Abu HayyanYunus · 10:90–100

Abu Hayyan · Tafsir · in Arabic

Yunus 10:90–100

10:90–92Page 219

۞ وَجَٰوَزۡنَا بِبَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ ٱلۡبَحۡرَ فَأَتۡبَعَهُمۡ فِرۡعَوۡنُ وَجُنُودُهُۥ بَغۡيٗا وَعَدۡوًاۖ حَتَّىٰٓ إِذَآ أَدۡرَكَهُ ٱلۡغَرَقُ قَالَ ءَامَنتُ أَنَّهُۥ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا ٱلَّذِيٓ ءَامَنَتۡ بِهِۦ بَنُوٓاْ إِسۡرَٰٓءِيلَ وَأَنَا۠ مِنَ ٱلۡمُسۡلِمِينَ ٩٠

And We took the Children of Israel across the sea, and Pharaoh and his soldiers pursued them in tyranny and enmity until, when drowning overtook him, he said, "I believe that there is no deity except that in whom the Children of Israel believe, and I am of the Muslims."

ءَآلۡـَٰٔنَ وَقَدۡ عَصَيۡتَ قَبۡلُ وَكُنتَ مِنَ ٱلۡمُفۡسِدِينَ ٩١

Now? And you had disobeyed [Him] before and were of the corrupters?

فَٱلۡيَوۡمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنۡ خَلۡفَكَ ءَايَةٗۚ وَإِنَّ كَثِيرٗا مِّنَ ٱلنَّاسِ عَنۡ ءَايَٰتِنَا لَغَٰفِلُونَ ٩٢

So today We will save you in body1 that you may be to those who succeed you a sign. And indeed, many among the people, of Our signs, are heedless.

﴿وجاوَزْنا بِبَنِي إسْرائِيلَ البَحْرَ فَأتْبَعَهم فِرْعَوْنُ وجُنُودُهُ بَغْيًا وعَدْوًا حَتّى إذا أدْرَكَهُ الغَرَقُ قالَ آمَنتُ أنَّهُ لا إلَهَ إلّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إسْرائِيلَ وأنا مِنَ المُسْلِمِينَ﴾ ﴿آلْآنَ وقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وكُنْتَ مِنَ المُفْسِدِينَ﴾ ﴿فاليَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَن خَلْفَكَ آيَةً وإنَّ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ عَنْ آياتِنا لَغافِلُونَ﴾: قَرَأ الحَسَنُ: وجَوَّزْنا بِتَشْدِيدِ الواوِ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ في الباءِ في بَنِي إسْرائِيلَ، وكَمْ كانَ الَّذِينَ جازُوا مَعَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ في سُورَةِ الأعْرافِ.

وقَرَأ الحَسَنُ وقَتادَةُ: فاتَّبَعَهم بِتَشْدِيدِ التّاءِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿وجاوَزْنا بِبَنِي﴾ رُباعِيًّا، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ولَيْسَ مَن جَوَّزَ الَّذِي في بَيْتِ الأعْشى:

؎وإذا تُجَوُّزُها حِبالَ قَبِيلَةٍ

لِأنَّهُ لَوْ كانَ مِنهُ لَكانَ حَقُّهُ أنْ يُقالَ: وجَوَّزْنا بِـ بَنِي إسْرائِيلَ في البَحْرِ كَما قالَ:

؎كَمّا جَوَّزَ السُّبْكِيُّ في البابِ فَيْنَقُ،

انْتَهى

وقالَ الحَوْفِيُّ: تَبِعَ واتَّبَعَ بِمَعْنًى واحِدٍ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَأتْبَعَهم: لَحِقَهم، يُقالُ: تَبِعَهُ حَتّى اتَّبَعَهُ. وفي اللَّوامِحِ: تَبِعَهُ إذا مَشى خَلْفَهُ واتَّبَعَهُ كَذَلِكَ، إلّا أنَّهُ حاذاهُ في المَشْيِ واتَّبَعَهُ لَحِقَهُ، ومِنهُ العامَّةُ، يَعْنِي: ومِنهُ قِراءَةُ العامَّةِ: فَأتْبَعَهم وجُنُودُ فِرْعَوْنَ، قِيلَ: ألْفُ ألْفٍ وسِتُّمِائَةِ ألْفٍ. وقِيلَ: غَيْرُ ذَلِكَ.

وقَرَأ الحَسَنُ: وعُدُوًّا عَلى وزْنِ عُلُوٍّ، وتَقَدَّمَتْ في الأنْعامِ. وعَدْوًا وعُدُوًّا مِنَ العُدْوانِ، واتِّباعُ فِرْعَوْنَ هو في مُجاوَزَةِ البَحْرِ. رُوِيَ أنَّ فِرْعَوْنَ لَمّا انْتَهى إلى البَحْرِ فَوَجَدَهُ قَدِ انْفَرَقَ، ومَضى فِيهِ بَنُو إسْرائِيلَ قالَ لِقَوْمِهِ: إنَّما انْفَلَقَ بِأمْرِي، وكانَ عَلى فَرَسٍ ذَكَرٍ فَبَعَثَ اللَّهُ إلَيْهِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى فَرَسٍ أُنْثى، ودَنَوْا فَدَخَلَ بِها البَحْرَ ولَجَّ فَرَسُ فِرْعَوْنَ وراءَهُ وجَنْبُ الجُيُوشِ خَلْفَهُ، فَلَمّا رَأى أنَّ الِانْفِراقَ ثَبَتَ لَهُ اسْتَمَرَّ، وبَعَثَ اللَّهُ مِيكائِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ يَسُوقُ النّاسَ حَتّى حَصَلَ جَمِيعُهم في البَحْرِ فانْطَبَقَ عَلَيْهِمْ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: أنَّهُ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ عَلى حَذْفِ الباءِ.

وقَرَأ الكِسائِيُّ وحَمْزَةُ: بِكَسْرِها عَلى الِاسْتِئْنافِ ابْتِداءَ كَلامٍ أوْ بَدَلًا مِن آمَنَتْ، أوْ عَلى إضْمارِ القَوْلِ، أيْ: قائِلًا أنَّهُ.

ولَمّا لَحِقَهُ مِنَ الدَّهَشِ ما لَحِقَهُ كَرَّرَ المَعْنى بِثَلاثِ عِباراتٍ، إمّا عَلى سَبِيلِ التَّلَعْثُمِ إذْ ذَلِكَ مَقامٌ تَحارُ فِيهِ القُلُوبُ، أوْ حِرْصًا عَلى القَبُولِ ولَمْ يَقْبَلِ اللَّهُ مِنهُ إذْ فاتَهُ وقْتُ القَبُولِ وهو حالَةُ الِاخْتِيارِ وبَقاءُ التَّكْلِيفِ، والتَّوْبَةُ بَعْدَ المُعايَنَةِ لا تَنْفَعُ. ألا تَرى إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهم إيمانُهم لَمّا رَأوْا بَأْسَنا سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ في عِبادِهِ﴾ [غافر: ٨٥] وتَقَدَّمَ الخِلافُ في قِراءَةِ: (آلْآنَ) في قَوْلِهِ: ﴿آلْآنَ وقَدْ كُنْتُمْ﴾ [يونس: ٥١] والمَعْنى: أتُؤْمِنُ السّاعَةَ في حالِ الِاضْطِرارِ حِينَ أدْرَكَكَ الغَرَقُ وأيِسْتَ مِن نَفْسِكَ ؟ قِيلَ: قالَ ذَلِكَ حِينَ ألْجَمَهُ الغَرَقُ. وقِيلَ: بَعْدَ أنْ غَرِقَ في نَفْسِهِ.

قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والَّذِي يُحْكى أنَّهُ حِينَ قالَ: آمَنتُ، أخَذَ جِبْرِيلُ مِن جالِ البَحْرِ فَدَسَّهُ في فِيهِ، فَلِلْغَضَبِ في اللَّهِ تَعالى عَلى حالِ الكافِرِ في وقْتٍ قَدْ عَلِمَ (p-١٨٩)أنَّ إيمانَهُ لا يَنْفَعُهُ. وأمّا ما يُضَمُّ إلَيْهِ مِن قَوْلِهِمْ: خَشِيتُ أنْ تُدْرِكَهُ رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى، فَمِن زِياداتِ الباهِتِينَ لِلَّهِ تَعالى ومَلائِكَتِهِ، وفِيهِ جَهالَتانِ: إحْداهُما: أنَّ الإيمانَ يَصِحُّ بِالقَلْبِ كَإيمانِ الأخْرَسِ، فَجالُ البَحْرِ لا يَمْنَعُهُ.

والآخَرُ: أنَّ مَن كَرِهَ الإيمانِ لِلْكافِرِ وأحَبَّ بَقاءَهُ عَلى الكُفْرِ فَهو كافِرٌ، لِأنَّ الرِّضا بِالكُفْرِ كُفْرٌ. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: آلْآنَ إلى آخِرِهِ مِن كَلامِ اللَّهِ لَهُ عَلى لِسانِ مَلَكٍ. فَقِيلَ: هو جِبْرِيلُ، وقِيلَ: مِيكائِيلُ، وقِيلَ: غَيْرُهُما لِخِطابِهِ ﴿فاليَوْمَ نُنَجِّيكَ﴾ .

وقِيلَ: مِن قَوْلِ فِرْعَوْنَ في نَفْسِهِ وإفْسادِهِ وإضْلالِهِ النّاسَ، ودَعْواهُ الرُّبُوبِيَّةَ.

﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْناهم عَذابًا فَوْقَ العَذابِ بِما كانُوا يُفْسِدُونَ﴾ [النحل: ٨٨] فاليَوْمَ نُنَجِّيكَ: الظّاهِرُ أنَّهُ خَبَرٌ. وقِيلَ: هو اسْتِفْهامُ فِيهِ تَهْدِيدٌ، أيْ: أفاليَوْمَ نُنَجِّيكَ ؟ فَهَلّا كانَ الإيمانُ قَبْلَ الإشْرافِ عَلى الهَلاكِ، وهَذا بَعِيدٌ لِحَذْفِ هَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ ولِقَوْلِهِ: لِتَكُونَ لِمَن خَلْفَكَ آيَةً، لِأنَّ التَّعْلِيلَ لا يُناسِبُ هَذا الِاسْتِفْهامَ.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: نُنَجِّيكَ: نُلْقِيكَ بِنَجْوَةٍ مِنَ الأرْضِ وهي المَكانُ المُرْتَفِعُ، وبِبَدَنِكَ: بِدِرْعِكَ، وكانَ مِن لُؤْلُؤٍ مَنظُومٍ لا مِثالَ لَهُ. وقِيلَ: مِن ذَهَبٍ. وقِيلَ: مِن حَدِيدٍ وفِيها سَلاسِلُ مِن ذَهَبٍ. والبَدَنُ: بَدَنُ الإنْسانِ، والبَدَنُ: الدِّرْعُ القَصِيرَةُ. قالَ:

؎تَرى الأبْدانَ فِيها مُسْبَغاتٍ ∗∗∗ عَلى الأبْطالِ والكَلْبِ الحَصِينا

يَعْنِي: الدُّرُوعَ. وقالَ عَمْرُو بْنُ مَعْدِ يَكْرِبَ:

؎أعاذِلَ شَكَّتِي بَدَنِي وسَيْفِي ∗∗∗ وكُلُّ مُقَلِّصٍ سَلِسِ القِيادِ

وكانَتْ لَهُ دِرْعٌ مِن ذَهَبٍ يُعْرَفُ بِها، وقِيلَ: نُلْقِيكَ بِبَدَنِكَ عُرْيانًا لَيْسَ عَلَيْكَ ثِيابٌ ولا سِلاحٌ، وذَلِكَ أبْلَغُ في إهانَتِهِ.

وقِيلَ: نُخْرِجُكَ صَحِيحًا لَمْ يَأْكُلْكَ شَيْءٌ مِنَ الدَّوابِّ. وقِيلَ: بِدْنًا بِلا رُوحٍ، قالَهُ مُجاهِدٌ. وقِيلَ: نُخْرِجُكَ مِن مُلْكِكَ وحِيدًا فَرِيدًا. وقِيلَ: نُلْقِيكَ في البَحْرِ مِنَ النَّجاءِ، وهو ما سَلَخْتَهُ عَنِ الشّاةِ أوْ ألْقَيْتَهُ عَنْ نَفْسِكَ مِن ثِيابٍ أوْ سِلاحٍ. وقِيلَ: نَتْرُكُكَ حَتّى تَغْرَقَ، والنَّجاءُ: التَّرْكُ. وقِيلَ: نَجْعَلُكَ عَلامَةً، والنَّجاءُ: العَلامَةُ. وقِيلَ: نُغْرِقُكَ مِن قَوْلِهِمْ: نَجّى البَحْرُ أقْوامًا إذا أغْرَقَهم. وقالَ الكِرْمانِيُّ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِنَ النَّجاةِ وهو الإسْراعُ، أيْ: نُسْرِعُ بِهَلاكِكَ.

وقِيلَ: مَعْنى بِبَدَنِكَ: بِصُورَتِكَ الَّتِي تُعْرَفُ بِها، وكانَ قَصِيرًا أشْقَرَ أزْرَقَ قَرِيبَ اللِّحْيَةِ مِنَ القامَةِ، ولَمْ يَكُنْ في بَنِي إسْرائِيلَ شَبِيهٌ لَهُ يَعْرِفُونَهُ بِصُورَتِهِ، وبِبَدَنِكَ: إذا عُنِيَ بِهِ الجُثَّةُ: تَأْكِيدٌ كَما تَقُولُ: قالَ فُلانٌ بِلِسانِهِ وجاءَ بِنَفْسِهِ.

وقَرَأ يَعْقُوبُ: نُنْجِيكَ مُخَفَّفًا مُضارِعُ أنْجى. وقَرَأ أُبَيٌّ وابْنُ السَّمَيْقَعِ ويَزِيدُ البَرْبَرِيُّ: نُنَحِّيكَ بِالحاءِ المُهْمَلَةِ مِنَ التَّنْحِيَةِ، ورُوِيَتْ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، أيْ: نُلْقِيكَ بِناحِيَةٍ مِمّا يَلِي البَحْرَ. قالَ كَعْبٌ: رَماهُ البَحْرُ إلى السّاحِلِ كَأنَّهُ نُورٌ. وقَرَأ أبُو حَنِيفَةَ: بِأبْدانِكَ أيْ: بِدُرُوعِكَ، أوْ جُعِلَ كُلُّ جُزْءٍ مِنَ البَدَنِ بَدَنًا كَقَوْلِهِمْ: شابَتْ مَفارِقُهُ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ وابْنُ السَّمَيْقَعِ: بِنِدائِكَ: مَكانَ بِبَدَنِكَ، أيْ: بِدُعائِكَ، أيْ: بِقَوْلِكَ آمَنتُ إلى آخِرِهِ. لِنَجْعَلَكَ آيَةً مَعَ نِدائِكَ الَّذِي لا يَنْفَعُ، أوْ بِما نادَيْتَ بِهِ في قَوْمِكَ. ونادى فِرْعَوْنُ في قَوْمِهِ ﴿فَحَشَرَ فَنادى﴾ [النازعات: ٢٣] ﴿فَقالَ أنا رَبُّكُمُ الأعْلى﴾ [النازعات: ٢٤]، و﴿ياأيُّها المَلَأُ ما عَلِمْتُ لَكم مِن إلَهٍ غَيْرِي﴾ [القصص: ٣٨] . ولَمّا كَذَّبَتْ بَنُو إسْرائِيلَ بِغَرَقِ فِرْعَوْنَ رَمى بِهِ البَحْرُ عَلى ساحِلِهِ حَتّى رَأوْهُ قَصِيرًا أحْمَرَ كَأنَّهُ ثَوْرٌ ﴿لِمَن خَلْفَكَ﴾: لِمَن وراءَكَ عَلامَةً وهم بَنُو إسْرائِيلَ، وكانَ في أنْفُسِهِمْ أنَّ فِرْعَوْنَ أعْظَمُ شَأْنًا مِن أنْ يَغْرَقَ، وكانَ مَطْرَحُهُ عَلى مَمَرِّ بَنِي إسْرائِيلَ حَتّى قِيلَ: ﴿لِمَن خَلْفَكَ آيَةً﴾ . وقِيلَ: لِمَن يَأْتِي بَعْدَكَ مِنَ القُرُونِ، وقِيلَ: لِمَن بَقِيَ مِن قِبْطِ مِصْرَ وغَيْرِهِمْ. وقُرِئَ: لِمَن خَلَفَكَ بِفَتْحِ اللّامِ، أيْ: مِنَ الجَبابِرَةِ والفَراعِنَةِ لِيَتَّعِظُوا بِذَلِكَ، ويَحْذَرُوا أنْ يُصِيبَهم ما أصابَكَ إذا فَعَلُوا فِعْلَكَ.

ومَعْنى كَوْنِهِ آيَةً: أنْ يَظْهَرَ لِلنّاسِ عُبُودِيَّتُهُ ومَهانَتُهُ، أوْ لِيَكُونَ عِبْرَةً يَعْتَبِرُ بِها الأُمَمُ. وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: لِمَن خَلَقَكَ مِنَ الخَلْقِ وهو اللَّهُ تَعالى، أيْ: لِيَجْعَلَكَ اللَّهُ آيَةً لَهُ (p-١٩٠)فِي عِبادِهِ. وقِيلَ: المَعْنى لِيَكُونَ طَرْحُكَ عَلى السّاحِلِ وحْدَكَ، وتَمْيِيزُكَ مِن بَيْنِ المُغْرَقِينَ لِئَلّا يَشْتَبِهَ عَلى النّاسِ أمْرُكَ، ولِئَلّا يَقُولُوا لِادِّعائِكَ العَظَمَةَ: إنَّ مِثْلَهُ لا يَغْرَقُ ولا يَمُوتُ آيَةً مِن آياتِ اللَّهِ الَّتِي لا يَقْدِرُ عَلَيْها غَيْرُهُ، ﴿وإنَّ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ﴾ ظاهِرُهُ النّاسُ كافَّةً، قالَهُ الحَسَنُ. وقالَ مُقاتِلٌ: مِن أهْلِ مَكَّةَ (عَنْ آياتِنا) أيِ: العَلاماتِ الدّالَّةِ عَلى الوَحْدانِيَّةِ وغَيْرِها مِن صِفاتِ العَلِيِّ، ﴿لَغافِلُونَ﴾: لا يَتَدَبَّرُونَ، وهَذا خَبَرٌ في ضِمْنِهِ تَوَعَّدٌ.

10:93Page 219

وَلَقَدۡ بَوَّأۡنَا بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ مُبَوَّأَ صِدۡقٖ وَرَزَقۡنَٰهُم مِّنَ ٱلطَّيِّبَٰتِ فَمَا ٱخۡتَلَفُواْ حَتَّىٰ جَآءَهُمُ ٱلۡعِلۡمُۚ إِنَّ رَبَّكَ يَقۡضِي بَيۡنَهُمۡ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخۡتَلِفُونَ ٩٣

And We had certainly settled the Children of Israel in an agreeable settlement and provided them with good things. And they did not differ until [after] knowledge had come to them. Indeed, your Lord will judge between them on the Day of Resurrection concerning that over which they used to differ.

﴿ولَقَدْ بَوَّأْنا بَنِي إسْرائِيلَ مُبَوَّأ صِدْقٍ ورَزَقْناهم مِنَ الطَّيِّباتِ فَما اخْتَلَفُوا حَتّى جاءَهُمُ العِلْمُ إنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهم يَوْمَ القِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾: لَمّا ذَكَرَ تَعالى ما جَرى لِـ فِرْعَوْنَ وأتْباعِهِ مِنَ الهَلاكِ، ذَكَرَ ما أحْسَنَ بِهِ لِ بَنِي إسْرائِيلَ وما امْتَنَّ بِهِ عَلَيْهِمْ، إذْ كانَ بَنُو إسْرائِيلَ قَدْ أُخْرِجُوا مِن مَساكِنِهِمْ خائِفِينَ مِن فِرْعَوْنَ، فَذَكَرَ تَعالى أنَّهُ اخْتارَ لَهم مِنَ الأماكِنِ أحْسَنَها.

والظّاهِرُ أنَّ بَنِي إسْرائِيلَ هُمُ الَّذِينَ كانُوا آمَنُوا بِـ مُوسى ونَجَوْا مِنَ الغَرَقِ، وسِياقُ الآياتِ يَشْهَدُ لَهم. وقِيلَ: هُمُ الَّذِينَ كانُوا بِحَضْرَةِ النَّبِيِّ ﷺ مِن بَنِي إسْرائِيلَ، قُرَيْظَةَ والنَّضِيرِ وبَنِي قَيْنُقاعَ، وانْتَصَبَ ﴿مُبَوَّأ صِدْقٍ﴾ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ ثانٍ لَبَوَّأْنا كَقَوْلِهِ: ﴿لَنُبَوِّئَنَّهم مِنَ الجَنَّةِ غُرَفًا﴾ [العنكبوت: ٥٨] وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا.

ومَعْنى صِدْقٍ، أيْ: فَضْلٍ وكَرامَةٍ ومِنَّةٍ ﴿فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ﴾ [القمر: ٥٥] . وقِيلَ: مَكانَ صِدْقِ الوَعْدِ، وكانَ وعَدَهم فَصَدَقَهم وعْدَهُ. وقِيلَ: (صِدْقٍ) تَصَدَّقَ بِهِ عَلَيْهِمْ، لِأنَّ الصَّدَقَةَ والبِرَّ مِنَ الصِّدْقِ. وقِيلَ: صَدَقَ فِيهِ ظَنُّ قاصِدِهِ وساكِنِهِ. وقِيلَ: مَنزِلًا صالِحًا مُرْضِيًا، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: هو الأُرْدُنُّ وفِلَسْطِينُ. وقالَ الضَّحّاكُ وابْنُ زَيْدٍ وقَتادَةُ: الشّامُ وبَيْتُ المَقْدِسِ. وقالَ مُقاتِلٌ: بَيْتُ المَقْدِسِ. وعَنِ الضَّحّاكِ أيْضًا: مِصْرُ، وعَنْهُ أيْضًا: مِصْرُ والشّامُ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والأصَحُّ أنَّهُ الشّامُ وبَيْتُ المَقْدِسِ بِحَسَبِ ما حُفِظَ مِن أنَّهم لَمْ يَعُودُوا إلى مِصْرَ، عَلى أنَّهُ في القُرْآنِ كَذَلِكَ.

﴿وأوْرَثْناها بَنِي إسْرائِيلَ﴾ [الشعراء: ٥٩] يَعْنِي ما تَرَكَ القِبْطُ مِن جَنّاتٍ وعُيُونٍ وغَيْرِ ذَلِكَ. وقَدْ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ وأوْرَثْناها مَعْناها: الحالَّةُ مِنَ النِّعْمَةِ وإنْ لَمْ تَكُنْ في قُطْرٍ واحِدٍ، انْتَهى.

وقِيلَ: ما بَيْنَ المَدِينَةِ والشّامِ مِن أرْضِ يَثْرِبَ ذَكَرَهُ عَلِيُّ بْنُ أحْمَدَ النَّيْسابُورِيُّ، وهَذا عَلى قَوْلِ مَن قالَ: إنَّ بَنِي إسْرائِيلَ هُمُ الَّذِينَ بِحَضْرَةِ النَّبِيِّ ﷺ . ولَمّا ذَكَرَ أنَّهُ بَوَّأهم مُبَوَّأ صِدْقٍ ذَكَرَ امْتِنانَهُ عَلَيْهِمْ بِما رَزَقَهم مِنَ الطَّيِّباتِ، وهي: المَآكِلُ المُسْتَلَذّاتُ أوِ الحَلّالُ، فَما اخْتَلَفُوا أيْ: كانُوا عَلى مِلَّةٍ واحِدَةٍ وطَرِيقَةٍ واحِدَةٍ مَعَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ في أوَّلِ حالِهِ، حَتّى جاءَهُمُ العِلْمُ أيْ: عِلْمُ التَّوْراةِ فاخْتَلَفُوا، وهَذا ذَمٌّ لَهم.

أيْ أنَّ سَبَبَ الإيقافِ هو العِلْمُ، فَصارَ عِنْدَهم سَبَبُ الِاخْتِلافِ، فَتَشَعَّبُوا شُعَبًا بَعْدَما قَرَءُوا التَّوْراةَ. وقِيلَ: العِلْمُ بِمَعْنى المَعْلُومِ وهو مُحَمَّدٌ، لِأنَّ رِسالَتَهُ كانَتْ مَعْلُومَةً عِنْدَهم مَكْتُوبَةً في التَّوْراةِ، وكانُوا يَسْتَفْتِحُونَ بِهِ، أيْ: يَسْتَنْصِرُونَ، وكانُوا قَبْلَ مَجِيئِهِ إلى المَدِينَةِ مُجْمِعِينَ عَلى نُبُوَّتِهِ يَسْتَنْصِرُونَ بِهِ في الحُرُوبِ يَقُولُونَ: اللَّهُمَّ بِحُرْمَةِ النَّبِيِّ المَبْعُوثِ في آخِرِ الزَّمانِ انْصُرْنا فَيُنْصَرُونَ، فَلَمّا جاءَ قالُوا: النَّبِيُّ المَوْعُودُ بِهِ مِن ولَدِ يَعْقُوبَ، وهَذا مِن ولَدِ إسْماعِيلَ، فَلَيْسَ هو ذاكَ، فَآمَنَ بِهِ بَعْضُهم كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ وأصْحابِهِ.

وقِيلَ: العِلْمُ: القُرْآنُ، واخْتِلافُهم: قَوْلُ بَعْضِهِمْ: هو مِن كَلامِ مُحَمَّدٍ، وقَوْلُ بَعْضِهِمْ: مِن كَلامِ اللَّهِ ولَيْسَ لَنا إنَّما هو لِلْعَرَبِ. وصَدَّقَ بِهِ قَوْمٌ فَآمَنُوا، وهَذا الِاخْتِلافُ لا يُمْكِنُ زَوالُهُ في الدُّنْيا، وأنَّهُ تَعالى يَقْضِي فِيهِ في الآخِرَةِ فَيُمَيِّزُ المُحِقَّ مِنَ المُبْطِلِ.

10:94–95Page 219

فَإِن كُنتَ فِي شَكّٖ مِّمَّآ أَنزَلۡنَآ إِلَيۡكَ فَسۡـَٔلِ ٱلَّذِينَ يَقۡرَءُونَ ٱلۡكِتَٰبَ مِن قَبۡلِكَۚ لَقَدۡ جَآءَكَ ٱلۡحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ ٱلۡمُمۡتَرِينَ ٩٤

So if you are in doubt, [O Muḥammad], about that which We have revealed to you, then ask those who have been reading the Scripture before you. The truth has certainly come to you from your Lord, so never be among the doubters.

وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ فَتَكُونَ مِنَ ٱلۡخَٰسِرِينَ ٩٥

And never be of those who deny the signs of Allāh and [thus] be among the losers.1

﴿فَإنْ كُنْتَ في شَكٍّ مِمّا أنْزَلْنا إلَيْكَ فاسْألِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الكِتابَ مِن قَبْلِكَ لَقَدْ جاءَكَ الحَقُّ مِن رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُمْتَرِينَ﴾ ﴿ولا تَكُونَنَّ مِنَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ فَتَكُونَ مِنَ الخاسِرِينَ﴾ (p-١٩١)الظّاهِرُ أنَّ (إنْ) شَرْطِيَّةٌ. ورُوِيَ عَنِ الحَسَنِ والحُسَيْنِ بْنِ الفَضْلِ أنَّ (إنْ) نافِيَةٌ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أيْ مِمّا كُنْتَ في شَكٍّ فَسْألْ، يَعْنِي: لا نَأْمُرُكَ بِالسُّؤالِ لِأنَّكَ شاكٌّ، ولَكِنْ لِتَزْدادَ يَقِينًا كَما ازْدادَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِمُعايَنَةِ إحْياءِ المَوْتى، انْتَهى.

وإذا كانَتْ إنْ شَرْطِيَّةً فَذَكَرُوا أنَّها تَدْخُلُ عَلى المُمْكِنِ وجُودُهُ، أوِ المُحَقَّقِ وُجُودُهُ المُنْبَهِمُ زَمانُ وُقُوعِهِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أفَإنْ مِتَّ فَهُمُ الخالِدُونَ﴾ [الأنبياء: ٣٤] والَّذِي أقُولُهُ: أنَّ إنِ الشَّرْطِيَّةَ تَقْتَضِي تَعْلِيقَ شَيْءٍ عَلى شَيْءٍ، ولا تَسْتَلْزِمُ تَحَتُّمَ وُقُوعِهِ ولا إمْكانِهِ، بَلْ قَدْ يَكُونُ ذَلِكَ في المُسْتَحِيلِ عَقْلًا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ إنْ كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ﴾ [الزخرف: ٨١] ومُسْتَحِيلٌ أنْ يَكُونَ لَهُ ولَدٌ، فَكَذَلِكَ هَذا مُسْتَحِيلٌ أنْ يَكُونَ في شَكٍّ، وفي المُسْتَحِيلِ عادَةً كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإنِ اسْتَطَعْتَ أنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا في الأرْضِ أوْ سُلَّمًا في السَّماءِ فَتَأْتِيَهم بِآيَةٍ﴾ [الأنعام: ٣٥]، أيْ: فافْعَلْ. لَكِنَّ وُقُوعَ إنْ لِلتَّعْلِيقِ عَلى المُسْتَحِيلِ قَلِيلٌ، وهَذِهِ الآيَةُ مِن ذَلِكَ. ولَمّا خَفِيَ هَذا الوَجْهُ عَلى أكْثَرِ النّاسِ اخْتَلَفُوا في تَخْرِيجِ هَذِهِ الآيَةِ، فَقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: الصَّوابُ أنَّها مُخاطَبَةٌ لِلنَّبِيِّ، والمُرادُ بِها سِواهُ مِن كُلِّ مَن يُمْكِنُ أنْ يَشُكَّ أوْ يُعارِضَ، انْتَهى.

ولِذَلِكَ جاءَ: ﴿قُلْ ياأيُّها النّاسُ إنْ كُنْتُمْ في شَكٍّ مِن دِينِي﴾ [يونس: ١٠٤] وقالَ قَوْمٌ: الكَلامُ بِمَنزِلَةِ قَوْلِكَ: إنْ كُنْتَ ابْنِي فَبِرَّنِي، ولَيْسَ هَذا المِثالُ بِجَيِّدٍ، وإنَّما مِثالُ هَذِهِ قَوْلُهُ تَعالى لِعِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿أأنْتَ قُلْتَ لِلنّاسِ﴾ [المائدة: ١١٦]، انْتَهى.

وهَذا القَوْلُ مَرْوِيٌّ عَنِ الفَرّاءِ. قالَ الكِرْمانِيُّ: واخْتارَهُ جَماعَةٌ، وضَعُفَ بِأنَّهُ يَصِيرُ تَقْدِيرُ الآيَةَ: أأنْتَ في شَكٍّ ؟ إذْ لَيْسَ في الآيَةِ ما يَدُلُّ عَلى نَفْيِ الشَّكِّ. وقِيلَ: كَنّى هُنا بِالشَّكِّ عَنِ الضِّيقِ، أيْ: فَإنْ كُنْتَ في ضَيْقٍ مِنَ اخْتِلافِهِمْ فِيما أُنْزِلَ إلَيْكَ وتَعَنُّتِهِمْ عَلَيْكَ. وقِيلَ: كَنّى بِالشَّكِّ عَنِ العَجَبِ، أيْ: فَإنْ كُنْتَ في تَعَجُّبٍ مِن عِنادِ فِرْعَوْنَ.

ومُناسَبَةُ المَجازِ أنَّ التَّعَجُّبَ فِيهِ تَرَدُّدٌ، كَما أنَّ الشَّكَّ تَرَدُّدٌ بَيْنَ أمْرَيْنِ. وقالَ الكِسائِيُّ: مَعْناهُ إنْ كُنْتَ في شَكٍّ أنَّ هَذا عادَتُهم مَعَ الأنْبِياءِ فَسَلْهم كَيْفَ كانَ صَبْرُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ حِينَ اخْتَلَفُوا عَلَيْهِ ؟ وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ كُنْتَ في شَكٍّ بِمَعْنى: العَرْضِ والتَّمْثِيلِ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَإنْ وقَعَ لَكَ شَكٌّ مَثَلًا وخَيَّلَ لَكَ الشَّيْطانُ خَيالًا مِنهُ تَقْدِيرًا فَسْألِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الكِتابَ، والمَعْنى: أنَّ اللَّهَ تَعالى قَدَّمَ ذِكْرَ بَنِي إسْرائِيلَ وهم قَرَأةُ الكِتابِ، ووَصَفَهم بِأنَّ العِلْمَ قَدْ جاءَهم، لِأنَّ أمْرَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَكْتُوبٌ عِنْدَهم في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ وهم يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أبْناءَهم، فَأرادَ أنْ يُؤَكِّدَ عَلَيْهِمْ بِصِحَّةِ القُرْآنِ وصِحَّةِ نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، ويُبالِغَ في ذَلِكَ فَقالَ تَعالى: فَإنْ وقَعَ لَكَ شَكٌّ فَرْضًا وتَقْدِيرًا، وسَبِيلُ مَن خالَجَتْهُ شُبْهَةٌ في الدِّينِ أنْ يُسارِعَ إلى حَلِّها وإماطَتِها، إمّا بِالرُّجُوعِ إلى قَوانِينِ الدِّينِ وأدِلَّتِهِ، وإمّا بِمُقادَحَةِ العُلَماءِ المُنَبِّهِينَ عَلى الحَقِّ، انْتَهى.

وقِيلَ أقْوالٌ غَيْرُ هَذِهِ، وقَرَأ يَحْيى وإبْراهِيمُ: يَقْرَءُونَ الكُتُبَ عَلى الجَمْعِ. والحَقُّ هُنا: الإسْلامُ أوِ القُرْآنُ أوِ النُّبُوَّةُ أوِ الآياتُ والبَراهِينُ القاطِعَةُ، أقْوالٌ: فاثْبُتْ ودُمْ عَلى ما أنْتَ فِيهِ مِنَ انْتِفاءِ المِرْيَةِ والتَّكْذِيبِ.

والخِطابُ لِلسّامِعِ غَيْرِ الرَّسُولِ. وكَثِيرًا ما يَأْتِي الخِطابُ في ظاهِرِهِ لِشَخْصٍ والمُرادُ غَيْرُهُ، ورُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ: «لا أشُكُّ ولا أسْألُ بَلْ أشْهَدُ أنَّهُ الحَقُّ» وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: واللَّهِ ما شَكَّ طَرْفَةَ عَيْنٍ، ولا سَألَ أحَدًا مِنهم.

والِامْتِراءُ: التَّوَقُّفُ في الشَّيْءِ والشَّكُّ فِيهِ، وأمْرُهُ أسْهَلُ مِن أمْرِ المُكَذِّبِ فَبُدِئَ بِهِ أوَّلًا فَنُهِيَ عَنْهُ، وأُتْبِعَ بِذِكْرِ المُكَذِّبِ ونُهِيَ أنْ يَكُونَ مِنهم.

10:96–97Page 219

إِنَّ ٱلَّذِينَ حَقَّتۡ عَلَيۡهِمۡ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤۡمِنُونَ ٩٦

Indeed, those upon whom the word [i.e., decree] of your Lord has come into effect will not believe,

وَلَوۡ جَآءَتۡهُمۡ كُلُّ ءَايَةٍ حَتَّىٰ يَرَوُاْ ٱلۡعَذَابَ ٱلۡأَلِيمَ ٩٧

Even if every sign should come to them, until they see the painful punishment.

﴿إنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ ﴿ولَوْ جاءَتْهم كُلُّ آيَةٍ حَتّى يَرَوُا العَذابَ الألِيمَ﴾: ذَكَرَ تَعالى عِبادًا قَضى عَلَيْهِمْ بِالشَّقاوَةِ فَلا تَتَغَيَّرُ، والكَلِمَةُ الَّتِي حَقَّتْ عَلَيْهِمْ قالَ قَتادَةُ: هي اللَّعْنَةُ والغَضَبُ. وقِيلَ: وعِيدُهُ أنَّهم يَصِيرُونَ إلى العَذابِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: قَوْلُ اللَّهِ تَعالى الَّذِي كَتَبَ في اللَّوْحِ، وأخْبَرَ بِهِ المَلائِكَةَ أنَّهم يَمُوتُونَ كُفّارًا فَلا يَكُونُ غَيْرُهُ، وتِلْكَ كِتابَةُ مَعْلُومٍ لا كِتابَةُ مُقَدَّرٍ (p-١٩٢)ومُرادُ اللَّهِ تَعالى عَنْ ذَلِكَ، انْتَهى.

وكَلامُهُ أخِيرًا عَلى طَرِيقَةِ الِاعْتِزالِ. وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: المُرادُ مِن هَذِهِ الكَلِمَةِ: كَلِمُ اللَّهِ بِذَلِكَ وإخْبارُهُ عَنْهُ، وخَلْقُهُ في العَبْدِ مَجْمُوعَ القُدْرَةِ والدّاعِيَةَ، وهو مُوجِبٌ لِحُصُولِ ذَلِكَ الأمْرِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: المَعْنى أنَّ اللَّهَ أوْجَبَ لَهم سَخَطَهُ مِنَ الأزَلِ وخَلَقَهم لِعَذابِهِ، فَلا يُؤْمِنُونَ ولَوْ جاءَهم كُلُّ بَيانٍ وكُلُّ وُضُوحٍ، إلّا في الوَقْتِ الَّذِي لا يَنْفَعُهم فِيهِ الإيمانُ، كَما صَنَعَ فِرْعَوْنُ وأشْباهُهُ، وذَلِكَ وقْتَ المُعايَنَةِ.

وفِي ضِمْنِ الألْفاظِ التَّحْذِيرُ مِن هَذِهِ الحالِ، وبَعْثُ كُلٍّ عَلى المُبادَرَةِ إلى الإيمانِ والفِرارِ مِن سَخَطِ اللَّهِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ العَذابُ الألِيمُ عِنْدَ تَقَطُّعِ أسْبابِهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ، وتَقَدَّمَ الخِلافُ في قِراءَةِ (كَلِمَةٌ) بِالإفْرادِ وبِالجَمْعِ.

10:98Page 220

فَلَوۡلَا كَانَتۡ قَرۡيَةٌ ءَامَنَتۡ فَنَفَعَهَآ إِيمَٰنُهَآ إِلَّا قَوۡمَ يُونُسَ لَمَّآ ءَامَنُواْ كَشَفۡنَا عَنۡهُمۡ عَذَابَ ٱلۡخِزۡيِ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا وَمَتَّعۡنَٰهُمۡ إِلَىٰ حِينٖ ٩٨

Then has there not been a [single] city that believed so its faith benefited it except the people of Jonah? When they believed, We removed from them the punishment of disgrace in worldly life and gave them enjoyment [i.e., provision] for a time.

﴿فَلَوْلا كانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَها إيمانُها إلّا قَوْمَ يُونُسَ لَمّا آمَنُوا كَشَفْنا عَنْهم عَذابَ الخِزْيِ في الحَياةِ الدُّنْيا ومَتَّعْناهم إلى حِينٍ﴾: لَوْلا هُنا: هي التَّحْضِيضِيَّةُ الَّتِي صَحِبَها التَّوْبِيخُ، وكَثِيرًا ما جاءَتْ في القُرْآنِ لِلتَّحْضِيضِ، فَهي بِمَعْنى: هَلّا.

وقَرَأ أُبَيٌّ وعَبْدُ اللَّهِ: فَهَلّا وكَذا هو في مُصْحَفَيْهِما، والتَّحْضِيضُ: أنْ يُرِيدَ الإنْسانُ فِعْلَ الشَّيْءِ الَّذِي يَحُضُّ عَلَيْهِ، وإذا كانَتْ لِلتَّوْبِيخِ: فَلا يُرِيدُ المُتَكَلِّمُ الحَضَّ عَلى ذَلِكَ الشَّيْءِ، كَقَوْلِ الشّاعِرِ:

؎تَعُدُّونَ عَقْرَ النِّيبِ أفْضَلَ مَجْدِكم بَنِي ضَوْطَرَيْ لَوْلا الكَمِيَّ المُقَنَّعا

لَمْ يَقْصِدْ حَضَّهم عَلى عَقْرِ الكَمِيِّ المُقَنَّعِ، وهُنا وبَّخَهم عَلى تَرْكِ الإيمانِ النّافِعِ. والمَعْنى: فَهَلّا آمَنَ أهْلُ القَرْيَةِ وهم عَلى مَهَلٍ لَمْ يَلْتَبِسِ العَذابُ بِهِمْ، فَيَكُونُ الإيمانُ نافِعًا لَهم في هَذِهِ الحالِ.

و(قَوْمَ) مَنصُوبٌ عَلى الِاسْتِثْناءِ المُنْقَطِعِ، وهو قَوْلُ سِيبَوَيْهِ والكِسائِيِّ والفَرّاءِ والأخْفَشِ، إذْ لَيْسُوا مُنْدَرِجِينَ تَحْتَ لَفْظِ قَرْيَةٍ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُتَّصِلًا والجُمْلَةُ في مَعْنى النَّفْيِ، كَأنَّهُ قِيلَ: ما آمَنَتْ قَرْيَةٌ مِنَ القُرى الهالِكَةِ إلّا قَوْمُ يُونُسَ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هو بِحَسَبِ اللَّفْظِ اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ، وكَذَلِكَ رَسَمَهُ النَّحْوِيُّونَ، وهو بِحَسَبِ المَعْنى مُتَّصِلٌ لِأنَّ تَقْدِيرَهُ: ما آمَنَ أهْلُ قَرْيَةٍ إلّا قَوْمُ يُونُسَ، والنَّصْبُ هو الوَجْهُ، ولِذَلِكَ أدْخَلَهُ سِيبَوَيْهِ في بابِ ما لا يَكُونُ فِيهِ إلّا النَّصْبُ، وذَلِكَ مَعَ انْقِطاعِ الِاسْتِثْناءِ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: يَجُوزُ فِيهِ الرَّفْعُ، وهَذا مَعَ اتِّصالِ الِاسْتِثْناءِ.

وقالَ المَهْدَوِيُّ: والرَّفْعُ عَلى البَدَلِ مِن (قَرْيَةٌ) وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وقُرِئَ بِالرَّفْعِ عَلى البَدَلِ عَنِ الحَرَمِيِّ والكِسائِيِّ، وتَقَدَّمَ الخِلافُ في قِراءَةِ (يُونُسَ) بِضَمِّ النُّونِ وكَسْرِها، وذُكِرَ جَوازُ فَتْحِها.

وقَوْمُ يُونُسَ: هم أهْلُ نِينَوى مِن بِلادِ المَوْصِلِ، كانُوا يَعْبُدُونَ الأصْنامَ، فَبَعَثَ اللَّهُ إلَيْهِمْ يُونُسَ فَأقامُوا عَلى تَكْذِيبِهِ سَبْعَ سِنِينَ، وتَوَعَّدَهُمُ العَذابَ بَعْدَ ثَلاثَةِ أيّامٍ. وقِيلَ: بَعْدَ أرْبَعِينَ يَوْمًا.

وذَكَرَ المُفَسِّرُونَ قِصَّةَ قَوْمِ يُونُسَ وتَفاصِيلَ فِيها وفي كَيْفِيَّةِ عَذابِهِمُ. اللَّهُ أعْلَمُ بِصِحَّةِ ذَلِكَ ويُوقَفُ عَلى ذَلِكَ في كُتُبِهِمْ. وقالَ الطَّبَرِيُّ: وذَكَرَهُ عَنْ جَماعَةٍ أنَّ قَوْمَ يُونُسَ خُصُّوا مِن بَيْنِ الأُمَمِ بِأنْ تِيبَ عَلَيْهِمْ بَعْدَ مُعايَنَةِ العَذابِ. وقالَ الزَّجّاجُ: هَؤُلاءِ دَنا مِنهُمُ العَذابُ ولَمْ يُباشِرْهم كَما باشَرَ فِرْعَوْنَ، فَكانُوا كالمَرِيضِ الَّذِي يَخافُ المَوْتَ ويَرْجُو العافِيَةَ، فَأمّا الَّذِي يُباشِرُهُ العَذابُ فَلا تَوْبَةَ لَهُ.

وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: عَلِمَ مِنهم صِدْقَ النِّيّاتِ بِخِلافِ مَن تَقَدَّمَهم مِنَ الهالِكِينَ. قالَ السُّدِّيُّ: (إلى حِينٍ): إلى وقْتِ انْقِضاءِ آجالِهِمْ. وقِيلَ: إلى يَوْمِ القِيامَةِ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ولَعَلَّهُ لا يَصِحُّ، فَعَلى هَذا يَكُونُونَ باقِينَ أحْياءً، وسَتَرَهُمُ اللَّهُ عَنِ النّاسِ.

10:99–100Page 220

وَلَوۡ شَآءَ رَبُّكَ لَأٓمَنَ مَن فِي ٱلۡأَرۡضِ كُلُّهُمۡ جَمِيعًاۚ أَفَأَنتَ تُكۡرِهُ ٱلنَّاسَ حَتَّىٰ يَكُونُواْ مُؤۡمِنِينَ ٩٩

And had your Lord willed, those on earth would have believed - all of them entirely. Then, [O Muḥammad], would you compel the people in order that they become believers?

وَمَا كَانَ لِنَفۡسٍ أَن تُؤۡمِنَ إِلَّا بِإِذۡنِ ٱللَّهِۚ وَيَجۡعَلُ ٱلرِّجۡسَ عَلَى ٱلَّذِينَ لَا يَعۡقِلُونَ ١٠٠

And it is not for a soul [i.e., anyone] to believe except by permission of Allāh, and He will place defilement1 upon those who will not use reason.

(p-١٩٣)﴿ولَوْ شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَن في الأرْضِ كُلُّهم جَمِيعًا أفَأنْتَ تُكْرِهُ النّاسَ حَتّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وما كانَ لِنَفْسٍ أنْ تُؤْمِنَ إلّا بِإذْنِ اللَّهِ ويَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلى الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ﴾: قِيلَ: نَزَلَتْ في أبِي طالِبٍ، لِأنَّهُ ﷺ أسِفَ بِمَوْتِهِ عَلى مِلَّةِ عَبْدِ المُطَّلِبِ وكانَ حَرِيصًا عَلى إيمانِهِ.

ولَمّا كانَ أحْرَصَ النّاسِ عَلى هِدايَتِهِمْ وأسْعى في وُصُولِ الخَيْرِ إلَيْهِمْ، والفَوْزِ بِالإيمانِ مِنهم وأكْثَرَ اجْتِهادًا في نَجاةِ العالَمِينَ مِنَ العَذابِ، أخْبَرَهُ تَعالى أنَّهُ خَلَقَ أهْلًا لِلسَّعادَةِ وأهْلًا لِلشَّقاوَةِ، وأنَّهُ لَوْ أرادَ إيمانَهم كُلِّهِمْ لَفَعَلَ، وأنَّهُ لا قُدْرَةَ لِأحَدٍ عَلى التَّصَرُّفِ في أحَدٍ.

والمَقْصُودُ: بَيانُ أنَّ القُدْرَةَ القاهِرَةَ والمَشِيئَةَ النّافِذَةَ لَيْسَتْ إلّا لَهُ تَعالى. وتَقْدِيمُ الِاسْمِ في الِاسْتِفْهامِ عَلى الفِعْلِ يَدُلُّ عَلى إمْكانِ حُصُولِ الفِعْلِ، لَكِنْ مِن غَيْرِ ذَلِكَ الِاسْمِ، فَلِلَّهِ تَعالى أنْ يُكْرِهَ النّاسَ عَلى الإيمانِ لَوْ شاءَ، ولَيْسَ ذَلِكَ لِغَيْرِهِ.

وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿ولَوْ شاءَ رَبُّكَ﴾: مَشِيئَةَ القَسْرِ والإلْجاءِ ﴿لَآمَنَ مَن في الأرْضِ كُلُّهُمْ﴾ عَلى وجْهِ الإحاطَةِ والشُّمُولِ جَمِيعًا: مُجْتَمِعِينَ عَلى الإيمانِ مُطْبِقِينَ عَلَيْهِ، لا يَخْتَلِفُونَ فِيهِ.

ألا تَرى إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أفَأنْتَ تُكْرِهُ النّاسَ﴾ يَعْنِي: إنَّما يَقْدِرُ عَلى إكْراهِهِمْ واضْطِرارِهِمْ عَلى الإيمانِ هَؤُلاءِ أنْتَ ؟ . وإتْلاءُ الِاسْمِ حَرْفَ الِاسْتِفْهامِ لِلْإعْلامِ بِأنَّ الإكْراهَ مُمْكِنٌ مَقْدُورٌ عَلَيْهِ، وإنَّما الشَّأْنُ في المُكْرِهِ مَن هو ؟ وما هو إلّا هو وحْدَهُ ولا يُشارَكُ فِيهِ، لِأنَّهُ تَعالى هو القادِرُ عَلى أنْ يَفْعَلَ في قُلُوبِهِمْ ما يَضْطَرُّونَ عِنْدَهُ إلى الإيمانِ، وذَلِكَ غَيْرُ مُسْتَطاعٍ لِلْبَشَرِ انْتَهى.

وقَوْلُهُ: مَشِيئَةُ القَسْرِ والإلْجاءِ هو مَذْهَبُ المُعْتَزِلَةِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: المَعْنى: أنَّ هَذا الَّذِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ إنَّما كانَ جَمِيعُهُ بِقَضاءِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ ومَشِيئَتِهِ فِيهِمْ، ولَوْ شاءَ اللَّهُ لَكانَ الجَمِيعُ مُؤْمِنًا، فَلا تَتَأسَّفْ أنْتَ يا مُحَمَّدُ عَلى كُفْرِ مَن لَمْ يُؤْمِن بِكَ، وادْعُ ولا عَلَيْكَ فالأمْرُ مَحْتُومٌ. أتُرِيدُ أنْتَ أنْ تُكْرِهَ النّاسَ بِإدْخالِ الإيمانِ في قُلُوبِهِمْ، وتَضْطَرَّهم إلى ذَلِكَ واللَّهُ عَزَّ وجَلَّ قَدْ شاءَ غَيْرَهُ ؟ فَهَذا التَّأْوِيلُ الآيَةُ عَلَيْهِ مَحْكَمَةٌ، أيِ: ادْعُ وقاتِلْ مَن خالَفَكَ.

وإيمانُ مَن آمَنَ مَصْرُوفٌ إلى المَشِيئَةِ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: المَعْنى: أفَأنْتَ تُكْرِهُ النّاسَ بِالقِتالِ حَتّى يَدْخُلُوا في الإيمانِ ؟ وزَعَمَتْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ في صَدْرِ الإسْلامِ وأنَّها مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ السَّيْفِ، والآيَةُ عَلى كِلا التَّأْوِيلَيْنِ رادَّةٌ عَلى المُعْتَزِلَةِ، انْتَهى.

ولِذَلِكَ ذَهَبَ الزَّمَخْشَرِيُّ: إلى تَفْسِيرِ المَشِيئَةِ بِمَشِيئَةِ القَسْرِ والإلْجاءِ، وهو تَفْسِيرُ الجُبّائِيِّ والقاضِي. ومَعْنى إلّا بِإذْنِ اللَّهِ أيْ: بِإرادَتِهِ وتَقْدِيرِهِ لِذَلِكَ والتَّمَكُّنِ مِنهُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: بِتَسْهِيلِهِ وهو مَنحُ الإلْطافِ.

﴿ويَجْعَلُ الرِّجْسَ﴾ وهو الخِذْلانُ عَلى الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ، وهُمُ المُصِرُّونَ عَلى الكُفْرِ. وسُمِّيَ الخِذْلانُ رِجْسًا وهو العَذابُ لِأنَّهُ سَبَبُهُ انْتَهى.

وهُوَ عَلى طَرِيقِ الِاعْتِزالِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الرِّجْسُ: السَّخَطُ وعَنْهُ: الإثْمُ والعُدْوانُ. وقالَ مُجاهِدٌ: ما لا خَيْرَ فِيهِ. وقالَ الحَسَنُ وأبُو عُبَيْدَةَ والزَّجّاجُ: العَذابُ. وقالَ الفَرّاءُ: العَذابُ والغَضَبُ. وقالَ الحَسَنُ أيْضًا: الكُفْرُ. وقالَ قَتادَةُ: الشَّيْطانُ وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ، ولَكِنْ نَقَلْنا ما قالَهُ العُلَماءُ هُنا. وقَرَأ أبُو بَكْرٍ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: ونَجْعَلُ بِالنُّونِ، وقَرَأ الأعْمَشُ: (ويَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْزَ) بِالزّايِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском