٩
And Pharaoh said, "Bring to me every learned magician."
فَلَمَّا جَآءَ ٱلسَّحَرَةُ قَالَ لَهُم مُّوسَىٰٓ أَلۡقُواْ مَآ أَنتُم مُّلۡقُونَ ٨٠
So when the magicians came, Moses said to them, "Throw down whatever you will throw."
فَلَمَّآ أَلۡقَوۡاْ قَالَ مُوسَىٰ مَا جِئۡتُم بِهِ ٱلسِّحۡرُۖ إِنَّ ٱللَّهَ سَيُبۡطِلُهُۥٓ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُصۡلِحُ عَمَلَ ٱلۡمُفۡسِدِينَ ٨١
And when they had thrown, Moses said, "What you have brought is [only] magic. Indeed, Allāh will expose its worthlessness. Indeed, Allāh does not amend the work of corrupters.
وَيُحِقُّ ٱللَّهُ ٱلۡحَقَّ بِكَلِمَٰتِهِۦ وَلَوۡ كَرِهَ ٱلۡمُجۡرِمُونَ ٨٢
And Allāh will establish the truth by His words, even if the criminals dislike it."
(p-١٨٢)﴿قالُوا أجِئْتَنا لِتَلْفِتَنا عَمّا وجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا وتَكُونَ لَكُما الكِبْرِياءُ في الأرْضِ وما نَحْنُ لَكُما بِمُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وقالَ فِرْعَوْنُ ائْتُونِي بِكُلِّ ساحِرٍ عَلِيمٍ﴾ ﴿فَلَمّا جاءَ السَّحَرَةُ قالَ لَهم مُوسى ألْقُوا ما أنْتُمْ مُلْقُونَ﴾ ﴿فَلَمّا ألْقَوْا قالَ مُوسى ما جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ إنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ إنَّ اللَّهَ لا يُصْلِحُ عَمَلَ المُفْسِدِينَ﴾ ﴿ويُحِقُّ اللَّهُ الحَقَّ بِكَلِماتِهِ ولَوْ كَرِهَ المُجْرِمُونَ﴾: أجِئْتَنا: خِطابٌ لِـ مُوسى وحْدَهُ، لِأنَّهُ هو الَّذِي ظَهَرَتْ عَلى يَدَيْهِ مُعْجِزَةُ العَصا واليَدِ. لِتَصْرِفَنا وتَلْوِيَنا: عَمّا وجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا: مِن عِبادَةِ غَيْرِ اللَّهِ، واتِّخاذِ إلَهٍ دُونَهُ.
والكِبْرِياءُ مَصْدَرٌ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ والضَّحّاكُ وأكْثَرُ المُتَأوِّلِينَ: المُرادُ بِهِ هُنا: المُلْكُ، إذِ المُلُوكُ مَوْصُوفُونَ بِالكِبْرِ، ولِذَلِكَ قِيلَ لِلْمَلِكِ الجَبّارُ، ووُصِفَ بِالصَّدِّ والشَّرَسِ. وقالَ ابْنُ الرُّقَيّاتِ في مُصْعَبِ بْنِ الزُّبَيْرِ:
؎مُلْكُهُ مُلْكُ رَأْفَةٍ لَيْسَ فِيهِ جَبَرُوتٌ مِنهُ ولا كِبْرِياءُ
يَعْنِي ما عَلَيْهِ المُلُوكُ مِن ذَلِكَ. وقالَ ابْنُ الرِّقاعِ:
؎سُؤْدُدٌ غَيْرُ فاحِشٍ لا يُدانِي ∗∗∗ ـهِ تَجِبّارَةٌ ولا كِبْرِياءُ
وقالَ الأعْمَشُ: الكِبْرِياءُ العَظَمَةُ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: العُلُوُّ. وقالَ الضَّحّاكُ أيْضًا: الطّاعَةُ، والأرْضُ هُنا: أرْضُ مِصْرَ.
وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ وإسْماعِيلُ والحَسَنُ فِيما زَعَمَ خارِجَةُ وأبُو عَمْرٍو وعاصِمٌ بِخِلافٍ عَنْهُما، وتَكُونُ بِالتّاءِ لِمَجازِ تَأْنِيثِ الكِبْرِياءِ، والجُمْهُورُ بِالياءِ لِمُراعاةِ اللَّفْظِ، والمَعْنى أنَّهم قالُوا: مَقْصُودُكَ في مَجِيئِكَ إلَيْنا بِما جِئْتَ، هو أنْ نَنْتَقِلَ مِن دِينِ آبائِنا إلى ما تَأْمُرُ بِهِ ونُطِيعَكَ، ويَكُونَ لَكُما العُلُوُّ والمُلْكُ عَلَيْنا بِطاعَتِنا لَكَ، فَنَصِيرَ أتْباعًا لَكَ تارِكِينَ دِينَ آبائِنا، وهَذا مَقْصُودٌ لا نَراهُ، فَلا نُصَدِّقُكَ فِيما جِئْتَ بِهِ إذْ غَرَضُكُ إنَّما هو مُوافَقَتُكَ عَلى ما أنْتَ عَلَيْهِ، واسْتِعْلاؤُكَ عَلَيْنا.
فالسَّبَبُ الأوَّلُ هو: التَّقْلِيدُ، والثّانِي: الجِدُّ في الرِّئاسَةِ حَتّى لا تَكُونُوا تَبَعًا. واقْتَضى هَذانِ السَّبَبانِ اللَّذانِ تَوَهَّمُوهُما مَقْصُودا التَّصْرِيحِ بِانْتِفاءِ الإيمانِ الَّذِي هو سَبَبٌ لِحُصُولِ السَّبَبَيْنِ.
ويَجُوزُ أنْ يَقْصِدُوا الذَّمَّ بِأنَّهُما إنْ مَلَكا أرْضَ مِصْرَ تَكَبَّرا وتَجَبَّرا كَما قالَ القِبْطِيُّ: ﴿إنْ تُرِيدُ إلّا أنْ تَكُونَ جَبّارًا في الأرْضِ﴾ [القصص: ١٩] . ولَمّا ادَّعَوْا أنَّ ما جاءَ بِهِ مُوسى هو سِحْرٌ، أخَذُوا في مُعارَضَتِهِ بِأنْواعٍ مِنَ السِّحْرِ، لِيَظْهَرَ لِسائِرِ النّاسِ أنَّ ما أتى بِهِ مُوسى مِن بابِ السِّحْرِ.
والمُخاطَبُ بِقَوْلِهِ: ائْتُونِي، خَدَمَةُ فِرْعَوْنَ والمُتَصَرِّفُونَ بَيْنَ يَدَيْهِ. وقَرَأ ابْنُ مُصَرِّفٍ وابْنُ وثّابٍ وعِيسى وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ: بِكُلِّ سَحّارٍ عَلى المُبالَغَةِ. وفي قَوْلِهِ: ﴿ألْقُوا ما أنْتُمْ مُلْقُونَ﴾ اسْتِطالَةٌ عَلَيْهِمْ وعَدَمُ مُبالاةٍ بِهِمْ.
وفِي إبْهامِ ما أنْتُمْ مُلْقُونَ تَخْسِيسٌ لَهُ وتَقْلِيلٌ، وإعْلامٌ أنَّهُ لا شَيْءَ يُلْتَفَتُ إلَيْهِ. قالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: كَيْفَ أمَرَهم، فالكُفْرُ والسِّحْرُ والأمْرُ بِالكُفْرِ كُفْرٌ، قُلْنا: إنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أمَرَهم بِإلْقاءِ الحِبالِ والعِصِيِّ، لِيُظْهِرَ لِلْخَلْقِ أنَّ ما ألْقَوْا عَمَلٌ فاسِدٌ وسَعْىٌ باطِلٌ، لا عَلى طَرِيقِ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أمَرَهم بِالسِّحْرِ، انْتَهى.
وقَرَأ أبُو عَمْرٍو ومُجاهِدٌ وأصْحابُهُ وابْنُ القَعْقاعِ بِهَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ في قَوْلِهِ: (p-١٨٣)آلسِّحْرُ مَمْدُودَةً، وباقِي السَّبْعَةِ والجُمْهُورُ بِهَمْزَةِ الوَصْلِ، فَعَلى الِاسْتِفْهامِ قالُوا: يَجُوزُ أنْ تَكُونَ ما اسْتِفْهامِيَّةً مُبْتَدَأً، والسِّحْرُ بَدَلٌ مِنها، وأنْ تَكُونَ مَنصُوبَةً بِمُضْمَرٍ تَفْسِيرُهُ: جِئْتُمْ بِهِ، والسِّحْرُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ.
ويَجُوزُ عِنْدِي في هَذا الوَجْهِ أنْ تَكُونَ ما مَوْصُولَةً مُبْتَدَأةً، وجُمْلَةُ الِاسْتِفْهامِ خَبَرٌ، إذِ التَّقْدِيرُ: أهْوَ السِّحْرُ أوْ آلسِّحْرُ هو ؟ فَهو الرّابِطُ كَما تَقُولُ: الَّذِي جاءَكَ أزْيَدٌ هو ؟ وعَلى هَمْزَةِ الوَصْلِ جازَ أنْ تَكُونَ ما مَوْصُولَةً مُبْتَدَأةً، والخَبَرُ السِّحْرُ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قِراءَةُ عَبْدِ اللَّهِ والأعْمَشِ: سِحْرٌ. وقِراءَةُ أُبَيٍّ: ما أتَيْتُمْ بِهِ سِحْرٌ.
ويَجُوزُ عِنْدِي أنْ تَكُونَ في هَذا الوَجْهِ اسْتِفْهامِيَّةً في مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالِابْتِداءِ، أوْ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى الِاشْتِغالِ، وهو اسْتِفْهامٌ عَلى سَبِيلِ التَّحْقِيرِ والتَّعْلِيلِ لِما جاءُوا بِهِ، والسِّحْرُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: هو السِّحْرُ.
قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والتَّعْرِيفُ هُنا في السِّحْرِ أرْتَبُ، لِأنَّهُ قَدْ تَقَدَّمَ مُنَكَّرًا في قَوْلِهِمْ: إنَّ هَذا لَسِحْرٌ، فَجاءَ هُنا بِلامِ العَهْدِ كَما يُقالُ أوَّلَ الرِّسالَةِ: سَلامٌ عَلَيْكَ، وفي آخِرِها والسَّلامُ عَلَيْكَ، انْتَهى.
وهَذا أخَذَهُ مِنَ الفَرّاءِ. قالَ الفَرّاءُ: وإنَّما قالَ السِّحْرُ بِالألِفِ واللّامِ، لِأنَّ النَّكِرَةَ إذا أُعِيدَتْ أُعِيدَتْ بِالألِفِ واللّامِ، ولَوْ قالَ لَهُ: مَن رَجُلٌ ؟ لَمْ يَقَعْ في وهْمِهِ أنَّهُ يَسْألُهُ عَنِ الرَّجُلِ الَّذِي ذَكَرَ لَهُ، انْتَهى.
وما ذَكَراهُ هُنا في السِّحْرِ لَيْسَ هو مِن بابِ تَقَدُّمِ النَّكِرَةِ، ثُمَّ أُخْبِرَ عَنْها بَعْدَ ذَلِكَ، لِأنَّ شَرْطَ هَذا أنْ يَكُونَ المُعَرَّفُ بِالألِفِ واللّامِ هو النَّكِرَةُ المُتَقَدِّمُ، ولا يَكُونَ غَيْرَهُ كَما قالَ تَعالى: ﴿كَما أرْسَلْنا إلى فِرْعَوْنَ رَسُولًا﴾ [المزمل: ١٥] ﴿فَعَصى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ﴾ [المزمل: ١٦] وتَقُولُ: زارَنِي رَجُلٌ فَأكْرَمْتُ الرَّجُلَ، ولَمّا كانَ إيّاهُ جازَ أنْ يُأْتى بِالضَّمِيرِ بَدَلَهُ فَتَقُولُ: فَأكْرَمْتُهُ.
والسِّحْرُ هُنا لَيْسَ هو السِّحْرُ الَّذِي هو في قَوْلِهِمْ: إنَّ هَذا لَسِحْرٌ، لِأنَّ الَّذِي أخْبَرُوا عَنْهُ بِأنَّهُ سِحْرٌ هو ما ظَهَرَ عَلى يَدَيْ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ مِن مُعْجِزَةِ العَصا، والسِّحْرُ الَّذِي في قَوْلِ مُوسى إنَّما هو سِحْرُهُمُ الَّذِي جاءُوا بِهِ، فَقَدِ اخْتَلَفَ المَدْلُولانِ وقالُوا هم عَنْ مُعْجِزَةِ مُوسى وقالَ مُوسى عَمّا جاءُوا بِهِ، ولِذَلِكَ لا يَجُوزُ أنْ يُأْتى هُنا بِالضَّمِيرِ بَدَلَ السِّحْرِ، فَيَكُونُ عائِدًا عَلى قَوْلِهِمُ السِّحْرَ.
والظّاهِرُ أنَّ الجُمَلَ بَعْدَهُ مِن كَلامِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ. وسَيُبْطِلُهُ: يَمْحَقُهُ، بِحَيْثُ يَذْهَبُ أوْ يُظْهِرُ بُطْلانَهُ بِإظْهارِ المُعْجِزَةِ عَلى الشَّعْوَذَةِ. وقِيلَ: هَذِهِ الجُمَلُ مِن كَلامِ اللَّهِ تَعالى. ومَعْنى بِكَلِماتِهِ: بِقَضاياهُ السّابِقَةِ في وعْدِهِ. وقالَ ابْنُ سَلّامٍ: بِكَلِماتِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿لا تَخَفْ إنَّكَ أنْتَ الأعْلى﴾ [طه: ٦٨] وقِيلَ بِكَلِماتِهِ: بِحُجَجِهِ وبَراهِينِهِ وقُرِئَ: بِكَلِمَتِهِ عَلى التَّوْحِيدِ، أيْ بِأمْرِهِ ومَشِيئَتِهِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences