Abu Hayyan · Tafsir · in Arabic
Hud 11:28–35
11:28Page 224
قَالَ يَٰقَوۡمِ أَرَءَيۡتُمۡ إِن كُنتُ عَلَىٰ بَيِّنَةٖ مِّن رَّبِّي وَءَاتَىٰنِي رَحۡمَةٗ مِّنۡ عِندِهِۦ فَعُمِّيَتۡ عَلَيۡكُمۡ أَنُلۡزِمُكُمُوهَا وَأَنتُمۡ لَهَا كَٰرِهُونَ ٢٨
He said, "O my people, have you considered: if I should be upon clear evidence from my Lord while He has given me mercy from Himself but it has been made unapparent to you, should we force it upon you while you are averse to it?
﴿قالَ يا قَوْمِ أرَأيْتُمْ إنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّي وآتانِي رَحْمَةً مِن عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكم أنُلْزِمُكُمُوها وأنْتُمْ لَها كارِهُونَ﴾: لَمّا حَكى شُبَهَهم في إنْكارِ نُبُوَّةِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ وهي قَوْلُهم: ﴿ما نَراكَ إلّا بَشَرًا مِثْلَنا﴾ [هود: ٢٧] ذَكَرَ أنَّ المُساواةَ في البَشَرِيَّةِ لا تَمْنَعُ مِن حُصُولِ المُفارَقَةِ في صِفَةِ النُّبُوَّةِ والرِّسالَةِ، ثُمَّ ذَكَرَ الطَّرِيقَ الدّالَّ عَلى إمْكانِهِ عَلى جِهَةِ التَّعْلِيقِ والإمْكانِ، وهو مُتَيَقِّنٌ أنَّهُ عَلى بَيِّنَةٍ مِن مَعْرِفَةِ اللَّهِ وتَوْحِيدِهِ، وما يَجِبُ لَهُ وما يَمْتَنِعُ، ولَكِنَّهُ أبْرَزَهُ عَلى سَبِيلِ العَرْضِ لَهم والِاسْتِدْراجِ لِلْإقْرارِ بِالحَقِّ، وقِيامِ الحُجَّةِ عَلى (p-٢١٦)الخَصْمِ، ولَوْ قالَ: عَلى أنِّي عَلى حَقٍّ مِن رَبِّي لَقالُوا لَهُ: كَذَبْتَ، كَقَوْلِهِ: ﴿أتَقْتُلُونَ رَجُلًا أنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ﴾ [غافر: ٢٨] الآيَةَ فَقالَ فِيها: ﴿وإنْ يَكُ كاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ﴾ [غافر: ٢٨] . والبَيِّنَةُ: البُرْهانُ، والشّاهِدُ بِصِحَّةِ دَعْواهُ، ابْنُ عَبّاسٍ: الرَّحْمَةُ والنُّبُوَّةُ، مُقاتِلٌ: الهِدايَةُ، غَيْرُهُما: التَّوْفِيقُ والنُّبُوَّةُ والحِكْمَةُ. والظّاهِرُ أنَّ البَيِّنَةَ غَيْرُ الرَّحْمَةِ، فَيَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالبَيِّنَةِ: المُعْجِزَةُ، وبِالرَّحْمَةِ: النُّبُوَّةُ. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ البَيِّنَةُ: هي الرَّحْمَةُ، ومِن عِنْدِهِ تَأْكِيدٌ وفائِدَتُهُ: رَفْعُ الِاشْتِراكِ ولَوْ بِالِاسْتِعارَةِ، ﴿فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ﴾ الظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ عائِدٌ عَلى البَيِّنَةِ، وبِذَلِكَ يَحْصُلُ الذَّمُّ لَهم مِن أنَّهُ أتى بِالمُعْجِزَةِ الجَلِيَّةِ الواضِحَةِ، وأنَّها عَلى وُضُوحِها واسْتِنارَتِها خَفِيَتْ عَلَيْهِمْ، وذَلِكَ بِأنَّهُ تَعالى سَلَبَهم عِلْمَها ومَنعَهم مَعْرِفَتَها. فَإنْ كانَتِ الرَّحْمَةُ هي البَيِّنَةُ فَعَوْدُ الضَّمِيرِ مُفْرَدًا ظاهِرٌ، وإنْ كانَتْ غَيْرَها كَما اخْتَرْناهُ.
فَقَوْلُهُ: ﴿وآتانِي رَحْمَةً مِن عِنْدِهِ﴾، اعْتِراضٌ بَيْنَ المُتَعاطِفَيْنِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: حَقُّهُ أنْ يُقالَ: فَعُمِّيَتا. (قُلْتُ): الوَجْهُ أنْ يُقَدَّرَ فَعُمِّيَتْ بَعْدَ البَيِّنَةِ، وأنْ يَكُونَ حَذْفُهُ لِلِاقْتِصارِ عَلى ذِكْرِهِ، فَتَلَخَّصَ أنَّ الضَّمِيرَ يَعُودُ: إمّا عَلى البَيِّنَةِ، وإمّا عَلى الرَّحْمَةِ، وإمّا عَلَيْهِما بِاعْتِبارِ أنَّهُما واحِدٌ. ويَقُولُ لِلسَّحابِ: العَماءُ لِأنَّهُ يُخْفِي ما فِيهِ، كَما يُقالُ لَهُ: الغَمامُ لِأنَّهُ يَغُمُّهُ.
وقِيلَ: هَذا مِنَ المَقْلُوبِ، فَعَمِيتُمْ أنْتُمْ عَنْها كَما تَقُولُ العَرَبُ: أدْخَلْتُ القَلَنْسُوَةَ في رَأْسِي، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: تَرى الثَّوْرَ فِيها مُدْخِلَ الظِّلِّ رَأْسَهُ قالَ أبُو عَلِيٍّ: وهَذا مِمّا يُقْلَبُ، هَذا لَيْسَ فِيهِ إشْكالٌ، وفي القُرْآنِ: ﴿فَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وعْدِهِ رُسُلَهُ﴾ [إبراهيم: ٤٧] انْتَهى.
والقَلْبُ عِنْدَ أصْحابِنا مُطْلَقًا لا يَجُوزُ إلّا في الضَّرُورَةِ، وأمّا قَوْلُ الشّاعِرِ فَلَيْسَ مِن بابِ القَلْبِ بَلْ مِن بابِ الِاتِّساعِ في الظَّرْفِ.
وأمّا الآيَةُ فَأخْلَفَ يَتَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ، ولَكانَ يُضِيفُ إلى أيِّهِما شِئْتَ فَلَيْسَ مِن بابِ القَلْبِ، ولَوْ كانَ: ﴿فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ﴾ مِن بابِ القَلْبِ لَكانَ التَّعَدِّي بِعْنَ دُونَ عَلى.
ألا تَرى أنَّكَ تَقُولُ: عَمِيتُ عَنْ كَذا، ولا تَقُولُ عَمِيتُ عَلى كَذا ؟ وقَرَأ الأخَوانِ وحَفْصٌ: فَعُمِّيَتْ بِضَمِّ العَيْنِ وتَشْدِيدِ المِيمِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، أيْ: أُبْهِمَتْ عَلَيْكم وأُخْفِيَتَ، وباقِي السَّبْعَةِ: فَعَمِيَتْ بِفَتْحِ العَيْنِ وتَخْفِيفِ المِيمِ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ. وقَرَأ أُبَيٌّ وعَلِيٌّ والسُّلَمِيُّ والحَسَنُ والأعْمَشُ: فَعَمّاها عَلَيْكم. ورَوى الأعْمَشُ عَنْ أبِي وثّابٍ: وعَمِيَتْ بِالواوِ خَفِيفَةً. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): فَما حَقِيقَتُهُ ؟ (قُلْتُ): حَقِيقَتُهُ أنَّ الحُجَّةَ كَما جُعِلَتْ بَصِيرَةً ومُبْصِرَةً جُعِلَتْ عَمْياءَ، لِأنَّ الأعْمى لا يَهْتَدِي، ولا يَهْدِي غَيْرَهُ، فَمَعْنى فَعَمِيَتْ عَلَيْكم: البَيِّنَةُ فَلَمْ تَهْدِكم، كَما لَوْ عَمِيَ عَلى القَوْمِ دَلِيلُهم في المَفازَةِ بَقَوْا بِغَيْرٍ هادٍ. (فَإنْ قُلْتَ): فَما مَعْنى قِراءَةِ أُبَيٍّ ؟ (قُلْتُ): المَعْنى أنَّهم صَمَّمُوا عَلى الإعْراضِ عَنْها فَخَلّاهُمُ اللَّهُ وتَصْمِيمَهم، فَجُعِلَتْ تِلْكَ التَّخْلِيَةُ تَعْمِيَةً مِنهُ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ: ﴿أنُلْزِمُكُمُوها وأنْتُمْ لَها كارِهُونَ﴾ يَعْنِي: أنُكْرِهُكم عَلى قَبُولِها ونَقْسِرُكم عَلى الِاهْتِداءِ بِها وأنْتُمْ تَكْرَهُونَها ولا تَخْتارُونَها ؟، ولا إكْراهَ في الدِّينِ، انْتَهى. وتَوْجِيهُهُ قِراءَةُ أُبَيٍّ هو عَلى طَرِيقَةِ المُعْتَزِلَةِ، وتَقَدَّمَ في سُورَةِ الأنْعامِ الكَلامُ عَلى (أرَأيْتُمْ) مُشْبَعًا، وذَكَرْنا أنَّ العَرَبَ تُعَدِيها إلى مَفْعُولَيْنِ: أحَدُهُما: مَنصُوبٌ، والثّانِي: أغْلَبُ ما يَكُونُ جُمْلَةً اسْتِفْهامِيَّةً. تَقُولُ: أرَأيْتَكَ زَيْدًا ما صَنَعَ، ولَيْسَ اسْتِفْهامًا حَقِيقِيًّا عَنِ الجُمْلَةِ.
وإنَّ العَرَبَ ضَمَّنَتْ هَذِهِ الجُمْلَةَ مَعْنى: أخْبِرْنِي، وقَرَّرَنا هُناكَ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿أرَأيْتَكم إنْ أتاكم عَذابُ اللَّهِ﴾ [الأنعام: ٤٠] أنَّهُ مِن بابِ الإعْمالِ تَنازُعٌ عَلى عَذابِ اللَّهِ. أرَأيْتَكم يَطْلُبُهُ مَنصُوبًا، وفِعْلُ الشَّرْطِ يَطْلُبُهُ مَرْفُوعًا، فَأُعْمِلَ الثّانِي، وهَذا البَحْثُ يَتَقَرَّرُ هُنا أيْضًا، فَمَفْعُولُ أرَأيْتَكم مَحْذُوفٌ والتَّقْدِيرُ: أرَأيْتَكُمُ البَيِّنَةَ مِن رَبِّي إنْ كُنْتُ عَلَيْها أنُلْزِمُكُمُوها فَهَذِهِ الجُمْلَةُ الِاسْتِفْهامِيَّةُ في مَوْضِعِ المَفْعُولِ الثّانِي لِقَوْلِهِ: أرَأيْتُمْ، وجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ أرَأيْتُمْ، وجِيءَ بِالضَّمِيرَيْنِ مُتَّصِلَيْنِ في أنُلْزِمُكُمُوها، لِتَقَدُّمِ ضَمِيرِ الخِطابِ عَلى ضَمِيرِ الغَيْبَةِ، ولَوِ انْعَكَسَ لانْفَصَلَ ضَمِيرُ الخِطابِ خِلافًا لِمَن أجازَ الِاتِّصالَ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الثّانِي مُنْفَصِلًا (p-٢١٧)كَقَوْلِكَ: أنُلْزِمُكم إيّاها ونَحْوَهُ، ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة: ١٣٧]، ويَجُوزُ: فَسَيَكْفِيكَ إيّاهم، وهَذا الَّذِي قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ مِن جَوازِ انْفِصالِ الضَّمِيرِ في نَحْوِ ﴿أنُلْزِمُكُمُوها﴾، هو نَحْوُ قَوْلِ ابْنِ مالِكٍ في التَّسْهِيلِ. قالَ: وتَخْتارُ اتِّصالَ نَحْوِ ها أعْطَيْتُكَهُ.
وقالَ ابْنُ أبِي الرَّبِيعِ: إذا قَدَّمْتَ ما لَهُ الرُّتْبَةُ اتَّصَلَ لا غَيْرَ، تَقُولُ: أعْطَيْتُكَهُ. قالَ تَعالى: ﴿أنُلْزِمُكُمُوها﴾ وفي كِتابِ سِيبَوَيْهِ ما يَشْهَدُ لَهُ، قالَ سِيبَوَيْهِ: فَإذا كانَ المَفْعُولانِ اللَّذانِ تَعَدّى إلَيْهِما فِعْلُ الفاعِلِ مُخاطَبًا وغائِبًا، فَبَدَأتْ بِالمُخاطَبِ قَبْلَ الغائِبِ، فَإنَّ عَلامَةَ الغائِبِ العَلامَةُ الَّتِي لا يَقَعُ مَوْقِعَها إيّاهُ وذَلِكَ قَوْلُكَ: أعْطَيْتُكَهُ وقَدْ أعْطاكَهُ.
قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿أنُلْزِمُكُمُوها وأنْتُمْ لَها كارِهُونَ﴾، فَهَذا كَهَذا، إذا بَدَأْتَ بِالمُخاطَبِ قَبْلَ الغائِبِ، انْتَهى. فَهَذا نَصٌّ مِن سِيبَوَيْهِ عَلى ما قالَهُ ابْنُ أبِي الرَّبِيعِ، خِلافًا لِلزَّمَخْشَرِيِّ وابْنِ مالِكٍ ومَن سَبَقَهُما إلى القَوْلِ بِذَلِكَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وحَكى عَنْ أبِي عَمْرٍو: إسْكانَ المِيمِ، ووَجْهُهُ: أنَّ الحَرَكَةَ لَمْ تَكُنْ إلّا خِلْسَةً خَفِيفَةً، فَظَنَّها الرّاوِي سُكُونًا.
والإسْكانُ الصَّرِيحُ لَحْنٌ عِنْدَ الخَلِيلِ وسِيبَوَيْهِ وحُذّاقِ البَصْرِيِّينَ، لِأنَّ الحَرَكَةَ الإعْرابِيَّةَ لا يَسُوغُ طَرْحُها إلّا في ضَرُورَةِ الشِّعْرِ، انْتَهى. وأخَذَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ مِنَ الزَّجّاجِ، قالَ الزَّجّاجُ: أجْمَعَ النَّحْوِيُّونَ البَصْرِيُّونَ عَلى أنَّهُ لا يَجُوزُ إسْكانُ حَرَكَةِ الإعْرابِ إلّا في ضَرُورَةِ الشِّعْرِ، فَأمّا ما رُوِيَ عَنْ أبِي عَمْرٍو فَلَمْ يَضْبُطْهُ عَنْهُ القُرّاءُ، ورَوى عَنْهُ سِيبَوَيْهِ أنَّهُ كانَ يَخِفُّ الحَرَكَةَ ويَخْتَلِسُها، وهَذا هو الحَقُّ. وإنَّما يَجُوزُ الإسْكانُ في الشِّعْرِ نَحْوَ قَوْلِ امْرِئِ القَيْسِ:
فاليَوْمَ أشْرَبُ غَيْرَ مُسْتَحْقِبٍ والزَّمَخْشَرِيُّ عَلى عادَتِهِ في تَجْهِيلِ القُرّاءِ، وهم أجَلُّ مِن أنْ يَلْتَبِسَ عَلَيْهِمْ الِاخْتِلاسُ بِالسُّكُونِ، وقَدْ حَكى الكِسائِيُّ والفَرّاءُ: ﴿أنُلْزِمُكُمُوها﴾ بِإسْكانِ المِيمِ الأُولى تَخْفِيفًا. قالَ النَّحّاسُ: ويَجُوزُ عَلى قَوْلِ يُونُسَ: أنُلْزِمْكُمُها، كَما تَقُولُ: أنُلْزِمُكم ذَلِكَ ويُرِيدُ إلْزامَ جَبْرٍ بِالقَتْلِ ونَحْوِهِ، وأمّا إلْزامُ الإيجابِ فَهو حاصِلٌ، وقالَ النَّحّاسُ: أنُوحِيها عَلَيْكم، وقَوْلُهُ في ذَلِكَ خَطَأٌ.
قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وفي قِراءَةِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: ﴿أنُلْزِمُكُمُوها﴾ مِن شَطْرِ أنْفُسِنا، ومَعْناهُ: مِن تِلْقاءِ أنْفُسِنا. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قَرَأ ذَلِكَ مِن شَطْرِ قُلُوبِنا، انْتَهى. ومَعْنى شَطْرِ: نَحْوُ، وهَذا عَلى جِهَةِ التَّفْسِيرِ لا عَلى أنَّهُ قُرْآنٌ لِمُخالَفَتِهِ سَوادَ المُصْحَفِ.
11:29–35Page 225
وَيَٰقَوۡمِ لَآ أَسۡـَٔلُكُمۡ عَلَيۡهِ مَالًاۖ إِنۡ أَجۡرِيَ إِلَّا عَلَى ٱللَّهِۚ وَمَآ أَنَا۠ بِطَارِدِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْۚ إِنَّهُم مُّلَٰقُواْ رَبِّهِمۡ وَلَٰكِنِّيٓ أَرَىٰكُمۡ قَوۡمٗا تَجۡهَلُونَ ٢٩
And O my people, I ask not of you for it any wealth. My reward is not but from Allāh. And I am not one to drive away those who have believed. Indeed, they will meet their Lord, but I see that you are a people behaving ignorantly.
وَيَٰقَوۡمِ مَن يَنصُرُنِي مِنَ ٱللَّهِ إِن طَرَدتُّهُمۡۚ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ ٣٠
And O my people, who would protect me from Allāh if I drove them away? Then will you not be reminded?
وَلَآ أَقُولُ لَكُمۡ عِندِي خَزَآئِنُ ٱللَّهِ وَلَآ أَعۡلَمُ ٱلۡغَيۡبَ وَلَآ أَقُولُ إِنِّي مَلَكٞ وَلَآ أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزۡدَرِيٓ أَعۡيُنُكُمۡ لَن يُؤۡتِيَهُمُ ٱللَّهُ خَيۡرًاۖ ٱللَّهُ أَعۡلَمُ بِمَا فِيٓ أَنفُسِهِمۡ إِنِّيٓ إِذٗا لَّمِنَ ٱلظَّٰلِمِينَ ٣١
And I do not tell you that I have the depositories [containing the provision] of Allāh or that I know the unseen, nor do I tell you that I am an angel, nor do I say of those upon whom your eyes look down that Allāh will never grant them any good. Allāh is most knowing of what is within their souls. Indeed, I would then be among the wrongdoers [i.e., the unjust]."
قَالُواْ يَٰنُوحُ قَدۡ جَٰدَلۡتَنَا فَأَكۡثَرۡتَ جِدَٰلَنَا فَأۡتِنَا بِمَا تَعِدُنَآ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّٰدِقِينَ ٣٢
They said, "O Noah, you have disputed [i.e., opposed] us and been frequent in dispute of us. So bring us what you threaten us, if you should be of the truthful."
قَالَ إِنَّمَا يَأۡتِيكُم بِهِ ٱللَّهُ إِن شَآءَ وَمَآ أَنتُم بِمُعۡجِزِينَ ٣٣
He said, "Allāh will only bring it to you if He wills, and you will not cause [Him] failure.
وَلَا يَنفَعُكُمۡ نُصۡحِيٓ إِنۡ أَرَدتُّ أَنۡ أَنصَحَ لَكُمۡ إِن كَانَ ٱللَّهُ يُرِيدُ أَن يُغۡوِيَكُمۡۚ هُوَ رَبُّكُمۡ وَإِلَيۡهِ تُرۡجَعُونَ ٣٤
And my advice will not benefit you - although I wished to advise you - if Allāh should intend to put you in error. He is your Lord, and to Him you will be returned."
أَمۡ يَقُولُونَ ٱفۡتَرَىٰهُۖ قُلۡ إِنِ ٱفۡتَرَيۡتُهُۥ فَعَلَيَّ إِجۡرَامِي وَأَنَا۠ بَرِيٓءٞ مِّمَّا تُجۡرِمُونَ ٣٥
Or do they say [about Prophet Muḥammad (ﷺ)], "He invented it"? Say, "If I have invented it, then upon me is [the consequence of] my crime; but I am innocent of what [crimes] you commit."
﴿ويا قَوْمِ لا أسْألُكم عَلَيْهِ مالًا إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى اللَّهِ وما أنا بِطارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا إنَّهم مُلاقُو رَبِّهِمْ ولَكِنِّي أراكم قَوْمًا تَجْهَلُونَ﴾ ﴿ويا قَوْمِ مَن يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إنْ طَرَدْتُهم أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ ﴿ولا أقُولُ لَكم عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ ولا أعْلَمُ الغَيْبَ ولا أقُولُ إنِّي مَلَكٌ ولا أقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أعْيُنُكم لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْرًا اللَّهُ أعْلَمُ بِما في أنْفُسِهِمْ إنِّي إذًا لَمِنَ الظّالِمِينَ﴾ ﴿قالُوا يا نُوحُ قَدْ جادَلْتَنا فَأكْثَرْتَ جِدالَنا فَأْتِنا بِما تَعِدُنا إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ ﴿قالَ إنَّما يَأْتِيكم بِهِ اللَّهُ إنْ شاءَ وما أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ ﴿ولا يَنْفَعُكم نُصْحِي إنْ أرَدْتُ أنْ أنْصَحَ لَكم إنْ كانَ اللَّهُ يُرِيدُ أنْ يُغْوِيَكم هو رَبُّكم وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾: تَلَطَّفَ نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ بِنِدائِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿ويا قَوْمِ﴾، اسْتِدْراجًا لَهم في قَبُولِ كَلامِهِ، كَما تَلَطَّفَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِقَوْلِهِ (يا أبَتِ) وكَما تَلَطَّفَ مُؤْمِنُ آلِ فِرْعَوْنَ بِقَوْلِهِ (يا قَوْمِ) والضَّمِيرُ في عَلَيْهِ عائِدٌ إلى الإنْذارِ.
وإفْرادُ اللَّهِ بِالعِبادَةِ المَفْهُومُ مِن قَوْلِهِ لَهم: ﴿إنِّي لَكم نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ [هود: ٢٥] ﴿ألّا تَعْبُدُوا إلّا اللَّهَ﴾ [هود: ٢] (p-٢١٨)وقِيلَ: عَلى الدِّينِ، وقِيلَ: عَلى الدُّعاءِ إلى التَّوْحِيدِ، وقِيلَ: عَلى تَبْلِيغِ الرِّسالَةِ. وكُلُّها أقْوالٌ مُتَقارِبَةٌ، والمَعْنى: إنَّكم وهَؤُلاءِ الَّذِينَ اتَّبَعُونا سَواءٌ في أنْ أدْعُوَكم إلى اللَّهِ، وإنِّي لا أبْتَغِي عَمّا أُلْقِيهِ إلَيْكم مِن شَرائِعِ اللَّهِ مالًا، فَلا يَتَفاوَتُ حالُكم وحالُهم.
وأيْضًا: فَلَعَلَّهم ظَنُّوا أنَّهُ يُرِيدُ: الِاسْتِرْفادَ مِنهم، فَنَفاهُ بِقَوْلِهِ: ﴿لا أسْألُكم عَلَيْهِ مالًا إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى اللَّهِ﴾، فَلا تَحْرِمُوا أنْفُسَكُمُ السَّعادَةَ الأبَدِيَّةَ بِتَوَهُّمٍ فاسِدٍ. ثُمَّ ذَكَرَ أنَّهُ قامَ بِهَؤُلاءِ وصْفٌ يَجِبُ العُكُوفُ عَلَيْهِمْ بِهِ والِانْضِواءُ مَعَهم، وهو الإيمانُ فَلا يُمْكِنُ طَرْدُهم، وكانُوا سَألُوا مِنهُ طَرْدَ هَؤُلاءِ المُؤْمِنِينَ، رَفْعًا لِأنْفُسِهِمْ مِن مُساواةِ أُولَئِكَ الفُقَراءِ.
ونَظِيرَ هَذا: ما اقْتَرَحَتْ قُرَيْشٌ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِن طَرْدِ أتْباعِهِ الَّذِينَ لَمْ يَكُونُوا مِن قُرَيْشٍ. وقُرِئَ: بِطارِدٍ: بِالتَّنْوِينِ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: عَلى الأصْلِ يَعْنِي: أنَّ اسْمَ الفاعِلِ إذا كانَ بِمَعْنى الحالِ أوْ الِاسْتِقْبالِ، أصْلُهُ أنْ يَعْمَلَ ولا يُضافَ، وهَذا ظاهِرُ كَلامِ سِيبَوَيْهِ. ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ: إنَّ الأصْلَ الإضافَةُ لا العَمَلُ، لِأنَّهُ قَدِ اعْتَوَرَهُ شَبَهانِ: أحَدُهُما: شِبْهٌ بِالمُضارِعِ وهو شَبَهُهُ بِغَيْرِ جِنْسِهِ. والآخَرُ: شِبْهٌ بِالأسْماءِ إذا كانَتْ فِيها الإضافَةُ، فَكانَ إلْحاقُهُ بِجِنْسِهِ أوْلى مِن إلْحاقِهِ بِغَيْرِ جِنْسِهِ.
﴿أنَّهم مُلاقُو رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: ٤٦]: ظاهِرُهُ التَّعْلِيلُ لِانْتِفاءِ طَرْدِهِمْ، أيْ: إنَّهم يُلاقُونَ اللَّهَ، أيْ: جَزاءَهُ، فَيُوصِلُهم إلى حَقِّهِمْ عِنْدِي إنْ ظَلَمْتُهم بِالطَّرْدِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مَعْناهُ: أنَّهم يُلاقُونَ اللَّهَ فَيُعاقِبُ مَن طَرَدَهم، أوْ: يُلاقُونَهُ فَيُجازِيهِمْ عَلى ما في قُلُوبِهِمْ مِن إيمانٍ صَحِيحٍ ثابِتٍ كَما ظَهَرَ لِي مِنهم، وما أعْرِفُ غَيْرَهُ مِنهم، أوْ عَلى خِلافِ ذَلِكَ مِمّا تَعْرِفُونَهم بِهِ مِن بِناءِ إيمانِهِمْ عَلى بادِئِ الرَّأْيِ مِن غَيْرِ نَظَرٍ ولا تَفَكُّرٍ، وما عَلَيَّ أنْ أشُقَّ عَلى قُلُوبِهِمْ، وأتَعَرَّفَ ذَلِكَ مِنهم حَتّى أطْرُدَهم ونَحْوُهُ ﴿ولا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ﴾ [الأنعام: ٥٢] الآيَةَ، أوْ هم مُصَدِّقُونَ بِلِقاءِ رَبِّهِمْ، مُوقِنُونَ بِهِ عالِمُونَ أنَّهم مُلاقُوهُ لا مَحالَةَ، انْتَهى.
ووَصْفُهم بِالجَهْلِ لِكَوْنِهِمْ بَنَوْا أمْرَهم عَلى الجَهْلِ بِالعَواقِبِ، والِاغْتِرارِ بِالظَّواهِرِ. أوْ لِأنَّهم يَتَسافَلُونَ عَلى المُؤْمِنِينَ ويَدْعُونَهم: أراذِلَ، مِن قَوْلِهِ: ألا لا يَجْهَلَنْ أحَدٌ عَلَيْنا أوْ: تَجْهَلُونَ لِقاءَ رَبِّكم، أوْ: تَجْهَلُونَ أنَّهم خَيْرٌ مِنكم، أوْ: وصْفُهم بِالجَهْلِ في هَذا الِاقْتِراحِ، وهو طَرْدُ المُؤْمِنِينَ ونَحْوِهِ ﴿مَن يَنْصُرُنِي﴾ اسْتِفْهامٌ مَعْناهُ: لا ناصِرَ لِي مِن عِقابِ اللَّهِ إنْ طَرَدْتُهم عَنِ الخَيْرِ الَّذِي قَدْ قَبِلُوهُ، أوْ لِأجْلِ إيمانِهِمْ، قالَهُ الفَرّاءُ، وكانُوا يَسْألُونَهُ أنْ يَطْرُدَهم لِيُؤْمِنُوا بِهِ، أنَفَةً مِنهم أنْ يَكُونُوا مَعَهم عَلى سَواءٍ، ثُمَّ وقَفَهم بِقَوْلِهِ: ﴿أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ [يونس: ٣]، عَلى النَّظَرِ المُؤَدِّي إلى صِحَّةِ هَذا الِاحْتِجاجِ. وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ الجُمَلِ الثَّلاثِ في الأنْعامِ. وتَزْدَرِي: تَفْتَعِلُ، والدّالُ بَدَلٌ مِنَ التّاءِ قالَ: تَرى الرَّجُلَ النَّحِيفَ فَتَزْدَرِيهِ وفي أثْوابِهِ أسَدٌ هَصُورُ وأنْشَدَ الفَرّاءُ: يُباعِدُهُ الصَّدِيقُ وتَزْدَرِيهِ حَلِيلَتُهُ ويَنْهَرُهُ الصَّغِيرُ والعائِدُ عَلى المَوْصُولِ مَحْذُوفٌ، أيْ: تَزْدَرُونَهم، أيْ: تَسْتَحْقِرُهم أعْيُنُكم. ولَنْ يُؤْتِيَهم: مَعْمُولٌ لِقَوْلِهِ: (ولا أقُولُ) و(لِلَّذِينَ): مَعْناهُ لِأجْلِ الَّذِينَ. ولَوْ كانَتِ اللّامُ لِلتَّبْلِيغِ لَكانَ القِياسُ: (لَنْ يُؤْتِيَكم) بِكافِ الخِطابِ، أيْ: لَيْسَ احْتِقارُكم إيّاهم يُنْقِصُ ثَوابَهم عِنْدَ اللَّهِ ولا يُبْطِلُ أُجُورَهم.
﴿اللَّهُ أعْلَمُ بِما في أنْفُسِهِمْ﴾: تَسْلِيمٌ لِلَّهِ، أيْ: لَسْتُ أحْكُمُ عَلَيْهِمْ بِشَيْءٍ مِن هَذا، وإنَّما الحُكْمُ بِذَلِكَ لِلَّهِ تَعالى الَّذِي يَعْلَمُ ما في أنْفُسِهِمْ فَيُجازِيهِمْ عَلَيْهِ.
وقِيلَ: هو رَدٌّ عَلى قَوْلِهِمُ: اتَّبَعَكَ أراذِلُنا، أيْ: لَسْتُ أحْكُمُ عَلَيْهِمْ بِأنْ لا يَكُونَ لَهم خَيْرٌ لِظَنِّكم بِهِمْ، إنَّ بَواطِنَهم لَيْسَتْ كَظَواهِرِهِمُ، اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ أعْلَمُ بِما في نُفُوسِهِمْ. إنِّي: لَوْ فَعَلْتُ ذَلِكَ لَمِنَ الظّالِمِينَ، وهُمُ الَّذِينَ يَضَعُونَ الشَّيْءَ في غَيْرِ مَواضِعِهِ، ﴿قَدْ جادَلْتَنا﴾: الظّاهِرُ المُبالَغَةُ في الخُصُومَةِ والمُناظَرَةِ. وقالَ الكَلْبِيُّ: دَعَوْتَنا. وقِيلَ: وعَظْتَنا، وقِيلَ: أتَيْتَ بِأنْواعِ الجِدالِ وفُنُونِهِ فَما صَحَّ دَعْواكَ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ: فَأكْثَرْتَ (p-٢١٩)جَدَلَنا كَقَوْلِهِ: ﴿وكانَ الإنْسانُ أكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا﴾ [الكهف: ٥٤] فَأْتِنا بِما تَعِدُنا مِنَ العَذابِ: المُعَجَّلِ، وما بِمَعْنى الَّذِي والعائِدُ مَحْذُوفٌ أيْ: بِما تَعِدْناهُ، أوْ مَصْدَرِيَّةٌ، وإنَّما كَثُرَتْ مُجادَلَتُهُ لَهم لِأنَّهُ أقامَ فِيهِمْ ما أخْبَرَ اللَّهُ بِهِ ألْفَ سَنَةٍ إلّا خَمْسِينَ عامًا، وهو كُلُّ وقْتٍ يَدْعُوهم إلى اللَّهِ وهم يُجِيبُونَهُ بِعِبادَتِهِمْ أصْنامَهم. قالَ: إنَّما يَأْتِيكم بِهِ اللَّهُ، أيْ: لَيْسَ ذَلِكَ إلَيَّ إنَّما هو لِلْإلَهِ الَّذِي يُعاقِبُكم عَلى عِصْيانِكم، إنْ شاءَ، أيْ: إنِ اقْتَضَتْ حِكْمَتُهُ أنْ يُعَجِّلَ عَذابَكم وأنْتُمْ في قَبْضَتِهِ لا يُمْكِنُ أنْ تُفْلِتُوا مِنهُ، ولا أنْ تَمْتَنِعُوا. ولَمّا قالُوا: ﴿قَدْ جادَلْتَنا﴾، وطَلَبُوا تَعْجِيلَ العَذابِ، وكانَ مُجادَلَتُهُ لَهم إنَّما هو عَلى سَبِيلِ النُّصْحِ والإنْقاذِ مِن عَذابِ اللَّهِ، قالَ: ﴿ولا يَنْفَعُكم نُصْحِي﴾ . وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ الثَّقَفِيُّ: نَصْحِي بِفَتْحِ النُّونِ، وهو مَصْدَرٌ.
وقِراءَةُ الجَماعَةِ: بِضَمِّها، فاحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا كالشُّكْرِ، واحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ اسْمًا. وهَذانِ الشَّرْطانِ اعْتَقَبَ الأوَّلُ مِنهُما قَوْلَهُ: ﴿ولا يَنْفَعُكم نُصْحِي﴾، وهو دَلِيلٌ عَلى جَوابِ الشَّرْطِ تَقْدِيرُهُ: إنْ أرَدْتُ أنْ أنْصَحَ لَكم فَلا يَنْفَعُكم نُصْحِي، والشَّرْطُ الثّانِي: اعْتَقَبَ الشَّرْطَ الأوَّلَ. وجَوابُهُ أيْضًا ما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿ولا يَنْفَعُكم نُصْحِي﴾، تَقْدِيرُهُ: إنْ كانَ اللَّهُ يُرِيدُ أنْ يُغْوِيَكم فَلا يَنْفَعُكم نُصْحِي. وصارَ الشَّرْطُ الثّانِي شَرْطًا في الأوَّلِ، وصارَ المُتَقَدِّمُ مُتَأخِّرًا والمُتَأخِّرُ مُتَقَدِّمًا، وكَأنَّ التَّرْكِيبَ: إنْ أرَدْتُ أنْ أنْصَحَ لَكم إنْ كانَ اللَّهُ يُرِيدُ أنْ يُغْوِيَكم فَلا يَنْفَعُكم نُصْحِي، وهو مِن حَيْثُ المَعْنى كالشَّرْطِ إذا كانَ بِالفاءِ نَحْوَ: إنْ كانَ اللَّهُ يُرِيدُ أنْ يُغْوِيَكم. فَإنْ أرَدْتُ أنْ أنْصَحَ لَكم فَلا يَنْفَعُكم نُصْحِي. ونَظِيرُهُ: ﴿وامْرَأةً مُؤْمِنَةً إنْ وهَبَتْ نَفْسَها لِلنَّبِيِّ إنْ أرادَ النَّبِيُّ أنْ يَسْتَنْكِحَها﴾ [الأحزاب: ٥٠] وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: قَوْلُهُ: ﴿إنْ كانَ اللَّهُ يُرِيدُ أنْ يُغْوِيَكُمْ﴾ جَزاؤُهُ ما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿ولا يَنْفَعُكم نُصْحِي﴾، وهَذا الدَّلِيلُ في حُكْمِ ما دَلَّ عَلَيْهِ، فَوُصِلَ بِشَرْطٍ كَما وُصِلَ الجَزاءُ بِالشَّرْطِ في قَوْلِهِ: إنْ أحْسَنْتَ إلَيَّ أحْسَنْتُ إلَيْكَ إنْ أمْكَنَنِي. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ولَيْسَ نُصْحِي لَكم بِنافِعٍ، ولا إرادَتِي الخَيْرَ لَكم مُغْنِيَةً، إذا كانَ اللَّهُ تَعالى قَدْ أرادَ بِكُمُ الإغْواءَ والإضْلالَ والإهْلاكَ.
والشَّرْطُ الثّانِي: اعْتِراضٌ بَيْنَ الكَلامِ، وفِيهِ بَلاغَةٌ مِنَ اقْتِرانِ الإرادَتَيْنِ، وأنَّ إرادَةَ البَشَرِ غَيْرُ مُغْنِيَةٍ، وتَعَلُّقُ هَذا الشَّرْطِ هو بِنُصْحِي، وتَعَلُّقُ الآخَرِ هو بِلا يَنْفَعُ، انْتَهى. وكَذا قالَ أبُو الفَرَجِ بْنُ الجَوْزِيِّ قالَ: جَوابُ الأوَّلِ: النُّصْحُ، وجَوابُ الثّانِي: النَّفْعُ. والظّاهِرُ أنَّ مَعْنى يُغْوِيَكم: يُضِلَّكم مِن قَوْلِهِ: غَوى الرَّجُلُ يَغْوِي وهو: الضَّلالُ. وفِيهِ إسْنادُ الإغْواءِ إلى اللَّهِ، فَهو حُجَّةٌ عَلى المُعْتَزِلَةِ إذْ يَقُولُونَ: إنَّ الضَّلالَ هو مِنَ العَبْدِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: إذا عَرَفَ اللَّهُ مِنَ الكافِرِ الإصْرارَ فَخَلّاهُ وشَأْنَهُ ولَمْ يُلْجِئْهُ، سُمِّيَ ذَلِكَ إغْواءً وإمْلاءً، كَما إنَّهُ إذا عَرَفَ مِنهُ أنْ يَتُوبَ ويَرْعَوِي فَلَطَفَ بِهِ، سُمِّيَ: إرْشادًا وهِدايَةً، انْتَهى.
وهُوَ عَلى طَرِيقَةِ الِاعْتِزالِ، ونَصُّوا عَلى أنَّهُ لا يُوصَفُ اللَّهُ بِأنَّهُ عارِفٌ، فَلا يَنْبَغِي أنْ يُقالَ: إذا عَرَفَ اللَّهُ، كَما قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ، ولِلْمُعْتَزِلِيِّ أنْ يَقُولَ: لا يَتَعَيَّنُ أنْ تَكُونَ إنْ شَرْطِيَّةً، بَلْ هي نافِيَةٌ والمَعْنى: ما كانَ اللَّهُ يُرِيدُ أنْ يُغْوِيَكم، فَفي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلى نَفْيِ الإضْلالِ عَنِ اللَّهِ تَعالى، ويَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿ولا يَنْفَعُكم نُصْحِي إنْ أرَدْتُ أنْ أنْصَحَ﴾: إخْبارًا مِنهُ لَهم وتَعْزِيَةً لِنَفْسِهِ عَنْهم، لِما رَأى مِن إصْرارِهِمْ وتَمادِيهِمْ عَلى الكُفْرِ. وقِيلَ: مَعْنى (يُغْوِيَكم): يُهْلِكَكم، والغَوى: المَرَضُ والهَلاكُ. وفي لُغَةِ طَيِّءٍ: أصْبَحَ فُلانٌ غاوِيًا أيْ: مَرِيضًا، والغَوى: بَشَمُ الفَصِيلِ، وقالَهُ يَعْقُوبُ في الإصْلاحِ. وقِيلَ: فَقْدُهُ اللَّبَنَ حَتّى يَمُوتَ جُوعًا، قالَهُ الفَرّاءُ، وحَكاهُ الطَّبَرِيُّ يُقالُ مِنهُ: غَوى يَغْوِي.
وحَكى الزَّهْراوِيُّ: أنَّهُ الَّذِي قُطِعَ عَنْهُ اللَّبَنُ حَتّى كادَ يَهْلِكُ، أوْ لَمّا يَهْلِكُ بَعْدُ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: وكَوْنُ مَعْنى يُغْوِيَكم يُهْلِكَكم، قَوْلٌ مَرْغُوبٌ عَنْهُ، وأنْكَرَ مَكِّيٌّ أنْ يَكُونَ الغَوى بِمَعْنى: الهَلاكِ، مَوْجُودًا في لِسانِ العَرَبِ، وهو مَحْجُوجٌ بِنَقْلِ الفَرّاءِ وغَيْرِهِ. وإذا كانَ مَعْنى يُغْوِيَكم: يُهْلِكَكم، فَلا حُجَّةَ فِيهِ لا لِمُعْتَزِلِيٍّ ولا لِسُنِّيٍّ، بَلِ الحُجَّةُ مِن غَيْرِ هَذا، ومَعْناهُ: أنَّكم إذا كُنْتُمْ مِنَ التَّصْمِيمِ عَلى الكُفْرِ، فالمَنزِلَةُ الَّتِي لا تَنْفَعُكم نَصائِحُ اللَّهِ ومَواعِظُهُ وسائِرُ ألْطافِهِ، كَيْفَ يَنْفَعُكم نُصْحِي ؟ (p-٢٢٠)وفِي قَوْلِهِ: ﴿هُوَ رَبُّكُمْ﴾: تَنْبِيهٌ عَلى المَعْرِفَةِ بِالخالِقِ، وأنَّهُ النّاظِرُ في مَصالِحِكم، إنْ شاءَ أنْ يُغْوِيَكم، وإنْ شاءَ أنْ يَهْدِيَكم. وفي قَوْلِهِ: ﴿وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [يونس: ٥٦]: وعِيدٌ وتَخْوِيفٌ.
﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ إنِ افْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إجْرامِي وأنا بَرِيءٌ مِمّا تُجْرِمُونَ﴾: قِيلَ: هَذِهِ الآيَةُ اعْتُرِضَتْ في قِصَّةِ نُوحٍ، والأخْبارُ فِيها عَنْ قُرَيْشٍ. يَقُولُونَ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، أيِ: افْتَرى القُرْآنَ، وافْتَرى هَذا الحَدِيثَ عَنْ نُوحٍ وقَوْمِهِ، ولَوْ صَحَّ ذَلِكَ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ لَوُقِفَ عِنْدَهُ، ولَكِنَّ الظّاهِرَ أنَّ الضَّمِيرَ في يَقُولُونَ عائِدٌ عَلى قَوْمِ نُوحٍ، أيْ: بَلْ أيَقُولُونَ افْتَرى ما أخْبَرَهم بِهِ مِن دِينِ اللَّهِ وعِقابِ مَن أعْرَضَ عَنْهُ، فَقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: قُلْ إنِ افْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إثْمُ إجْرامِي، والإجْرامُ: مَصْدَرُ أجْرَمَ، ويُقالُ: أجْرَمَ وهو الكَثِيرُ، وجَرَمَ بِمَعْنًى.
ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎طَرِيدُ عَشِيرَةٍ ورَهِينُ ذَنْبٍ بِما جَرَمَتْ يَدِي وجَنى لِسانِي
وقُرِئَ: (أجْرامِي) بِفَتْحِ الهَمْزَةِ جَمْعُ جُرْمٍ، ذَكَرَهُ النَّحّاسُ، وفُسِّرَ: بِآثامِي.
ومَعْنى ﴿مِمّا تُجْرِمُونَ﴾: مِن إجْرامِكم في إسْنادِ الِافْتِراءِ إلَيَّ، وقِيلَ: مِمّا تُجْرِمُونَ مِنَ الكُفْرِ والتَّكْذِيبِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences