Abu HayyanHud · 11:77–83

Abu Hayyan · Tafsir · in Arabic

Hud 11:77–83

11:77–80Page 230

وَلَمَّا جَآءَتۡ رُسُلُنَا لُوطٗا سِيٓءَ بِهِمۡ وَضَاقَ بِهِمۡ ذَرۡعٗا وَقَالَ هَٰذَا يَوۡمٌ عَصِيبٞ ٧٧

And when Our messengers, [the angels], came to Lot, he was anguished for them and felt for them great discomfort1 and said, "This is a trying day."

وَجَآءَهُۥ قَوۡمُهُۥ يُهۡرَعُونَ إِلَيۡهِ وَمِن قَبۡلُ كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ٱلسَّيِّـَٔاتِۚ قَالَ يَٰقَوۡمِ هَٰٓؤُلَآءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطۡهَرُ لَكُمۡۖ فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَلَا تُخۡزُونِ فِي ضَيۡفِيٓۖ أَلَيۡسَ مِنكُمۡ رَجُلٞ رَّشِيدٞ ٧٨

And his people came hastening to him, and before [this] they had been doing evil deeds.1 He said, "O my people, these are my daughters;2 they are purer for you. So fear Allāh and do not disgrace me concerning my guests. Is there not among you a man of reason?"

قَالُواْ لَقَدۡ عَلِمۡتَ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنۡ حَقّٖ وَإِنَّكَ لَتَعۡلَمُ مَا نُرِيدُ ٧٩

They said, "You have already known that we have not concerning your daughters [i.e., women] any claim [i.e., desire], and indeed, you know what we want."

قَالَ لَوۡ أَنَّ لِي بِكُمۡ قُوَّةً أَوۡ ءَاوِيٓ إِلَىٰ رُكۡنٖ شَدِيدٖ ٨٠

He said, "If only I had against you some power or could take refuge in a strong support."

(p-٢٤٦)﴿ولَمّا جاءَتْ رُسُلُنا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وضاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وقالَ هَذا يَوْمٌ عَصِيبٌ﴾ ﴿وجاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إلَيْهِ ومِن قَبْلُ كانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ قالَ ياقَوْمِ هَؤُلاءِ بَناتِي هُنَّ أطْهَرُ لَكم فاتَّقُوا اللَّهَ ولا تُخْزُونِي في ضَيْفِي ألَيْسَ مِنكم رَجُلٌ رَشِيدٌ﴾ ﴿قالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ ما لَنا في بَناتِكَ مِن حَقٍّ وإنَّكَ لَتَعْلَمُ ما نُرِيدُ﴾ ﴿قالَ لَوْ أنَّ لِي بِكم قُوَّةً أوْ آوِي إلى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾ خَرَجَتِ المَلائِكَةُ مِن قَرْيَةِ إبْراهِيمَ إلى قَرْيَةِ لُوطٍ وبَيْنَهُما قِيلَ: ثَمانِيَةُ أمْيالٍ. وقِيلَ: أرْبَعَةُ فَراسِخَ، فَأتَوْها عِشاءً. وقِيلَ: نِصْفَ النَّهارِ، ووَجَدُوا لُوطًا في حَرْثٍ لَهُ. وقِيلَ: وجَدُوا ابْنَتَهُ تَسْتَقِي ماءً في نَهْرِ سَدُومَ، وهي أكْبَرُ حَواضِرَ قَوْمِ لُوطٍ، فَسَألُوها الدِّلالَةَ عَلى مَن يُضَيِّفُهم، ورَأتْ هَيْئَتَهم فَخافَتْ عَلَيْهِمْ مِن قَوْمِ لُوطٍ وقالَتْ لَهم: مَكانَكم، وذَهَبَتْ إلى أبِيها فَأخْبَرَتْهُ، فَخَرَجَ إلَيْهِمْ فَقالُوا: إنّا نُرِيدُ أنْ تُضَيِّفَنا اللَّيْلَةَ فَقالَ لَهم: أوَ ما سَمِعْتُمْ بِعَمَلِ هَؤُلاءِ القَوْمِ ؟ فَقالُوا: وما عَمَلُهم ؟ فَقالَ: أشْهَدُ بِاللَّهِ أنَّهم شَرُّ قَوْمٍ في الأرْضِ، وقَدْ كانَ اللَّهُ قالَ لِلْمَلائِكَةِ: لا تُعَذِّبُوهم حَتّى يَشْهَدَ عَلَيْهِمْ لُوطٌ أرْبَعَ شَهاداتٍ، فَلَمّا قالَ هَذِهِ قالَ جِبْرِيلُ: هَذِهِ واحِدَةٌ، وتَرَدَّدَ القَوْلُ مِنهم حَتّى كَرَّرَ لُوطٌ الشَّهادَةَ أرْبَعَ مَرّاتٍ، ثُمَّ دَخَلَ لُوطٌ المَدِينَةَ فَحِينَئِذٍ سِيءَ بِهِمْ، أيْ: لَحِقَهُ سُوءٌ بِسَبَبِهِمْ، وضاقَ ذَرْعُهُ بِهِمْ، وقالَ: ﴿هَذا يَوْمٌ عَصِيبٌ﴾، أيْ: شَدِيدٌ، لِما كانَ يَتَخَوَّفُهُ مِن تَعَدِّي قَوْمِهِ عَلى أضْيافِهِ.

﴿وجاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إلَيْهِ﴾، لَمّا جاءَ لُوطٌ بِضَيْفِهِ لَمْ يَعْلَمْ بِذَلِكَ أحَدٌ إلّا أهْلُ بَيْتِهِ، فَخَرَجَتِ امْرَأتُهُ حَتّى أتَتْ مَجالِسَ قَوْمِها فَقالَتْ: إنَّ لُوطًا قَدْ أضافَ اللَّيْلَةَ فَتْيَةً ما رُئِيَ مِثْلُهم جَمالًا وكَذا وكَذا، فَحِينَئِذٍ جاءُوا يُهْرَعُونَ، أيْ: يُسْرِعُونَ، كَما يَدْفَعُونَ دَفْعًا فِعْلَ الطّامِعِ الخائِفِ فَوْتَ ما يَطْلُبُهُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (يُهْرَعُونَ) مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ مِن أهْرَعَ، أيْ: يُهْرِعُهُمُ الطَّمَعُ. وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: (يَهْرَعُونَ) بِفَتْحِ الياءِ مِن هَرَعَ. وقالَ مُهَلْهَلٌ:

؎فَجاءُوا يَهْرَعُونَ وهم أُسارى يَقُودُهم عَلى رَغْمِ الأُنُوفِ

﴿ومِن قَبْلُ كانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ﴾، أيْ: كانَ ذَلِكَ دَيْدَنَهم وعادَتَهم، أصَرُّوا عَلى ذَلِكَ ومَرَنُوا عَلَيْهِ، فَلَيْسَ ذَلِكَ بِأوَّلِ إنْشاءِ هَذِهِ المَعْصِيَةِ، جاءُوا يَهْرَعُونَ لا يَكُفُّهم حَياءٌ لِضَراوَتِهِمْ عَلَيْها، والتَّقْدِيرُ في (ومِن قَبْلُ)، أيْ: مِن قَبْلِ مَجِيئِهِمْ إلى هَؤُلاءِ الأضْيافِ وطَلَبِهِمْ إيّاهم.

وقِيلَ: ومِن قَبْلِ بَعْثِ لُوطٍ رَسُولًا إلَيْهِمْ. وجُمِعَتِ السَّيِّئاتُ وإنْ كانَ المُرادُ بِها مَعْصِيَةَ إتْيانِ الذُّكُورِ، إمّا بِاعْتِبارِ فاعِلِيها أوْ بِاعْتِبارِ تَكَرُّرِها. وقِيلَ: كانَتْ سَيِّئاتٍ كَثِيرَةً بِاخْتِلافِ أنْواعِها، مِنها إتْيانُ الذُّكُورِ، وإتْيانُ النِّساءِ في غَيْرِ المَأْتِيِّ، وحَذْفُ الحَصا والحَيْقُ في المَجالِسِ والأسْواقِ، والمُكاءُ والصَّفِيرُ واللَّعِبُ بِالحَمامِ والقِمارُ، والِاسْتِهْزاءُ بِالنّاسِ في الطُّرُقاتِ، ووَضْعُ دِرْهَمٍ عَلى الأرْضِ وهم بَعِيدُونَ مِنهُ فَمَن أخَذَهُ صاحُوا عَلَيْهِ وخَجِلُوهُ، وإنْ أخَذَهُ صَبِيٌّ تابَعُوهُ وراوَدُوهُ.

﴿هَؤُلاءِ بَناتِي﴾: الأحْسَنُ أنْ تَكُونَ الإضافَةُ مَجازِيَّةً، أيْ: بَناتُ قَوْمِي، أيِ: البَناتُ أطْهَرُ لَكم، إذِ النَّبِيُّ يَتَنَزَّلُ مَنزِلَةَ الأبِ لِقَوْمِهِ. وفي قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ: (النَّبِيُّ أوْلى بِالمُؤْمِنِينَ مِن أنْفُسِهِمْ وأزْواجُهُ أُمَّهاتُهم وهو أبٌ لَهم) ويَدُلُّ عَلَيْهِ أنَّهُ فِيما قِيلَ: لَمْ يَكُنْ لَهُ إلّا بِنْتانِ، وهَذا بِلَفْظِ الجَمْعِ.

وأيْضًا فَلا يُمْكِنُ أنْ يُزَوِّجَ ابْنَتَيْهِ مِن جَمِيعِ قَوْمِهِ. وقِيلَ: أشارَ إلى بَناتِ نَفْسِهِ ونَدَبَهم إلى النِّكاحِ، إذْ كانَ مِن سُنَّتِهِمُ تَزْوِيجُ المُؤْمِنَةِ بِالكافِرِ. أوْ عَلى أنَّ في ضِمْنِ كَلامِهِ أنْ يُؤْمِنُوا. وقِيلَ: كانَ لَهم سَيِّدانِ مُطاعانِ فَأرادَ أنْ يُزَوِّجَهُما ابْنَتَيْهِ زَغُورا وزَيْتا. وقِيلَ: كُنَّ ثَلاثًا.

ومَعْنى أطْهَرُ: أنْظَفُ فِعْلًا. وقِيلَ: أحَلُّ وأطْهَرُ بَيْتًا لَيْسَ أفْعَلَ التَّفْضِيلِ، إذْ لا طَهارَةَ في إتْيانِ الذُّكُورِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (أطْهَرُ) بِالرَّفْعِ (p-٢٤٧)والأحْسَنُ في الإعْرابِ أنْ يَكُونَ جُمْلَتانِ كُلٌّ مِنهُما مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ. وجُوِّزَ في (بَناتِي) أنْ يَكُونَ بَدَلًا أوْ عَطْفَ بَيانٍ، و(هُنَّ) فَصْلٌ و(أطْهَرُ) الخَبَرُ. وقَرَأ الحَسَنُ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، وعِيسى بْنُ عُمَرَ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، ومُحَمَّدُ بْنُ مَرْوانَ السُّدِّيُّ: (أطْهَرَ) بِالنَّصْبِ.

وقالَ سِيبَوَيْهِ: هو لَحْنٌ. وقالَ أبُو عَمْرِو بْنُ العَلاءِ: احْتَبى فِيهِ ابْنُ مَرْوانَ في لَحْنِهِ يَعْنِي: تَرَبَّعَ. ورُوِيَتْ هَذِهِ القِراءَةُ عَنْ مَرْوانَ بْنِ الحَكَمِ، وخُرِّجَتْ هَذِهِ القِراءَةُ عَلى أنَّ نَصْبَ أطْهَرَ عَلى الحالِ. فَقِيلَ: (هَؤُلاءِ): مُبْتَدَأٌ، و﴿بَناتِي هُنَّ﴾: مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ في مَوْضِعِ خَبَرِ (هَؤُلاءِ)، ورُوِيَ هَذا عَنِ المُبَرِّدِ. وقِيلَ: ﴿هَؤُلاءِ بَناتِي﴾: مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ، و(هُنَّ): مُبْتَدَأٌ و(لَكم): خَبَرُهُ، والعامِلُ قِيلَ: المُضْمَرُ. وقِيلَ: لَكم بِما فِيهِ مِن مَعْنى الِاسْتِقْرارِ. وقِيلَ: ﴿هَؤُلاءِ بَناتِي﴾: مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ و(هُنَّ): فَصْلٌ، و(أطْهَرَ): حالٌ. ورُدَّ بِأنَّ الفَصْلَ لا يَقَعُ إلّا بَيْنَ جُزْأيِ الجُمْلَةِ، ولا يَقَعُ بَيْنَ الحالِ وذِي الحالِ.

وقَدْ أجازَ ذَلِكَ بَعْضُهم وادَّعى السَّماعَ فِيهِ عَنِ العَرَبِ، لَكِنَّهُ قَلِيلٌ. ثُمَّ أمَرَهم بِتَقْوى اللَّهِ في أنْ يُؤْثِرُوا البَناتِ عَلى الأضْيافِ. و(لا تُخْزُونِي): يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِنَ الخِزْيِ وهو: الفَضِيحَةُ، أوْ مِنَ الخَزايَةِ وهو: الِاسْتِحْياءُ، لِأنَّهُ إذا خُزِيَ ضَيْفُ الرَّجُلِ أوْ جارُهُ فَقَدْ خُزِيَ هو، وذَلِكَ مِن عَراقَةِ الكَرَمِ وأصْلِ المُرُوءَةَ، ألَيْسَ مِنكم رَجُلٌ يَهْتَدِي إلى سَبِيلِ الحَقِّ، وفِعْلِ الجَمِيلِ، والكَفِّ عَنِ السُّوءِ ؟ وفي ذَلِكَ تَوْبِيخٌ عَظِيمٌ لَهم، حَيْثُ لَمْ يَكُنْ مِنهم رَشِيدٌ البَتَّةَ.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: رَشِيدٌ: مُؤْمِنٌ. وقالَ أبُو مالِكٍ: ناهٍ عَنِ المُنْكَرِ. ورَشِيدٌ: ذُو رُشْدٍ، أوْ مُرْشِدٌ كالحَكِيمِ بِمَعْنى: المُحْكَمُ، والظّاهِرُ أنَّ مَعْنى ﴿مِن حَقٍّ﴾: مِن نَصِيبٍ، ولا مِن غَرَضٍ ولا مِن شَهْوَةٍ، قالُوا لَهُ ذَلِكَ عَلى وجْهِ الخَلاعَةِ. وقِيلَ: مِن حَقٍّ لِأنَّكَ لا تَرى مِنّا كُحَّتَنا، لِأنَّهم كانُوا خَطَبُوا بَناتَهُ فَرَدَّهم، وكانَتْ سُنَّتُهم أنَّ مَن رُدَّ في خِطْبَةِ امْرَأةٍ لَمْ تَحِلَّ لَهُ أبَدًا.

وقِيلَ: لَمّا اتَّخَذُوا إتْيانَ الذُّكْرانِ مَذْهَبًا كانَ عِنْدَهم أنَّهُ هو الحَقُّ، وإنَّ نِكاحَ الإناثِ مِنَ الباطِلِ. وقِيلَ: لِأنَّ عادَتَهم كانَتْ أنْ لا يَتَزَوَّجَ الرَّجُلُ مِنهم إلّا واحِدَةً، وكانُوا كُلُّهم مُتَزَوِّجِينَ.

﴿وإنَّكَ لَتَعْلَمُ ما نُرِيدُ﴾ يَعْنِي: مِن إتْيانِ الذُّكُورِ، ومالَهم فِيهِ مِنَ الشَّهْوَةِ. قالَ: ﴿لَوْ أنَّ لِي بِكم قُوَّةً﴾: قالَ ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ التَّفَجُّعِ. وجَوابُ لَوْ مَحْذُوفٌ كَما حُذِفَ في: ﴿ولَوْ أنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الجِبالُ﴾ [الرعد: ٣١] وتَقْدِيرُهُ: لَفَعَلْتُ بِكم وصَنَعْتُ، والمَعْنى في ﴿إلى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾ مَن يَسْتَنِدُ إلَيْهِ ويَمْتَنِعُ بِهِ مِن عَشِيرَتِهِ، شَبَّهَ الَّذِي يَمْتَنِعُ بِهِ بِالرُّكْنِ مِنَ الجَبَلِ في شِدَّتِهِ ومَنَعَتِهِ، وكَأنَّهُ امْتَنَعَ عَلَيْهِ أنْ يَنْتَصِرَ ويَمْتَنِعَ بِنَفْسِهِ أوْ بِغَيْرِهِ مِمّا يُمْكِنُ أنْ يَسْتَنِدَ إلَيْهِ.

وقالَ الحَوْفِيُّ وأبُو البَقاءِ: ﴿أوْ آوِي﴾: عَطْفٌ عَلى المَعْنى تَقْدِيرُهُ: أوْ أنِّي آوِي. والظّاهِرُ أنَّ أوْ عَطَفَ جُمْلَةً فِعْلِيَّةً، عَلى جُمْلَةٍ فِعْلِيَّةٍ إنْ قَدَّرْتَ أنِّي في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى الفاعِلِيَّةِ عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ المُبَرِّدُ، أيْ: لَوْ ثَبَتَ أنَّ لِي بِكم قُوَّةً أوْ آوِي. ويَكُونُ المُضارِعُ المُقَدَّرُ وآوِي هَذا وقَعا مَوْقِعَ الماضِي، ولَوِ الَّتِي هي حَرْفٌ لِما كانَ سَيَقَعُ لِوُقُوعِ غَيْرِهِ نَقَلَتِ المُضارِعَ إلى الماضِي، وإنْ قَدَّرْتَ أنَّ وما بَعْدَها جُمْلَةً اسْمِيَّةً عَلى مَذْهَبِ سِيبَوَيْهِ، فَهي عَطْفٌ عَلَيْها مِن حَيْثُ أنَّ لَوْ تَأْتِي بَعْدَها الجُمْلَةُ المُقَدَّرَةُ اسْمِيَّةً، إذا كانَ الَّذِي يَنْسَبِكُ إلَيْها أنَّ ومَعْمُولاها.

وقالَ أبُو البَقاءِ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ﴿أوْ آوِي﴾: مُسْتَأْنَفًا، انْتَهى. ويَجُوزُ عَلى رَأْيِ الكُوفِيِّينَ أنْ تَكُونَ أوْ بِمَعْنى: بَلْ، ويَكُونُ قَدْ أضْرَبَ عَنِ الجُمْلَةِ السّابِقَةِ وقالَ: بَلْ آوِي في حالِي مَعَكم إلى رُكْنٍ شَدِيدٍ، وكَنّى بِهِ عَنْ جَنابِ اللَّهِ تَعالى.

وقَرَأ شَيْبَةُ وأبُو جَعْفَرٍ: ﴿أوْ آوِي﴾ بِنَصْبِ الياءِ بِإضْمارِ أنْ بَعْدَ أوْ، فَتَتَقَدَّرُ بِالمَصْدَرِ عَطْفًا عَلى قَوْلِهِ: (قُوَّةً) . ونَظِيرُهُ مِنَ النَّصْبِ بِإضْمارِ (أنْ) بَعْدَ (أوْ) قَوْلُ الشّاعِرِ:

؎ولَوْلا رِجالٌ مِن رِزامَ أعِزَّةٌ ∗∗∗ وآلِ سُبَيْعٍ أوْ يَسُوؤُكَ عَلْقَما

أيْ: أوْ ومُساءَتُكَ عَلْقَمًا.

11:81–83Page 230

قَالُواْ يَٰلُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَن يَصِلُوٓاْ إِلَيۡكَۖ فَأَسۡرِ بِأَهۡلِكَ بِقِطۡعٖ مِّنَ ٱلَّيۡلِ وَلَا يَلۡتَفِتۡ مِنكُمۡ أَحَدٌ إِلَّا ٱمۡرَأَتَكَۖ إِنَّهُۥ مُصِيبُهَا مَآ أَصَابَهُمۡۚ إِنَّ مَوۡعِدَهُمُ ٱلصُّبۡحُۚ أَلَيۡسَ ٱلصُّبۡحُ بِقَرِيبٖ ٨١

They [the angels] said, "O Lot, indeed we are messengers of your Lord; [therefore], they will never reach you. So set out with your family during a portion of the night1 and let not any among you look back - except your wife; indeed, she will be struck by that which strikes them. Indeed, their appointment is [for] the morning. Is not the morning near?"

فَلَمَّا جَآءَ أَمۡرُنَا جَعَلۡنَا عَٰلِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمۡطَرۡنَا عَلَيۡهَا حِجَارَةٗ مِّن سِجِّيلٖ مَّنضُودٖ ٨٢

So when Our command came, We made the highest part [of the city] its lowest and rained upon them stones of layered hard clay, [which were]

مُّسَوَّمَةً عِندَ رَبِّكَۖ وَمَا هِيَ مِنَ ٱلظَّٰلِمِينَ بِبَعِيدٖ ٨٣

Marked from your Lord. And it [i.e., Allāh's punishment] is not from the wrongdoers [very] far.

﴿قالُوا يا لُوطُ إنّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إلَيْكَ فَأسْرِ بِأهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ ولا يَلْتَفِتْ مِنكم أحَدٌ إلّا امْرَأتَكَ إنَّهُ مُصِيبُها ما أصابَهم إنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ ألَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ﴾ ﴿فَلَمّا جاءَ أمْرُنا جَعَلْنا عالِيَها سافِلَها وأمْطَرْنا عَلَيْها حِجارَةً مِن سِجِّيلٍ مَنضُودٍ﴾ ﴿مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ وما هي مِنَ الظّالِمِينَ بِبَعِيدٍ﴾: (p-٢٤٨)رُوِيَ أنَّ لُوطًا عَلَيْهِ السَّلامُ غَلَبُوهُ، وهَمُّوا بِكَسْرِ البابِ وهو يُمْسِكُهُ قالَ لَهُ الرُّسُلُ: تَنَحَّ عَنِ البابِ فَتَنَحّى، وانْفَتَحَ البابُ فَضَرَبَهم جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِجَناحِهِ، فَطَمَسَ أعْيُنَهم وعُمُوا، وانْصَرَفُوا عَلى أعْقابِهِمْ يَقُولُونَ: النَّجاةَ النَّجاةَ فَعِنْدَ لُوطٍ قَوْمٌ سَحَرَةٌ وتَوَعَّدُوا لُوطًا، فَحِينَئِذٍ قالُوا لَهُ: ﴿إنّا رُسُلُ رَبِّكَ﴾ .

ورُوِيَ أنَّ جِبْرِيلَ نَقَبَ مِن خَصاصِ البابِ، ورَمى في أعْيُنِهِمْ فَعُمُوا. وقِيلَ: أخَذَ قَبْضَةً مِن تُرابٍ وأذْراها في وُجُوهِهِمْ، فَأوْصَلَهُ إلى عَيْنِ مَن بَعُدُ ومَن قَرُبَ مِن ذَلِكَ التُّرابِ، فَطُمِسَتْ أعْيُنُهم فَلَمْ يَعْرِفُوا طَرِيقًا ولَمْ يَهْتَدُوا إلى بُيُوتِهِمْ. وقِيلَ: كَسَرُوا بابَهُ وتَهَجَّمُوا عَلَيْهِ، فَفَعَلَ بِهِمْ جِبْرِيلُ ما فَعَلَ.

والجُمْلَةُ مِن قَوْلِهِ: ﴿لَنْ يَصِلُوا إلَيْكَ﴾: مُوَضِّحَةٌ لِلَّذِي قَبْلَها لِأنَّهم إذا كانُوا رُسُلَ اللَّهِ لَنْ يَصْلُوا إلَيْهِ، ولَمْ يَقْدِرُوا عَلى ضَرَرِهِ، ثُمَّ أمَرُوهُ بِأنْ يَسْرِيَ بِأهْلِهِ. وقَرَأ الحَرَمِيّانِ: فَأسْرِ، وأنِ أسْرِ بِوَصْلِ الألِفِ مِن سَرى، وباقِي السَّبْعَةِ: بِقَطْعِها، وأهْلُهُ: ابْنَتاهُ وطائِفَةٌ يَسِيرَةٌ مِنَ المُؤْمِنِينَ.

﴿بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ﴾: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: بِطائِفَةٍ مِنَ اللَّيْلِ، وقالَ الضَّحّاكُ: بِبَقِيَّةٍ مِن آخِرِهِ، وقالَ قَتادَةُ: بَعْدَ مُضِيِّ صَدْرٍ مِنهُ، وقالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: أيْ: ساعَةٍ مِنَ اللَّيْلِ، وقِيلَ: بِظُلْمَةٍ، وقِيلَ: إنَّهُ نِصْفٌ، وقِيلَ: إنَّهُ نِصْفُ اللَّيْلِ مَأْخُوذٌ مِن قَطْعِهِ نِصْفَيْنِ. وقالَ الشّاعِرُ:

؎ونائِحَةٌ تَنُوحُ بِقِطْعِ لَيْلٍ عَلى رَجُلٍ بِقارِعَةِ الصَّعِيدِ

وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ زِيادٍ: السَّحَرُ، لِقَوْلِهِ: نَجَّيْناهم بِسَحَرٍ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُحْتَمَلُ أنَّهُ أسْرى بِأهْلِهِ مِن أوَّلِ اللَّيْلِ حَتّى جاوَزَ البَلَدَ المُقْتَلَعَ، ووَقَعَتْ نَجاتُهُ بِسَحَرٍ. فَتَجْتَمِعُ هَذِهِ الآيَةُ مَعَ قَوْلِهِ ﴿إلّا آلَ لُوطٍ نَجَّيْناهم بِسَحَرٍ﴾ [القمر: ٣٤]، انْتَهى.

وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: القِطْعُ بِمَعْنى: القِطْعَةُ مُخْتَصٌّ بِاللَّيْلِ، ولا يُقالُ: عِنْدِي قِطْعٌ مِنَ الثَّوْبِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو: ﴿إلّا امْرَأتَكَ﴾ بِالرَّفْعِ، وباقِي السَّبْعَةِ: بِالنَّصْبِ، فَوَجْهُ النَّصْبِ عَلى أنَّهُ اسْتِثْناءٌ مِن قَوْلِهِ: (بِأهْلِكَ)، إذْ قَبْلَهُ أمْرٌ والأمْرُ عِنْدَهم كالواجِبِ. ويَتَعَيَّنُ النَّصْبُ عَلى الِاسْتِثْناءِ مِن (أهْلِكَ) في قِراءَةِ عَبْدِ اللَّهِ، إذْ سَقَطَ في قِراءَتِهِ وفي مُصْحَفِهِ: ﴿ولا يَلْتَفِتْ مِنكم أحَدٌ﴾ . وجَوَّزُوا أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا عَلى الِاسْتِثْناءِ مِن (أحَدٌ) وإنْ كانَ قَبْلَهُ نَهْيٌ، والنَّهْيُ كالنَّفْيِ عَلى أصْلِ الِاسْتِثْناءِ، كَقِراءَةِ ابْنِ عامِرٍ: (ما فَعَلُوهُ إلّا قَلِيلًا مِنهم) بِالنَّصْبِ، وإنْ كانَ قَبْلَهُ نَفْيٌ.

ووَجْهُ الرَّفْعِ عَلى أنَّهُ بَدَلٌ مِن أحَدٍ، وهو اسْتِثْناءٌ مُتَّصِلٌ. وقالَ أبُو عُبَيْدٍ: لَوْ كانَ الكَلامُ ولا يَلْتَفِتْ بِرَفْعِ الفِعْلِ، ولَكِنَّهُ نَهْيٌ. فَإذا اسْتَثْنَيْتَ المَرْأةَ مِن (أحَدٌ) وجَبَ أنْ تَكُونَ المَرْأةُ أُبِيحَ لَها الِالتِفاتُ، فَيُفِيدُ مَعْنى الآيَةِ يَعْنِي أنَّ التَّقْدِيرَ يَصِيرُ: (إلّا امْرَأتُكَ)، فَإنَّها لَمْ تُنْهَ عَنْ الِالتِفاتِ.

قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا الِاعْتِراضُ حَسَنٌ يَلْزَمُ أنَّ الِاسْتِثْناءَ مِن (أحَدٌ) رَفَعْتَ التّاءَ أوْ نَصَبْتَ، والِانْفِصالُ عَنْهُ يَتَرَتَّبُ بِكَلامٍ مَحْكِيٍّ عَنِ المُبَرِّدِ وهو أنَّ النَّهْيَ إنَّما قُصِدَ بِهِ لُوطٌ وحْدَهُ، والِالتِفاتَ مَنفِيٌّ عَنْهم، فالمَعْنى: أنْ لا تَدَعْ أحَدًا مِنهم يَلْتَفِتُ. وهَذا كَما تَقُولُ لِرَجُلٍ: لا يَقُمْ مِن هَؤُلاءِ أحَدٌ، وأُولَئِكَ لَمْ يَسْمَعُوكَ، فالمَعْنى: لا تَدَعْ أحَدًا مِن هَؤُلاءِ يَقُومُ، والقِيامُ في المَعْنى مَنفِيٌ عَنِ المُشارِ إلَيْهِمْ.

وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وفي إخْراجِها مَعَ أهْلِهِ رِوايَتانِ: رُوِيَ أنَّهُ أخْرَجَها مَعَهم وأُمِرَ أنْ لا يَلْتَفِتَ مِنهم أحَدٌ إلّا هي، فَلَمّا سَمِعَتْ هَدَّةَ العَذابِ التَفَتَتْ وقالَتْ: واقَوْماهُ فَأدْرَكَها حَجَرٌ فَقَتَلَها. ورُوِيَ أنَّهُ أُمِرَ بِأنْ يُخَلِّفَها مَعَ قَوْمِها، وأنَّ هَواها إلَيْهِمْ، ولَمْ يَسِرْ بِها.

واخْتِلافُ القِراءَتَيْنِ لِاخْتِلافِ الرِّوايَتَيْنِ، انْتَهى. وهَذا وهْمٌ فاحِشٌ إذْ بَنى القِراءَتَيْنِ عَلى اخْتِلافِ الرِّوايَتَيْنِ مِن أنَّهُ سَرى بِها، أوْ أنَّهُ لَمْ يَسْرِ بِها، وهَذا تَكاذُبٌ في الأخْبارِ يَسْتَحِيلُ أنْ تَكُونَ القِراءَتانِ وهْمًا مِن كَلامِ اللَّهِ تَتَرَتَّبانِ عَلى التَّكاذُبِ. وقِيلَ في الِاسْتِثْناءِ مِن (p-٢٤٩)الأهْلِ إشْكالٌ مِن جِهَةِ المَعْنى، إذْ يَلْزَمُ أنْ لا يَكُونَ سَرى بِها، ولَمّا التَفَتَتْ كانَتْ قَدْ سَرَتْ مَعَهم قَطْعًا، وزالَ هَذا الإشْكالُ أنْ يَكُونَ لَمْ يَسْرِ بِها، ولَكِنَّها لَمّا تَبِعَتْهُمُ التَفَتَتْ. وقِيلَ: الَّذِي يَظْهَرُ أنَّ الِاسْتِثْناءَ عَلى كِلْتا القِراءَتَيْنِ مُنْقَطِعٌ، لَمْ يُقْصَدْ بِهِ إخْراجُها مِنَ المَأْمُورِ بِالإسْراءِ بِهِمْ، ولا مِنَ المَنهِيِّينَ عَنْ الِالتِفاتِ، ولَكِنِ اسْتُؤْنِفَ الإخْبارُ عَنْها، فالمَعْنى: لَكِنَّ امْرَأتَكَ يَجْرِي لَها كَذا وكَذا. ويُؤَيِّدُ هَذا المَعْنى أنَّ مِثْلَ هَذِهِ الآيَةِ جاءَتْ في سُورَةِ الحِجْرِ، ولَيْسَ فِيها اسْتِثْناءٌ البَتَّةَ، قالَ تَعالى: ﴿فَأسْرِ بِأهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ واتَّبِعْ أدْبارَهم ولا يَلْتَفِتْ مِنكم أحَدٌ وامْضُوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ﴾ [الحجر: ٦٥] فَلَمْ تَقَعِ العِنايَةُ في ذَلِكَ إلّا بِذِكْرِ مِن أنْجاهُمُ اللَّهُ تَعالى. فَجاءَ شَرْحُ حالِ امْرَأتِهِ في سُورَةِ هُودٍ تَبَعًا لا مَقْصُودًا بِالإخْراجِ مِمّا تَقَدَّمَ، وإذا اتَّضَحَ هَذا المَعْنى عُلِمَ أنَّ القِراءَتَيْنِ ورَدَتا عَلى ما تَقْتَضِيهِ العَرَبِيَّةُ في الِاسْتِثْناءِ المُنْقَطِعِ، فَفِيهِ النَّصْبُ والرَّفْعُ.

فالنَّصْبُ لُغَةُ أهْلِ الحِجازِ وعَلَيْهِ الأكْثَرُ، والرَّفْعُ لِبَنِي تَمِيمٍ وعَلَيْهِ اثْنانِ مِنَ القُرّاءِ، انْتَهى.

وهَذا الَّذِي طُوِّلَ بِهِ لا تَحْقِيقَ فِيهِ، فَإنَّهُ إذا لَمْ يُقْصَدْ إخْراجُها مِنَ المَأْمُورِ بِالإسْراءِ بِهِمْ ولا مِنَ المَنهِيِّينَ عَنْ الِالتِفاتِ، وجُعِلَ اسْتِثْناءً مُنْقَطِعًا كانَ الِاسْتِثْناءُ المُنْقَطِعُ الَّذِي لَمْ يَتَوَجَّهْ عَلَيْهِ العامِلُ بِحالٍ، وهَذا النَّوْعُ مِنَ الِاسْتِثْناءِ المُنْقَطِعِ يَجِبُ فِيهِ النَّصْبُ بِإجْماعٍ مِنَ العَرَبِ، ولَيْسَ فِيهِ النَّصْبُ والرَّفْعُ بِاعْتِبارِ اللُّغَتَيْنِ، وإنَّما هَذا في الِاسْتِثْناءِ المُنْقَطِعِ، وهو الَّذِي يُمْكِنُ تَوَجُّهُ العامِلِ عَلَيْهِ. وفي كِلا النَّوْعَيْنِ يَكُونُ ما بَعْدَ إلّا مِن غَيْرِ الجِنْسِ المُسْتَثْنى مِنهُ، فَكَوْنُهُ جازَ فِيهِ اللُّغَتانِ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ مِمّا يُمْكِنُ أنْ يَتَوَّجَهَ عَلَيْهِ العامِلُ، وهو قَدْ فُرِضَ أنَّهُ لَمْ يُقْصَدْ بِالِاسْتِثْناءِ إخْراجُها عَنِ المَأْمُورِ بِالإسْراءِ بِهِمْ، ولا مِنَ المَنهِيِّينَ عَنْ الِالتِفاتِ، فَكانَ يَجِبُ فِيهِ إذْ ذاكَ النَّصْبُ قَوْلًا واحِدًا. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ ﴿ولا يَلْتَفِتْ﴾ مِنَ التِفاتِ البَصَرِ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: مِن لَفَتَ الشَّيْءَ يَلْفِتُهُ إذا ثَناهُ ولَواهُ، فَمَعْناهُ: ولا يَتَثَبَّطْ.

وفِي كِتابِ الزَّهْراوِيِّ أنَّ المَعْنى: ولا يَلْتَفِتْ أحَدٌ إلى ما خَلَّفَ بَلْ يَخْرُجْ مُسْرِعًا. والضَّمِيرُ في إنَّهُ: ضَمِيرُ الشَّأْنِ، و﴿مُصِيبُها﴾: مُبْتَدَأٌ، و﴿ما أصابَهُمْ﴾: الخَبَرُ. ويَجُوزُ عَلى مَذْهَبِ الكُوفِيِّينَ أنْ يَكُونَ ﴿مُصِيبُها﴾: خَبَرَ إنَّ، و﴿ما أصابَهُمْ﴾ فاعِلَ بِهِ، لِأنَّهم يُجِيزُونَ إنَّهُ قائِمٌ أخَواكَ. ومَذْهَبُ البَصْرِيِّينَ أنَّ ضَمِيرَ الشّانِّ لا يَكُونُ خَبَرُهُ إلّا جُمْلَةً مُصَرَّحًا بِجُزْءَيْها، فَلا يَجُوزُ هَذا الإعْرابُ عِنْدَهم.

وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ: الصُّبُحُ بِضَمِّ الباءِ. قِيلَ: وهي لُغَةٌ، فَلا يَكُونُ ذَلِكَ إتْباعًا وهو عَلى حَذْفِ مُضافٍ أيْ: إنَّ مَوْعِدَ هَلاكِهِمُ الصُّبْحُ. ويُرْوى أنَّ لُوطًا عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ: أُرِيدُ أسْرَعَ مِن ذَلِكَ، فَقالَتْ لَهُ المَلائِكَةُ: ألَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ ؟ وجُعِلَ الصُّبْحُ مِيقاتًا لِهَلاكِهِمْ، لِأنَّ النُّفُوسَ فِيهِ أوْدَعُ، والرّاحَةَ فِيهِ أجْمَعُ.

ويُرْوى أنَّ لُوطًا خَرَجَ بِابْنَتَيْهِ لَيْسَ مَعَهُ غَيْرُهُما عِنْدَ طُلُوعِ الفَجْرِ، وطَوى اللَّهُ لَهُ الأرْضَ في وقْتِهِ حَتّى نَجا، ووَصَلَ إلى إبْراهِيمَ عَلَيْهِما السَّلامُ. والضَّمِيرُ في عالِيَها عائِدٌ عَلى مَدائِنِ قَوْمِ لُوطٍ، جَعَلَ جِبْرِيلُ جَناحَهُ في أسْفَلِها ثُمَّ رَفَعَها إلى السَّماءِ، حَتّى سَمِعَ أهْلُ السَّماءِ نُباحَ الكِلابِ وصِياحَ الدِّيَكَةِ، ثُمَّ قَلَبَها عَلَيْهِمْ، وأُتْبِعُوا الحِجارَةَ مِن فَوْقِهِمْ وهي: المُؤْتَفِكاتُ: سَبْعُ مَدائِنَ. وقِيلَ: خَمْسٌ عَدَّها المُفَسِّرُونَ، وفي ضَبْطِها إشْكالٌ، فَأهْمَلْتُ ذِكْرَها. وسَدُومُ في القَرْيَةِ العُظْمى، وأمْطَرْنا عَلَيْها أيْ: عَلى أهْلِها. ورُوِيَ أنَّ الحِجارَةَ أصابَتْ مِنهم مَن كانَ خارِجَ مُدُنِهِمْ حَتّى قَتَلَتْهم أجْمَعِينَ، وأنَّ رَجُلًا كانَ في الحَرَمِ فَبَقِيَ الحَجَرُ مُعَلَّقًا في الهَواءِ حَتّى خَرَجَ مِنَ الحَرَمِ فَقَتَلَهُ الحَجَرُ.

قالَ أبُو العالِيَةِ وابْنُ زَيْدٍ: السِّجِّيلُ: اسْمٌ لِسَماءِ الدُّنْيا، وهَذا ضَعِيفٌ لِوَصْفِهِ بِمَنضُودٍ، وتَقَدَّمَ شَرْحُهُ في المُفْرَداتِ. وقِيلَ: مِن أسْجَلَهُ إذا أرْسَلَهُ، وقِيلَ: مِمّا كَتَبَ اللَّهُ أنْ يُعَذِّبَ بِهِ مِنَ السِّجِلِّ، وسَجَّلَ لِفُلانٍ. ومَعْنى هَذِهِ اللَّفْظَةِ: ماءٌ وطِينٌ، هَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ وابْنِ جُبَيْرٍ و عِكْرِمَةَ والسُّدِّيِّ وغَيْرِهِمْ. وذَهَبُوا إلى أنَّ الحِجارَةَ الَّتِي رُمُوا بِها كانَتْ كالآجُرِّ المَطْبُوخِ. وقِيلَ: حَجَرٌ مَخْلُوطٌ (p-٢٥٠)بِطِينٍ أيْ: حَجَرٌ وطِينٌ، ويُمْكِنُ أنْ يَعُودَ هَذا إلى الآجُرِّ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الشَّدِيدُ مِنَ الحِجارَةِ: الصُّلْبُ، مُسَوَّمَةً عَلَيْها سِيما: يُعْلَمُ بِها أنَّها لَيْسَتْ مِن حِجارَةِ الأرْضِ، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ.

وقالَ عِكْرِمَةُ وقَتادَةُ: إنَّهُ كانَ فِيها بَياضٌ. وقِيلَ: مَكْتُوبٌ عَلى كُلِّ حَجَرٍ اسْمُ مَن رُمِيَ بِهِ، قالَهُ الرَّبِيعُ.

وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ والحَسَنِ: بَياضٌ في حُمْرَةٍ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا: الحَجَرُ أبْيَضُ فِيهِ نُقْطَةٌ سَوْداءُ، وأسْوَدُ فِيهِ نُقْطَةٌ بَيْضاءُ. وعَنْ عِكْرِمَةَ وقَتادَةَ أيْضًا: فِيها خُطُوطٌ حُمْرٌ عَلى هَيْئَةِ الجِزْعِ. وقِيلَ: وكانَتْ مِثْلَ رُءُوسِ الإبِلِ، ومِثْلَ مَبارِكِ الإبِلِ.

وقِيلَ: قَبْضَةُ الرَّجُلِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ ومُقاتِلٌ: مَعْنى مِن عِنْدِ رَبِّكَ: جاءَتْ مِن عِنْدِ رَبِّكَ. وقِيلَ: مُعَدَّةٌ عِنْدَ رَبِّكَ، قالَهُ أبُو بَكْرٍ الهُذَلِيُّ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: المَعْنى: لَزِمَ هَذا التَّسْوِيمُ الحِجارَةَ عِنْدَ اللَّهِ إيذانًا بِنَفاذِ قُدْرَتِهِ وشِدَّةِ عَذابِهِ.

والظّاهِرُ أنَّ ضَمِيرَ هي عائِدٌ عَلى القُرى الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ أعالِيَها أسافِلَها، والمَعْنى: أنَّ ذَواتِ هَذِهِ المُدُنِ كانَتْ بَيْنَ المَدِينَةِ والشّامِ، يَمُرُّ عَلَيْها قُرَيْشٌ في مَسِيرِهِمْ، فالنَّظَرُ إلَيْها وفِيها فِيهِ اعْتِبارٌ واتِّعاظٌ. وقِيلَ: هي عائِدَةٌ عَلى الحِجارَةِ، وهي أقْرَبُ مَذْكُورٍ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: وما عُقُوبَتُهم مِمَّنْ يَعْمَلُ عَمَلَهم بِبَعِيدٍ، والظّاهِرُ عُمُومُ الظّالِمِينَ. وقِيلَ: عُنِيَ بِهِ قُرَيْشٌ.

وفِي الحَدِيثِ: «إنَّهُ سَيَكُونُ في أُمَّتِي خَسْفٌ ومَسْخٌ وقَذْفٌ بِالحِجارَةِ»، وقِيلَ: مُشْرِكُو العَرَبِ. وقِيلَ: قَوْمُ لُوطٍ، أيْ: لَمْ تَكُنِ الحِجارَةُ تُخْطِئُهم. وفي الحَدِيثِ «سَيَكُونُ في أواخِرِ أُمَّتِي قَوْمٌ يَكْتَفِي رِجالُهم بِالرِّجالِ والنِّساءُ بِالنِّساءِ فَإذا كانَ كَذَلِكَ فارْتَقِبُوا عَذابَ قَوْمِ لُوطٍ أنْ يُرْسِلَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِن سِجِّيلٍ ثُمَّ تَلا ﴿وما هي مِنَ الظّالِمِينَ بِبَعِيدٍ﴾»، وإذا كانَ الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: (وما هي)، عائِدًا عَلى الحِجارَةِ، فَيُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ: بِشَيْءٍ بَعِيدٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ: بِمَكانٍ بَعِيدٍ، لِأنَّها وإنْ كانَتْ في السَّماءِ وهي مَكانٌ بَعِيدٌ إلّا أنَّها إذا هَوِيَتْ مِنها فَهي أسْرَعُ شَيْءٍ لُحُوقًا بِالمَرْمِيِّ، فَكَأنَّها بِمَكانٍ قَرِيبٍ مِنهُ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском