Abu Hayyan · Tafsir · in Arabic
Hud 11:114–123
11:114–115Page 234
وَأَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ طَرَفَيِ ٱلنَّهَارِ وَزُلَفٗا مِّنَ ٱلَّيۡلِۚ إِنَّ ٱلۡحَسَنَٰتِ يُذۡهِبۡنَ ٱلسَّيِّـَٔاتِۚ ذَٰلِكَ ذِكۡرَىٰ لِلذَّٰكِرِينَ ١١٤
And establish prayer at the two ends of the day and at the approach of the night. Indeed, good deeds do away with misdeeds. That is a reminder for those who remember.
وَٱصۡبِرۡ فَإِنَّ ٱللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجۡرَ ٱلۡمُحۡسِنِينَ ١١٥
And be patient, for indeed, Allāh does not allow to be lost the reward of those who do good.
﴿وأقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ وزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إنَّ الحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ ذَلِكَ ذِكْرى لِلذّاكِرِينَ﴾ ﴿واصْبِرْ فَإنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أجْرَ المُحْسِنِينَ﴾: سَبَبُ نُزُولِها ما في صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِن حَدِيثِ الرَّجُلِ الَّذِي عالَجَ امْرَأةً أجْنَبِيَّةً مِنهُ، فَأصابَ مِنها ما سِوى إتْيانِها فَنَزَلَتْ. وقِيلَ: نَزَلَتْ قَبْلَ ذَلِكَ، واسْتَعْمَلَها الرَّسُولُ ﷺ في قِصَّةِ هَذا (p-٢٧٠)الرَّجُلِ فَقالَ رَجُلٌ: ألَهُ خاصَّةً ؟ قالَ: لا، بَلْ لِلنّاسِ عامَّةً وانْظُرْ إلى الأمْرِ والنَّهْيِ في هَذِهِ الآياتِ، حَيْثُ جاءَ الخِطابُ في الأمْرِ، ﴿فاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ﴾ [هود: ١١٢]، و(أقِمِ الصَّلاةَ) مُوَحَّدًا في الظّاهِرِ، وإنْ كانَ المَأْمُورُ بِهِ مِن حَيْثُ المَعْنى عامًّا، وجاءَ الخِطابُ في النَّهْيِ: ﴿ولا تَرْكَنُوا﴾ [هود: ١١٣] مُوَجَّهًا إلى غَيْرِ الرَّسُولِ ﷺ، مُخاطَبًا بِهِ أُمَّتُهُ، فَحَيْثُ كانَ بِأفْعالِ الخَيْرِ تَوَجَّهَ الخِطابُ إلَيْهِ، وحَيْثُ كانَ بِالنَّهْيِ عَنِ المَحْظُوراتِ عَدَلَ عَنِ الخِطابِ عَنْهُ إلى غَيْرِهِ مِن أُمَّتِهِ، وهَذا مِن جَلِيلِ الفَصاحَةِ. وخِلافُ أنَّ المَأْمُورَ بِإقامَتِها هي الصَّلَواتُ المَكْتُوبَةُ، وإقامَتُها دَوامُها، وقِيلَ: أداؤُها عَلى تَمامِها، وقِيلَ: فِعْلُها في أفْضَلِ أوْقاتِها، وهي ثَلاثَةُ الأقْوالِ الَّتِي في قَوْلِهِ تَعالى: وأقِيمُوا الصَّلاةَ. وانْتَصَبَ طَرَفَيِ النَّهارِ عَلى الظَّرْفِ. وطَرَفُ الشَّيْءِ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ مِنَ الشَّيْءِ، فالَّذِي يَظْهَرُ أنَّهُما الصُّبْحُ والعَصْرُ، لِأنَّهُما طَرَفا النَّهارِ، ولِذَلِكَ وقَعَ الإجْماعُ، إلّا مَن شَذَّ عَلى أنَّ مَن أكَلَ أوْ جامَعَ بَعْدَ طُلُوعِ الفَجْرِ مُتَعَمِّدًا أنَّ يَوْمَهُ يَوْمُ فِطْرٍ وعَلَيْهِ القَضاءُ والكَفّارَةُ، وما بَعْدَ طُلُوعِ الفَجْرِ مِنَ النَّهارِ.
وقَدِ ادَّعى الطَّبَرِيُّ والماوَرْدِيُّ الإجْماعَ عَلى أنَّ أحَدَ الطَّرَفَيْنِ الصُّبْحُ، والخِلافُ في ذَلِكَ عَلى ما نَذْكُرُهُ.
ومِمَّنْ قالَ: هُما الصُّبْحُ والعَصْرُ الحَسَنُ، وقَتادَةُ، والضَّحّاكُ، وقالَ: الزُّلَفُ المَغْرِبُ والعِشاءُ، ولَيْسَتِ الظّاهِرَ في هَذِهِ الآيَةِ عَلى هَذا القَوْلِ، بَلْ هي في غَيْرِها. وقالَ مُجاهِدٌ ومُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: الطَّرَفُ الأوَّلُ الصُّبْحُ، والثّانِي الظُّهْرُ والعَصْرُ، والزُّلَفُ المَغْرِبُ والعِشاءُ، ولَيْسَتِ الصُّبْحَ في هَذِهِ الآيَةِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ أيْضًا: هُما الصُّبْحُ والمَغْرِبُ، والزُّلَفُ العِشاءُ، ولَيْسَتِ الظُّهْرَ والعَصْرَ في الآيَةِ. وقِيلَ: هُما الظُّهْرُ والعَصْرُ، والزُّلَفُ المَغْرِبُ والعِشاءُ والصُّبْحُ، وكَأنَّ هَذا القائِلَ راعى الجَهْرَ بِالقِراءَةِ والإخْفاءَ. واخْتارَ ابْنُ عَطِيَّةَ قَوْلَ مُجاهِدٍ، وجَعْلُ الظُّهْرِ مِنَ الطَّرَفِ الثّانِي لَيْسَ بِواضِحٍ، إنَّما الظُّهْرُ نِصْفُ النَّهارِ، والنِّصْفُ لا يُسَمّى طَرَفًا إلّا بِمَجازٍ بَعِيدٍ، ورَجَّحَ الطَّبَرِيُّ قَوْلَ ابْنِ عَبّاسٍ: وهو أنَّ الطَّرَفَيْنِ هُما الصُّبْحُ والمَغْرِبُ، ولا تُجْعَلُ المَغْرِبُ طَرَفًا لِلنَّهارِ إلّا بِمَجازٍ، إنَّما هو طَرَفُ اللَّيْلِ.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: غُدْوَةً وعَشِيَّةً قالَ: وصَلاةُ الغُدْوَةِ الصُّبْحُ، وصَلاةُ العَشِيَّةِ الظَّهْرُ والعَصْرُ، لِأنَّ ما بَعْدَ الزَّوالِ عَشِيٌّ، وصَلاةُ الزُّلَفِ المَغْرِبُ والعِشاءُ انْتَهى.
ولا يَلْزَمُ مِن إطْلاقِ العَشِيِّ عَلى ما بَعْدَ الزَّوالِ أنْ يَكُونَ الظُّهْرُ طَرَفًا لِلنَّهارِ، لِأنَّ الأمْرَ إنَّما جاءَ بِالإقامَةِ لِلصَّلاةِ في طَرَفَيِ النَّهارِ، لا في الغَداةِ والعَشِيِّ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿وزُلَفًا﴾ بِفَتْحِ اللّامِ، وطَلْحَةُ وعِيسى البَصْرَةِ وابْنُ أبِي إسْحاقَ وأبُو جَعْفَرٍ: بِضَمِّها كَأنَّهُ اسْمٌ مُفْرَدٌ. وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ ومُجاهِدٌ: بِإسْكانِها ورُوِيَ عَنْهُما: (وزُلْفى) عَلى وزْنِ فُعْلى عَلى صِفَةِ الواحِدِ مِنَ المُؤَنَّثِ لَمّا كانَتْ بِمَعْنى المَنزِلَةِ. وأمّا القِرَءاتُ الأُخَرُ مِنَ الجُمُوعِ فَمَنزِلَةٌ بَعْدَ مَنزِلَةٍ، فَزُلَفٌ جَمْعٌ كَظُلَمٍ، وزُلْفٌ كَبُسْرٍ في بُسُرٍ، وزُلُفٌ كَبُسُرٍ في بُسْرَةٍ، فَهُما اسْما جِنْسٍ، وزُلْفى بِمَنزِلَةِ الزُّلْفَةِ. والظّاهِرُ عَطْفُ وزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ عَلى طَرَفَيِ النَّهارِ، عَطَفَ طَرَفًا عَلى طَرَفٍ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وقَدْ ذُكِرَ هَذِهِ القِرَآتُ وهو ما يَقْرُبُ مِن آخِرِ النَّهارِ مِنَ اللَّيْلِ. وقِيلَ: زُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ، وقُرَبًا مِنَ اللَّيْلِ، وحَقُّها عَلى هَذا التَّفْسِيرِ أنْ تُعْطَفَ عَلى الصَّلاةِ أيْ: أقِمِ الصَّلاةَ في النَّهارِ، وأقِمْ زُلْفى مِنَ اللَّيْلِ عَلى مَعْنى صَلَواتٍ يُتَقَرَّبُ بِها إلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ في بَعْضِ اللَّيْلِ.
والظّاهِرُ عُمُومُ الحَسَناتِ مِنَ الصَّلَواتِ المَفْرُوضَةِ، وصِيامِ رَمَضانَ، وما أشْبَهَهُما مِن فَرائِضِ الإسْلامِ. وخُصُوصُ السَّيِّئاتِ وهي الصَّغائِرُ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ الحَدِيثُ الصَّحِيحُ: «ما اجْتُنِبَتِ الكَبائِرُ» وذَهَبَ جُمْهُورُ المُتَأوِّلِينَ مِنَ الصَّحابَةِ والتّابِعِينَ: إلى أنَّ الحَسَناتِ يُرادُ بِها الصَّلَواتُ الخَمْسُ، وإلَيْهِ ذَهَبَ عُثْمانُ عِنْدَ وُضُوءِهِ عَلى المَقاعِدِ، وهو تَأْوِيلُ مالِكٍ. وقالَ مُجاهِدٌ: الحَسَناتُ قَوْلُ الرَّجُلِ: سُبْحانَ اللَّهِ، والحَمْدُ لِلَّهِ، ولا إلَهَ إلّا اللَّهُ، واللَّهُ أكْبَرُ، ولا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ العَلِيِّ العَظِيمِ. ويَنْبَغِي أنْ يُحْمَلَ هَذا كُلُّهُ عَلى جِهَةِ المِثالِ في الحِسابِ، ومِن أجْلِ أنَّ الصَّلَواتِ الخَمْسَ هي أعْظَمُ الأعْمالِ. والصَّغائِرُ الَّتِي تَذْهَبُ هي (p-٢٧١)بِشَرْطِ التَّوْبَةِ مِنها وعَدَمِ الإصْرارِ عَلَيْها، وهَذا نَصُّ حُذّاقِ الأُصُولِيِّينَ. ومَعْنى إذْهابِها: تَكْفِيرُ الصَّغائِرِ، والصَّغائِرُ قَدْ وُجِدَتْ وأذْهَبَتِ الحَسَناتُ ما كانَ يَتَرَتَّبُ عَلَيْها، لا أنَّها تَذْهَبُ حَقائِقُها، إذْ هي قَدْ وُجِدَتْ.
11:116–117Page 234
فَلَوۡلَا كَانَ مِنَ ٱلۡقُرُونِ مِن قَبۡلِكُمۡ أُوْلُواْ بَقِيَّةٖ يَنۡهَوۡنَ عَنِ ٱلۡفَسَادِ فِي ٱلۡأَرۡضِ إِلَّا قَلِيلٗا مِّمَّنۡ أَنجَيۡنَا مِنۡهُمۡۗ وَٱتَّبَعَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مَآ أُتۡرِفُواْ فِيهِ وَكَانُواْ مُجۡرِمِينَ ١١٦
So why were there not1 among the generations before you those of enduring discrimination forbidding corruption on earth - except a few of those We saved from among them? But those who wronged pursued what luxury they were given therein, and they were criminals.
وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهۡلِكَ ٱلۡقُرَىٰ بِظُلۡمٖ وَأَهۡلُهَا مُصۡلِحُونَ ١١٧
And your Lord would not have destroyed the cities unjustly while their people were reformers.
وقِيلَ: المَعْنى إنَّ فِعْلَ الحَسَناتِ يَكُونُ لُطْفًا في تَرْكِ السَّيِّئاتِ، لا أنَّها واقِعَةٌ كَقَوْلِهِ: ﴿اتْلُ ما أُوحِيَ إلَيْكَ مِنَ الكِتابِ﴾ [العنكبوت: ٤٥] والظّاهِرُ أنَّ الإشارَةَ بِقَوْلِهِ ذَلِكَ، إلى أقْرَبِ مَذْكُورٍ وهو قَوْلُهُ: أقِمِ الصَّلاةَ أيْ إقامَتَها في هَذِهِ الأوْقاتِ. ذِكْرى أيْ: سَبَبُ عِظَةٍ وتَذْكِرَةٍ لِلذّاكِرِينَ أيِ المُتَّعِظِينَ. وقِيلَ: إشارَةٌ إلى الإخْبارِ بِأنَّ الحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ، فَيَكُونُ في هَذِهِ الذِّكْرى حَضًّا عَلى فِعْلِ الحَسَناتِ. وقِيلَ: إشارَةٌ إلى ما تَقَدَّمَ مِنَ الوَصِيَّةِ بِالِاسْتِقامَةِ وإقامَةِ الصَّلاةِ، والنَّهْيِ عَنِ الطُّغْيانِ، والرُّكُونِ إلى الظّالِمِينَ، وهو قَوْلُ الزَّمَخْشَرِيِّ. وقالَ الطَّبَرِيُّ: إشارَةٌ إلى الأوامِرِ والنَّواهِي في هَذِهِ السُّورَةِ، وقِيلَ: إشارَةٌ إلى القُرْآنِ، وقِيلَ: ذِكْرى مَعْناها تَوْبَةٌ، ثُمَّ أمَرَ تَعالى بِالصَّبْرِ عَلى التَّبْلِيغِ والمَكارِهِ في ذاتِ اللَّهِ بَعْدَ ما تَقَدَّمَ مِنَ الأوامِرِ والنَّواهِي، ومُنَبِّهًا عَلى مَحَلِّ الصَّبْرِ، إذْ لا يَتِمُّ شَيْءٌ مِمّا وقَعَ الأمْرُ بِهِ والنَّهْيُ عَنْهُ إلّا بِهِ، وأتى بِعامٍّ وهو قَوْلُهُ: ﴿أجْرَ المُحْسِنِينَ﴾ [هود: ١١٥]، لِيَنْدَرِجَ فِيهِ كُلُّ مَن أحْسَنَ بِسائِرِ خِصالِ الإحْسانِ مِمّا يُحْتاجُ إلى الصَّبْرِ فِيهِ، وما قَدْ لا يُحْتاجُ كَطَبْعِ مَن خُلِقَ كَرِيمًا، فَلا يَتَكَلَّفُ الإحْسانَ إذْ هو مَرْكُوزٌ في طَبْعِهِ.
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: المُحْسِنُونَ هُمُ المُصَلُّونَ، كَأنَّهُ نَظَرَ إلى سِياقِ الكَلامِ. وقالَ مُقاتِلٌ: هُمُ المُخْلِصُونَ، وقالَ أبُو سُلَيْمانَ: المُحْسِنُونَ في أعْمالِهِمْ.
﴿فَلَوْلا كانَ مِنَ القُرُونِ مِن قَبْلِكم أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الفَسادِ في الأرْضِ إلّا قَلِيلًا مِمَّنْ أنْجَيْنا مِنهم واتَّبَعَ﴾: (لَوْلا) هُنا لِلتَّحْضِيضِ، صَحِبَها مَعْنى التَّفَجُّعِ والتَّأسُّفِ الَّذِي يَنْبَغِي أنْ يَقَعَ مِنَ البَشَرِ عَلى هَذِهِ الأُمَمِ الَّتِي لَمْ تَهْتَدِ، وهَذا نَحْوُ قَوْلِهِ: ﴿ياحَسْرَةً عَلى العِبادِ﴾ [يس: ٣٠] والقُرُونُ: قَوْمُ نُوحٍ، وعادٍ، وثَمُودَ، ومَن تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ. والبَقِيَّةُ هُنا يُرادُ بِها الخَيْرُ والنَّظَرُ والجَزْمُ في الدِّينِ، وسُمِّيَ الفَضْلُ والجُودُ بَقِيَّةً، لِأنَّ الرَّجُلَ يَسْتَبْقِي مِمّا يُخْرِجُهُ أجْوَدَهُ وأفْضَلَهُ، فَصارَ مَثَلًا في الجَوْدَةِ والفَضْلِ. فَيُقالُ فُلانٌ مِن بَقِيَّةِ القَوْمِ أيْ مِن خِيارِهِمْ، وبِهِ فُسِرَّ بَيْتُ الحَماسَةِ:
؎إنْ تُذْنِبُوا ثُمَّ يَأْتِينِي بَقِيَّتُكُمْ
ومِنهُ قَوْلُهم: في الزَّوايا خَبايا، وفي الرِّجالِ بَقايا. وإنَّما قِيلَ: بَقِيَّةٌ لِأنَّ الشَّرائِعَ والدُّوَلَ ونَحْوَها قُوَّتُها في أوَّلِها، ثُمَّ لا تَزالُ تَضْعُفُ، فَمَن ثَبَتَ في وقْتِ الضَّعْفِ فَهو بَقِيَّةُ الصَّدْرِ الأوَّلِ.
وبَقِيَّةٌ فَعِيلَةٌ اسْمُ فاعِلٍ لِلْمُبالَغَةِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ البَقِيَّةُ بِمَعْنى البَقْوى، كالتَّقِيَّةِ بِمَعْنى التَّقْوى أيْ: فَلا كانَ مِنهم ذَوُو بَقاءٍ عَلى أنْفُسِهِمْ وصِيانَةٍ لَها مِن سَخَطِ اللَّهِ وعِقابِهِ. وقَرَأتْ فِرْقَةٌ (بَقِيَةٍ) بِتَخْفِيفِ الياءِ اسْمُ فاعِلٍ مِن بَقِيَ، نَحْوُ: شَجِيَتْ فَهي شَجِيَّةٌ. وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ: (بُقْيَةٍ) بِضَمِّ الباءِ وسُكُونِ القافِ، عَلى وزْنِ فُعْلَةٍ. وقُرِيءَ: (بَقْيَةٍ) عَلى وزْنِ فَعْلَةٍ لِلْمَرَّةِ مِن بَقاهُ بَقْيًا إذا رَقَبَهُ وانْتَظَرَهُ، والمَعْنى: فَلَوْلا كانَ مِنهم أُولُو مُراقَبَةٍ وخَشْيَةٍ مِنِ انْتِقامِ اللَّهِ، كَأنَّهم يَنْتَظِرُونَ إيقاعَهُ بِهِمْ لِإشْفاقِهِمْ.
والفَسادُ هُنا الكُفْرُ وما اقْتَرَنَ بِهِ مِنَ المَعاصِي، وفي ذَلِكَ تَنْبِيهٌ لِهَذِهِ الأُمَّةِ وحَضٌّ لَها عَلى تَغْيِيرِ المُنْكِرِ. (إلّا قَلِيلًا) اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ أيْ: لَكِنَّ قَلِيلًا مِمَّنْ أنْجَيْنا مِنهم نَهَوْا عَنِ الفَسادِ وهم قَلِيلٌ بِالإضافَةِ إلى جَماعاتِهِمْ، ولا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ اسْتِثْناءً مُتَّصِلًا مَعَ بَقاءِ التَّحْضِيضِ عَلى ظاهِرِهِ لِفَسادِ المَعْنى، وصَيْرُورَتِهِ إلى أنَّ النّاجِينَ لَمْ يُحَرِّضُوا عَلى النَّهْيِ عَنِ الفَسادِ.
والكَلامُ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ بِالتَّحْضِيضِ واجِبٌ، وغَيْرُهُ يَراهُ مَنفِيًّا مِن حَيْثُ مَعْناهُ: أنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِيهِمْ أُولُو بَقِيَّةٍ، ولِهَذا قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ بَعْدَ أنْ مَنَعَ أنْ يَكُونَ مُتَّصِلًا: (فَإنْ قُلْتَ): في تَحْضِيضِهِمْ عَلى النَّهْيِ عَنِ الفَسادِ مَعْنى نَفْيِهِ عَنْهم، فَكَأنَّهُ قِيلَ: ما كانَ مِنَ (p-٢٧٢)القُرُونِ أُولُوا بَقِيَّةٍ إلّا قَلِيلًا، كانَ اسْتِثْناءً مُتَّصِلًا، ومَعْنًى صَحِيحًا، وكانَ انْتِصابُهُ عَلى أصْلِ الِاسْتِثْناءِ وإنْ كانَ الأفْصَحُ أنْ يَرْجِعَ عَلى البَدَلِ انْتَهى.
وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: (إلّا قَلِيلٌ) بِالرَّفْعِ، لَحِظَ أنَّ التَّحْضِيضَ تَضَمَّنَ النَّفْيَ، فَأبْدَلَ كَما يُبْدَلُ في صَرِيحِ النَّفْيِ. وقالَ الفَرّاءُ: المَعْنى فَلَمْ يَكُنْ، لِأنَّ في الِاسْتِفْهامِ ضَرْبًا مِنَ الجَحْدِ، وأبى الأخْفَشُ كَوْنَ الِاسْتِثْناءِ مُنْقَطِعًا، والظّاهِرُ أنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا هم تارِكُو النَّهْيِ عَنِ الفَسادِ.
و﴿ما أُتْرِفُوا فِيهِ﴾ أيْ: ما نَعِمُوا فِيهِ مِن حُبِّ الرِّياسَةِ والثَّرْوَةِ وطَلَبِ أسْبابِ العَيْشِ الهَنِيِّ، ورَفَضُوا ما فِيهِ صَلاحُ دِينِهِمْ. و(اتَّبَعَ) اسْتِئْنافُ إخْبارٍ عَنْ حالِ هَؤُلاءِ الَّذِينَ ظَلَمُوا، وإخْبارٌ عَنْهم أنَّهم مَعَ كَوْنِهِمْ تارِكِي النَّهْيِ عَنِ الفَسادِ كانُوا مُجْرِمِينَ أيْ: ذَوِي جَرائِمَ غَيْرِ ذَلِكَ.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: إنْ كانَ مَعْناهُ واتَّبَعُوا الشَّهَواتِ كانَ مَعْطُوفًا عَلى مُضْمَرٍ، لِأنَّ المَعْنى إلّا قَلِيلًا مِمَّنْ أنْجَيْنا مِنهم نَهَوْا عَنِ الفَسادِ في الأرْضِ، واتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا شَهَواتِهِمْ، فَهو عَطْفٌ عَلى نَهَوْا، وإنْ كانَ مَعْناهُ: واتَّبَعُوا جَزاءَ الإتْرافِ. قالُوا ولِلْحالِ، كَأنَّهُ قِيلَ: أنْجَيْنا القَلِيلَ وقَدِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا جَزاءَهم. وقالَ: ﴿وكانُوا مُجْرِمِينَ﴾، عُطِفَ عَلى ﴿أُتْرِفُوا﴾، أيِ اتَّبَعُوا الإتْرافَ.
وكَوْنُهم مُجْرِمِينَ، لِأنَّ تابِعَ الشَّهَواتِ مَغْمُورٌ بِالآثامِ انْتَهى. فَجَعَلَ (ما) في قَوْلِهِ: ﴿ما أُتْرِفُوا فِيهِ﴾ مَصْدَرِيَّةً، ولِهَذا قَدَّرَهُ: اتَّبَعُوا الإتْرافَ، والظّاهِرُ أنَّها بِمَعْنى الَّذِي لِعَوْدِ الضَّمِيرِ في فِيهِ عَلَيْها. وأجازَ أيْضًا أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى (اتَّبَعُوا) أيِ: اتَّبَعُوا شَهَواتِهِمْ وكانُوا مُجْرِمِينَ بِذَلِكَ. قالَ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ اعْتِراضًا وحُكْمًا عَلَيْهِمْ بِأنَّهم قَوْمٌ مُجْرِمُونَ انْتَهى.
ولا يُسَمّى هَذا اعْتِراضًا في اصْطِلاحِ النَّحْوِ، لِأنَّهُ آخِرُ آيَةٍ، فَلَيْسَ بَيْنَ شَيْئَيْنِ يَحْتاجُ أحَدُهُما إلى الآخَرِ. وقَرَأ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ، والعَلاءُ بْنُ سِيابَةَ كَذا في كِتابِ اللَّوامِحِ، وأبُو عُمَرَ في رِوايَةِ الجُعْفِيِّ: وأُتْبِعُوا ساكِنَةَ التّاءِ مَبْنِيَّةً لِلْمَفْعُولِ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، لِأنَّهُ مِمّا يَتَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ، أيْ جَزاءَ ما أُتْرِفُوا فِيهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى في القِراءَةِ المَشْهُورَةِ أنَّهُمُ اتَّبَعُوا جَزاءَ إتْرافِهِمْ، وهَذا مَعْنًى قَوِيٌّ لِتَقَدُّمِ الإنْجاءِ كَأنَّهُ قِيلَ: إلّا قَلِيلًا مِمَّنْ أنْجَيْنا مِنهم وهَلَكَ السّائِرُ ﴿وما كانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ القُرى بِظُلْمٍ وأهْلُها مُصْلِحُونَ﴾: تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ شَبِيهِ هَذِهِ الآيَةِ في الأنْعامِ، إلّا أنَّ هُنا لِيُهْلِكَ وهي آكَدُ في النَّفْيِ، لِأنَّهُ عَلى مَذْهَبِ الكُوفِيِّينَ زِيدَتِ اللّامُ في خَبَرِ كانَ عَلى سَبِيلِ التَّوْكِيدِ، وعَلى مَذْهَبِ البَصْرِيِّينَ نُوَجِّهُ النَّفْيَ إلى الخَبَرِ المَحْذُوفِ المُتَعَلِّقِ بِهِ اللّامُ، وهُنا ﴿وأهْلُها مُصْلِحُونَ﴾ . قالَ الطَّبَرِيُّ: بِشِرْكٍ مِنهم وهم مُصْلِحُونَ، أيْ: مُصْلِحُونَ في أعْمالِهِمْ وسِيَرِهِمْ، وعَدْلِ بَعْضِهِمْ في بَعْضٍ، أيْ: أنَّهُ لا بُدَّ مِن مَعْصِيَةٍ تَقْتَرِنُ بِكُفْرِهِمْ، قالَهُ الطَّبَرِيُّ ناقِلًا. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا ضَعِيفٌ، وإنَّما ذَهَبَ قائِلُهُ إلى نَحْوِ ما قالَ: إنَّ اللَّهَ يُمْهِلُ الدُّوَلَ عَلى الكُفْرِ ولا يُمْهِلُها عَلى الظُّلْمِ والجَوْرِ، ولَوْ عَكَسَ لَكانَ ذَلِكَ مُتَّجِهًا، أيْ: ما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَ أُمَّةً بِظُلْمِهِمْ في مَعاصِيهِمْ وهم مُصْلِحُونَ في الإيمانِ.
والَّذِي رَجَّحَ ابْنُ عَطِيَّةَ أنْ يَكُونَ التَّأْوِيلُ: بِظُلْمٍ مِنهُ تَعالى عَنْ ذَلِكَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿وأهْلُها مُصْلِحُونَ﴾: تَنْزِيهًا لِذاتِهِ عَنِ الظُّلْمِ، وإيذانًا بِأنَّ إهْلاكَ المُصْلِحِينَ مِنَ الظُّلْمِ، انْتَهى.
وهُوَ مُصادِمٌ لِلْحَدِيثِ: «أنَهْلِكُ وفِينا الصّالِحُونَ قالَ: نَعَمْ، إذا كَثُرَ الخَبَثُ» ولِلْآيَةِ: ﴿واتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكم خاصَّةً﴾ [الأنفال: ٢٥] .
11:118–119Page 235
وَلَوۡ شَآءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ ٱلنَّاسَ أُمَّةٗ وَٰحِدَةٗۖ وَلَا يَزَالُونَ مُخۡتَلِفِينَ ١١٨
And if your Lord had willed, He could have made mankind one community; but they will not cease to differ,
إِلَّا مَن رَّحِمَ رَبُّكَۚ وَلِذَٰلِكَ خَلَقَهُمۡۗ وَتَمَّتۡ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمۡلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ ٱلۡجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ أَجۡمَعِينَ ١١٩
Except whom your Lord has given mercy, and for that He created them. But the word of your Lord is to be fulfilled that, "I will surely fill Hell with jinn and men all together."
(p-٢٧٣)﴿ولَوْ شاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النّاسَ أُمَّةً واحِدَةً ولا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ﴾ ﴿إلّا مَن رَحِمَ رَبُّكَ ولِذَلِكَ خَلَقَهم وتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأمْلَأنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الجِنَّةِ والنّاسِ أجْمَعِينَ﴾: قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يَعْنِي لِاضْطِرارِهِمْ إلى أنْ يَكُونُوا أهْلَ مِلَّةٍ واحِدَةٍ وهي مِلَّةُ الإسْلامِ كَقَوْلِهِ: ﴿إنَّ هَذِهِ أُمَّتُكم أُمَّةً واحِدَةً﴾ [الأنبياء: ٩٢] وهَذا كَلامٌ يَتَضَمَّنُ نَفْيَ الِاضْطِرارِ، وأنَّهُ لَمْ يَقْهَرْهم عَلى الِاتِّفاقِ عَلى دِينِ الحَقِّ، ولَكِنَّهُ مَكَّنَهم مِنَ الِاخْتِيارِ الَّذِي هو أساسُ التَّكْلِيفِ، فاخْتارَ بَعْضُهُمُ الحَقَّ، وبَعْضُهُمُ الباطِلَ فاخْتَلَفُوا ﴿ولا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ﴾ ﴿إلّا مَن رَحِمَ رَبُّكَ﴾: إلّا ناسًا هَداهُمُ اللَّهُ ولَطَفَ بِهِمْ فاتَّفَقُوا عَلى دِينِ الحَقِّ غَيْرَ مُخْتَلِفِينَ فِيهِ، انْتَهى. وهو عَلى طَرِيقَةِ الِاعْتِزالِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ: أُمَّةً واحِدَةً مُؤْمِنَةً حَتّى لا يَقَعَ مِنهم كُفْرٌ، لَكِنَّهُ تَعالى لَمْ يَشَأْ ذَلِكَ. وقالَ الضَّحّاكُ: لَوْ شاءَ لَجَعَلَهم عَلى هُدًى أوْ ضَلالَةٍ، والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ولا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ﴾ هو مِنَ الِاخْتِلافِ الَّذِي هو ضِدُّ الِاتِّفاقِ، وأنَّ المَعْنى: في الحَقِّ والباطِلِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وقالَ مُجاهِدٌ: في الأدْيانِ، وقالَ الحَسَنُ: في الأرْزاقِ والأحْوالِ مِن تَسْخِيرِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ، وقالَ عِكْرِمَةُ: في الأهْواءِ، وقالَ ابْنُ بَحْرٍ: المُرادُ أنَّ بَعْضَهم يَخْلُفُ بَعْضًا، فَيَكُونُ الآتِي خَلَفًا لِلْماضِي. قالَ: ومِنهُ قَوْلُهم: ما اخْتَلَفَ الجَدِيدانِ، أيْ: خَلَفَ أحَدُهُما صاحِبَهُ. و﴿إلّا مَن رَحِمَ﴾: اسْتِثْناءٌ مُتَّصِلٌ مِن قَوْلِهِ: ﴿ولا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ﴾، ولا ضَرُورَةَ تَدْعُو إلى أنَّهُ بِمَعْنى لَكِنْ، فَيَكُونُ اسْتِثْناءً مُنْقَطِعًا كَما ذَهَبَ إلَيْهِ الحَوْفِيُّ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿ولِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾: إلى المَصْدَرِ المَفْهُومِ مِن قَوْلِهِ: ﴿مُخْتَلِفِينَ﴾، كَما قالَ: إذا نَهى السَّفِيهَ جَرى إلَيْهِ. فَعادَ الضَّمِيرُ إلى المَصْدَرِ المَفْهُومِ مِنِ اسْمِ الفاعِلِ، كَأنَّهُ قِيلَ: ولِلِاخْتِلافِ خَلَقَهم، ويَكُونُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ: لِثَمَرَةِ الِاخْتِلافِ مِنَ الشَّقاوَةِ والسَّعادَةِ خَلَقَهم. ودَلَّ عَلى هَذا المَحْذُوفِ أنَّهُ قَدْ تَقَرَّرَ مِن قاعِدَةِ الشَّرِيعَةِ أنَّ اللَّهَ تَعالى خَلَقَ خَلْقًا لِلسَّعادَةِ، وخَلْقًا لِلشَّقاوَةِ، ثُمَّ يَسَّرَ كُلًّا لِما خُلِقَ لَهُ، وهَذا نَصٌّ في الحَدِيثِ الصَّحِيحِ.
وهَذِهِ اللّامُ في التَّحْقِيقِ هي لامُ الصَّيْرُورَةِ في ذَلِكَ المَحْذُوفِ، أوْ تَكُونُ لامُ الصَّيْرُورَةِ بِغَيْرِ ذَلِكَ المَحْذُوفِ، أيْ: خَلَقَهم لِيَصِيرَ أمْرُهم إلى الِاخْتِلافِ. ولا يَتَعارَضُ هَذا مَعَ قَوْلِهِ: ﴿وما خَلَقْتُ الجِنَّ والإنْسَ إلّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] لِأنَّ مَعْنى هَذا: الأمْرُ بِالعِبادَةِ. وقالَ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ: ذَلِكَ إشارَةٌ إلى الرَّحْمَةِ الَّتِي تَضَمَّنَها قَوْلُهُ: ﴿إلّا مَن رَحِمَ رَبُّكَ﴾، والضَّمِيرُ في (خَلَقَهم) عائِدٌ عَلى المَرْحُومِينَ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ واخْتارَهُ الطَّبَرِيُّ: الإشارَةُ بِذَلِكَ إلى الِاخْتِلافِ والرَّحْمَةِ مَعًا، فَيَكُونُ عَلى هَذا أُشِيرَ بِالمُفْرَدِ إلى اثْنَيْنِ كَقَوْلِهِ: ﴿عَوانٌ بَيْنَ ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٦٨]، أيْ: بَيْنَ الفارِضِ والبِكْرِ، والضَّمِيرُ في (خَلَقَهم) عائِدٌ عَلى الصِّنْفَيْنِ: المُسْتَثْنى والمُسْتَثْنى مِنهُ، ولَيْسَ في هَذِهِ الجُمْلَةِ ما يُمْكِنُ أنْ يَعُودَ عَلَيْهِ الضَّمِيرُ إلّا الِاخْتِلافَ كَما قالَ الحَسَنُ وعَطاءٌ، أوِ الرَّحْمَةَ كَما قالَ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ، أوْ كِلاهُما كَما قالَ ابْنُ عَبّاسٍ. وقَدْ أبْعَدَ المُتَأوِّلُونَ في تَقْدِيرِ غَيْرِ هَذِهِ الثَّلاثِ، فَرُوِيَ: أنَّهُ إشارَةٌ إلى ما بَعْدَهُ. وفِيهِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ، أيْ: وتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأمْلَأنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الجِنَّةِ والنّاسِ أجْمَعِينَ، ولِذَلِكَ خَلَقَهم، أيْ: لِمِلْءِ جَهَنَّمَ مِنهم، وهَذا بَعِيدٌ جِدًّا مِن تَراكِيبِ كَلامِ العَرَبِ. وقِيلَ: إشارَةٌ إلى شُهُودِ ذَلِكَ اليَوْمِ المَشْهُودِ، وقِيلَ: إلى قَوْلِهِ: ﴿فَمِنهم شَقِيٌّ وسَعِيدٌ﴾ [هود: ١٠٥] وقِيلَ: إشارَةٌ إلى أنْ يَكُونَ فَرِيقٌ في الجَنَّةِ وفَرِيقٌ في السَّعِيرِ، وقِيلَ: إشارَةٌ إلى قَوْلِهِ: ﴿يَنْهَوْنَ عَنِ الفَسادِ في الأرْضِ﴾ [هود: ١١٦] وقِيلَ: إشارَةٌ إلى العِبادَةِ، وقِيلَ: (p-٢٧٤)إلى الجَنَّةِ والنّارِ، وقِيلَ: لِلسَّعادَةِ والشَّقاوَةِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ولِذَلِكَ إشارَةٌ إلى ما دَلَّ عَلَيْهِ الكَلامُ، أوَّلًا: مِنَ التَّمْكِينِ والِاخْتِيارِ الَّذِي عَنْهُ الِاخْتِلافُ، خَلَقَهم لِيُثِيبَ مُخْتارَ الحَقِّ بِحُسْنِ اخْتِيارِهِ، ويُعاقِبَ مُخْتارَ الباطِلِ بِسُوءِ اخْتِيارِهِ، انْتَهى. وهو عَلى طَرِيقَةِ الِاعْتِزالِ. ولَوْلا أنَّ هَذِهِ الأقْوالَ سُطِّرَتْ في كُتُبِ التَّفْسِيرِ لَضَرَبْتُ عَنْ ذِكْرِها صَفْحًا.
﴿وتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ﴾، أيْ: نَفَذَ قَضاؤُهُ وحَقَّ أمْرُهُ. واللّامُ في (لِأمْلَأنَ): هي الَّتِي يُتَلَقّى بِها القَسَمُ، أوِ الجُمْلَةُ قَبْلَها ضُمِّنَتْ مَعْنى القَسَمِ كَقَوْلِهِ ﴿وإذْ أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ﴾ [آل عمران: ٨١] ثُمَّ قالَ: ﴿لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ﴾ [آل عمران: ٨١]: والجِنَّةُ والجِنُّ بِمَعْنًى واحِدٍ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والهاءُ فِيهِ لِلْمُبالَغَةِ، وإنْ كانَ الجِنُّ يَقَعُ عَلى الواحِدِ، فالجِنَّةُ جَمْعُهُ، انْتَهى.
فَيَكُونُ مِمّا يَكُونُ فِيهِ الواحِدُ بِغَيْرِ هاءٍ، وجَمْعُهُ بِالهاءِ لِقَوْلِ بَعْضِ العَرَبِ: كَمْءٌ لِلْواحِدِ، وكَمْأةٌ لِلْجَمْعِ.
11:120–122Page 235
وَكُلّٗا نَّقُصُّ عَلَيۡكَ مِنۡ أَنۢبَآءِ ٱلرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِۦ فُؤَادَكَۚ وَجَآءَكَ فِي هَٰذِهِ ٱلۡحَقُّ وَمَوۡعِظَةٞ وَذِكۡرَىٰ لِلۡمُؤۡمِنِينَ ١٢٠
And each [story] We relate to you from the news of the messengers is that by which We make firm your heart. And there has come to you, in this, the truth and an instruction and a reminder for the believers.
وَقُل لِّلَّذِينَ لَا يُؤۡمِنُونَ ٱعۡمَلُواْ عَلَىٰ مَكَانَتِكُمۡ إِنَّا عَٰمِلُونَ ١٢١
And say to those who do not believe, "Work according to your position; indeed, we are working.
وَٱنتَظِرُوٓاْ إِنَّا مُنتَظِرُونَ ١٢٢
And wait; indeed, we are waiting."
﴿وكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِن أنْباءِ الرُّسُلِ ما نُثَبِّتُ بِهِ فُؤادَكَ وجاءَكَ في هَذِهِ الحَقُّ ومَوْعِظَةٌ وذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ الظّاهِرُ أنَّ كُلًّا مَفْعُولٌ بِهِ، والعامِلُ فِيهِ نَقُصُّ، والتَّنْوِينُ عِوَضٌ مِنَ المَحْذُوفِ، والتَّقْدِيرُ: وكُلُّ نَبَأٍ نَقُصُّ عَلَيْكَ. و﴿مِن أنْباءِ الرُّسُلِ﴾: في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِقَوْلِهِ: (وكُلًّا)، إذْ هي مُضافَةٌ في التَّقْدِيرِ إلى نَكِرَةٍ، وما صِلَةٌ كَما هي في قَوْلِهِ: ﴿قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ﴾ [الأعراف: ٣] قِيلَ: أوْ بَدَلٌ، أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ: هو ما نُثَبِّتُ، فَتَكُونُ ما بِمَعْنى: الَّذِي، أوْ مَصْدَرِيَّةً. وأجازُوا أنْ يَنْتَصِبَ كُلًّا عَلى المَصْدَرِ، وما نُثَبِّتُ: مَفْعُولٌ بِهِ بِقَوْلِكَ: نَقُصُّ، كَأنَّهُ قِيلَ: ونَقُصُّ عَلَيْكَ الشَّيْءَ الَّذِي نُثَبِّتُ بِهِ فُؤادَكُ كُلَّ قَصٍّ. وأجازُوا أنْ يَكُونَ (كُلًّا) نَكِرَةً بِمَعْنى: جَمِيعًا، ويَنْتَصِبُ عَلى الحالِ مِنَ المَفْعُولِ الَّذِي هو ما، أوْ مِنَ المَجْرُورِ الَّذِي هو الضَّمِيرُ في بِهِ، عَلى مَذْهَبِ مَن يُجَوِّزُ تَقْدِيمَ حالِ المَجْرُورِ بِالحَرْفِ عَلَيْهِ، التَّقْدِيرُ: ونَقُصُّ عَلَيْكَ مِن أنْباءِ الرُّسُلِ الأشْياءَ الَّتِي نُثَبِّتُ بِها فُؤادَكَ جَمِيعًا، أيِ: المُثَبِّتَةَ فُؤادَكُ جَمِيعًا. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: نُثَبِّتُ: نُسَكِّنُ، وقالَ الضَّحّاكُ: نَشَدُّ، وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: نُقَوِّي. وتَثْبِيتُ الفُؤادِ: هو بِما جَرى لِلْأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ ولِأتْباعِهِمُ المُؤْمِنِينَ، وما لَقُوا مِن مُكَذِّبِيهِمْ مِنَ الأذى، فَفي هَذا كُلِّهِ أُسْوَةٌ بِهِمْ، إذِ المُشارَكَةُ في الأُمُورِ الصَّعْبَةِ تُهَوِّنُ ما يَلْقى الإنْسانُ مِنَ الأذى، ثُمَّ الإعْلامُ بِما جَرى عَلى مُكَذِّبِيهِمْ مِنَ العُقُوباتِ المُسْتَأْصِلَةِ بِأنْواعٍ مِنَ العَذابِ، مِن غَرَقٍ ورِيحٍ ورَجْفَةٍ وخَسْفٍ، وغَيْرِ ذَلِكَ فِيهِ طُمَأْنِينَةٌ لِلنَّفْسِ وتَأْنِيسٌ، بِأنْ يُصِيبَ اللَّهُ مَن كَذَّبَ الرَّسُولَ ﷺ بِالعَذابِ، كَما جَرى لِمُكَذِّبِي الرُّسُلِ، وإنْباءٌ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِحُسْنِ العاقِبَةِ لَهُ ولِأتْباعِهِ، كَما اتُّفِقَ لِلرُّسُلِ وأتْباعِهِمْ. والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: (في هَذِهِ): إلى أنْباءِ الرُّسُلِ الَّتِي قَصَّها اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ، أيِ: النَّبَأِ الصِّدْقِ الحَقِّ الَّذِي هو مُطابِقٌ بِما جَرى لَيْسَ فِيهِ تَغْيِيرٌ ولا تَحْرِيفٌ، كَما يَنْقُلُ شَيْئًا مِن ذَلِكَ المُؤَرِّخُونَ. و(مَوْعِظَةٌ) أيِ: اتِّعاظٌ وازْدِجارٌ لِسامِعِهِ، وذِكْرى لِمَن آمَنَ، إذِ المَوْعِظَةُ والذِّكْرى لا يَنْتَفِعُ بِها إلّا المُؤْمِنُ كَقَوْلِهِ ﴿وذَكِّرْ فَإنَّ الذِّكْرى تَنْفَعُ المُؤْمِنِينَ﴾ [الذاريات: ٥٥] وقَوْلِهِ: ﴿سَيَذَّكَّرُ مَن يَخْشى﴾ [الأعلى: ١٠] ﴿ويَتَجَنَّبُها الأشْقى﴾ [الأعلى: ١١] وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الإشارَةُ إلى السُّورَةِ والآياتِ الَّتِي فِيها تَذَكُّرُ قَصَصِ الأُمَمِ، وهَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ. ووَجْهُ تَخْصِيصِ هَذِهِ السُّورَةِ بِوَصْفِها بِالحَقِّ والقُرْآنُ كُلُّهُ حَقٌّ، أنَّ ذَلِكَ يَتَضَمَّنُ مَعْنى الوَعِيدِ لِلْكَفَرَةِ والتَّنْبِيهِ لِلنّاظِرِ، أيْ: جاءَكَ في هَذِهِ السُّورَةِ الحَقُّ الَّذِي أصابَ الأُمَمَ الظّالِمَةَ. وهَذا كَما يُقالُ عِنْدَ الشَّدائِدِ: جاءَ الحَقُّ، وإنْ كانَ الحَقُّ يَأْتِي في غَيْرِ شَدِيدَةٍ وغَيْرِ ما وجْهٍ، ولا تُسْتَعْمَلُ في ذَلِكَ جاءَ الحَقُّ. وقالَ الحَسَنُ وقَتادَةُ: الإشارَةُ إلى دارِ الدُّنْيا. قالَ قَتادَةُ: والحَقُّ: النُّبُوَّةُ. وقِيلَ: إشارَةٌ إلى السُّورَةِ مَعَ نَظائِرِها.
﴿وقُلْ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكم إنّا عامِلُونَ﴾ ﴿وانْتَظِرُوا إنّا مُنْتَظِرُونَ﴾: (اعْمَلُوا): صِيغَةُ أمْرٍ ومَعْناهُ: التَّهْدِيدُ والوَعِيدُ، والخِطابُ لِأهْلِ مَكَّةَ وغَيْرِها.
عَلى مَكانَتِكم: أيْ: جِهَتِكم وحالِكُمُ الَّتِي أنْتُمْ عَلَيْها. وقِيلَ: اعْمَلُوا في هَلاكِي عَلى إمْكانِكم. (p-٢٧٥)وانْتَظِرُوا بِنا الدَّوائِرَ، إنّا مُنْتَظِرُونَ أنْ يَنْزِلَ بِكم نَحْوُ ما اقْتَصَّ اللَّهُ مِنَ النِّقَمِ النّازِلَةِ بِأشْباهِكم، ويُشْبِهُ أنْ يَكُونَ إيتاءَ مُوادَعَةٍ، فَلِذَلِكَ قِيلَ: إنَّهُما مَنسُوخَتانِ، وقِيلَ: مُحْكَمَتانِ، وهُما لِلتَّهْدِيدِ والوَعِيدِ، والحَرْبُ قائِمَةٌ.
11:123Page 235
وَلِلَّهِ غَيۡبُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَإِلَيۡهِ يُرۡجَعُ ٱلۡأَمۡرُ كُلُّهُۥ فَٱعۡبُدۡهُ وَتَوَكَّلۡ عَلَيۡهِۚ وَمَا رَبُّكَ بِغَٰفِلٍ عَمَّا تَعۡمَلُونَ ١٢٣
And to Allāh belong the unseen [aspects] of the heavens and the earth and to Him will be returned the matter, all of it, so worship Him and rely upon Him. And your Lord is not unaware of that which you do.
﴿ولِلَّهِ غَيْبُ السَّماواتِ والأرْضِ وإلَيْهِ يُرْجَعُ الأمْرُ كُلُّهُ فاعْبُدْهُ وتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾
لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِن أعْمالِكم، ولا حَظَّ لِمَخْلُوقٍ في عِلْمِ الغَيْبِ، وقَرَأ نافِعٌ وحَفْصٌ: (يُرْجَعُ) مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، (الأمْرُ كُلُّهُ) أمْرُهم وأمْرُكَ، فَيَنْتَقِمُ لَكَ مِنهم، وقالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: عَلِمَ ما غابَ في السَّماواتِ والأرْضِ، أضافَ الغَيْبَ إلَيْهِما تَوَسُّعًا، انْتَهى. والجُمْلَةُ الأُولى دَلَّتْ عَلى أنَّ عِلْمَهُ مُحِيطٌ بِجَمِيعِ الكائِناتِ كُلِّيِّها وجُزْئِيِّها حاضِرِها وغائِبِها؛ لِأنَّهُ إذا أحاطَ عِلْمُهُ بِما غابَ فَهو بِما حَضَرَ مُحِيطٌ، إذْ عِلْمُهُ تَعالى لا يَتَفاوَتُ.
والجُمْلَةُ الثّانِيَةُ دَلَّتْ عَلى القُدْرَةِ النّافِذَةِ والمَشِيئَةِ.
والجُمْلَةُ الثّالِثَةُ دَلَّتْ عَلى الأمْرِ بِإفْرادِ مَن هَذِهِ صِفاتُهُ بِالعِبادَةِ الجَسَدِيَّةِ والقَلْبِيَّةِ، والعِبادَةُ أوْلى الرُّتَبِ الَّتِي يَتَحَلّى بِها العَبْدُ.
والجُمْلَةُ الرّابِعَةُ دَلَّتْ عَلى الأمْرِ بِالتَّوَكُّلِ، وهي آخِرَةُ الرُّتَبِ؛ لِأنَّهُ بِنُورِ العِبادَةِ أبْصَرَ أنَّ جَمِيعَ الكائِناتِ مَعْذُوقَةٌ بِاللَّهِ تَعالى، وأنَّهُ هو المُتَصَرِّفُ وحْدَهُ في جَمِيعِها، لا يَشْرَكُهُ في شَيْءٍ مِنها أحَدٌ مِن خَلْقِهِ، فَوَكَلَ نَفْسَهُ إلَيْهِ تَعالى، ورَفَضَ سائِرَ ما يُتَوَهَّمُ أنَّهُ سَبَبٌ في شَيْءٍ مِنها.
والجُمْلَةُ الخامِسَةُ: تَضَمَّنَتِ التَّنْبِيهَ عَلى المُجازاةِ، فَلا يُضِيعُ طاعَةَ مُطِيعٍ ولا يُهْمِلُ حالَ مُتَمَرِّدٍ، وقَرَأ الصّاحِبانِ وحَفْصٌ وقَتادَةُ والأعْرَجُ وشَيْبَةُ وأبُو جَعْفَرٍ والجَحْدَرِيُّ: (تَعْمَلُونَ) بِتاءِ الخِطابِ؛ لِأنَّ قَبْلَهُ (اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكم)، وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ: بِالياءِ عَلى الغَيْبَةِ، واخْتُلِفَ عَنِ الحَسَنِ وعِيسى بْنِ عُمَرَ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences