Abu Hayyan · Tafsir · in Arabic
Hud 11:50–60
11:50–60Page 227
وَإِلَىٰ عَادٍ أَخَاهُمۡ هُودٗاۚ قَالَ يَٰقَوۡمِ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُم مِّنۡ إِلَٰهٍ غَيۡرُهُۥٓۖ إِنۡ أَنتُمۡ إِلَّا مُفۡتَرُونَ ٥٠
And to ʿAad [We sent] their brother Hūd. He said, "O my people, worship Allāh; you have no deity other than Him. You are not but inventors [of falsehood].
يَٰقَوۡمِ لَآ أَسۡـَٔلُكُمۡ عَلَيۡهِ أَجۡرًاۖ إِنۡ أَجۡرِيَ إِلَّا عَلَى ٱلَّذِي فَطَرَنِيٓۚ أَفَلَا تَعۡقِلُونَ ٥١
O my people, I do not ask you for it [i.e., my advice] any reward. My reward is only from the one who created me. Then will you not reason?
وَيَٰقَوۡمِ ٱسۡتَغۡفِرُواْ رَبَّكُمۡ ثُمَّ تُوبُوٓاْ إِلَيۡهِ يُرۡسِلِ ٱلسَّمَآءَ عَلَيۡكُم مِّدۡرَارٗا وَيَزِدۡكُمۡ قُوَّةً إِلَىٰ قُوَّتِكُمۡ وَلَا تَتَوَلَّوۡاْ مُجۡرِمِينَ ٥٢
And O my people, ask forgiveness of your Lord and then repent to Him. He will send [rain from] the sky upon you in showers and increase you in strength [added] to your strength. And do not turn away, [being] criminals."
قَالُواْ يَٰهُودُ مَا جِئۡتَنَا بِبَيِّنَةٖ وَمَا نَحۡنُ بِتَارِكِيٓ ءَالِهَتِنَا عَن قَوۡلِكَ وَمَا نَحۡنُ لَكَ بِمُؤۡمِنِينَ ٥٣
They said, "O Hūd, you have not brought us clear evidence, and we are not ones to leave our gods on your say-so. Nor are we believers in you.
إِن نَّقُولُ إِلَّا ٱعۡتَرَىٰكَ بَعۡضُ ءَالِهَتِنَا بِسُوٓءٖۗ قَالَ إِنِّيٓ أُشۡهِدُ ٱللَّهَ وَٱشۡهَدُوٓاْ أَنِّي بَرِيٓءٞ مِّمَّا تُشۡرِكُونَ ٥٤
We only say that some of our gods have possessed you with evil [i.e., insanity]." He said, "Indeed, I call Allāh to witness, and witness [yourselves] that I am free from whatever you associate with Allāh
مِن دُونِهِۦۖ فَكِيدُونِي جَمِيعٗا ثُمَّ لَا تُنظِرُونِ ٥٥
Other than Him. So plot against me all together; then do not give me respite.
إِنِّي تَوَكَّلۡتُ عَلَى ٱللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمۚ مَّا مِن دَآبَّةٍ إِلَّا هُوَ ءَاخِذُۢ بِنَاصِيَتِهَآۚ إِنَّ رَبِّي عَلَىٰ صِرَٰطٖ مُّسۡتَقِيمٖ ٥٦
Indeed, I have relied upon Allāh, my Lord and your Lord. There is no creature but that He holds it by its forelock [i.e., controls it]. Indeed, my Lord is on a path [that is] straight.
فَإِن تَوَلَّوۡاْ فَقَدۡ أَبۡلَغۡتُكُم مَّآ أُرۡسِلۡتُ بِهِۦٓ إِلَيۡكُمۡۚ وَيَسۡتَخۡلِفُ رَبِّي قَوۡمًا غَيۡرَكُمۡ وَلَا تَضُرُّونَهُۥ شَيۡـًٔاۚ إِنَّ رَبِّي عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٍ حَفِيظٞ ٥٧
But if you turn away, then I have already conveyed that with which I was sent to you. My Lord will give succession to a people other than you, and you will not harm Him at all. Indeed my Lord is, over all things, Guardian."1
وَلَمَّا جَآءَ أَمۡرُنَا نَجَّيۡنَا هُودٗا وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُۥ بِرَحۡمَةٖ مِّنَّا وَنَجَّيۡنَٰهُم مِّنۡ عَذَابٍ غَلِيظٖ ٥٨
And when Our command came, We saved Hūd and those who believed with him, by mercy from Us; and We saved them from a harsh punishment.
وَتِلۡكَ عَادٞۖ جَحَدُواْ بِـَٔايَٰتِ رَبِّهِمۡ وَعَصَوۡاْ رُسُلَهُۥ وَٱتَّبَعُوٓاْ أَمۡرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٖ ٥٩
And that was ʿAad, who rejected the signs of their Lord and disobeyed His messengers and followed the order of every obstinate tyrant.
وَأُتۡبِعُواْ فِي هَٰذِهِ ٱلدُّنۡيَا لَعۡنَةٗ وَيَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِۗ أَلَآ إِنَّ عَادٗا كَفَرُواْ رَبَّهُمۡۗ أَلَا بُعۡدٗا لِّعَادٖ قَوۡمِ هُودٖ ٦٠
And they were [therefore] followed in this world with a curse and [as well] on the Day of Resurrection. Unquestionably, ʿAad denied their Lord; then away with ʿAad, the people of Hūd.
﴿وإلى عادٍ أخاهم هُودًا قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ إنْ أنْتُمْ إلّا مُفْتَرُونَ﴾ ﴿ياقَوْمِ لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى الَّذِي فَطَرَنِي أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ ﴿ويا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكم ثُمَّ تُوبُوا إلَيْهِ يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكم مِدْرارًا ويَزِدْكم قُوَّةً إلى قُوَّتِكم ولا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ﴾: ﴿وإلى عادٍ أخاهُمْ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿أرْسَلْنا نُوحًا إلى قَوْمِهِ﴾ [هود: ٢٥]، عَطَفَتِ الواوُ المَجْرُورَ عَلى المَجْرُورِ والمَنصُوبَ عَلى المَنصُوبِ، كَما يُعْطَفُ المَرْفُوعُ والمَنصُوبُ عَلى المَرْفُوعِ والمَنصُوبِ نَحْوَ: ضَرَبَ زَيْدٌ عَمْرًا وبَكْرٌ خالِدًا، ولَيْسَ مِن بابِ الفَصْلِ بِالجارِّ والمَجْرُورِ بَيْنَ حَرْفِ العَطْفِ والمَعْطُوفِ نَحْوَ: ضَرَبْتُ زَيْدًا وفي البَيْتِ عَمْرًا، فَيَجِيءُ مِنهُ الخِلافُ الَّذِي بَيْنَ النَّحْوِيِّينَ: هَلْ يَجُوزُ في الكَلامِ أوْ يَخْتَصُّ بِالشِّعْرِ ؟ وتَقْدِيرُ الكَلامِ: في هُودٍ وعادٍ وإخْوَتِهِ مِنهم في الأعْرافِ، وقِراءَةُ الكِسائِيِّ: (غَيْرِهِ) بِالخَفْضِ، وقِيلَ: ثَمَّ فِعْلٌ مَحْذُوفٌ أيْ: وأرْسَلْنا إلى عادٍ أخاهم، فَيَكُونُ إذْ ذاكَ مِن عَطْفِ الجُمَلِ، والأوَّلُ مِن عَطْفِ المُفْرَداتِ، وهَذا أقْرَبُ لِطُولِ الفَصْلِ بِالجُمَلِ الكَثِيرَةِ بَيْنَ المُتَعاطِفَيْنِ.
(وهُودًا): بَدَلٌ أوْ عَطْفُ بَيانٍ. وقَرَأ مُحَيْصِنٌ (يا قَوْمُ) بِضَمِّ المِيمِ كَقِراءَةِ حَفْصٍ: (قالَ رَبُّ احْكم بِالحَقِّ) بِالضَّمِّ، وهي لُغَةٌ في المُنادى المُضافِ حَكاها سِيبَوَيْهِ وغَيْرُهُ، وافْتِراؤُهم قالَ الحَسَنُ: في جَعْلِهِمُ الأُلُوهِيَّةَ لِغَيْرِ اللَّهِ تَعالى. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: بِاتِّخاذِكُمُ الأوْثانَ لَهُ شُرَكاءَ. والضَّمِيرُ في عَلَيْهِ عائِدٌ عَلى الدُّعاءِ إلى اللَّهِ، ونَبَّهَ بِقَوْلِهِ: ﴿الَّذِي فَطَرَنِي﴾، عَلى الرَّدِّ عَلَيْهِمْ في عِبادَتِهِمُ الأصْنامَ، واعْتِقادِهِمْ أنَّها تَفْعَلُ، وكَوْنِهِ تَعالى هو الفاطِرُ لِلْمَوْجُوداتِ يَسْتَحِقُّ إفْرادَهُ بِالعِبادَةِ.
و﴿أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ تَوْقِيفٌ عَلى اسْتِحالَةِ الأُلُوهِيَّةِ لِغَيْرِ الفاطِرِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ﴿أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ راجِعًا إلى أنَّهُ إذا لَمْ أطْلُبْ عَرَضًا مِنكم، وإنَّما أُرِيدُ نَفْعَكم فَيَجِبُ انْقِيادُكم لِما فِيهِ نَجاتُكم، كَأنَّهُ قِيلَ: ﴿أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ نَصِيحَةَ مَن لا يَطْلُبُ عَلَيْها أجْرًا إلّا مِنَ اللَّهِ تَعالى، وهو ثَوابُ الآخِرَةِ، ولا شَيْءَ أنْفى لِلتُّهْمَةِ مِن ذَلِكَ. وتَقَدَّمَ الكَلامُ في ﴿اسْتَغْفِرُوا رَبَّكم ثُمَّ تُوبُوا إلَيْهِ﴾ [هود: ٣] أوَّلَ هَذِهِ السُّورَةِ.
قَصَدَ هُودٌ اسْتِمالَتَهم إلى الإيمانِ وتَرْغِيبَهم فِيهِ بِكَثْرَةِ (p-٢٣٣)المَطَرِ وزِيادَةِ القُوَّةِ، لِأنَّهم كانُوا أصْحابَ زُورِعٍ وبَساتِينَ وعِماراتٍ حِراصًا عَلَيْها أشَدَّ الحِرْصِ، فَكانُوا أحْوَجَ شَيْءٍ إلى الماءِ، وكانُوا مُدْلِينَ بِما أُوتُوا مِن هَذِهِ القُوَّةِ والبَطْشِ والبَأْسِ مُهَيَّئِينَ في كُلِّ ناحِيَةٍ.
وقِيلَ: أرادَ القُوَّةَ في المالِ، وقِيلَ: في النِّكاحِ. قِيلَ: وحُبِسَ عَنْهُمُ المَطَرُ ثَلاثَ سِنِينَ، وعَقِمَتْ أرْحامُ نِسائِهِمْ. وقَدِ انْتَزَعَ الحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - مِن هَذا ومِن قَوْلِهِ: ﴿ويُمْدِدْكم بِأمْوالٍ وبَنِينَ﴾ [نوح: ١٢]، أنَّ كَثْرَةَ الِاسْتِغْفارِ قَدْ يَجْعَلُهُ اللَّهُ سَبَبًا لِكَثْرَةِ الوَلَدِ، وأجابَ مَن سَألَهُ وأخْبَرَهُ أنَّهُ ذُو مالٍ ولا يُولَدُ لَهُ بِالِاسْتِغْفارِ، فَأكْثَرَ مِن ذَلِكَ فَوُلِدَ لَهُ عَشْرُ بَنِينَ.
ورَوى أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ويَزِدْكم قُوَّةً إلى قُوَّتِكُمْ﴾: أنَّهُ الوَلَدُ ووَلَدُ الوَلَدِ.
وقالَ مُجاهِدٌ وابْنُ زَيْدٍ: في الجِسْمِ والبَأْسِ، وقالَ الضَّحّاكُ: خَصْبًا إلى خَصْبِكم، وقِيلَ: نِعْمَةً إلى نِعْمَتِهِ الأُولى عَلَيْكم، وقِيلَ: قُوَّةً في إيمانِكم إلى قُوَّةٍ في أبْدانِكم.
﴿قالُوا يا هُودُ ما جِئْتَنا بِبَيِّنَةٍ وما نَحْنُ بِتارِكِي آلِهَتِنا عَنْ قَوْلِكَ وما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ ﴿إنْ نَقُولُ إلّا اعْتَراكَ بَعْضُ آلِهَتِنا بِسُوءٍ قالَ إنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ واشْهَدُوا أنِّي بَرِيءٌ مِمّا تُشْرِكُونَ﴾ ﴿مِن دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لا تُنْظِرُونِي﴾ ﴿إنِّي تَوَكَّلْتُ عَلى اللَّهِ رَبِّي ورَبِّكم ما مِن دابَّةٍ إلّا هو آخِذٌ بِناصِيَتِها إنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ ﴿فَإنْ تَوَلَّوْا فَقَدْ أبْلَغْتُكم ما أُرْسِلْتُ بِهِ إلَيْكم ويَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْمًا غَيْرَكم ولا تَضُرُّونَهُ شَيْئًا إنَّ رَبِّي عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ﴾: بِبَيِّنَةٍ أوْ بِحُجَّةٍ واضِحَةٍ تَدُلُّ عَلى صِدْقِكَ، وقَدْ كَذَّبُوا في ذَلِكَ وبَهَتُوهُ كَما كَذَّبَتْ قُرَيْشٌ في قَوْلِهِمْ: ﴿لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِن رَبِّهِ﴾ [يونس: ٢٠] وقَدْ جاءَهم بِآياتٍ كَثِيرَةٍ، أوْ لِعَمائِهِمْ عَنِ الحَقِّ وعَدَمِ نَظَرِهِمْ في الآياتِ اعْتَقَدُوا ما هو آيَةٌ لَيْسَ بِآيَةٍ فَقالُوا: ما جِئْتَنا بِبَيِّنَةٍ تُلْجِئُنا إلى الإيمانِ، وإلّا فَهُودٌ وغَيْرُهُ مِنَ الأنْبِياءِ لَهم مُعْجِزاتٌ وإنْ لَمْ يُعَيِّنْ لَنا بَعْضَها.
ألا تَرى إلى قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: «ما مِن نَبِيٍّ إلّا وقَدْ أُوتِيَ مِنَ الآياتِ ما مِثْلُهُ آمَنَ عَلَيْهِ البَشَرُ» و(عَنْ) في: ﴿عَنْ قَوْلِكَ﴾ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في ﴿بِتارِكِي آلِهَتِنا﴾، كَأنَّهُ قِيلَ: صادِرِينَ عَنْ قَوْلِكَ، قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ. وقِيلَ: عَنْ لِلتَّعْلِيلِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إلّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وعَدَها إيّاهُ﴾ [التوبة: ١١٤] فَتَتَعَلَّقُ بِتارِكِي، كَأنَّهُ قِيلَ: لِقَوْلِكَ، وقَدْ أشارَ إلى التَّعْلِيلِ والسَّبَبِ فِيها ابْنُ عَطِيَّةَ، فَقالَ: أيْ: لا يَكُونُ قَوْلُكُ سَبَبًا لَتَرْكِنا، إذْ هو مُجَرَّدٌ عَنْ آيَةٍ، والجُمْلَةُ بَعْدَها تَأْكِيدٌ وتَقْنِيطٌ لَهُ مِن دُخُولِهِمْ في دِينِهِ، ثُمَّ نَسَبُوا ما صَدَرَ مِنهُ مِن دُعائِهِمْ إلى اللَّهِ وإفْرادِهِ بِالأُلُوهِيَّةِ إلى الخَبَلِ والجُنُونِ، وأنَّ ذَلِكَ مِمّا اعْتَراهُ بِهِ بَعْضُ آلِهَتِهِمْ لِكَوْنِهِ سَبَّها وحَرَّضَ عَلى تَرْكِها ودَعا إلى تَرْكِ عِبادَتِها، فَجَعَلَتْهُ يَتَكَلَّمُ مُكافَأةً بِما يَتَكَلَّمُ بِهِ المَجانِينُ، كَما قالَتْ قُرَيْشٌ ﴿مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ﴾ [الدخان: ١٤]، ﴿أمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ﴾ [المؤمنون: ٧٠] و﴿اعْتَراكَ﴾ جُمْلَةٌ مَحْكِيَّةٌ بِـ (نَقُولُ)، فَهي في مَوْضِعِ المَفْعُولِ، ودَلَّتْ عَلى بَلَهٍ شَدِيدٍ وجَهْلٍ مُفْرِطٍ، حَيْثُ اعْتَقَدُوا في حِجارَةٍ أنَّها تَنْتَصِرُ وتَنْتَقِمُ.
وقَوْلُ هُودٍ لَهم في جَوابِ ذَلِكَ: ﴿إنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ﴾ إلى آخِرِهِ، حَيْثُ تَبَرَّأ مِن آلِهَتِهِمْ، وحَرَّضَهم كُلَّهم مَعَ انْفِرادِهِ وحْدَهُ عَلى كَيْدِهِ بِما يَشاءُونَ، وعَدَمُ تَأخُّرِهِ مِن أعْظَمِ الآياتِ عَلى صِدْقِهِ وثِقَتِهِ بِمَوْعُودِ رَبِّهِ مِنَ النَّصْرِ لَهُ، والتَّأْيِيدِ والعِصْمَةِ مِن أنْ يَنالُوهُ بِمَكْرُوهٍ، هَذا وهْمُ حَرِيصُونَ عَلى قَتْلِهِ يَرْمُونَهُ عَنْ قَوْسٍ واحِدَةٍ. ومِثْلُهُ قَوْلُ نُوحٍ لِقَوْمِهِ: ﴿ثُمَّ اقْضُوا إلَيَّ ولا تُنْظِرُونِ﴾ [يونس: ٧١] وأكَّدَ بَراءَتَهُ مِن آلِهَتِهِمْ وشِرْكِهِمْ، ووَثَّقَها بِما جَرَتْ عَلَيْهِ عادَةُ النّاسِ مِن تَوْثِيقِهِمُ الأمْرَ بِشَهادَةِ اللَّهِ وشَهادَةِ العِبادِ.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): هَلّا قِيلَ: إنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وأُشْهِدُكم (قُلْتُ): لِأنَّ إشْهادَ اللَّهِ عَلى البَراءَةِ مِنَ الشِّرْكِ إشْهادٌ صَحِيحٌ ثابِتٌ في مَعْنى تَثْبِيتِ التَّوْحِيدِ، وأمّا إشْهادُهم فَما هو إلّا تَهاوُنٌ بِدِينِهِمْ ودِلالَةٌ عَلى قِلَّةِ المُبالاةِ بِهِمْ فَحَسْبُ، فَعُدِلَ بِهِ (p-٢٣٤)عَنْ لَفْظِ الأوَّلِ لِاخْتِلافِ ما بَيْنَهُما، وجِيءَ بِهِ عَلى لَفْظِ الأمْرِ بِالشَّهادَةِ، انْتَهى.
و﴿أنِّي بَرِيءٌ﴾ تَنازَعَ فِيهِ (أُشْهِدُ) و﴿اشْهَدُوا﴾ [آل عمران: ٦٤]، وقَدْ يَتَنازَعُ المُخْتَلِفانِ في التَّعَدِّي الِاسْمَ الَّذِي يَكُونُ صالِحًا لِأنْ يَعْمَلا فِيهِ تَقُولُ: أعْطَيْتُ زَيْدًا ووَهَبْتُ لِعَمْرٍو دِينارًا، كَما يَتَنازَعُ اللّازِمُ والمُتَعَدِّي نَحْوَ: قامَ وضَرَبْتُ زَيْدًا.
و(ما) في (مّا تُشْرِكُونَ) مَوْصُولَةٌ إمّا مَصْدَرِيَّةٌ وإمّا بِمَعْنى الَّذِي، أيْ: بَرِيءٌ مِن إشْراكِكم آلِهَةً مِن دُونِهِ، أوْ مِنَ الَّذِينَ تُشْرِكُونَ، و(جَمِيعًا) حالٌ مِن ضَمِيرِ (كِيدُونِي) الفاعِلِ، والخِطابُ إنَّما هو لِقَوْمِهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أنْتُمْ وآلِهَتُكم، انْتَهى. قِيلَ: ومُجاهَرَةُ هُودٍ عَلَيْهِ السَّلامُ لَهم بِالبَراءَةِ مِن أدْيانِهِمْ، وحَضُّهُ إيّاهم عَلى كَيْدِهِ هم وأصْنامُهم مُعْجِزَةٌ لِهُودٍ، أوْ حَرَّضَ جَماعَتَهم عَلَيْهِ مَعَ انْفِرادِهِ وقُوَّتِهِمْ وكَثْرَتِهِمْ، فَلَمْ يَقْدِرُوا عَلى نَيْلِهِ بِسُوءٍ، ثُمَّ ذَكَرَ تَوَكُّلَهُ عَلى اللَّهِ مُعْلِمًا أنَّهُ رَبُّهُ ورَبُّهم، ومُنَبِّهًا عَلى أنَّهُ مِن حَيْثُ هو رَبُّكم يَجِبُ عَلَيْكم أنْ لا تَعْبُدُوا إلّا إيّاهُ، ومُفَوِّضًا أمْرَهُ إلَيْهِ تَعالى ثِقَةً بِحِفْظِهِ وانِجازِ مَوْعُودِهِ، ثُمَّ وصَفَ قُدْرَةَ اللَّهِ تَعالى وعَظِيمَ مُلْكِهِ مِن كَوْنِ كُلِّ دابَّةٍ في قَبْضَتِهِ ومِلْكِهِ وتَحْتَ قَهْرِهِ وسُلْطانِهِ، فَأنْتُمْ مِن جُمْلَةِ أُولَئِكَ المَقْهُورِينَ.
وقَوْلُهُ: ﴿آخِذٌ بِناصِيَتِها﴾: تَمْثِيلٌ، إذْ كانَ القادِرُ المالِكُ يَقُودُ المَقْدُورَ عَلَيْهِ بِناصِيَتِهِ كَما يُقادُ الأسِيرُ والفَرَسُ بِناصِيَتِهِ، حَتّى صارَ الأخْذُ بِالنّاصِيَةِ عُرْفًا في القُدْرَةِ عَلى الحَيَوانِ، وكانَتِ العَرَبُ تَجُزُّ: ناصِيَةَ الأسِيرِ المَمْنُونِ عَلَيْهِ عَلامَةَ أنَّهُ قَدْ قُدِرَ عَلَيْهِ وقُبِضَ عَلى ناصِيَتِهِ. قالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: وخَصَّ النّاصِيَةَ لِأنَّ العَرَبَ إذا وصَفَتْ إنْسانًا بِالذِّلَّةِ والخُضُوعِ قالَتْ: ما ناصِيَةُ فُلانٍ إلّا بِيَدِ فُلانٍ، أيْ: أنَّهُ مُطِيعٌ لَهُ يُصَرِّفُهُ كَيْفَ يَشاءُ، ثُمَّ أخْبَرَ أنَّ أفْعالَهُ تَعالى في غايَةِ الإحْكامِ، وعَلى طَرِيقِ الحَقِّ والعَدْلِ في مُلْكِهِ، لا يَفُوتُهُ ظالِمٌ ولا يَضِيعُ عِنْدَهُ مَن تَوَكَّلَ عَلَيْهِ، قَوْلُهُ الصِّدْقُ ووَعْدُهُ الحَقُّ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿فَإنْ تَوَلَّوْا﴾، أيْ: تَتَوَلَّوْا مُضارِعُ تَوَلّى. وقَرَأ الأعْرَجُ و عِيسى الثَّقَفِيُّ: تُوَلُّوا بِضَمِّ التّاءِ واللّامِ مُضارِعُ ولّى، وقِيلَ: تَوَلَّوْا ماضٍ ويَحْتاجُ في الجَوابِ إلى إضْمارِ قَوْلٍ، أيْ: فَقُلْ لَهم فَقَدْ أبْلَغْتُكم، ولا حاجَةَ تَدْعُو إلى جَعْلِهِ ماضِيًا وإضْمارِ القَوْلِ.
وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ (تَوَلَّوْا) فِعْلًا ماضِيًا، ويَكُونُ في الكَلامِ رُجُوعٌ مِن غَيْبَةٍ إلى خِطابٍ، أيْ: فَقَدْ أبْلَغْتُكم، انْتَهى. فَلا يَحْتاجُ إلى إضْمارٍ، والظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ في تَوَلَّوْا عائِدٌ عَلى قَوْمِ هُودٍ، وخِطابٌ لَهم مِن تَمامِ الجَمَلِ المَقُولَةِ قَبْلُ. وقالَ التَّبْرِيزِيُّ: هو عائِدٌ عَلى كَفّارِ قُرَيْشٍ، وهو مِن تَلْوِينِ الخِطابِ، انْتَقَلَ مِن خِطابِ قَوْمِ هُودٍ إلى الإخْبارِ عَمَّنْ بِحَضْرَةِ الرَّسُولِ ﷺ وكَأنَّهُ قِيلَ: أخْبِرْهم عَنْ قِصَّةِ قَوْمِ هُودٍ، وادْعُهم إلى الإيمانِ بِاللَّهِ لِئَلّا يُصِيبَهم كَما أصابَ قَوْمَ هُودٍ، فَإنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ لَهم: قَدْ أبْلَغْتُكم.
وجَوابُ الشَّرْطِ هو قَوْلُهُ: ﴿فَقَدْ أبْلَغْتُكُمْ﴾، وصَحَّ أنْ يَكُونَ جَوابًا، لِأنَّ في إبْلاغِهِ إلَيْهِمْ رِسالَتَهُ تَضَمُّنُ ما يَحُلُّ بِهِمْ مِنَ العَذابِ المُسْتَأْصِلِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: فَإنْ تَتَوَلَّوُا اسْتُؤْصِلْتُمْ بِالعَذابِ. ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ الجُمْلَةُ الخَبَرِيَّةُ وهي قَوْلُهُ: ﴿ويَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْمًا غَيْرَكُمْ﴾ .
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): الإبْلاغُ كانَ قَبْلَ التَّوَلِّي، فَكَيْفَ وقَعَ جَزاءً لِلشَّرْطِ ؟ (قُلْتُ): مَعْناهُ: فَإنْ تَوَلَّوْا لَمْ أُعاقِبْ عَلى تَفْرِيطٍ في الإبْلاغِ، فَإنَّ ما أُرْسِلْتُ بِهِ إلَيْكم قَدْ بَلَغَكم فَأبَيْتُمْ إلّا تَكْذِيبَ الرِّسالَةِ وعَداوَةَ الرَّسُولِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: المَعْنى أنَّهُ ما عَلَيَّ كَبِيرُ هَمٍّ مِنكم إنْ تَوَلَّيْتُمْ فَقَدْ بَرِئَتْ ساحَتِي بِالتَّبْلِيغِ، وأنْتُمْ أصْحابُ الذَّنْبِ في الإعْراضِ عَنِ الإيمانِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (ويَسْتَخْلِفُ) بِضَمِّ الفاءِ عَلى مَعْنى الخَبَرِ المُسْتَأْنَفِ، أيْ: يُهْلِكُكم ويَجِيءُ بِقَوْمٍ آخَرِينَ يَخْلُفُونَكم في دِيارِكم وأمْوالِكم. وقَرَأ حَفْصٌ في رِوايَةِ هُبَيْرَةَ: بِجَزْمِها عَطْفًا عَلى مَوْضِعِ الجَزاءِ، وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ كَذَلِكَ وبِجَزْمِ ﴿ولا تَضُرُّوهُ﴾ [التوبة: ٣٩]، وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ولا تَضُرُّونَهُ﴾، أيْ: شَيْئًا مِنَ الضَّرَرِ بِتَوْلِيَتِكم، لِأنَّهُ تَعالى لا تَجُوزُ عَلَيْهِ المَضارُّ والمَنافِعُ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: يُحْتَمَلُ مِنَ المَعْنى وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: ولا تَضُرُّونَهُ بِذَهابِكم وهَلاكِكم شَيْئًا، أيْ: لا يَنْقُصُ مُلْكُهُ ولا يَخْتَلُّ أمْرُهُ، وعَلى هَذا (p-٢٣٥)المَعْنى قَرَأ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ ولا تَنْقُصُونَهُ شَيْئًا. والمَعْنى الآخَرُ: ولا تَضُرُّونَهُ، أيْ: ولا تَقْدِرُونَ إذا أهْلَكَكم عَلى إضْرارِهِ بِشَيْءٍ، ولا عَلى انْتِصارٍ مِنهُ، ولا تُقابِلُونَ فِعْلَهُ بِشَيْءٍ يَضُرُّهُ، انْتَهى.
وهَذا فِعْلٌ مَنفِيٌّ ومَدْلُولُهُ نَكِرَةٌ، فَيَنْتَفِي جَمِيعُ وُجُوهِ الضَّرَرِ، ولا يَتَعَيَّنُ واحِدٌ مِنها. ومَعْنى (حَفِيظٌ): رَقِيبٌ مُحِيطٌ بِالأشْياءِ عِلْمًا لا يَخْفى عَلَيْهِ أعْمالُكم، ولا يَغْفُلُ عَنْ مُؤاخَذَتِكم، وهو يَحْفَظُنِي مِمّا تَكِيدُونَنِي بِهِ.
﴿ولَمّا جاءَ أمْرُنا نَجَّيْنا هُودًا والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنّا ونَجَّيْناهم مِن عَذابٍ غَلِيظٍ﴾ ﴿وتِلْكَ عادٌ جَحَدُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ وعَصَوْا رُسُلَهُ واتَّبَعُوا أمْرَ كُلِّ جَبّارٍ عَنِيدٍ﴾ ﴿وأُتْبِعُوا في هَذِهِ الدُّنْيا لَعْنَةً ويَوْمَ القِيامَةِ ألا إنَّ عادًا كَفَرُوا رَبَّهم ألا بُعْدًا لِعادٍ قَوْمِ هُودٍ﴾: الأمْرُ: واحِدُ الأُمُورِ، فَيَكُونُ كِنايَةً عَنِ العَذابِ، أوْ عَنِ القَضاءِ بِهَلاكِهِمْ. أوْ مَصْدَرُ أمَرَ، أيْ: أمْرُنا لِلرِّيحِ أوْ لِخَزَنَتِها.
﴿والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ﴾: قِيلَ: كانُوا أرْبَعَةَ آلافٍ، قِيلَ: ثَلاثَةُ آلافٍ.
والظّاهِرُ تَعَلُّقٌ بِرَحْمَةٍ مِنّا بِقَوْلِهِ: (نَجَّيْنا) أيْ: نَجَّيْناهم بِمُجَرَّدِ رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لَحِقَتْهم، لا بِأعْمالِهِمُ الصّالِحَةِ. أوْ كَنّى بِالرَّحْمَةِ عَنْ أعْمالِهِمُ الصّالِحَةِ، إذْ تَوْفِيقُهم لَها إنَّما هو بِسَبَبِ رَحْمَتِهِ تَعالى إيّاهم. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِآمَنُوا، أيْ: إنَّ إيمانَهم بِاللَّهِ وبِتَصْدِيقِ رَسُولِهِ إنَّما هو بِرَحْمَةِ اللَّهِ تَعالى إيّاهم، إذْ وفَّقَهم لِذَلِكَ. وتَكَرَّرَتِ التَّنْجِيَةُ عَلى سَبِيلِ التَّوْكِيدِ، ولِقَلَقِ مَن لَوْ لاصَقَتْ مِنّا فَأُعِيدَتِ التَّنْجِيَةُ وهي الأُولى، أوْ تَكُونُ هَذِهِ النَّتِيجَةُ هي مِن عَذابِ الآخِرَةِ ولا عَذابَ أغْلَظُ مِنهُ، فَأُعِيدَتْ لِأجْلِ اخْتِلافِ مُتَعَلِّقَيْها. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): فَما مَعْنى تَكْرِيرِ التَّنْجِيَةِ ؟ (قُلْتُ): ذَكَرَ أوَّلًا أنَّهُ حِينَ أهْلَكَ عَدُوَّهم نَجّاهم، ثُمَّ قالَ: ﴿ونَجَّيْناهم مِن عَذابٍ غَلِيظٍ﴾ عَلى مَعْنى: وكانَتِ التَّنْجِيَةُ مِن عَذابٍ غَلِيظٍ، قالَ: وذَلِكَ أنَّ اللَّهَ عَزَّ وعَلا بَعَثَ عَلَيْهِمُ السَّمُومَ، فَكانَتْ تَدْخُلُ في أُنُوفِهِمْ وتَخْرُجُ مِن أدْبارِهِمْ، وتُقَطِّعُهم عُضْوًا عُضْوًا، انْتَهى.
وهَذا قالَهُ الزَّجّاجُ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: وكانَتِ النَّجاةُ المُتَقَدِّمَةُ مِن عَذابٍ غَلِيظٍ يُرِيدُ: الرِّيحَ، فَيَكُونُ المَقْصُودُ عَلى هَذا: تَعْدِيدُ النِّعْمَةِ، والمَشْهُورُ في عَذابِهِمْ بِالرِّيحِ: أنَّها كانَتْ تَحْمِلُهم وتَهْدِمُ مَساكِنَهم وتَنْسِفُها، وتَحْمِلُ الظَّعِينَةَ كَما هي، ونَحْوَ هَذا.
و(تِلْكَ عادٌ): إشارَةٌ إلى قُبُورِهِمْ وآثارِهِمْ كَأنَّهُ قالَ: ﴿فَسِيحُوا في الأرْضِ﴾ [التوبة: ٢]: فانْظُرُوا إلَيْها واعْتَبِرُوا، ثُمَّ اسْتَأْنَفَ الأخْبارَ عَنْهم فَقالَ: ﴿جَحَدُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ﴾ أيْ: أنْكَرُوها. وأضافَ الآياتِ إلى رَبِّهِمْ تَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ مالِكُهم ومُرَبِّيهِمْ، فَأنْكَرُوا آياتِهِ، والواجِبُ إقْرارُهم بِها. وأصْلُ جَحَدَ أنْ يَتَعَدّى بِنَفْسِهِ، لَكِنَّهُ أُجْرِيَ مَجْرى كَفَرَ فَعُدِّيَ بِالباءِ، كَما عُدِّيَ كَفَرَ بِنَفْسِهِ في قَوْلِهِ: ﴿ألا إنَّ عادًا كَفَرُوا رَبَّهُمْ﴾، إجْراءً لَهُ مَجْرى جَحَدَ.
وقِيلَ: كَفَرَ كَشَكَرَ يَتَعَدّى تارَةً بِنَفْسِهِ، وتارَةً بِحَرْفِ جَرٍّ.
﴿وعَصَوْا رُسُلَهُ﴾ قِيلَ: عَصَوْا هُودًا والرُّسُلَ الَّذِينَ كانُوا مِن قَبْلِهِ، وقِيلَ: يُنَزَّلُ تَكْذِيبُ الرَّسُولِ الواحِدِ مَنزِلَةَ تَكْذِيبِ الرُّسُلِ، لِأنَّهم كُلَّهم مُجْمِعُونَ عَلى الإيمانِ بِاللَّهِ والإقْرارِ بِرُبُوبِيَّتِهِ كَقَوْلِهِ: ﴿لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أحَدٍ مِن رُسُلِهِ﴾ [البقرة: ٢٨٥] (واتَّبَعُوا) أيِ: اتَّبَعَ سُقّاطُهم أمْرَ رُؤَسائِهِمْ وكُبَرائِهِمْ، والمَعْنى: أنَّهم أطاعُوهم فِيما أمَرُوهم بِهِ.
قالَ الكَلْبِيُّ: الجَبّارُ: هو الَّذِي يَقْتُلُ عَلى الغَضَبِ، ويُعاقِبُ عَلى المَعْصِيَةِ، وقالَ الزَّجّاجُ: هو الَّذِي يُجْبِرُ النّاسَ عَلى ما يُرِيدُ. وذَكَرَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: أنَّهُ العَظِيمُ في نَفْسِهِ، المُتَكَبِّرُ عَلى العِبادِ.
والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: (واتَّبَعُوا): عامٌّ في جَمِيعِ عادٍ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لَمّا كانُوا تابِعِينَ لَهُ دُونَ الرُّسُلِ، جُعِلَتِ اللَّعْنَةُ تابِعَةً لَهم في الدّارَيْنِ تَكُبُّهم عَلى وُجُوهِهِمْ في عَذابِ اللَّهِ، انْتَهى.
(p-٢٣٦)فَظاهِرُ كَلامِهِ يَدُلُّ عَلى أنَّ اللَّعْنَةَ مُخْتَصَّةٌ بِالتّابِعِينَ لِلرُّؤَساءِ، ونَبَّهَ عَلى عِلَّةِ اتِّباعِ اللَّعْنَةِ لَهم في الدّارَيْنِ: بِأنَّهم كَفَرُوا رَبَّهم، فالكُفْرُ هو المُوجِبُ لِلَّعْنَةِ. ثُمَّ كَرَّرَ التَّنْبِيهَ بِقَوْلِهِ: ألا في الدُّعاءِ عَلَيْهِمْ تَهْوِيلًا لِأمْرِهِمْ، وتَفْظِيعًا لَهُ، وبَعْثًا عَلى الِاعْتِبارِ بِهِمْ والحَذَرِ مِن مِثْلِ حالِهِمْ.
وفائِدَةُ قَوْلِهِ: قَوْمِ هُودٍ: مَزِيدُ التَّأْكِيدِ لِلْمُبالَغَةِ في التَّنْصِيصِ، أوْ تَعْيِينُ عادٍ هَذِهِ مِن عادِ إرَمَ، لِأنَّ عادًا اثْنانِ ولِذَلِكَ قالَ تَعالى: ﴿وأنَّهُ أهْلَكَ عادًا الأُولى﴾ [النجم: ٥٠]، فَتَحَقَّقَ أنَّ الدُّعاءَ عَلى عادٍ هَذِهِ، ولَمْ تَلْتَبِسْ بِغَيْرِها.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences