Abu HayyanYunus · 10:83–89

Abu Hayyan · Tafsir · in Arabic

Yunus 10:83–89

10:83–86Page 218

فَمَآ ءَامَنَ لِمُوسَىٰٓ إِلَّا ذُرِّيَّةٞ مِّن قَوۡمِهِۦ عَلَىٰ خَوۡفٖ مِّن فِرۡعَوۡنَ وَمَلَإِيْهِمۡ أَن يَفۡتِنَهُمۡۚ وَإِنَّ فِرۡعَوۡنَ لَعَالٖ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَإِنَّهُۥ لَمِنَ ٱلۡمُسۡرِفِينَ ٨٣

But no one believed Moses, except [some] offspring [i.e., youths] among his people, for fear of Pharaoh and his establishment that they would persecute them. And indeed, Pharaoh was haughty within the land, and indeed, he was of the transgressors.

وَقَالَ مُوسَىٰ يَٰقَوۡمِ إِن كُنتُمۡ ءَامَنتُم بِٱللَّهِ فَعَلَيۡهِ تَوَكَّلُوٓاْ إِن كُنتُم مُّسۡلِمِينَ ٨٤

And Moses said, "O my people, if you have believed in Allāh, then rely upon Him, if you should be Muslims [i.e., submitting to Him]."

فَقَالُواْ عَلَى ٱللَّهِ تَوَكَّلۡنَا رَبَّنَا لَا تَجۡعَلۡنَا فِتۡنَةٗ لِّلۡقَوۡمِ ٱلظَّٰلِمِينَ ٨٥

So they said, "Upon Allāh do we rely. Our Lord, make us not [objects of] trial for the wrongdoing people

وَنَجِّنَا بِرَحۡمَتِكَ مِنَ ٱلۡقَوۡمِ ٱلۡكَٰفِرِينَ ٨٦

And save us by Your mercy from the disbelieving people."

﴿فَما آمَنَ لِمُوسى إلّا ذُرِّيَّةٌ مِن قَوْمِهِ عَلى خَوْفٍ مِن فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِمْ أنْ يَفْتِنَهم وإنَّ فِرْعَوْنَ لَعالٍ في الأرْضِ وإنَّهُ لَمِنَ المُسْرِفِينَ﴾ ﴿وقالَ مُوسى ياقَوْمِ إنْ كُنْتُمْ آمَنتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ﴾ ﴿فَقالُوا عَلى اللَّهِ تَوَكَّلْنا رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ ﴿ونَجِّنا بِرَحْمَتِكَ مِنَ القَوْمِ الكافِرِينَ﴾: الظّاهِرُ في الفاءِ مِن حَيْثُ أنَّ مَدْلُولَها التَّعْقِيبُ: أنَّ هَذا الإيمانَ الصّادِرَ مِنَ الذُّرِّيَّةِ لَمْ يَتَأخَّرْ عَنْ قِصَّةِ الإلْقاءِ. والظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ (p-١٨٤)فِي قَوْمِهِ عائِدٌ عَلى مُوسى، وأنَّهُ لا يَعُودُ عَلى فِرْعَوْنَ، لِأنَّ مُوسى هو المُحَدَّثُ عَنْهُ في هَذِهِ الآيَةِ، وهو أقْرَبُ مَذْكُورٍ.

ولِأنَّهُ لَوْ كانَ عائِدًا عَلى فِرْعَوْنَ لَمْ يَظْهَرْ لَفْظُ فِرْعَوْنَ، وكانَ التَّرْكِيبُ عَلى خَوْفٍ مِنهُ. ومِن مَلَئِهِمْ أنْ يَفْتِنَهم، وهَذا الإيمانُ مِنَ الذُّرِّيَّةِ كانَ أوَّلَ مَبْعَثِهِ إذْ قَدْ آمَنَ بِهِ بَنُو إسْرائِيلَ قَوْمُهُ كُلُّهم، كانَ أوَّلًا دَعا الآباءَ فَلَمْ يُجِيبُوهُ خَوْفًا مِن فِرْعَوْنَ، وأجابَتْهُ طائِفَةٌ مِن أبْنائِهِمْ مَعَ الخَوْفِ.

وقالَ مُجاهِدٌ والأعْمَشُ: مَعْنى الآيَةِ أنَّ قَوْمًا أدْرَكَهم مُوسى ولَمْ يُؤْمِنُوا، وإنَّما آمَنَ ذَرارِيهِمْ بَعْدَ هَلاكِهِمْ لِطُولِ الزَّمَنِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا قَوْلٌ غَيْرُ صَحِيحٍ، إذا آمَنَ قَوْمٌ بَعْدَ مَوْتِ آبائِهِمْ فَلا مَعْنى لِتَخْصِيصِهِمْ باسِمِ الذُّرِّيَّةِ.

وأيْضًا فَما رُوِيَ مِن أخْبارِ بَنِي إسْرائِيلَ لا يُعْطِي هَذا ويَنْفِيهِ قَوْلُهُ: فَما آمَنَ، لِأنَّهُ يُعْطِي تَقْلِيلَ المُؤْمِنِينَ بِهِ، لِأنَّهُ نَفى الإيمانَ ثُمَّ أوْجَبَهُ لِبَعْضِهِمْ، ولَوْ كانَ الأكْثَرُ مُؤْمِنًا لَأوْجَبَ الإيمانَ أوَّلًا ثُمَّ نَفاهُ عَنِ الأقَلِّ، وعَلى هَذا الوَجْهِ يَتَخَرَّجُ قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ في الذُّرِّيَّةِ: أنَّهُ القَلِيلُ، لا أنَّهُ أرادَ أنَّ لَفْظَ الذُّرِّيَّةِ بِمَعْنى القَلِيلِ كَما ظَنَّ مَكِّيٌّ وغَيْرُهُ.

وقالَتْ فِرْقَةٌ: إنَّما سَمّاهم ذُرِّيَّةً لِأنَّ أُمَّهاتِهِمْ كانَتْ مِن بَنِي إسْرائِيلَ، وإماؤُهم مِنَ القِبْطِ. رَواهُ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: فَكانَ يُقالُ لَهُمُ: الذُّرِّيَّةُ كَما قِيلَ لِفُرْسِ اليَمَنِ: الأبْناءُ، وهُمُ الفُرْسُ المُنْتَقِلُونَ مَعَ وهُوزَ بِسِعايَةِ سَيْفِ بْنِ ذِي يَزَنَ.

ومِمَّنْ ذَهَبَ إلى أنَّ الضَّمِيرَ في قَوْمِهِ عَلى مُوسى ابْنُ عَبّاسٍ قالَ: وكانُوا سِتَّمِائَةِ ألْفٍ، وذَلِكَ أنَّ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ دَخَلَ مِصْرَ في اثْنَيْنِ وسَبْعِينَ نُفْسًا، فَتَوالَدُوا بِـ مِصْرَ حَتّى صارُوا سِتَّمِائَةِ ألْفٍ. وقِيلَ: الضَّمِيرُ في قَوْمِهِ يَعُودُ عَلى فِرْعَوْنَ، رُوِيَ أنَّهُ آمَنَتْ زَوْجَةُ فِرْعَوْنَ وخازِنُهُ وامْرَأةُ خازِنِهِ وشَبابٌ مِن قَوْمِهِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: والسَّحَرَةُ أيْضًا فَإنَّهم مَعْدُودُونَ في قَوْمِ فِرْعَوْنَ.

وقالَ السُّدِّيُّ: كانُوا سَبْعِينَ أهْلَ بَيْتٍ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ومِمّا يُضَعِّفُ عَوْدَ الضَّمِيرِ عَلى مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّ المَعْرُوفَ مِن أخْبارِ بَنِي إسْرائِيلَ أنَّهم كانُوا قَوْمًا قَدْ فَشَتْ فِيهِمُ السَّوْآتُ، وكانُوا في مُدَّةِ فِرْعَوْنَ قَدْ نالَهم ذُلٌّ مُفْرِطٌ، وقَدْ رَجَوْا كَشْفَهُ عَلى يَدِ مَوْلُودٍ يَخْرُجُ فِيهِمْ يَكُونُ نَبِيًّا، فَلَمّا جاءَهم مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ أصْفَقُوا عَلَيْهِ وبايَعُوهُ، ولَمْ يُحْفَظْ قَطُّ أنَّ طائِفَةً مِن بَنِي إسْرائِيلَ كَفَرَتْ بِهِ، فَكَيْفَ تُعْطِي هَذِهِ الآيَةُ أنَّ الأقَلَّ مِنهم كانَ الَّذِي آمَنَ، فالَّذِي يَتَرَجَّحُ بِحَسَبِ هَذا أنَّ الضَّمِيرَ عائِدٌ عَلى فِرْعَوْنَ. ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ أيْضًا ما تَقَدَّمَ مِن مُحاوَرَةِ مُوسى ورَدِّهِ عَلَيْهِمْ، وتَوْبِيخِهِمْ عَلى قَوْلِهِمْ هَذا سِحْرٌ، فَذَكَرَ اللَّهُ ذَلِكَ عَنْهم ثُمَّ قالَ: فَما آمَنَ لِمُوسى إلّا ذُرِّيَّةٌ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ الَّذِي هَذِهِ أقْوالُهم.

وتَكُونُ القِصَّةُ عَلى هَذا التَّأْوِيلِ بَعْدَ ظُهُورِ الآيَةِ والتَّعْجِيزِ بِالعَصا، وتَكُونُ الفاءُ مُرَتِّبَةً لِلْمَعانِي الَّتِي عُطِفَتْ، انْتَهى.

ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ مَعْنى ﴿فَما آمَنَ﴾، أيْ: ما أظْهَرَ إيمانَهُ وأعْلَنَ بِهِ إلّا ذُرِّيَّةٌ مِن قَوْمِ مُوسى، فَلا يَدُلُّ ذَلِكَ عَلى أنَّ طائِفَةً مِن بَنِي إسْرائِيلَ كَفَرَتْ بِهِ. والظّاهِرُ عَوْدُ الضَّمِيرِ في قَوْلِهِ: ومَلَئِهِمْ، عَلى الذُّرِّيَّةِ وقالَهُ الأخْفَشُ واخْتارَهُ الطَّبَرِيُّ، أيْ: أخْوَفُ بَنِي إسْرائِيلَ الذَّرِّيَّةُ وهم أشْرافُ بَنِي إسْرائِيلَ إنْ كانَ الضَّمِيرُ في قَوْمِهِ عائِدًا عَلى مُوسى، لِأنَّهم كانُوا يَمْنَعُونَ أعْقابَهم خَوْفًا مِن فِرْعَوْنَ عَلى أنْفُسِهِمْ. ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنْ يَفْتِنَهُمْ﴾ أيْ: يُعَذِّبَهم. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أنْ يَقْتُلَهم.

وقِيلَ: يَعُودُ عَلى قَوْمِهِ، أيْ: ومَلَإ قَوْمِ مُوسى، أوْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ. وقِيلَ: يَعُودُ عَلى المُضافِ المَحْذُوفِ تَقْدِيرُهُ: عَلى خَوْفٍ مِن آلِ فِرْعَوْنَ، قالَهُ الفَرّاءُ. كَما حُذِفَ في ﴿واسْألِ القَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢] ورُدَّ عَلَيْهِ بِأنَّ الخَوْفَ يُمْكِنُ مِن فِرْعَوْنَ ولا يُمْكِنُ سُؤالُ القَرْيَةِ، فَلا يُحْذَفُ إلّا ما دَلَّ عَلَيْهِ الدَّلِيلُ.

وقَدْ يُقالُ: ويَدُلُّ عَلى هَذا المَحْذُوفِ جَمْعُ الضَّمِيرِ في ومَلَئِهِمْ. وقِيلَ: ثُمَّ مَعْطُوفٌ مَحْذُوفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ كَوْنُ المَلِكِ لا يَكُونُ وحْدَهُ، بَلْ لَهُ حاشِيَةٌ وأجْنادٌ، وكَأنَّهُ قِيلَ: عَلى خَوْفٍ مِن فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ ومَلَئِهِمْ، أيْ: مَلَإ فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ وقالَهُ الفَرّاءُ أيْضًا، وقِيلَ: لَمّا كانَ مَلِكًا جَبّارًا أُخْبِرَ عَنْهُ بِفِعْلِ الجَمِيعِ. وقِيلَ: سُمِّيَتِ (p-١٨٥)الجَماعَةُ بِـ فِرْعَوْنَ مِثْلُ هُودٍ. وأنْ يَفْتِنَهم بَدَلٌ مِن فِرْعَوْنَ بَدَلَ اشْتِمالٍ، أيْ: فِتْنَتِهِ، فَيَكُونُ في مَوْضِعِ جَرٍّ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِخَوْفٍ إمّا عَلى التَّعْلِيلِ، وإمّا عَلى أنَّهُ في مَوْضِعِ المَفْعُولِ بِهِ، أيْ: عَلى خَوْفٍ لِأجْلِ فِتْنَتِهِ، أوْ عَلى خَوْفِ فِتْنَتِهِ. وقَرَأ الحَسَنُ وجَرّاحٌ ونُبَيْحٌ: ﴿يَفْتِنَهُمْ﴾ بِضَمِّ الياءِ مِن أفْتَنَ، ولَعالٍ مُتَجَبِّرٍ أوْ باغٍ ظالِمٍ، أوْ مُتَعالٍ أوْ قاهِرٍ كَما قالَ:

؎فاعْمَدْ لِما تَعْلُو فَما لَكَ بِالَّذِي لا تَسْتَطِيعُ مِنَ الأُمُورِ يَدانِ

أيْ: لِما تَقْهَرُ أقْوالٌ مُتَقارِبَةٌ، وإسْرافُهُ كَوْنُهُ كَثِيرَ القَتْلِ والتَّعْذِيبِ. وقِيلَ: كَوْنُهُ مِن أخَسِّ العَبِيدِ فادَّعى الإلَهِيَّةَ، وهَذا الإخْبارُ مُبَيِّنٌ سَبَبَ خَوْفِ أُولَئِكَ المُؤْمِنِينَ مِنهُ.

وفِي الآيَةِ مَسْلاةٌ لِلرَّسُولِ ﷺ بِقِلَّةِ مَن آمَنَ لِـ مُوسى ومَنِ اسْتَجابَ لَهُ مَعَ ظُهُورِ ذَلِكَ المُعْجِزِ الباهِرِ، ولَمْ يُؤْمِن لَهُ إلّا ذُرِّيَّةٌ مِن قَوْمِهِ، وخِطابُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لِمَن آمَنَ بِقَوْلِهِ: (يا قَوْمِ)، دَلِيلٌ عَلى أنَّ المُؤْمِنِينَ الذُّرِّيَّةُ كانُوا مِن قَوْمِهِ، وخاطَبَهم بِذَلِكَ حِينَ اشْتَدَّ خَوْفُهم مِمّا تَوَعَّدَهم بِهِ فِرْعَوْنُ مِن قَتْلِ الآباءِ وذَبْحِ الذُّرِّيَّةِ.

وقِيلَ: قالَ لَهم ذَلِكَ حِينَ قالُوا: إنّا لَمُدْرَكُونَ. وقِيلَ: حِينَ قالُوا: ﴿أُوذِينا مِن قَبْلِ أنْ تَأْتِيَنا ومِن بَعْدِ ما جِئْتَنا﴾ [الأعراف: ١٢٩]، قِيلَ: والأوَّلُ هو الصَّوابُ، لِأنَّ جَوابَ كُلٍّ مِنَ القَوْلَيْنِ مَذْكُورٌ بَعْدَهُ وهو: ﴿كَلّا إنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الشعراء: ٦٢] وقَوْلُهُ: ﴿عَسى رَبُّكم أنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ﴾ [الأعراف: ١٢٩] الآيَةَ، وعُلِّقَ تَوَكُّلُهم عَلى شَرْطَيْنِ: مُتَقَدِّمٍ ومُتَأخِّرٍ.

ومَتى كانَ الشَّرْطانِ لا يَتَرَتَّبانِ في الوُجُودِ فالشَّرْطُ الثّانِي شَرْطٌ في الأوَّلِ، فَمِن حَيْثُ هو شَرْطٌ فِيهِ يَجِبُ أنْ يَكُونَ مُتَقَدِّمًا عَلَيْهِ. فالإسْلامُ هو الِانْقِيادُ لِلتَّكالِيفِ الصّادِرَةِ مِنَ اللَّهِ، وإظْهارُ الخُضُوعِ وتَرْكُ التَّمَرُّدِ، والإيمانُ: عِرْفانُ القَلْبِ بِاللَّهِ تَعالى ووَحْدانِيَّتُهُ وسائِرُ صِفاتِهِ، وأنَّ ما سِواهُ مُحْدَثٌ تَحْتَ قَهْرِهِ وتَدْبِيرِهِ. وإذا حَصَلَ هَذانِ الشَّرْطانِ فَوَّضَ العَبْدُ جَمِيعَ أُمُورِهِ إلى اللَّهِ تَعالى، واعْتَمَدَ عَلَيْهِ في كُلِّ الأحْوالِ.

وأُدْخِلَ عَلى أنَّ فِعْلَيِّ الشَّرْطِ وإنْ كانَتْ في الأغْلَبِ إنَّما تَدْخُلُ عَلى غَيْرِ المُحَقَّقِ، مَعَ عِلْمِهِ بِإيمانِهِمْ عَلى وجْهِ إقامَةِ الحُجَّةِ وتَنْبِيهِ الأنْفُسِ وإثارَةِ الأنَفَةِ، كَما تَقُولُ: إنْ كُنْتَ رَجُلًا فَقاتِلْ، تُخاطِبُ بِذَلِكَ رَجُلًا تُرِيدُ إقامَةَ البَيِّنَةِ.

وطَوَّلَ ابْنُ عَطِيَّةَ هُنا في مَسْألَةِ التَّوَكُّلِ بِما يُوقَفُ عَلَيْهِ في كِتابِهِ، وأجابُوا مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِما أمَرَهم بِهِ مِنَ التَّوَكُّلِ عَلى اللَّهِ لِأنَّهم كانُوا مُخْلِصِينَ في إيمانِهِمْ وإسْلامِهِمْ، ثُمَّ سَألُوا اللَّهَ تَعالى شَيْئَيْنِ، أحَدُهُما: أنْ لا يَجْعَلَهم فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظّالِمِينَ.

قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أيْ مَوْضِعَ فِتْنَةٍ لَهم، أيْ عَذابٍ تُعَذِّبُونَنا أوْ تَفْتِنُونَنا عَنْ دِينِنا، أوْ فِتْنَةً لَهم يُفْتَنُونَ بِها ويَقُولُونَ: لَوْ كانَ هَؤُلاءِ عَلى الحَقِّ ما أُصِيبُوا.

وقالَ مُجاهِدٌ وأبُو مِجْلَزٍ وأبُو الضُّحى وغَيْرُهم: مَعْنى القَوْلِ الآخَرِ قالَ: المَعْنى لا يَنْزِلُ بِنا، مَلَأُنا بِأيْدِيهِمْ أوْ بِغَيْرِ ذَلِكَ مُدَّةَ مُحارَبَتِنا لَهم فَيُفْتَنُونَ ويَعْتَقِدُونَ أنَّ هَلاكَنا إنَّما هو بِقَصْدٍ مِنكَ لِسُوءِ دِينِنا وصَلاحِ دِينِهِمْ وأنَّهم أهْلُ الحَقِّ. وقالَتْ فِرْقَةٌ، المَعْنى: لا نَفْتِنُهم ونَبْتَلِيهِمْ بِقَتْلِنا وأذِيَّتِنا فَنُعَذِّبُهم عَلى ذَلِكَ في الآخِرَةِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وفي هَذا التَّأْوِيلِ قَلَقٌ. وقالَ ابْنُ الكَلْبِيِّ: لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً بِتَقْتِيرِ الرِّزْقِ عَلَيْنا وبَسْطِهِ لَهم. والآخَرُ: يُنْجِيهِمْ مِنَ الكافِرِينَ، أيْ: مِن تَسْخِيرِهِمْ واسْتِعْبادِهِمْ. والَّذِي يَظْهَرُ أنَّهم سَألُوا اللَّهَ تَعالى أنْ لا يُفْتَنُوا عَنْ دِينِهِمْ وأنْ يَخْلُصُوا مِنَ الكُفّارِ، فَقَدَّمُوا ما كانَ عِنْدَهم أهَمُّ وهو سَلامَةُ دِينِهِمْ لَهم، وأخَّرُوا سَلامَةَ أنْفُسِهِمْ، إذْ الِاهْتِمامُ بِمَصالِحِ الدِّينِ آكَدُ مِنَ الِاهْتِمامِ بِمَصالِحِ الأبْدانِ.

10:87Page 218

وَأَوۡحَيۡنَآ إِلَىٰ مُوسَىٰ وَأَخِيهِ أَن تَبَوَّءَا لِقَوۡمِكُمَا بِمِصۡرَ بُيُوتٗا وَٱجۡعَلُواْ بُيُوتَكُمۡ قِبۡلَةٗ وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَۗ وَبَشِّرِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ٨٧

And We inspired to Moses and his brother, "Settle your people in Egypt in houses and make your houses [facing the] qiblah1 and establish prayer and give good tidings to the believers."

﴿وأوْحَيْنا إلى مُوسى وأخِيهِ أنْ تَبَوَّآ لِقَوْمِكُما بِمِصْرَ بُيُوتًا واجْعَلُوا بُيُوتَكم قِبْلَةً وأقِيمُوا الصَّلاةَ وبَشِّرِ المُؤْمِنِينَ﴾: لَمْ يُصَرِّحْ بِاسْمِ أخِيهِ لِأنَّهُ قَدْ تَقَدَّمَ أوَّلًا في قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ بَعَثْنا مِن بَعْدِهِمْ مُوسى وهارُونَ﴾ [يونس: ٧٥] وتَبَوَّآ: اتِّخِذا مَباءَةً، أيْ: مَرْجِعًا لِلْعِبادَةِ والصَّلاةِ كَما تَقُولُ: تَوَطَّنَ: اتَّخَذَ مَوْطِنًا، والظّاهِرُ اتِّخاذُ البُيُوتِ بِـ مِصْرَ. قالَ الضَّحّاكُ: وهي مِصْرُ المَحْرُوسَةُ، ومِصْرُ مِنَ البَحْرِ إلى أسْوانَ، والأسْكَنْدَرِيَّةُ مِن أرْضِ مِصْرَ. وقالَ مُجاهِدٌ: هي (p-١٨٦)الأسْكَنْدَرِيَّةُ، وكانَ فِرْعَوْنُ قَدِ اسْتَوْلى عَلى بَنِي إسْرائِيلَ، خَرَّبَ مَساجِدَهم ومَواضِعَ عِباداتِهِمْ، ومَنَعَهم مِنَ الصَّلَواتِ، وكَلَّفَهُمُ الأعْمالَ الشّاقَّةَ.

وكانُوا في أوَّلِ أمْرِهِمْ مَأْمُورِينَ بِأنْ يُصَلُّوا في بُيُوتِهِمْ في خُفْيَةٍ مِنَ الكَفَرَةِ لِئَلّا يَظْهَرُوا عَلَيْهِمْ، فَيَرُدُّوهم ويَفْتِنُوهم عَنْ دِينِهِمْ، كَما كانَ المُؤْمِنُونَ عَلى ذَلِكَ في أوَّلِ الإسْلامِ.

وقَرَأ حَفْصٌ في رِوايَةِ هُبَيْرَةَ: تَبَوَّيا بِالياءِ، وهَذا تَسْهِيلٌ غَيْرُ قِياسِيٍّ، ولَوْ جَرى عَلى القِياسِ لَكانَ بَيْنَ الهَمْزَةِ والألِفِ، والظّاهِرُ أنَّ المَأْمُورَ بِأنْ يَجْعَلَ قِبْلَةً هي المَأْمُورُ بِتَبَوُّئِها.

ومَعْنى قِبْلَةً: مَساجِدَ، أُمِرُوا بِأنْ يَتَّخِذُوا بُيُوتَهم مَساجِدَ، قالَهُ النَّخَعِيُّ وابْنُ زَيْدٍ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا: واجْعَلُوا بُيُوتَكم قِبَلَ القِبْلَةِ، وعَنْهُ أيْضًا: قِبَلَ مَكَّةَ. وقالَ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ ومُقاتِلٌ والفَرّاءُ: أُمِرُوا بِأنْ يَجْعَلُوها مُسْتَقْبِلَةَ الكَعْبَةِ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا وابْنِ جُبَيْرٍ: قِبْلَةً يُقابِلُ بَعْضُها بَعْضًا.

﴿وأقِيمُوا الصَّلاةَ﴾: وهَذا قَبْلَ نُزُولِ التَّوْراةِ، لِأنَّها لَمْ تَنْزِلْ إلّا بَعْدَ إجارَةِ البَحْرِ.

﴿وبَشِّرِ المُؤْمِنِينَ﴾ يَعْنِي: بِالنَّصْرِ في الدُّنْيا وبِالجَنَّةِ في الآخِرَةِ، وهو أمْرٌ لِـ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ أنْ يَتَبَوَّآ لِقَوْمِهِما ويَخْتاراها لِلْعِبادَةِ، وذَلِكَ مِمّا يُفَوَّضُ إلى الأنْبِياءِ. ثُمَّ نَسَّقَ الخِطابَ عامًّا لَهُما ولِقَوْمِهِما بِاتِّخاذِ المَساجِدِ والصَّلاةِ فِيها، لِأنَّ ذَلِكَ واجِبٌ عَلى الجُمْهُورِ، ثُمَّ خَصَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِالتَّبْشِيرِ الَّذِي هو الغَرَضُ، تَعْظِيمًا لَهُ ولِلْمُبَشَّرِ بِهِ.

10:88–89Page 218

وَقَالَ مُوسَىٰ رَبَّنَآ إِنَّكَ ءَاتَيۡتَ فِرۡعَوۡنَ وَمَلَأَهُۥ زِينَةٗ وَأَمۡوَٰلٗا فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّواْ عَن سَبِيلِكَۖ رَبَّنَا ٱطۡمِسۡ عَلَىٰٓ أَمۡوَٰلِهِمۡ وَٱشۡدُدۡ عَلَىٰ قُلُوبِهِمۡ فَلَا يُؤۡمِنُواْ حَتَّىٰ يَرَوُاْ ٱلۡعَذَابَ ٱلۡأَلِيمَ ٨٨

And Moses said, "Our Lord, indeed You have given Pharaoh and his establishment splendor and wealth in the worldly life, our Lord, that they may lead [men] astray from Your way. Our Lord, obliterate their wealth and harden their hearts so that they will not believe until they see the painful punishment."

قَالَ قَدۡ أُجِيبَت دَّعۡوَتُكُمَا فَٱسۡتَقِيمَا وَلَا تَتَّبِعَآنِّ سَبِيلَ ٱلَّذِينَ لَا يَعۡلَمُونَ ٨٩

[Allāh] said, "Your supplication has been answered."1 So remain on a right course and follow not the way of those who do not know."

﴿وقالَ مُوسى رَبَّنا إنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ ومَلَأهُ زِينَةً وأمْوالًا في الحَياةِ الدُّنْيا رَبَّنا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنا اطْمِسْ عَلى أمْوالِهِمْ واشْدُدْ عَلى قُلُوبِهِمْ فَلا يُؤْمِنُوا حَتّى يَرَوُا العَذابَ الألِيمَ﴾ ﴿قالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُما فاسْتَقِيما ولا تَتَّبِعانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾: لَمّا بالَغَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ في إظْهارِ المُعْجِزاتِ وهم مُصِرُّونَ عَلى العِنادِ، واشْتَدَّ أذاهم عَلَيْهِ وعَلى مَن آمَنَ مَعَهُ، وهم لا يَزِيدُونَ عَلى عَرْضِ الآياتِ إلّا كُفْرًا، وعَلى الإنْذارِ إلّا اسْتِكْبارًا، وعَلِمَ بِالتَّجْرِبَةِ وطُولِ الصُّحْبَةِ أنَّهُ لا يَجِيءُ مِنهم إلّا الغَيُّ والضَّلالُ، أوْ عَلِمَ ذَلِكَ بِوَحْيٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى، دَعا اللَّهَ تَعالى عَلَيْهِمْ بِما عَلِمَ أنَّهُ لا يَكُونُ غَيْرُهُ كَما تَقُولُ: لَعَنَ اللَّهُ إبْلِيسَ وأخْزى الكَفَرَةَ. كَما دَعا نُوحٌ عَلى قَوْمِهِ حِينَ أُوحِيَ إلَيْهِ ﴿أنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إلّا مَن قَدْ آمَنَ﴾ [هود: ٣٦] وقَدَّمَ بَيْنَ يَدَيِ الدُّعاءِ ما آتاهُمُ اللَّهُ مِنَ النِّعْمَةِ في الدُّنْيا، وكانَ ذَلِكَ سَبَبًا لِلْإيمانِ بِهِ ولِشُكْرِ نِعَمِهِ، فَجَعَلُوا ذَلِكَ سَبَبًا لِجُحُودِهِ ولِكُفْرِ نِعَمِهِ. والزِّينَةُ: عِبارَةٌ عَمّا يُتَزَيَّنُ بِهِ ويُتَحَسَّنُ مِنَ المَلْبُوسِ والمَرْكُوبِ والأثاثِ، والمالُ: ما يَزِيدُ عَلى ذَلِكَ مِنَ الصّامِتِ والنّاطِقِ.

قالَ المُؤَرِّخُونَ والمُفَسِّرُونَ: كانَ لَهم فُسْطاطُ مِصْرَ إلى أرْضِ الحَبَشَةِ جِبالٌ فِيها مَعادِنُ الذَّهَبِ والفِضَّةِ والزَّبَرْجَدِ والياقُوتِ. وفي تَكْرارِ رَبَّنا تَوْكِيدٌ لِلدُّعاءِ والِاسْتِغاثَةِ، واللّامُ في لِيُضِلُّوا الظّاهِرُ أنَّها لامُ كَيْ عَلى مَعْنى: آتَيْتَهم ما آتَيْتَهم عَلى سَبِيلِ الِاسْتِدْراجِ، فَكانَ الإتْيانُ لِكَيْ يُضِلُّوا. ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ لامَ الصَّيْرُورَةِ والعاقِبَةِ كَقَوْلِهِ: ﴿فالتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهم عَدُوًّا وحَزَنًا﴾ [القصص: ٨] وكَما قالَ الشّاعِرُ:

؎ولِلْمَنايا تُرَبِّي كُلُّ مُرْضِعَةٍ ولِلْخَرابِ يَجِدُّ النّاسُ عُمْرانا

وقالَ الحَسَنُ: هو دُعاءٌ عَلَيْهِمْ، وبِهَذا بَدَأ الزَّمَخْشَرِيُّ قالَ: كَأنَّهُ قالَ لِيَثْبُتُوا عَلى ما هم عَلَيْهِ مِنَ الضَّلالِ ولِيَكُونُوا ضُلّالًا، ولِيَطْبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ فَلا يُؤْمِنُوا. ويَبْعُدُ أنْ يَكُونَ دُعاءً عَلى قِراءَةِ مَن قَرَأ: (لِيُضِلُّوا) بِضَمِّ الياءِ، إذْ يَبْعُدُ أنْ يَدْعُوَ بِأنْ يَكُونُوا مُضِلِّينَ غَيْرَهم، وهي قِراءَةُ الكُوفِيِّينَ وقَتادَةَ والأعْمَشِ وعِيسى والحَسَنِ والأعْرَجِ بِخِلافٍ عَنْهُما.

وقَرَأ الحَرَمِيّانِ والعَرَبِيّانِ ومُجاهِدٌ وأبُو رَجاءٍ والأعْرَجُ وشَيْبَةُ وأبُو جَعْفَرٍ وأهْلُ مَكَّةَ بِفَتْحِها. وقَرَأ الشَّعْبِيُّ بِكَسْرِها، والى بَيْنَ الكَسَراتِ (p-١٨٧)الثَّلاثِ. وقِيلَ: لا مَحْذُوفَةٌ، التَّقْدِيرُ: لِئَلّا يَضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ قالَهُ أبُو عَلِيٍّ الجُبّائِيُّ. وقَرَأ أبُو الفَضْلِ الرَّقاشِيُّ: (أإنَّكَ آتَيْتَ) عَلى الِاسْتِفْهامِ. ولَمّا تَقَدَّمَ ذِكْرُ الأمْوالِ وهي أعَزُّ ما ادُّخِرَ، دَعا بِالطُّمُوسِ عَلَيْها وهي التَّعْفِيَةُ والتَّغْيِيرُ أوِ الإهْلاكُ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ ومُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: صارَتْ دَراهِمُهم حِجارَةً مَنقُوشَةً صِحاحًا وأثْلاثًا وأنْصافًا، ولَمْ يَبْقَ لَهم مَعْدِنٌ إلّا طَمَسَ اللَّهُ عَلَيْهِ فَلَمْ يَنْتَفِعْ بِها أحَدٌ بَعْدُ. وقالَ قَتادَةُ: بَلَغَنا أنَّ أمْوالَهم وزُرُوعَهم صارَتْ حِجارَةً.

وقالَ مُجاهِدٌ وعَطِيَّةُ: أهْلَكَها حَتّى لا تُرى. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: صارَتْ دَنانِيرُهم ودَراهِمُهم وفُرُشُهم وكُلُّ شَيْءٍ لَهم حِجارَةً. قالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: سَألَنِي عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهُ، فَدَعا بِخَرِيطَةٍ أُصِيبَتْ بِـ مِصْرَ فَأخْرَجَ مِنها الفَواكِهَ والدَّراهِمَ والدَّنانِيرَ، وأنَّها الحِجارَةُ. وقالَ قَتادَةُ والضَّحّاكُ وأبُو صالِحٍ والقُرْطُبِيُّ: جَعَلَ سُكَّرَهم حِجارَةً. وقالَ السُّدِّيُّ: مَسَخَ اللَّهُ الثِّمارَ والنَّخْلَ والأطْعِمَةَ حِجارَةً. وقالَ شَيْخُنا أبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ سُلَيْمانَ المَقْدِسِيُّ عُرِفَ بِابْنِ النَّقِيبِ، وهو جامِعُ كِتابِ التَّحْرِيرِ والتَّحْبِيرِ في هَذا الكِتابِ: أخْبَرَنِي جَماعِةٌ مِنَ الصّالِحِينَ كانَ شُغْلُهُمُ السِّياحَةَ: أنَّهم عايَنُوا بِجِبالِ مِصْرَ وبَرارِيها حِجارَةً عَلى هَيْئَةِ الدَّنانِيرِ والدَّراهِمِ، وفِيها آثارُ النَّفْسِ وعَلى هَيْئَةِ الفُلُوسِ، وعَلى هَيْئَةِ البِطِّيخِ العَبْدَوِيِّ وهَيْئَةِ البِطِّيخِ الأخْضَرِ، وعَلى هَيْئَةِ الخِيارِ وعَلى هَيْئَةِ القِثّاءِ، وحِجارَةً مُطَوَّلَةً رَقِيقَةً مُعْوَجَّةً عَلى هَيْئَةِ النُّقُوشِ، ورُبَّما رَأوْا عَلى صُورَةِ الشَّجَرِ.

واشْدُدْ: عَلى قُلُوبِهِمْ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ ومُقاتِلٌ والفَرّاءُ والزَّجّاجُ: اطْبَعْ عَلَيْها وامْنَعْها مِنَ الإيمانِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا والضَّحّاكُ: أهْلِكْهم كُفّارًا.

وقالَ مُجاهِدٌ: اشْدُدْ عَلَيْها بِالضَّلالَةِ، وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: قَسِّ قُلُوبَهم، وقالَ ابْنُ بَحْرٍ: اشْدُدْ عَلَيْها بِالمَوْتِ، وقالَ الكِرْمانِيُّ: أيْ لا تَجِدُوا سَلْوًا عَنْ أمْوالِهِمْ، ولا صَبْرًا عَلى ذَهابِها. وقَرَأ الشَّعْبِيُّ وفِرْقَةٌ: اطْمُسْ بِضَمِّ المِيمِ، وهي لُغَةٌ مَشْهُورَةٌ. فَلا يُؤْمِنُوا مَجْزُومٌ عَلى أنَّهُ دُعاءٌ عِنْدَ الكِسائِيِّ والفَرّاءِ، كَما قالَ الأعْشى:

؎فَلا تَنْبَسِطْ مِن بَيْنِ عَيْنَيْكَ ما انْزَوى ∗∗∗ ولا تَلْقَنِي إلّا وأنْفُكَ راغِمُ

ومَنصُوبٌ عَلى أنَّهُ جَوابُ اشْدُدْ، بَدَأ بِهِ الزَّمَخْشَرِيُّ، ومَعْطُوفٌ عَلى لِيُضِلُّوا، عَلى أنَّهُ مَنصُوبٌ قالَهُ الأخْفَشُ وغَيْرُهُ. وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ، أوْ عَلى أنَّهُ مَجْزُومٌ عَلى قَوْلِ مَن قالَ: أنَّ لامَ لِيُضِلُّوا لامُ الدُّعاءِ، وكَأنَّ رُؤْيَةَ العَذابِ غايَةٌ ونِهايَةٌ، لِأنَّ الإيمانَ إذْ ذاكَ لا يَنْفَعُ ولا يُخْرِجُ مِنَ الكُفْرَ، وكانَ العَذابُ الألِيمُ: غَرَقَهم. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: قالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: كانَ مُوسى يَدْعُو وهارُونُ يُؤْمِنُ، فَنُسِبَتِ الدَّعْوَةُ إلَيْهِما. ويُمْكِنُ أنْ يَكُونا دَعَوا، ويَبْعُدُ قَوْلُ مَن قالَ: كَنّى عَنِ الواحِدِ بِلَفْظِ التَّثْنِيَةِ، لِأنَّ الآيَةَ تَضَمَّنَتْ بُعْدَ مُخاطَبَتِهِما في غَيْرِ شَيْءٍ. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ومُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ والضَّحّاكِ: أنَّ الدَّعْوَةَ لَمْ تَظْهَرْ إجابَتُها إلّا بَعْدَ أرْبَعِينَ سَنَةً، وأعْلَما أنَّ دُعاءَهُما صادَفَ مَقْدُورًا، وهَذا مَعْنى إجابَةِ الدُّعاءِ. وقِيلَ لَهُما: ﴿ولا تَتَّبِعانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾، أيْ: في أنْ تَسْتَعْجِلا قَضائِيَ، فَإنَّ وعْدِيَ لا خُلْفَ لَهُ. وقَرَأ السُّلَمِيُّ والضَّحّاكُ دَعَواتُكُما عَلى الجَمْعِ.

وقَرَأ ابْنُ السَّمَيْقَعِ: قَدْ أجَبْتُ دَعْوَتَكُما خَبَرًا عَنِ اللَّهِ تَعالى ونَصَبَ دَعْوَةٍ، والرَّبِيعُ: دَعْوَتَيْكُما، وهَذا يُؤَكِّدُ قَوْلَ مَن قالَ: إنَّ هارُونَ دَعا مَعَ مُوسى.

وقِراءَةُ: (دَعْوَتَيْكُما) تَدُلُّ عَلى أنَّهُ قَرَأ: قَدْ أجَبْتُ عَلى أنَّهُ فِعْلٌ وفاعِلٌ، ثُمَّ أُمِرا بِالِاسْتِقامَةِ والمَعْنى: الدَّيْمُومَةُ عَلَيْها وعَلى ما أُمِرْتُما بِهِ مِنَ الدَّعْوَةِ إلى اللَّهِ تَعالى، وإلْزامِ حُجَّةِ اللَّهِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿تَتَّبِعانِّ﴾ بِتَشْدِيدِ التّاءِ والنُّونِ، وابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ ذَكْوانَ بِتَخْفِيفِ التّاءِ وشَدِّ النُّونِ، وابْنُ ذَكْوانَ أيْضًا بِتَشْدِيدِ التّاءِ وتَخْفِيفِ النُّونِ، وفِرْقَةٌ بِتَخْفِيفِ التّاءِ وسُكُونِ النُّونِ، ورَوى ذَلِكَ الأخْفَشُ الدِّمَشْقِيُّ عَنْ أصْحابِهِ عَنِ ابْنِ عامِرٍ، فَأمّا شَدُّ النُّونِ فَعَلى أنَّها نُونُ التَّوْكِيدِ الشَّدِيدَةُ لَحِقَتْ فِعْلَ النَّهْيِ المُتَّصِلَ بِهِ ضَمِيرُ الِاثْنَيْنِ، وأمّا تَخْفِيفُها (p-١٨٨)مَكْسُورَةً فَقِيلَ: هي نُونُ التَّوْكِيدِ الخَفِيفَةُ، وكُسِرَتْ كَما كُسِرَتِ الشَّدِيدَةُ. وقَدْ حَكى النَّحْوِيُّونَ كَسْرَ النُّونِ الخَفِيفَةِ في مِثْلِ هَذا عَنِ العَرَبِ، ومَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ والكِسائِيِّ أنَّها لا تَدْخُلُ هُنا الخَفِيفَةُ، ويُونُسُ والفَرّاءُ يَرَيانِ ذَلِكَ. وقِيلَ: النُّونُ المَكْسُورَةُ الخَفِيفَةُ هي عَلامَةُ الرَّفْعِ والفِعْلُ مَنفِيٌّ والمُرادُ مِنهُ النَّهْيُ، أوْ هو خَبَرٌ في مَوْضِعِ الحالِ، أيْ: غَيْرُ مُتَّبِعِينَ قالَهُ الفارِسِيُّ. والَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ فِرْعَوْنُ وقَوْمُهُ قالَهُ: ابْنُ عَبّاسٍ. أوِ الَّذِينَ يَسْتَعْجِلُونَ القَضاءَ قَبْلَ مَجِيئِهِ، ذَكَرَهُ أبُو سُلَيْمانَ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском