Abu HayyanHud · 11:5–12

Abu Hayyan · Tafsir · in Arabic

Hud 11:5–12

11:5–11Page 221

أَلَآ إِنَّهُمۡ يَثۡنُونَ صُدُورَهُمۡ لِيَسۡتَخۡفُواْ مِنۡهُۚ أَلَا حِينَ يَسۡتَغۡشُونَ ثِيَابَهُمۡ يَعۡلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعۡلِنُونَۚ إِنَّهُۥ عَلِيمُۢ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ ٥

Unquestionably, they [i.e., the disbelievers] turn away their breasts to hide themselves from him. Unquestionably, [even] when they cover themselves in their clothing, He [i.e., Allāh] knows what they conceal and what they declare. Indeed, He is Knowing of that within the breasts.

۞ وَمَا مِن دَآبَّةٖ فِي ٱلۡأَرۡضِ إِلَّا عَلَى ٱللَّهِ رِزۡقُهَا وَيَعۡلَمُ مُسۡتَقَرَّهَا وَمُسۡتَوۡدَعَهَاۚ كُلّٞ فِي كِتَٰبٖ مُّبِينٖ ٦

And there is no creature on earth but that upon Allāh is its provision, and He knows its place of dwelling and place of storage.1 All is in a clear register.

وَهُوَ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٖ وَكَانَ عَرۡشُهُۥ عَلَى ٱلۡمَآءِ لِيَبۡلُوَكُمۡ أَيُّكُمۡ أَحۡسَنُ عَمَلٗاۗ وَلَئِن قُلۡتَ إِنَّكُم مَّبۡعُوثُونَ مِنۢ بَعۡدِ ٱلۡمَوۡتِ لَيَقُولَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ إِنۡ هَٰذَآ إِلَّا سِحۡرٞ مُّبِينٞ ٧

And it is He who created the heavens and the earth in six days - and His Throne had been upon water - that He might test you as to which of you is best in deed. But if you say, "Indeed, you are resurrected after death," those who disbelieve will surely say, "This is not but obvious magic."

وَلَئِنۡ أَخَّرۡنَا عَنۡهُمُ ٱلۡعَذَابَ إِلَىٰٓ أُمَّةٖ مَّعۡدُودَةٖ لَّيَقُولُنَّ مَا يَحۡبِسُهُۥٓۗ أَلَا يَوۡمَ يَأۡتِيهِمۡ لَيۡسَ مَصۡرُوفًا عَنۡهُمۡ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُواْ بِهِۦ يَسۡتَهۡزِءُونَ ٨

And if We hold back from them the punishment for a limited time, they will surely say,1 "What detains it?" Unquestionably, on the Day it comes to them, it will not be averted from them, and they will be enveloped by what they used to ridicule.

وَلَئِنۡ أَذَقۡنَا ٱلۡإِنسَٰنَ مِنَّا رَحۡمَةٗ ثُمَّ نَزَعۡنَٰهَا مِنۡهُ إِنَّهُۥ لَيَـُٔوسٞ كَفُورٞ ٩

And if We give man a taste of mercy from Us and then We withdraw it from him, indeed, he is despairing and ungrateful.

وَلَئِنۡ أَذَقۡنَٰهُ نَعۡمَآءَ بَعۡدَ ضَرَّآءَ مَسَّتۡهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ ٱلسَّيِّـَٔاتُ عَنِّيٓۚ إِنَّهُۥ لَفَرِحٞ فَخُورٌ ١٠

But if We give him a taste of favor after hardship has touched him, he will surely say, "Bad times have left me." Indeed, he is exultant and boastful -

إِلَّا ٱلَّذِينَ صَبَرُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ أُوْلَٰٓئِكَ لَهُم مَّغۡفِرَةٞ وَأَجۡرٞ كَبِيرٞ ١١

Except for those who are patient and do righteous deeds; those will have forgiveness and great reward.

﴿ألا إنَّهم يَثْنُونَ صُدُورَهم لِيَسْتَخْفُوا مِنهُ ألا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيابَهم يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وما يُعْلِنُونَ إنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾: نَزَلَتْ في الأخْنَسِ بْنِ شُرَيْقٍ، كانَ يُجالِسُ - رَسُولَ اللَّهِ ﷺ - ويَحْلِفُ أنَّهُ لَيُحِبُّهُ ويُضْمِرُ خِلافَ ما يُظْهِرُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. وعَنْهُ أيْضًا: في ناسٍ كانُوا يَسْتَحْيُونَ أنْ يُفْضُوا إلى السَّماءِ في الخَلاءِ ومُجامَعَةِ النِّساءِ. وقِيلَ: في بَعْضِ المُنافِقِينَ، كانَ إذا مَرَّ بِالرَّسُولِ ﷺ ثَنى صَدْرَهُ وظَهْرَهُ وطَأْطَأ رَأْسَهُ وغَطّى وجْهَهُ، كَيْ لا يَرى الرَّسُولَ، قالَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَدّادٍ. وقِيلَ: في طائِفَةٍ قالُوا إذا أغْلَقْنا أبْوابَنا، وأرْخَيْنا سُتُورَنا، واسْتَغْشَيْنا ثِيابَنا، وثَنَيْنا صُدُورَنا، عَلى عَداوَتِهِ كَيْفَ يَعْلَمُ بِنا ؟ ذَكَرَهُ الزَّجّاجُ.

وقِيلَ: فَعَلُوا ذَلِكَ لِيَبْعُدَ عَلَيْهِمْ صَوْتُ الرَّسُولِ ﷺ، ولا يَدْخُلُ أسْماعَهُمُ القُرْآنُ، ذَكَرَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ. و﴿يَثْنُونَ﴾: مُضارِعُ ثَنى، قِراءَةُ الجُمْهُورِ. وقَرَأ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: يُثْنُونَ بِضَمِّ الياءِ مُضارِعُ أثْنى. (صُدُورَهم): بِالنَّصْبِ، قالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ: ولا يُعْرَفُ الإثْناءُ في هَذا البابِ إلّا أنْ يُرادَ بِهِ: وجَدْتُها مَثْنِيَّةً مِثْلَ أحْمَدْتُهُ وأمْجَدْتُهُ، ولَعَلَّهُ فَتَحَ النُّونَ وهَذا مِمّا فُعِلَ بِهِمْ، فَيَكُونُ نَصْبُ صُدُورَهم بِنَزْعِ الجارِ، ويَجُوزُ عَلى ذَلِكَ أنْ يَكُونَ صُدُورُهم رَفْعًا عَلى البَدَلِ، بَدَلِ البَعْضِ مِنَ الكُلِّ. وقالَ أبُو البَقاءِ: ماضِيهِ أثْنى، ولا يُعْرَفُ في اللُّغَةِ إلّا أنْ يُقالَ: مَعْناهُ: عَرَّضُوها لِلْإثْناءِ، كَما يُقالُ: أبِعْتَ الفَرَسَ ؟ إذا عَرَضْتَهُ لِلْبَيْعِ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ وعَلِيُّ بْنُ الحُسَيْنِ وابْناهُ زَيْدٌ ومُحَمَّدٌ وابْنُهُ جَعْفَرٌ، ومُجاهِدٌ وابْنُ يَعْمَرَ ونَصْرُ بْنُ عاصِمٍ وعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أبْزى والجَحْدَرِيُّ وابْنُ أبِي إسْحاقَ وأبُو الأسْوَدِ الدُّؤَلِيُّ وأبُو رَزِينٍ والضَّحّاكُ: تَثْنُونِي بِالتّاءِ مُضارِعُ أثْنَوْنِي عَلى وزْنِ: افْعَوْعَلَ، نَحْوَ: اعْشَوْشَبَ المَكانُ. صُدُورُهم: بِالرَّفْعِ بِمَعْنى: تَنْطَوِي صُدُورُهم. وقَرَأ أيْضًا ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ وابْنُ يَعْمَرَ وابْنُ أبِي إسْحاقَ: يَثْنُونِي بِالياءِ، صُدُورُهم بِالرَّفْعِ، ذُكِرَ عَلى مَعْنى الجَمْعِ دُونَ الجَماعَةِ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: لَيَثْنُونَ بِلامِ التَّأْكِيدِ في خَبَرِ إنَّ، وحَذْفِ الياءِ تَخْفِيفًا، وصُدُورُهم رُفِعَ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا وعُرْوَةُ وابْنُ أبِي أبْزى والأعْشى: يَثَّنُّونَ ووَزْنُهُ: يَفْعَوْعَلَ مِنَ الثَّنِّ، بُنِيَ مِنهُ افْعَوْعَلَ وهو ما هَشَّ وضَعُفَ مِنَ الكَلَأِ، وأصْلُهُ: يَثْنَوْنَنَ يُرِيدُ: مُطاوَعَةَ نُفُوسِهِمْ لِلشَّيْءِ، كَما يَنْثَنِي الهَشُّ مِنَ النَّباتِ. أوْ أرادَ ضَعْفَ إيمانِهِمْ ومَرَضَ قُلُوبِهِمْ. وصُدُورُهم: بِالرَّفْعِ. وقَرَأ عُرْوَةُ ومُجاهِدٌ أيْضًا: كَذَلِكَ إلّا أنَّهُ هَمَزَ فَقَرَأ: يَثْنَئِنُّ مِثْلَ: يَطْمَئِنُّ، وصُدُورُهم رُفِعَ، وهَذِهِ مِمّا اسْتُثْقِلَ فِيهِ الكَسْرُ عَلى الواوِ كَما قِيلَ: أشاحَ.

وقَدْ قِيلَ أنَّ يَثْنَئِنُّ: يَفْعَئِلُّ مِنَ الثَّنِّ المُتَقَدِّمِ، مِثْلَ تَحْمارُّ وتَصْفارُّ، فَحُرِّكَتِ الألِفَ لِالتِقائِهِما بِالكَسْرِ، فانْقَلَبَتْ هَمْزَةً. وقَرَأ الأعْشى: يَثْنَؤُونَ مِثْلَ يَفْعَلُونَ مَهْمُوزُ اللّامِ، صُدُورَهم بِالنَّصْبِ. قالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ: ولا أعْرِفُ وجْهَهُ لِأنَّهُ يُقالُ: ثَنَيْتُ، ولَمْ أسْمَعْ ثَنَأْتُ.

ويَجُوزُ أنَّهُ قَلَبَ الياءَ ألِفًا عَلى لُغَةِ مَن يَقُولُ: أعْطَأْتُ في: أعْطَيْتُ، ثُمَّ هَمَزَ عَلى لُغَةِ مَن يَقُولُ: ﴿ولا الضّالِّينَ﴾ [الفاتحة: ٧]، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ: يَثْنَوِي بِتَقْدِيمِ الثّاءِ عَلى النُّونِ، وبِغَيْرِ نُونٍ بَعْدَ الواوِ عَلى وزْنِ: تَرْعَوِي. قالَ أبُو حاتِمٍ: وهَذِهِ القِراءَةُ غَلَطٌ لا تَتَّجِهُ، انْتَهى. وإنَّما قالَ ذَلِكَ لِأنَّهُ لاحَظَ الواوَ في هَذا الفِعْلِ لا يُقالُ: ثَنَوْتُهُ فانْثَوى كَما يُقالُ: رَعَوْتُهُ، أيْ: كَفَفْتُهُ فارْعَوى فانْكَفَّ، ووَزْنُهُ افْعَلَّ.

وقَرَأ نَصْرُ بْنُ عاصِمٍ وابْنُ يَعْمَرَ وابْنُ أبِي إسْحاقَ: يَنْثُونَ بِتَقْدِيمِ النُّونِ عَلى الثّاءِ، فَهَذِهِ عَشْرُ قِراءاتٍ في هَذِهِ الكَلِمَةِ. والضَّمِيرُ في إنَّهم عائِدٌ عَلى بَعْضِ مَن بِحَضْرَةِ الرَّسُولِ ﷺ مِنَ الكُفّارِ، أيْ: يَطْوُونَ صُدُورَهم عَلى عَدَواتِهِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (p-٢٠٣)يَثْنُونَ صُدُورَهم: يَزْوَرُّونَ عَنِ الحَقِّ ويَنْحَرِفُونَ عَنْهُ، لِأنَّ مَن أقْبَلَ عَلى الشَّيْءِ: اسْتَقْبَلَهُ بِصَدْرِهِ، ومَنِ ازْوَرَّ عَنْهُ وانْحَرَفَ: ثَنى عَنْهُ صَدْرَهُ وطَوى عَنْهُ كَشْحَهُ، ﴿لِيَسْتَخْفُوا مِنهُ﴾ يَعْنِي: ويُرِيدُونَ لِيَسْتَخْفُوا مِنَ اللَّهِ، فَلا يُطْلِعُ رَسُولَهُ والمُؤْمِنِينَ عَلى ازْوِرارِهِمْ. ونَظِيرُ إضْمارِ يُرِيدُونَ، لِعَوْدِ المَعْنى إلى إضْمارِهِ، الإضْمارُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ البَحْرَ فانْفَلَقَ﴾ [الشعراء: ٦٣] مَعْناهُ: فَضَرَبَ فانْفَلَقَ. ومَعْنى ﴿ألا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيابَهُمْ﴾ ويُرِيدُونَ الِاسْتِخْفاءَ حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيابَهم، أيْضًا كَراهَةً لِاسْتِماعِ كَلامِ اللَّهِ كَقَوْلِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿جَعَلُوا أصابِعَهم في آذانِهِمْ واسْتَغْشَوْا ثِيابَهم وأصَرُّوا﴾ [نوح: ٧] انْتَهى.

فالضَّمِيرُ في مِنهُ عَلى قَوْلِهِ: عائِدٌ عَلى اللَّهِ، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا هو الأفْصَحُ الأجْزَلُ في المَعْنى، انْتَهى.

ويَظْهَرُ مِن بَعْضِ أسْبابِ النُّزُولِ أنَّهُ عائِدٌ عَلى الرَّسُولِ ﷺ كَما قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ. قالَ: قِيلَ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في الكُفّارِ الَّذِينَ كانُوا إذا لَقِيَهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ تَطامَنُوا وثَنَوْا صُدُورَهم كالمُتَسَتِّرِ، ورَدُّوا إلَيْهِ ظُهُورَهم، وغَشُوا وُجُوهَهم بِثِيابِهِمْ: تَباعُدًا مِنهم وكَراهِيَةً لِلِقائِهِ، وهم يَظُنُّونَ أنَّ ذَلِكَ يَخْفى عَلَيْهِ أوْ عَنِ اللَّهِ تَعالى فَنَزَلَتِ الآيَةُ، انْتَهى. فَعَلى هَذا يَكُونُ لِيَسْتَخْفُوا مُتَعَلِقًا بُقُولِهِ ﴿يَثْنُونَ﴾، وكَذا قالَ الحَوْفِيُّ. وقِيلَ: هي اسْتِعارَةٌ لِلْغِلِّ والحِقْدِ الَّذِي كانُوا يَنْطَوُونَ عَلَيْهِ كَما تَقُولُ: فُلانٌ يَطْوِي كَشْحَهِ عَلى عَداوَتِهِ، ويَثْنِي صَدْرَهُ عَلَيْها، فَمَعْنى الآيَةِ: ألا إنَّهم يُسِرُّونَ العَداوَةَ ويَتَكَتَّمُونَ لَها، لِيَخْفى في ظَنِّهِمْ عَنِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وهو تَعالى حِينَ تَغَشِّيهِمْ بِثِيابِهِمْ وإبْلاغِهِمْ في التَّسَتُّرِ يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ، انْتَهى.

فَعَلى هَذا يَكُونُ حِينَ مَعْمُولًا لِقَوْلِهِ: (يَعْلَمُ)، وكَذا قالَهُ الحَوْفِيُّ لا لِلْمُضْمَرِ الَّذِي قَدَّرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ وهو قَوْلُهُ: ويُرِيدُونَ الِاسْتِخْفاءَ حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيابَهم. وقالَ أبُو البَقاءِ: ﴿ألا حِينَ﴾: العامِلُ في الظَّرْفِ مَحْذُوفٌ أيْ: ألا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيابَهم يَسْتَخْفُونَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ظَرْفًا لِيَعْلَمُ.

وقِيلَ: كانَ بَعْضُهم يَنْحَنِي عَلى بَعْضٍ لِيَسارِهِ في الطَّعْنِ عَلى المُسْلِمِينَ، وبَلَغَ مِن جَهْلِهِمْ أنَّ ذَلِكَ يَخْفى عَلى اللَّهِ تَعالى. قالَ قَتادَةُ: أخْفى ما يَكُونُ إذا حَنى ظَهْرَهُ واسْتَغْشى ثَوْبَهُ، وأضْمَرَ في نَفْسِهِ هِمَّتَهُ.

وقالَ مُجاهِدٌ: يَطْوُونَها عَلى الكُفْرِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُخْفُونَ ما في صُدُورِهِمْ مِنَ الشَّحْناءِ. وقالَ قَتادَةُ: يُخْفُونَ لِيَسْمَعُوا كَلامَ اللَّهِ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: يَكْتُمُونَها إذا ناجى بَعْضُهم بَعْضًا في أمْرِ الرَّسُولِ ﷺ .

وقِيلَ: يَثْنُونَها حَياءً مِنَ اللَّهِ تَعالى، ومَعْنى يَسْتَغْشُونَ: يَجْعَلُونَها أغْشِيَةً. ومِنهُ قَوْلُ الخَنْساءِ:

؎أرْعى النُّجُومَ وما كُلِّفْتُ رِعْيَتَها وتارَةً أتَغَشّى فَضْلَ أطْمارِي

وقِيلَ: المُرادُ بِالثِّيابِ: اللَّيْلُ، واسْتُعِيرَتْ لَهُ لِما بَيْنَهُما مِنَ العَلاقَةِ بِالسَّتْرِ، لِأنَّ اللَّيْلَ يَسْتُرُ كَما تَسْتُرُ الثِّيابُ ومِنهُ قَوْلُهُمُ: اللَّيْلُ أخْفى لِلْوَيْلِ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ: (عَلى حِينِ يَسْتَغْشُونَ) . قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ومِن هَذا الِاسْتِعْمالِ قَوْلُ النّابِغَةِ:

؎عَلى حِينَ عاتَبْتُ المَشِيبَ عَلى الصِّبا ∗∗∗ وقُلْتُ ألَمّا أصِحُّ والشَّيْبُ وازِعُ

انْتَهى.

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ما يُسِرُّونَ بِقُلُوبِهِمْ وما يُعْلِنُونَ بِأفْواهِهِمْ. وقِيلَ: ما يُسِرُّونَ بِاللَّيْلِ وما يُعْلِنُونَ بِالنَّهارِ. وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: مَعْناهُ: أنَّهُ يَعْلَمُ سَرائِرَهم كَما يَعْلَمُ مَظْهَرانِهِمْ.

وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يَعْنِي أنَّهُ لا تَفاوُتَ في عِلْمِهِ بَيْنَ إسْرارِهِمْ وإعْلانِهِمْ، فَلا وجْهَ لِتَوَصُّلِهِمْ إلى ما يُرِيدُونَ مِنَ الِاسْتِخْفاءِ واللَّهُ مُطَّلِعٌ عَلى ثَنْيِهِمْ صُدُورَهم، واسْتِغْشائِهِمْ بِثِيابِهِمْ. ونِفاقُهم غَيْرُ نافِقٍ عِنْدَهُ. وقالَ صاحِبُ التَّحْرِيرِ: الَّذِي يَقْتَضِيهِ سِياقُ الآيَةِ أنَّهُ أرادَ بِما يُسِرُّونَ: ما انْطَوَتْ عَلَيْهِ صُدُورُهم مِنَ الشِّرْكِ والنِّفاقِ والغِلِّ والحَسَدِ والبُغْضِ لِلنَّبِيِّ ﷺ وأصْحابِهِ، لِأنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ مِن أعْمالِ القُلُوبِ، وأعْمالُ القُلُوبِ خَفِيَّهٌ جِدًّا، وأرادَ بِما يُعْلِنُونَ: ما يُظْهِرُونَهُ مِنَ اسْتِدْبارِهِمُ النَّبِيَّ ﷺ وتَغْشِيَةِ ثِيابِهِمْ، وسَدِّ (p-٢٠٤)آذانِهِمْ وهَذِهِ كُلُّها أعْمالٌ ظاهِرَةٌ لا تَخْفى.

﴿وما مِن دابَّةٍ في الأرْضِ إلّا عَلى اللَّهِ رِزْقُها ويَعْلَمُ مُسْتَقَرَّها ومُسْتَوْدَعَها كُلٌّ في كِتابٍ مُبِينٍ﴾: الدّابَّةُ هُنا: عامٌّ في كُلِّ حَيَوانٍ يَحْتاجُ إلى رِزْقٍ، و(عَلى اللَّهِ): ظاهِرٌ في الوُجُوبِ، وإنَّما هو تُفَضُّلٌ، ولَكِنَّهُ لَمّا ضَمِنَ تَعالى أنْ يَتَفَضَّلَ بِهِ عَلَيْهِمْ أبْرَزَهُ في حَيِّزِ الوُجُوبِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ﴿مُسْتَقَرَّها﴾: حَيْثُ تَأْوِي إلَيْهِ مِنَ الأرْضِ، ﴿ومُسْتَوْدَعَها﴾: المَوْضِعَ الَّذِي تَمُوتُ فِيهِ فَتُدْفَنُ. وعَنْهُ أيْضًا: مُسْتَقَرَّها: في الرَّحِمِ، ومُسْتَوْدَعَها: في الصُّلْبِ.

وقالَ الرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ: مُسْتَقَرَّها: في أيّامِ حَياتِها، ومُسْتَوْدَعَها: حِينَ تَمُوتُ وحِينَ تُبْعَثُ. وقِيلَ: مُسْتَقَرَّها: في الجَنَّةِ أوْ: في النّارِ، ومُسْتَوْدَعَها: في القَبْرِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ: ﴿حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا﴾ [الفرقان: ٧٦] و﴿ساءَتْ مُسْتَقَرًّا﴾ [الفرقان: ٦٦] وقِيلَ: ما يَسْتَقِرُّ عَلَيْهِ عَمَلُها، ومُسْتَوْدَعَها: ما تَصِيرُ إلَيْهِ.

وقِيلَ: المُسْتَقَرُّ: ما حَصَلَ مَوْجُودًا مِنَ الحَيَوانِ، والمُسْتَوْدَعُ: ما سَيُوجَدُ بَعْدَ المُسْتَقَرِّ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: المُسْتَقَرُّ: مَكانُهُ مِنَ الأرْضِ ومَسْكَنُهُ، والمُسْتَوْدَعُ: حَيْثُ كانَ مَوْجُودًا قَبْلَ الِاسْتِقْرارِ مِن صُلْبٍ أوْ رَحِمٍ أوْ بَيْضَةٍ، انْتَهى. ومُسْتَقَرٌّ ومُسْتَوْدَعٌ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونا مَصْدَرَيْنِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونا اسْمَيْ مَكانٍ، ويَحْتَمِلُ مُسْتَوْدَعٌ أنْ يَكُونَ اسْمَ مَفْعُولٍ لِتَعَدِّي الفِعْلِ مِنهُ، ولا يَحْتَمِلُهُ مُسْتَقَرٌّ لِلُزُومِ فِعْلِهِ كُلٌّ، أيْ: كُلٌّ مِنَ الرِّزْقِ. والمُسْتَقَرُّ والمُسْتَوْدَعُ في اللَّوْحِ يَعْنِي: وذِكْرُها مَكْتُوبٌ فِيهِ مُبَيَّنٌ. وقِيلَ: الكِتابُ: هُنا مَجازٌ، وهو: إشارَةٌ إلى عِلْمِ اللَّهِ، وحَمْلُهُ عَلى الظّاهِرِ أوْلى.

﴿وهو الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ في سِتَّةِ أيّامٍ وكانَ عَرْشُهُ عَلى الماءِ لِيَبْلُوَكم أيُّكم أحْسَنُ عَمَلًا ولَئِنْ قُلْتَ إنَّكم مَبْعُوثُونَ مِن بَعْدِ المَوْتِ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إنْ هَذا إلّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ ﴿ولَئِنْ أخَّرْنا عَنْهُمُ العَذابَ إلى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ لَيَقُولُنَّ ما يَحْبِسُهُ ألا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفًا عَنْهم وحاقَ هِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾: لَمّا ذَكَرَ تَعالى ما يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ تَعالى عالِمًا، ذَكَرَ ما يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ قادِرًا، وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ الجُمْلَةِ الأُولى في سُورَةِ يُونُسَ. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وكانَ عَرْشُهُ عَلى الماءِ﴾: تَقْدِيرُهُ: قَبْلَ خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ، وفي هَذا دَلِيلٌ عَلى أنَّ الماءَ والعَرْشَ كانا مَخْلُوقَيْنِ قَبْلُ.

قالَ كَعْبٌ: خَلَقَ اللَّهُ ياقُوتَةً خَضْراءَ فَنَظَرَ إلَيْها بِالهَيْبَةِ فَصارَتْ ماءً، ثُمَّ خَلَقَ الرِّيحَ فَجَعَلَ الماءَ عَلى مَتْنِها، ثُمَّ وضَعَ العَرْشَ عَلى الماءِ. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ وقَدْ قِيلَ لَهُ: عَلى أيِّ شَيْءٍ كانَ الماءُ ؟ قالَ: كانَ عَلى مَتْنِ الرِّيحِ، والظّاهِرُ تَعْلِيقُ لِيَبْلُوَكم بِخَلَقَ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أيْ خَلَقَهُنَّ لِحِكْمَةٍ بالِغَةٍ، وهي أنْ يَجْعَلَها مَساكِنَ لِعِبادِهِ، ويُنْعِمَ عَلَيْهِمْ فِيها بِفُنُونِ النِّعَمِ، ويُكَلِّفَهم فِعْلَ الطّاعاتِ واجْتِنابَ المَعاصِي، فَمَن شَكَرَ وأطاعَ أثابَهُ، ومَن كَفَرَ وعَصى عاقَبَهُ. ولَمّا أشْبَهَ (p-٢٠٥)ذَلِكَ اخْتِبارَ المُخْتَبِرِ قالَ: لِيَبْلُوَكم، يُرِيدُ: لِيَفْعَلَ بِكم ما يَفْعَلُ المُبْتَلِي لِأحْوالِكم كَيْفَ تَعْمَلُونَ. (فَإنْ قُلْتَ): كَيْفَ جازَ تَعْلِيقُ فِعْلِ البَلْوى ؟ (قُلْتُ): لِما في الِاخْتِبارِ مِن مَعْنى العِلْمِ، لِأنَّهُ طَرِيقُ اللَّهِ، فَهو مَلابِسٌ لَهُ كَما تَقُولُ: انْظُرْ أيُّهم أحْسَنُ وجْهًا، واسْتَمِعْ أيُّهم أحْسَنُ صَوْتًا، لِأنَّ النَّظَرَ والِاسْتِماعَ مِن طُرُقِ العِلْمِ، انْتَهى. وفي قَوْلِهِ: (ومَن كَفَرَ وعَصى): عاقَبَهُ دَسِيسَةَ الِاعْتِزالِ. وأمّا قَوْلُهُ: واسْتَمِعْ أيُّهم أحْسَنَ صَوْتًا، فَلا أعْلَمُ أحَدًا ذَكَرَ أنَّ اسْتَمِعْ: تُعَلَّقُ، وإنَّما ذَكَرُوا مِن غَيْرِ أفْعالِ القُلُوبِ: سَلْ وانْظُرْ، وفي جَوازِ تَعْلِيقِ رَأْيِ البَصَرِيَّةِ خِلافٌ. وقِيلَ: (لِيَبْلُوَكم) مُتَعَلِّقٌ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: أعْلَمَ بِذَلِكَ لِيَبْلُوَكم، ومَقْصِدُ هَذا التَّأْوِيلِ: أنَّ هَذِهِ المَخْلُوقاتِ لَمْ تَكُنْ بِسَبَبِ البَشَرِ.

وقِيلَ: تَقْدِيرُ الفِعْلِ: وخَلَقَكم لِيَبْلُوكم. وقِيلَ: في الكَلامِ جُمَلٌ مَحْذُوفَةٌ، التَّقْدِيرُ: وكانَ خَلْقُهُ لَهُما لِمَنافِعَ يَعُودُ عَلَيْكم نَفْعُها في الدُّنْيا دُونَ الأُخْرى، وفَعَلَ ذَلِكَ لِيَبْلُوَكم. ومَعْنى ﴿أيُّكم أحْسَنُ عَمَلًا﴾: أهَذا أحْسَنُ أمْ هَذا. قالَ ابْنُ بَحْرٍ: رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ «أيُّكم أحْسَنُ عَقْلًا، وأوْرَعُ عَنْ مَحارِمِ اللَّهِ، وأسْرَعُ في طاعَةِ اللَّهِ» ولَوْ صَحَّ هَذا التَّفْسِيرُ عَنِ الرَّسُولِ ﷺ لَمْ يُعْدَلْ عَنْهُ.

وقالَ الحَسَنُ: أزْهَدُ في اللَّهِ. وقالَ مُقاتِلٌ: أتْقى لِلَّهِ. وقالَ الضَّحّاكُ: أكْثَرُكم شُكْرًا. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): فَكَيْفَ قِيلَ: ﴿أيُّكم أحْسَنُ عَمَلًا﴾، وأعْمالُ المُؤْمِنِينَ هي الَّتِي تَتَفاوَتُ إلى حَسَنٍ وأحْسَنَ، فَأمّا أعْمالُ المُؤْمِنِينَ والكافِرِينَ فَتَفاوُتُهُما إلى حَسَنٍ وقَبِيحٍ (قُلْتُ): الَّذِينَ هم أحْسَنُ عَمَلًا هُمُ: المُتَّقُونَ، وهُمُ الَّذِينَ اسْتَبَقُوا إلى تَحْصِيلِ ما هو غَرَضُ اللَّهِ مِن عِبادِهِ، فَخَصَّهم بِالذِّكْرِ، واطَّرَحَ ذِكْرَ مَن وراءَهم تَشْرِيفًا لَهم وتَنْبِيهًا عَلى مَكانِهِمْ، ولِيَكُونَ ذَلِكَ تَيَقُّظًا لِلسّامِعِينَ وتَرْغِيبًا في حِيازَةِ فَضْلِهِمُ، انْتَهى.

ولَئِنْ قُلْتَ: خِطابٌ لِلرَّسُولِ ﷺ . وقَرَأ عِيسى الثَّقَفِيُّ: ولَئِنْ قُلْتُ: بِضَمِّ التّاءِ إخْبارًا عَنْهُ تَعالى، والمَعْنى: ولَئِنْ قُلْتَ: مُسْتَدِلًا عَلى البَعْثِ مِن بَعْدِ المَوْتِ، إذْ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وهُوَ الَّذِي خَلَقَ﴾ دِلالَةٌ عَلى القُدْرَةِ العَظِيمَةِ، فَمَتى أخْبَرَ بِوُقُوعِ مُمْكِنٍ وقَعَ لا مَحالَةَ، وقَدْ أخْبَرَ بِالبَعْثِ فَوَجَبَ قَبُولُهُ وتَيَقَّنَ وُقُوعِهِ.

وقُرِئَ: أيُّكم بِفَتْحِ الهَمْزَةِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ووَجْهُهُ أنْ يَكُونَ مِن قَوْلِهِمُ: ائْتِ السُّوقَ إنَّكَ تَشْتَرِي لَحْمًا، بِمَعْنى عَلَّكَ، أيْ: ولَئِنْ قُلْتَ لَهم لَعَلَّكم مَبْعُوثُونَ بِمَعْنى: تَوَقَّعُوا بَعْثَكم وظُنُّوهُ، لَأثْبَتُوا القَوْلَ بِإنْكارِهِ لَقالُوا: ويَجُوزُ أنْ يُضَمَّنَ قُلْتَ مَعْنى: ذَكَرْتَ، انْتَهى.

يَعْنِي: فَبِفَتْحِ الهَمْزَةِ لِأنَّها في مَوْضِعِ مَفْعُولِ ذَكَرْتَ، والظّاهِرُ الإشارَةُ بِهَذا إلى القَوْلِ، أيْ: إنَّ قَوْلَكَ: إنَّكم مَبْعُوثُونَ إلّا سِحْرٌ، أيْ: بُطْلانُ هَذا القَوْلِ كَبُطْلانِ السِّحْرِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ إشارَةً إلى ما دَلَّتْ عَلَيْهِ الجُمْلَةُ مِنَ البَعْثِ. أيْ: إنَّ البَعْثَ.

وقِيلَ: أشارُوا بِهَذا إلى القُرْآنِ، وهو النّاطِقُ بِالبَعْثِ، فَإذا جَعَلُوهُ سِحْرًا فَقَدِ انْدَرَجَ تَحْتَهُ إنْكارُ ما فِيهِ مِنَ البَعْثِ وغَيْرِهِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: كَذَّبُوا وقالُوا: هَذا سِحْرٌ، فَهَذا تَناقُضٌ مِنهم إنْ كانَ مَفْطُورًا بِقُرُباتِ اللَّهِ فاطِرِ السَّماواتِ والأرْضِ فَهو مِن جُمْلَةِ المُقَرَّبِ بِهَذا، وهم مَعَ ذَلِكَ يُنْكِرُونَ ما هو أيْسَرُ مِنهُ بِكَثِيرٍ وهو البَعْثُ مِنَ القُبُورِ، إذِ البَداءَةُ أعْسَرُ مِنَ الإعادَةِ، وإذْ خَلْقُ السَّماواتِ والأرْضِ أكْبَرُ مِن خَلْقِ النّاسِ، انْتَهى. وقَرَأ الحَسَنُ والأعْرَجُ وأبُو جَعْفَرٍ وشَيْبَةُ وفِرْقَةٌ مِنَ السَّبْعَةِ: سِحْرٌ. وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: ساحِرٌ، يُرِيدُونَ: والسّاحِرُ كاذِبٌ مُبْطِلٌ، ولَئِنْ أخَّرْنا، حَكى تَعالى نَوْعًا آخَرَ مِن أباطِيلِهِمْ واسْتِهْزائِهِمْ، والعَذابُ هُنا: عَذابُ القِيامَةِ. وقِيلَ: عَذابُ يَوْمِ بَدْرٍ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: قَتْلُ جِبْرِيلَ المُسْتَهْزِئِينَ، والظّاهِرُ: العَذابُ المَوْعُودُ بِهِ، والأُمَّةُ هُنا المُدَّةُ مِنَ الزَّمانِ قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ ومُجاهِدٌ والجُمْهُورُ، ومَعْناهُ: إلى حِينٍ ووَقْتٍ مَعْلُومٍ ما يَحْبِسُهُ اسْتِفْهامٌ، قالُوهُ وهو عَلى سَبِيلِ التَّكْذِيبِ والِاسْتِهْزاءِ. قالَ الطَّبَرِيُّ: سُمِّيَتِ المُدَّةُ: أُمَّةً، لِأنَّها يُقْضى فِيها أُمَّةٌ مِنَ النّاسِ وتَحْدُثُ أُخْرى، فَهي عَلى هَذا المُدَّةُ الطَّوِيلَةُ، ثُمَّ اسْتَفْتَحَ الأخْبارَ بِأنَّهُ يَوْمٌ لا يَرُدُّهُ شَيْءٌ (p-٢٠٦)ولا يَصْرِفُهُ. والظّاهِرُ أنَّ يَوْمَ مَنصُوبٌ بِقَوْلِهِ: مَصْرُوفًا، فَهو مَعْمُولٌ لِخَبَرِ لَيْسَ. وقَدِ اسْتُدِلَّ بِهِ عَلى جَوازِ تَقْدِيمِ خَبَرِ لَيْسَ عَلَيْها قالُوا: لِأنَّ تَقَدُّمَ المَعْمُولِ يُؤْذِنُ بِتَقَدُّمِ العامِلِ، ونُسِبَ هَذا المَذْهَبُ لِـ سِيبَوَيْهِ، وعَلَيْهِ أكْثَرُ البَصْرِيِّينَ. وذَهَبَ الكُوفِيُّونَ والمُبَرِّدُ: إلى أنَّهُ لا يَجُوزُ ذَلِكَ، وقالُوا: لا يَدُلُّ جَوازُ تَقَدُّمِ المَعْمُولِ عَلى جَوازِ تَقَدُّمِ العامِلِ.

وأيْضًا فَإنَّ الظَّرْفَ المَجْرُورَ يَتَّسِعُ فِيهِما ما لا يَتَّسِعُ في غَيْرِهِما، ويَقَعانِ حَيْثُ لا يَقَعُ العامِلُ فِيهِما نَحْوَ: إنَّ اليَوْمَ زَيْدًا مُسافِرٌ، وقَدْ تَتَبَّعْتُ جُمْلَةً مِن دَواوِينِ العَرَبِ فَلَمْ أظْفَرْ بِتَقَدُّمِ خَبَرِ لَيْسَ عَلَيْها، ولا بِمَعْمُولِهِ، إلّا ما دَلَّ عَلَيْهِ ظاهِرُ هَذِهِ الآيَةِ، وقَوْلُ الشّاعِرِ: فَيَأْبى فَما يَزْدادُ إلّا لَجاجَةً وكُنْتُ أبِيًّا في الخَفا لَسْتُ أقْدُمُ وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ جُمْلَةِ ﴿وحاقَ بِهِمْ﴾ .

﴿ولَئِنْ أذَقْنا الإنْسانَ مِنّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْناها مِنهُ إنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ﴾ ﴿ولَئِنْ أذَقْناهُ نَعْماءَ بَعْدَ ضَرّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئاتُ عَنِّي إنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ﴾ ﴿إلّا الَّذِينَ صَبَرُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ أُولَئِكَ لَهم مَغْفِرَةٌ وأجْرٌ كَبِيرٌ﴾: لَمّا ذَكَرَ تَعالى عَذابَ الكُفّارِ وإنْ تَأخَّرَ لا بُدَّ أنْ يَحِيقَ بِهِمْ، ذَكَرَ ما يَدُلُّ عَلى كُفْرِهِمْ وكَوْنِهِمْ مُسْتَحِقِّينَ العَذابَ لِما جُبِلُوا عَلَيْهِ مِن كُفْرِ نَعْماءِ اللَّهِ، وما يَتَرَتَّبُ عَلى إحْسانِهِ تَعالى إلَيْهِمْ مِمّا لا يَلِيقُ بِهِمْ مِن فَخْرِهِمْ عَلى عِبادِ اللَّهِ. والظّاهِرُ أنَّ الإنْسانَ هُنا هو: جِنْسٌ، والمَعْنى: إنَّ هَذا الخُلُقَ في سَجايا النّاسِ، ثُمَّ اسْتَثْنى مِنهُمُ: الَّذِينَ رَدَّتْهُمُ الشَّرائِعُ والإيمانُ إلى الصَّبْرِ والعَمَلِ الصّالِحِ، ولِذَلِكَ جاءَ الِاسْتِثْناءُ مِنهُ في قَوْلِهِ: إلّا الَّذِينَ صَبَرُوا مُتَّصِلًا. وقِيلَ: المُرادُ هُنا بِالإنْسانِ: الكافِرُ.

وقِيلَ: المُرادُ بِهِ: إنْسانٌ مُعَيَّنٌ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: والوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ، وفِيهِ نَزَلَتْ. وقِيلَ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُمَيَّةَ المَخْزُومِيُّ، وذَكَرَهُ الواحِدِيُّ، وعَلى هَذَيْنِ القَوْلَيْنِ يَكُونُ اسْتِثْناءً مُنْقَطِعًا، ومَعْنى (رَحْمَةً) نِعْمَةً مِن صِحَّةٍ وأمْنِ وجْدَةٍ.

﴿ثُمَّ نَزَعْناها﴾ أيْ: سَلَبْناها مِنهُ.

و﴿لَيَئُوسٌ كَفُورٌ﴾: صِفَتا مُبالَغَةٍ، والمَعْنى: إنَّهُ شَدِيدُ اليَأْسِ كَثِيرُهُ، يَيْأسُ أنْ يَعُودَ إلَيْهِ مِثْلُ تِلْكَ النِّعْمَةِ المَسْلُوبَةِ، ويَقْطَعُ رَجاءَهُ مِن فَضْلِ اللَّهِ مِن غَيْرِ صَبْرٍ ولا تَسْلِيمٍ لِقَضائِهِ. (كَفُورٌ): كَثِيرُ الكُفْرانِ لِما سَلَفَ لِلَّهِ عَلَيْهِ مِن نِعْمَةٍ، ذَكَرَ حالَةَ الإنْسانِ إذْ بُدِئَ بِالنِّعْمَةِ ولَمْ يَسْبِقْهُ الضُّرُّ، ثُمَّ ذَكَرَ حالَهُ إذا جاءَتْهُ النِّعْمَةُ بَعْدَ الضُّرِّ.

ومَعْنى ذَهَبَ السَّيِّئاتُ أيِ: المَصائِبُ الَّتِي تَسُوءُنِي. وقَوْلُهُ هَذا يَقْتَضِي نَظَرًا وجَهْلًا، لِأنَّ ذَلِكَ بِإنْعامٍ مِنَ اللَّهِ، وهو يَعْتَقِدُ أنَّ ذَلِكَ اتِّفاقٌ أوْ يُسْعِدُ، وهو اعْتِقادٌ فاسِدٌ.

إنَّهُ لَفَرِحٌ: أشِرٌ بَطِرٌ، وهَذا الفَرَحُ مُطْلَقٌ، فَلِذَلِكَ ذُمَّ المُتَّصِفُ بِهِ، ولَمْ يَأْتِ في القُرْآنِ لِلْمَدْحِ إلّا مُقَيَّدًا بِما فِيهِ خَيْرٌ كَقَوْلِهِ: ﴿فَرِحِينَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾ [آل عمران: ١٧٠] وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿لَفَرِحٌ﴾ بِكَسْرِ الرّاءِ، وهي قِياسُ اسْمِ الفاعِلِ مِن فَعِلَ اللّازِمِ. وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: لَفَرُحٌ بِضَمِّ الرّاءِ، وهي كَما تَقُولُ: نَدُسٌ ونَطُسٌ.

وفَخْرُهُ: هو تَعاظُمُهُ عَلى النّاسِ بِما أصابَهُ مِنَ النَّعْماءِ، واسْتَثْنى تَعالى الصّابِرِينَ يَعْنِي: عَلى الضَّرّاءِ وعامِلِي الصّالِحاتِ. ومِنها الشُّكْرُ عَلى النَّعْماءِ. أُولَئِكَ لَهم مَغْفِرَةٌ لِذُنُوبِهِمْ يَقْتَضِي زَوالَ العِقابِ والخَلاصَ مِنهُ، و﴿أجْرٌ كَبِيرٌ﴾ [الحديد: ٧] هو: الجَنَّةُ، فَيَقْتَضِي الفَوْزَ بِالثَّوابِ. ووَصَفَ الأجْرَ بِقَوْلِهِ: كَبِيرٌ، لِما احْتَوى عَلَيْهِ مِنَ النَّعِيمِ السَّرْمَدِيِّ ورَفْعِ التَّكالِيفِ، والأمْنِ مِنَ العَذابِ، ورِضا اللَّهِ عَنْهم، والنَّظَرِ إلى وجْهِهِ الكَرِيمِ.

11:12Page 222

فَلَعَلَّكَ تَارِكُۢ بَعۡضَ مَا يُوحَىٰٓ إِلَيۡكَ وَضَآئِقُۢ بِهِۦ صَدۡرُكَ أَن يَقُولُواْ لَوۡلَآ أُنزِلَ عَلَيۡهِ كَنزٌ أَوۡ جَآءَ مَعَهُۥ مَلَكٌۚ إِنَّمَآ أَنتَ نَذِيرٞۚ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ وَكِيلٌ ١٢

Then would you possibly leave [out] some of what is revealed to you,1 or is your breast constrained by it because they say, "Why has there not been sent down to him a treasure or come with him an angel?" But you are only a warner. And Allāh is Disposer of all things.

﴿فَلَعَلَّكَ تارِكٌ بَعْضَ ما يُوحى إلَيْكَ وضائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أنْ يَقُولُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ أوْ جاءَ مَعَهُ مَلَكٌ إنَّما أنْتَ نَذِيرٌ واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وكِيلٌ﴾: قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: كانُوا يَقْتَرِحُونَ عَلَيْهِ آياتٍ تَعَنُّتًا لا اسْتِرْشادًا، لِأنَّهم لَوْ كانُوا مُسْتَرْشِدِينَ لَكانَتْ آيَةٌ واحِدَةٌ مِمّا جاءَ بِهِ كافِيَةً في رَشادِهِمْ.

ومِنَ اقْتِراحاتِهِمْ: لَوْلا أنْزِلُ عَلَيْهِ كَنْزٌ، أوْ جاءَ مَعَهُ مَلَكٌ، وكانُوا لا يَعْتَدُّونَ بِالقُرْآنِ، ويَتَهاوَنُونَ بِهِ وبِغَيْرِهِ مِمّا جاءَ بِهِ مِنَ البَيِّناتِ، فَكانَ يَضِيقُ صَدْرُ - رَسُولِ اللَّهِ ﷺ - أنْ يُلْقِيَ إلَيْهِمْ ما لا يَقْبَلُونَهُ ويَضْحَكُونَ مِنهُ، فَحَرَّكَ اللَّهُ مِنهُ وهَيَّجَهُ لِأداءِ الرِّسالَةِ وطَرَحَ المُبالاةَ بِرَدِّهِمْ واسْتِهْزائِهِمْ واقْتِراحِهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿فَلَعَلَّكَ تارِكٌ بَعْضَ ما يُوحى إلَيْكَ﴾ أيْ: (p-٢٠٧)لَعَلَّكَ تَتْرُكُ أنْ تُلْقِيَهُ إلَيْهِمْ، وتُبْلِغَهُ إيّاهم مَخافَةَ رَدِّهِمْ وتَهاوُنِهِمْ بِهِ، ﴿وضائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ﴾: بِأنْ تَتْلُوَ عَلَيْهِمْ أنْ يَقُولُوا مَخافَةَ أنْ يَقُولُوا: لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ، هَلّا أُنْزِلَ عَلَيْهِ ما اقْتَرَحْنا نَحْنُ مِنَ الكَنْزِ والمَلائِكَةِ، ولَمْ يَنْزِلْ عَلَيْهِ ما لا نُرِيدُهُ ولا نَقْتَرِحُهُ.

ثُمَّ قالَ: ﴿إنَّما أنْتَ نَذِيرٌ﴾ أيْ: لَيْسَ عَلَيْكَ إلّا أنْ تُنْذِرَهم بِما أُوحِيَ إلَيْكَ، وتُبْلِغَهم ما أُمِرْتَ بِتَبْلِيغِهِ، ولا عَلَيْكَ رَدُّوا أوْ تَهاوَنُوا أوِ اقْتَرَحُوا، ﴿واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وكِيلٌ﴾: يَحْفَظُ ما يَقُولُونَ، وهو فاعِلٌ بِهِمْ ما يُحِبُّ أنْ يَفْعَلَ، فَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وكِلْ أمْرَكَ إلَيْهِ.

وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: سَبَبُ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ أنَّ كُفّارَ قُرَيْشٍ قالُوا: يا مُحَمَّدُ لَوْ تَرَكْتَ سَبَّ آلِهَتِنا وتَسْفِيهَ آبائِنا لَجالَسْناكَ واتَّبَعْناكَ، وقالُوا ﴿ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذا أوْ بَدِّلْهُ﴾ [يونس: ١٥] ونَحْوَ هَذا مِنَ الأقْوالِ، فَخاطَبَ اللَّهُ تَعالى نَبِيَّهُ ﷺ عَلى هَذِهِ الصُّورَةِ مِنَ المُخاطَبَةِ، وقَّفَهُ بِها تَوْقِيفًا رادًّا عَلى أقْوالِهِمْ، ومُبْطِلًا لَها. ولَيْسَ المَعْنى أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ هَمَّ بِشَيْءٍ مِن ذَلِكَ ثُمَّ خَرَجَ عَنْهُ، فَإنَّهُ لَمْ يُرِدْ قَطُّ تَرْكَ شَيْءٍ مِمّا أُوحِيَ إلَيْهِ، ولا ضاقَ صَدْرُهُ بِهِ، وإنَّما كانَ يَضِيقُ صَدْرُهُ بِأقْوالِهِمْ وأفْعالِهِمْ وبُعْدِهِمْ عَنِ الإيمانِ.

ولَعَلَّكَ هاهُنا بِمَعْنى: التَّوْقِيفِ والتَّقْرِيرِ، وما يُوحى إلَيْهِ هو: القُرْآنُ والدُّعاءُ إلى اللَّهِ، كانَ في ذَلِكَ سَبُّ آلِهَتِهِمْ، وتَسْفِيهُ آبائِهِمْ أوْ غَيْرُهُ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ النَّبِيُّ ﷺ قَدْ عَظُمَ عَلَيْهِ ما يَلْقى مِنَ الشِّدَّةِ، فَمالَ إلى أنْ يَكُونَ مِنَ اللَّهِ إذْنٌ في مُساهَلَةِ الكُفّارِ بَعْضَ المُساهَلَةِ، ونَحْوَ هَذا مِنَ الِاعْتِقاداتِ الَّتِي تَلِيقُ بِهِ ﷺ كَما جاءَتْ آياتُ المُوادَعَةِ.

وعَبَّرَ بِـ (ضائِقٌ) دُونَ ضَيِّقٍ: لِلْمُناسَبَةِ في اللَّفْظِ مَعَ ﴿تارِكٌ﴾، وإنْ كانَ ضَيِّقٌ أكْثَرَ اسْتِعْمالًا، لِأنَّهُ وصْفٌ لازِمٌ، وضائِقٌ وصْفٌ عارِضٌ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): لِمَ عَدَلَ عَنْ ضِيقٍ إلى ضائِقٍ ؟ (قُلْتُ): لِيَدُلَّ عَلى أنَّ (ضَيِّقٌ) عارِضٌ غَيْرُ ثابِتٍ، لِأنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كانَ أفْسَحَ النّاسِ صَدْرًا. ومِثْلُهُ قَوْلُكَ: سَيِّدٌ وجَوادٌ، تُرِيدُ السِّيادَةَ والجُودَ الثّابِتَيْنِ المُسْتَقِرَّيْنِ، فَإذا أرَدْتَ الحُدُوثَ قُلْتَ: سائِدٌ وجائِدٌ، انْتَهى. ولَيْسَ هَذا الحُكْمُ مُخْتَصًّا بِهَذِهِ الألْفاظِ، بَلْ كُلُّ ما يُبْنى مِنَ الثُّلاثِيِّ لِلثُّبُوتِ والِاسْتِقْرارِ عَلى غَيْرِ وزْنِ فاعِلٍ رُدَّ إلَيْهِ إذا أُرِيدَ مَعْنى الحُدُوثِ، فَنَقُولُ: حاسِنٌ مِن حَسُنَ، وثاقِلٌ مِن ثَقُلَ، وفارِحٌ مِن فَرِحَ، وسامِنٌ مِن سَمِنَ، وقالَ بَعْضُ اللُّصُوصِ يَصِفُ السِّجْنَ ومَن سُجِنَ فِيهِ: بِمَنزِلَةٍ أمّا اللَّئِيمُ فَسامِنٌ بِها وكِرامُ النّاسِ بادٍ شُحُوبُها والظّاهِرُ عَوْدُ الضَّمِيرِ في بِهِ عَلى بَعْضٍ. وقِيلَ: عَلى ما، وقِيلَ: عَلى التَّبْلِيغِ، وقِيلَ: عَلى التَّكْذِيبِ، قِيلَ: ولَعَلَّ هُنا لِلِاسْتِفْهامِ بِمَعْنى هَلْ، والمَعْنى: هَلْ أنْتَ تارِكٌ ما فِيهِ تَسْفِيهُ أحْلامِهِمْ وسَبُّ آلِهَتِهِمْ كَما سَألُوكَ ؟ وقَدَّرُوا كَراهَتَهُ أنْ يَقُولُوا، ولِئَلّا يَقُولُوا، وبِأنْ يَقُولُوا، ثَلاثَةَ أقْوالٍ. والكَنْزُ: المالُ الكَثِيرُ.

وقالُوا: أُنْزِلَ ولَمْ يَقُولُوا: أُعْطِيَ، لِأنَّ مُرادَهُمُ التَّعْجِيزُ، وأنَّهُمُ التَمَسُوا أنْ يَنْزِلَ عَلَيْهِ مِنَ السَّماءِ كَنْزٌ عَلى خِلافِ العادَةِ، فَإنَّ الكُنُوزَ إنَّما تَكُونُ في الأرْضِ.

وطَلَبُهم آيَةً تَضْطَرُّ إلى الإيمانِ، واللَّهُ عَزَّ وجَلَّ لَمْ يَبْعَثِ الأنْبِياءَ بِآياتِ اضْطِرارٍ، إنَّما بَعَثَهم بِآياتِ النَّظَرِ والِاسْتِدْلالِ، ولَمْ يَجْعَلْ آيَةَ الِاضْطِرارِ إلّا لِلْأُمَّةِ الَّتِي أرادَ تَعْذِيبَها لِكُفْرِها بَعْدَ آيَةِ الِاسْتِدْلالِ، كالنّاقَةِ لِثَمُودَ.

وآنَسَهُ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّما أنْتَ نَذِيرٌ﴾، أيِ: الَّذِي فُوِّضَ إلَيْكَ هو النِّذارَةُ لا تَحْصِيلُ هِدايَتِهِمْ، فَإنَّ ذَلِكَ إنَّما هو لِلَّهِ تَعالى. وقالَ مُقاتِلٌ: وقِيلَ: كافِلٌ بِالمَصالِحِ: قادِرٌ عَلَيْها. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: المُحْصِي لِإيمانِ مَن شاءَ، وكُفْرِ مَن شاءَ. قِيلَ: وهَذِهِ الآيَةُ مَنسُوخَةٌ، وقِيلَ: مَحْكَمَةٌ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском