Abu HayyanYusuf · 12:99–107

Abu Hayyan · Tafsir · in Arabic

Yusuf 12:99–107

12:99–101Page 247

فَلَمَّا دَخَلُواْ عَلَىٰ يُوسُفَ ءَاوَىٰٓ إِلَيۡهِ أَبَوَيۡهِ وَقَالَ ٱدۡخُلُواْ مِصۡرَ إِن شَآءَ ٱللَّهُ ءَامِنِينَ ٩٩

And when they entered upon Joseph, he took his parents to himself [i.e., embraced them] and said, "Enter Egypt, Allāh willing, safe [and secure]."

وَرَفَعَ أَبَوَيۡهِ عَلَى ٱلۡعَرۡشِ وَخَرُّواْ لَهُۥ سُجَّدٗاۖ وَقَالَ يَٰٓأَبَتِ هَٰذَا تَأۡوِيلُ رُءۡيَٰيَ مِن قَبۡلُ قَدۡ جَعَلَهَا رَبِّي حَقّٗاۖ وَقَدۡ أَحۡسَنَ بِيٓ إِذۡ أَخۡرَجَنِي مِنَ ٱلسِّجۡنِ وَجَآءَ بِكُم مِّنَ ٱلۡبَدۡوِ مِنۢ بَعۡدِ أَن نَّزَغَ ٱلشَّيۡطَٰنُ بَيۡنِي وَبَيۡنَ إِخۡوَتِيٓۚ إِنَّ رَبِّي لَطِيفٞ لِّمَا يَشَآءُۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلۡعَلِيمُ ٱلۡحَكِيمُ ١٠٠

And he raised his parents upon the throne, and they bowed to him in prostration.1 And he said, "O my father, this is the explanation of my vision of before. My Lord has made it reality. And He was certainly good to me when He took me out of prison and brought you [here] from bedouin life after Satan had induced [estrangement] between me and my brothers. Indeed, my Lord is Subtle2 in what He wills. Indeed, it is He who is the Knowing, the Wise.

۞ رَبِّ قَدۡ ءَاتَيۡتَنِي مِنَ ٱلۡمُلۡكِ وَعَلَّمۡتَنِي مِن تَأۡوِيلِ ٱلۡأَحَادِيثِۚ فَاطِرَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ أَنتَ وَلِيِّۦ فِي ٱلدُّنۡيَا وَٱلۡأٓخِرَةِۖ تَوَفَّنِي مُسۡلِمٗا وَأَلۡحِقۡنِي بِٱلصَّٰلِحِينَ ١٠١

My Lord, You have given me [something] of sovereignty and taught me of the interpretation of dreams. Creator of the heavens and earth, You are my protector in this world and the Hereafter. Cause me to die a Muslim and join me with the righteous."

﴿فَلَمّا دَخَلُوا عَلى يُوسُفَ آوى إلَيْهِ أبَوَيْهِ وقالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ ﴿ورَفَعَ أبَوَيْهِ عَلى العَرْشِ وخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا وقالَ ياأبَتِ هَذا تَأْوِيلُ رُؤْيايَ مِن قَبْلُ قَدْ جَعَلَها رَبِّي حَقًّا وقَدْ أحْسَنَ بِي إذْ أخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وجاءَ بِكم مِنَ البَدْوِ مِن بَعْدِ أنْ نَزَغَ الشَّيْطانُ بَيْنِي وبَيْنَ إخْوَتِي إنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِما يَشاءُ إنَّهُ هو العَلِيمُ الحَكِيمُ﴾ ﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ المُلْكِ وعَلَّمْتَنِي مِن تَأْوِيلِ الأحادِيثِ فاطِرَ السَّماواتِ والأرْضِ أنْتَ ولِيِّي في الدُّنْيا والآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وألْحِقْنِي بِالصّالِحِينَ﴾

(p-٣٤٧)فِي الكَلامِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ: فَرَحَلَ يَعْقُوبُ بِأهْلِهِ أجْمَعِينَ، وسارُوا حَتّى تَلَقَّوْا يُوسُفَ. قِيلَ: وجَهَّزَ يُوسُفُ إلى أبِيهِ جِهازًا، ومِائَتَيْ راحِلَةٍ لِيَتَجَهَّزَ إلَيْهِ بِمَن مَعَهُ، وخَرَجَ يُوسُفُ، قِيلَ: والمَلِكُ في أرْبَعَةِ آلافٍ مِنَ الجُنْدِ والعُظَماءِ وأهْلِ مِصْرَ بِأجْمَعِهِمْ، فَتَلَقَّوْا يَعْقُوبَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وهو يَمْشِي يَتَوَكَّأُ عَلى يَهُوذا، فَنَظَرَ إلى الخَيْلِ والنّاسِ فَقالَ: يا يَهُوذا أهَذا فِرْعَوْنُ مِصْرَ ؟ فَقالَ: لا، هَذا ولَدُكَ. فَلَمّا لَقِيَهُ يَعْقُوبُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - قالَ: السَّلامُ عَلَيْكَ يا مُذْهِبَ الأحْزانِ. وقِيلَ: إنَّ يُوسُفَ قالَ لَهُ لَمّا التَقَيا: يا أبَتِ، بَكَيْتَ عَلَيَّ حَتّى ذَهَبَ بَصَرُكَ، ألَمْ تَعْلَمْ أنَّ القِيامَةَ تَجْمَعُنا ؟ قالَ: بَلى، ولَكِنْ خَشِيتُ أنْ تُسْلَبَ دِينَكَ، فَيُحالُ بَيْنِي وبَيْنَكَ. آوى إلَيْهِ أبَوَيْهِ أيْ: ضَمَّهُما إلَيْهِ وعانَقَهُما، والظّاهِرُ أنَّهُما أبُوهُ وأُمُّهُ راحِيلُ. فَقالَ الحَسَنُ وابْنُ إسْحاقَ: كانَتْ أُمُّهُ بِالحَياةِ. وقِيلَ: كانَتْ ماتَتْ مِن نِفاسِ بِنْيامِينَ، وأحْياها لَهُ لِيَصْدُقَ رُؤْياهُ في قَوْلِهِ: ﴿والشَّمْسَ والقَمَرَ رَأيْتُهم لِي ساجِدِينَ﴾ [يوسف: ٤] حُكِيَ هَذا عَنِ الحَسَنِ وابْنِ إسْحاقَ أيْضًا. وقِيلَ: أبُوهُ وخالَتُهُ، وكانَ يَعْقُوبُ تَزَوَّجَها بَعْدَ مَوْتِ راحِيلَ، والخالَةُ أُمٌّ. رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وكانَتْ رَبَّتْ يُوسُفَ، والرّابَّةُ تُدْعى أُمًّا. وقالَ بَعْضُهم: أبُوهُ وجَدَّتُهُ أُمُّ أُمِّهِ، حَكاهُ الزَّهْراوِيُّ. وفي مُصْحَفِ عَبْدِ اللَّهِ: (آوى إلَيْهِ أبَوَيْهِ وإخْوَتَهُ) وظاهِرُ قَوْلِهِ: ادْخُلُوا مِصْرَ، إنَّهُ أمَرَ بِإنْشاءِ دُخُولِ مِصْرَ. قالَ السُّدِّيُّ: قالَ لَهم ذَلِكَ وهم في الطَّرِيقِ حِينَ تَلَقّاهم، انْتَهى. فَيَبْقى قَوْلُهُ: فَلَمّا دَخَلُوا عَلى يُوسُفَ كَأنَّهُ ضَرَبَ لَهُ مَضْرِبٌ، أوْ بَيْتٌ حالَةَ التَّلَقِّي في الطَّرِيقِ فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فِيهِ. وقِيلَ: دَخَلُوا عَلَيْهِ في مِصْرَ. ومَعْنى ﴿ادْخُلُوا مِصْرَ﴾ أيْ: تَمَكَّنُوا مِنها واسْتَقِرُّوا فِيها.

والظّاهِرُ تَعَلَّقَ الدُّخُولُ عَلى مَشِيئَةِ اللَّهِ لَمّا أمَرَهم بِالدُّخُولِ، عَلَّقَ ذَلِكَ عَلى مَشِيئَةِ اللَّهِ؛ لِأنَّ جَمِيعَ الكائِناتِ إنَّما تَكُونُ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ، وما لا يَشاءُ لا يَكُونُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: التَّقْدِيرُ ادْخُلُوا مِصْرَ إنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ، إنْ شاءَ اللَّهُ دَخَلْتُمْ آمِنِينَ، ثُمَّ حُذِفَ الجَزاءُ لِدَلالَةِ الكَلامِ، ثُمَّ اعْتَرَضَ بِالجُمْلَةِ الجَزائِيَّةِ بَيْنَ الحالِ وذِي الحالِ. ومِن بِدَعِ التَّفاسِيرِ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿إنْ شاءَ اللَّهُ﴾ مِن بابِ التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ، وأنَّ مَوْضِعَهُ بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿سَوْفَ أسْتَغْفِرُ لَكم رَبِّي﴾ [يوسف: ٩٨] في كَلامِ يَعْقُوبَ، انْتَهى.

(p-٣٤٨)وهَذا البِدْعُ مِنَ التَّفْسِيرِ مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، وهو في غايَةِ البُعْدِ، بَلْ في غايَةِ الِامْتِناعِ.

والعَرْشُ: سَرِيرُ المُلْكِ، ولَمّا دَخَلَ يُوسُفُ مِصْرَ وجَلَسَ في مَجْلِسِهِ عَلى سَرِيرِهِ، واجْتَمَعُوا إلَيْهِ، أكْرَمَ أبَوَيْهِ فَرَفَعَهُما مَعَهُ عَلى السَّرِيرِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الرَّفْعُ والخُرُورُ قَبْلَ دُخُولِ مِصْرَ بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿ادْخُلُوا مِصْرَ﴾ فَكانَ يَكُونُ في قُبَّةٍ مِن قِبابِ المُلُوكِ الَّتِي تُحْمَلُ عَلى البِغالِ أوِ الإبِلِ، فَحِينَ دَخَلُوا إلَيْهِ آوى إلَيْهِ أبَوَيْهِ وقالَ: ﴿ادْخُلُوا مِصْرَ﴾، ﴿ورَفَعَ أبَوَيْهِ﴾، ﴿وخَرُّوا لَهُ﴾ والضَّمِيرُ في (وخَرُّوا) عائِدٌ عَلى أبَوَيْهِ وعَلى إخْوَتِهِ. وقِيلَ: الضَّمِيرُ في (وخَرُّوا) عائِدٌ عَلى إخْوَتِهِ وسائِرِ مَن كانَ يَدْخُلُ عَلَيْهِ لِأجْلِ هَيْبَتِهِ، ولَمْ يَدْخُلْ في الضَّمِيرِ أبَواهُ، بَلْ رَفَعَهُما عَلى سَرِيرِ مُلْكِهِ تَعْظِيمًا لَهُما، وظاهِرُ قَوْلِهِ: ﴿وخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا﴾ أنَّهُ السُّجُودُ المَعْهُودُ، وأنَّ الضَّمِيرَ في (لَهُ) عائِدٌ عَلى يُوسُفَ لِمُطابَقَةِ الرُّؤْيا في قَوْلِهِ: ﴿إنِّي رَأيْتُ أحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا﴾ [يوسف: ٤] الآيَةَ، وكانَ السُّجُودُ إذْ ذاكَ جائِزًا مِن بابِ التَّكْرِيمِ بِالمُصافَحَةِ، وتَقْبِيلِ اليَدِ، والقِيامِ مِمّا شُهِرَ بَيْنَ النّاسِ في بابِ التَّعْظِيمِ والتَّوْقِيرِ. وقالَ قَتادَةُ: كانَتْ تَحِيَّةُ المُلُوكِ عِنْدَهم، وأعْطى اللَّهُ هَذِهِ الأُمَّةَ السَّلامَ؛ تَحِيَّةَ أهْلِ الجَنَّةِ. وقِيلَ: هَذا السُّجُودُ كانَ إيماءً بِالرَّأْسِ فَقَطْ. وقِيلَ: كانَ كالرُّكُوعِ البالِغِ دُونَ وضْعِ الجَبْهَةِ عَلى الأرْضِ. ولَفْظَةُ (وخَرُّوا) تَأْبى هَذَيْنِ التَّفْسِرَيْنِ. قالَ الحَسَنُ: الضَّمِيرُ في (لَهُ) عائِدٌ عَلى اللَّهِ أيْ: خَرُّوا لِلَّهِ سُجَّدًا شُكْرًا عَلى ما أوْزَعَهم مِن هَذِهِ النِّعْمَةِ، وقَدْ تَأوَّلَ قَوْلَهُ: ﴿رَأيْتُهم لِي ساجِدِينَ﴾ [يوسف: ٤] عَلى أنَّ مَعْناهُ رَأيْتُهم لِأجْلِي ساجِدِينَ، وإذا كانَ الضَّمِيرُ لِيُوسُفَ فَقالَ المُفَسِّرُونَ: كانَ السُّجُودُ تَحِيَّةً لا عِبادَةً. وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الدّارانِيُّ: لا يَكُونُ السُّجُودُ إلّا لِلَّهِ لا لِيُوسُفَ، ويَبْعُدُ مِن عَقْلِهِ ودِينِهِ أنْ يَرْضى بِأنْ يَسْجُدَ لَهُ أبُوهُ مَعَ سابِقَتِهِ مِن صَوْنِ أوْلادِهِ والشَّيْخُوخَةِ والعِلْمِ والدِّينِ وكَمالِ النُّبُوَّةِ. وقِيلَ: الضَّمِيرُ وإنْ عادَ عَلى يُوسُفَ فالسُّجُودُ كانَ لِلَّهِ تَعالى، وجَعَلُوا يُوسُفَ قِبْلَةً كَما تَقُولُ: صَلَّيْتُ لِلْكَعْبَةِ، وصَلَّيْتُ إلى الكَعْبَةِ، وقالَ حَسّانُ:

؎ما كُنْتُ أعْرِفُ أنَّ الدَّهْرَ مُنْصَرِفٌ عَنْ هاشِمٍ ثُمَّ عَنْها عَنْ أبِي حَسَنِ

ألَيْسَ أوَّلَ مَن صَلّى لِقِبْلَتِكم وأعْرَفَ النّاسِ بِالأشْياءِ والسُّنَنِ وقِيلَ: السُّجُودُ هُنا التَّواضُعُ، والخُرُورُ بِمَعْنى المُرُورِ لا السُّقُوطِ عَلى الأرْضِ لِقَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ إذا ذُكِّرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْها صُمًّا وعُمْيانًا﴾ [الفرقان: ٧٣] أيْ: لَمْ يَمُرُّوا عَلَيْها. وقالَ ثابِتٌ: ﴿هَذا تَأْوِيلُ رُؤْيايَ مِن قَبْلُ﴾ أيْ: سُجُودُكم هَذا تَأْوِيلٌ؛ أيْ: عاقِبَةُ رُؤْيايَ أنَّ تِلْكَ الكَواكِبَ والشَّمْسَ والقَمَرَ رَأيْتُهم لِي ساجِدِينَ.

﴿ومِن قَبْلُ﴾ [يوسف: ٨٠] مُتَعَلِّقٌ بِرُؤْيايَ، والمَحْذُوفُ في ﴿مِن قَبْلُ﴾ تَقْدِيرُهُ: مِن قَبْلِ هَذِهِ الكَوائِنِ والحَوادِثِ الَّتِي جَرَتْ بَعْدَ رُؤْيايَ. ومَن تَأوَّلَ أنَّ أبَوَيْهِ لَمْ يَسْجُدا لَهُ زَعَمَ أنَّ تَعْبِيرَ الرُّؤْيا لا يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ مُطابِقًا لِلرُّؤْيا مِن كُلِّ الوُجُوهِ، فَسُجُودُ الكَواكِبِ والشَّمْسِ والقَمَرِ يُعَبَّرُ بِتَعْظِيمِ الأكابِرِ مِنَ النّاسِ، ولا شَكَّ أنَّ ذَهابَ يَعْقُوبَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مَعَ ولَدِهِ مِن كَنْعانَ إلى مِصْرَ لِأجْلِ يُوسُفَ نِهايَةٌ في التَّعْظِيمِ لَهُ، فَكَفى هَذا القَدْرُ في صِحَّةِ الرُّؤْيا، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّهُ لَمّا رَأى سُجُودَ أبَوَيْهِ وإخْوَتِهِ هالَهُ ذَلِكَ واقْشَعَرَّ جِلْدَهُ مِنهُ، وقالَ لِيَعْقُوبَ: ﴿هَذا تَأْوِيلُ رُؤْيايَ مِن قَبْلُ﴾ ثُمَّ ابْتَدَأ يُوسُفُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِتَعْدِيدِ نِعَمِ اللَّهِ عَلَيْهِ فَقالَ: ﴿قَدْ جَعَلَها رَبِّي حَقًّا﴾ أيْ: صادِقَةً، رَأيْتُ ما يَقَعُ لِي في المَنامِ يَقَظَةً، لا باطِلَ فِيها ولا لَغْوَ. وفي المُدَّةِ الَّتِي كانَتْ بَيْنَ رُؤْياهُ وسُجُودِهِمْ خِلافٌ مُتَناقِضٌ. قِيلَ: ثَمانُونَ سَنَةً، وقِيلَ: ثَمانِيَةَ عَشَرَ عامًا. وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ مِن رُتَبِ العَدَدِ. وكَذا المُدَّةُ الَّتِي أقامَ يَعْقُوبُ فِيها بِمِصْرَ عِنْدَ ابْنِهِ يُوسُفَ خِلافٌ مُتَناقِضٌ، و(أحْسَنَ) أصْلُهُ أنْ يَتَعَدّى بِإلى قالَ: ﴿وأحْسِنْ كَما أحْسَنَ اللَّهُ إلَيْكَ﴾ [القصص: ٧٧] وقَدْ يَتَعَدّى بِالباءِ قالَ تَعالى: ﴿وبِالوالِدَيْنِ إحْسانًا﴾ [البقرة: ٨٣] كَما يُقالُ أساءَ إلَيْهِ، وبِهِ قالَ الشّاعِرُ:(p-٣٤٩)

؎أسِئِي بِنا أوْ أحْسِنِي لا مَلُومَةً لَدَيْنا ولا مَقْلِيَّةً إنْ تَقَلَّتِ

وقَدْ يَكُونُ ضَمِنَ (أحْسَنَ) مَعْنى لَطَفَ، فَعَدّاهُ بِالباءِ، وذَكَرَ إخْراجَهُ مِنَ السِّجْنِ وعَدَلَ عَنْ إخْراجِهِ مِنَ الجُبِّ صَفْحًا عَنْ ذِكْرِ ما تَعَلَّقَ بِقَوْلِ إخْوَتِهِ، وتَناسَيًا لِما جَرى مِنهم إذْ قالَ: ﴿لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ اليَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [يوسف: ٩٢] وتَنْبِيهًا عَلى طَهارَةِ نَفْسِهِ، وبَراءَتِها مِمّا نُسِبَ إلَيْهِ مِنَ المُراوَدَةِ. وعَلى ما تَنَقَّلَ إلَيْهِ مِنَ الرِّياسَةِ في الدُّنْيا بَعْدَ خُرُوجِهِ مِنَ السِّجْنِ بِخِلافِ ما تَنَقَّلَ إلَيْهِ بِالخُرُوجِ مِنَ الجُبِّ، إلى أنْ بِيعَ مَعَ العَبِيدِ، وجاءَ بِكم مِنَ البَدْوِ مِنَ البادِيَةِ، وكانَ يَنْزِلُ يَعْقُوبُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِأطْرافِ الشّامِ بِبادِيَةِ فِلَسْطِينَ، وكانَ رَبَّ إبِلٍ وغَنَمٍ وبادِيَةٍ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: كانُوا أهْلَ عَمَدٍ وأصْحابَ مَواشٍ يَتَنَقَّلُونَ في المِياهِ والمَناجِعِ. قِيلَ: كانَ تَحَوَّلَ إلى بادِيَةٍ وسَكَنَها، فَإنَّ اللَّهَ لَمْ يَبْعَثْ نَبِيًّا مِن أهْلِ البادِيَةِ. وقِيلَ: كانَ خَرَجَ إلى بَدا وهو مَوْضِعٌ، وإيّاهُ عَنى جَمِيلٌ بِقَوْلِهِ:

وأنْتِ الَّتِي حَبَّبْتِ شَعْبًا إلى بَدا إلَيَّ وأوْطانِي بِلادٌ سِواهُما ولِيَعْقُوبَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِهَذا المَوْضِعِ مَسْجِدٌ تَحْتَ جَبَلٍ. يُقالُ: بَدا القَوْمُ بَدْوًا، إذا أتَوْا بَدا كَما يُقالُ: غارُوا غَوْرًا. إذا أتَوُا الغَوْرَ. والمَعْنى: وجاءَ بِكم مِن مَكانٍ بَدا، ذَكَرَهُ القُشَيْرِيُّ، وحَكاهُ الماوَرْدِيُّ عَنِ الضَّحّاكِ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وقابَلَ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - نِعْمَةَ إخْراجِهِ مِنَ السِّجْنِ بِمَجِيئِهِمْ مِنَ البَدْوِ، والإشارَةُ بِذَلِكَ إلى الِاجْتِماعِ بِأبِيهِ وإخْوَتِهِ، وزَوالِ حُزْنِ أبِيهِ. فَفي الحَدِيثِ: «مَن يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يَنْقُلُهُ مِنَ البادِيَةِ إلى الحاضِرَةِ» ﴿مِن بَعْدِ أنْ نَزَغَ﴾ أيْ: أفْسَدَ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى نَزَغَ، وأسْنَدَ النَّزْغَ إلى الشَّيْطانِ لِأنَّهُ المُوَسْوِسُ كَما قالَ: ﴿فَأزَلَّهُما الشَّيْطانُ عَنْها﴾ [البقرة: ٣٦] وذَكَرَ هَذا القَدْرَ مِن أمْرِ أُخْوَتِهِ؛ لِأنَّ النِّعْمَةَ إذا جاءَتْ إثْرَ شِدَّةٍ وبَلاءٍ كانَتْ أحْسَنَ مَوْقِعًا ﴿إنَّ رَبِّي لَطِيفٌ﴾ أيْ: لَطِيفُ التَّدْبِيرِ لِما يَشاءُ مِنَ الأُمُورِ، رَفِيقٌ. و(مِن) في قَوْلِهِ: ﴿مِنَ المُلْكِ﴾ وفي ﴿مِن تَأْوِيلِ﴾ لِلتَّبْعِيضِ؛ لِأنَّهُ لَمْ يُؤْتِهِ إلّا بَعْضَ مُلْكِ الدُّنْيا، ولا عَلَّمَهُ إلّا بَعْضَ التَّأْوِيلِ، ويَبْعُدُ قَوْلُ مَن جَعَلَ (مِن) زائِدَةً، أوْ جَعَلَها لِبَيانِ الجِنْسِ.

والظّاهِرُ أنَّ المُلْكَ هُنا مُلْكُ مِصْرَ. وقِيلَ: مُلْكُ نَفْسِهِ مِن إنْفاذِ شَهْوَتِهِ. وقالَ عَطاءٌ: مُلْكُ حُسّادِهِ بِالطّاعَةِ، ونَيْلُ الأمانِي مِنَ المُلْكِ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ وعَمْرِو بْنِ ذَرٍّ: (آتَيْتَنِ، وعَلَّمْتَنِ) بِحَذْفِ الياءِ مِنهُما اكْتِفاءً بِالكَسْرَةِ عَنْهُما، مَعَ كَوْنِهِما ثابِتَتَيْنِ خَطًّا. وحَكى ابْنُ عَطِيَّةَ عَنِ ابْنِ ذَرانَةَ قَرَأ: (رَبِّ آتَيْتَنِي) بِغَيْرٍ ”قَدْ“ وانْتَصَبَ (فاطِرَ) عَلى الصِّفَةِ أوْ عَلى النِّداءِ. و﴿أنْتَ ولِيِّي﴾ تَتَوَلّانِي بِالنِّعْمَةِ في الدّارَيْنِ، وتُوصِلُ المُلْكَ الفانِي بِالمُلْكِ الباقِي.

وذَكَرَ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ أنَّهُ لَمّا عَدَّ نِعَمَ اللَّهِ عِنْدَهُ تَشَوَّقَ إلى لِقاءِ رَبِّهِ ولِحاقِهِ بِصالِحِي سَلَفِهِ، ورَأى أنَّ الدُّنْيا كُلَّها فانِيَةٌ فَتَمَنّى المَوْتَ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لَمْ يَتَمَنَّ المَوْتَ حَيٌّ غَيْرُ يُوسُفَ، والَّذِي يَظْهَرُ أنَّهُ لَيْسَ في الآيَةِ تَمَنِّي المَوْتِ، وإنَّما عَدَّدَ نِعَمَهُ عَلَيْهِ، ثُمَّ دَعا أنْ يُتِمَّ عَلَيْهِ النِّعَمَ في باقِي أمْرِهِ أيْ: تَوَفَّنِي إذا حانَ أجْلِي عَلى الإسْلامِ، واجْعَلْ لِحاقِي بِالصّالِحِينَ، وإنَّما تَمَنّى الوَفاةَ عَلى الإسْلامِ لا المَوْتَ، و(الصّالِحِينَ) أهْلُ الجَنَّةِ أوِ الأنْبِياءُ، أوْ آباؤُهُ إبْراهِيمُ وإسْحاقُ ويَعْقُوبُ.

وعُلَماءُ التّارِيخِ يَزْعُمُونَ أنَّ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - عاشَ مِائَةَ عامٍ وسَبْعَةَ أعْوامٍ، ولَهُ مِنَ الوَلَدِ: إفْراثِيمُ، ومَنشا، ورَحْمَةُ - زَوْجَةُ أيُّوبَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - . قالَ الذَّهَبِيُّ: ووُلِدَ لِإفْراثِيمَ نُونٌ، ولِنُونٍ يُوشَعُ - وهو فَتى مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - - . ووُلِدَ لِمَنشا مُوسى، وهو قَبْلَ مُوسى بْنِ عِمْرانَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - . ويَزْعُمُ أهْلُ التَّوْراةِ أنَّهُ صاحِبُ الخَضِرِ، وكانَ ابْنُ عَبّاسٍ يُنْكِرُ ذَلِكَ. وثَبَتَ في الصَّحِيحِ أنَّ صاحِبَ الخَضِرِ هو مُوسى بْنُ عِمْرانَ. وتَوارَثَتِ الفَراعِنَةُ مُلْكَ مِصْرَ، ولَمْ تَزَلْ بَنُو إسْرائِيلَ تَحْتَ أيْدِيهِمْ عَلى بَقايا دِينِ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - إلى أنْ بُعِثَ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - .

12:102–107Page 247

ذَٰلِكَ مِنۡ أَنۢبَآءِ ٱلۡغَيۡبِ نُوحِيهِ إِلَيۡكَۖ وَمَا كُنتَ لَدَيۡهِمۡ إِذۡ أَجۡمَعُوٓاْ أَمۡرَهُمۡ وَهُمۡ يَمۡكُرُونَ ١٠٢

That is from the news of the unseen which We reveal, [O Muḥammad], to you. And you were not with them when they put together their plan while they conspired.

وَمَآ أَكۡثَرُ ٱلنَّاسِ وَلَوۡ حَرَصۡتَ بِمُؤۡمِنِينَ ١٠٣

And most of the people, although you strive [for it], are not believers.

وَمَا تَسۡـَٔلُهُمۡ عَلَيۡهِ مِنۡ أَجۡرٍۚ إِنۡ هُوَ إِلَّا ذِكۡرٞ لِّلۡعَٰلَمِينَ ١٠٤

And you do not ask of them for it any payment. It is not except a reminder to the worlds.

وَكَأَيِّن مِّنۡ ءَايَةٖ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ يَمُرُّونَ عَلَيۡهَا وَهُمۡ عَنۡهَا مُعۡرِضُونَ ١٠٥

And how many a sign within the heavens and earth do they pass over while they, therefrom, are turning away.

وَمَا يُؤۡمِنُ أَكۡثَرُهُم بِٱللَّهِ إِلَّا وَهُم مُّشۡرِكُونَ ١٠٦

And most of them believe not in Allāh except while they associate others with Him.

أَفَأَمِنُوٓاْ أَن تَأۡتِيَهُمۡ غَٰشِيَةٞ مِّنۡ عَذَابِ ٱللَّهِ أَوۡ تَأۡتِيَهُمُ ٱلسَّاعَةُ بَغۡتَةٗ وَهُمۡ لَا يَشۡعُرُونَ ١٠٧

Then do they feel secure that there will not come to them an overwhelming [aspect] of the punishment of Allāh or that the Hour will not come upon them suddenly while they do not perceive?

(p-٣٥٠)﴿ذَلِكَ مِن أنْباءِ الغَيْبِ نُوحِيهِ إلَيْكَ وما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إذْ أجْمَعُوا أمْرَهم وهم يَمْكُرُونَ﴾ ﴿وما أكْثَرُ النّاسِ ولَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وما تَسْألُهم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنْ هو إلّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ﴾ ﴿وكَأيِّنْ مِن آيَةٍ في السَّماواتِ والأرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْها وهم عَنْها مُعْرِضُونَ﴾ ﴿وما يُؤْمِنُ أكْثَرُهم بِاللَّهِ إلّا وهم مُشْرِكُونَ﴾ ﴿أفَأمِنُوا أنْ تَأْتِيَهم غاشِيَةٌ مِن عَذابِ اللَّهِ أوْ تَأْتِيَهُمُ السّاعَةُ بَغْتَةً وهم لا يَشْعُرُونَ﴾

قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: سَألَتْ قُرَيْشٌ واليَهُودُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ قِصَّةِ يُوسُفَ فَنَزَلَتْ مَشْرُوحَةً شَرْحًا وافِيًا، وأمَلَ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ سَبَبًا لِإسْلامِهِمْ، فَخالَفُوا تَأْمِيلَهُ، فَعَزّاهُ اللَّهُ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿وما أكْثَرُ النّاسِ ولَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ الآياتِ. وقِيلَ: في المُنافِقِينَ، وقِيلَ: الثَّنَوِيَّةِ. وقِيلَ: في النَّصارى. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: في تَلْبِيَةِ المُشْرِكِينَ. وقِيلَ: في أهْلِ الكِتابِ آمَنُوا بِبَعْضٍ وكَفَرُوا بِبَعْضٍ، فَجَمَعُوا بَيْنَ الإيمانِ والشِّرْكِ.

والإشارَةُ بِذَلِكَ إلى ما قَصَّهُ اللَّهُ مِن قِصَّةِ يُوسُفَ وإخْوَتِهِ ﴿وما كُنْتَ لَدَيْهِمْ﴾ أيْ: عِنْدَ بَنِي يَعْقُوبَ حِينَ أجْمَعُوا أمْرَهم عَلى أنْ يَجْعَلُوهُ في الجُبِّ، ولا حِينَ ألْقَوْهُ فِيهِ، ولا حِينَ التَقَطَتْهُ السَّيّارَةُ، ولا حِينَ بِيعَ. وهم يَمْكُرُونَ: أيْ يَبْغُونَ الغَوائِلَ لِيُوسُفَ، ويَتَشاوَرُونَ فِيما يَفْعَلُونَ بِهِ، أوْ يَمْكُرُونَ بِيَعْقُوبَ حِينَ أتَوْا بِالقَمِيصِ مُلَطَّخًا بِالدَّمِ، وفي هَذا تَصْرِيحٌ لِقُرَيْشٍ بِصِدْقِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . وهَذا النَّوْعُ مِن عِلْمِ البَيانِ يُسَمّى بِالِاحْتِجاجِ النَّظَرِيِّ، وبَعْضُهم يُسَمِّيهِ المَذْهَبَ الكَلامِيَّ، وهو أنْ يُلْزِمَ الخَصْمَ ما هو لازِمٌ لِهَذا الِاحْتِجاجِ - وتَقَدَّمَ نَظِيرُ ذَلِكَ في آلِ عِمْرانَ وفي هُودٍ - وهَذا تَهَكُّمٌ بِقُرَيْشٍ وبِمَن كَذَّبَهُ؛ لِأنَّهُ لا يَخْفى عَلى أحَدٍ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ مِن حَمَلَةِ هَذا الحَدِيثِ وأشْباهِهِ، ولا لَقِيَ فِيها أحَدًا ولا سَمِعَ مِنهُ، ولَمْ يَكُنْ مِن عِلْمِ قَوْمِهِ، فَإذا أخْبَرَ بِهِ وقَصَّهُ هَذا القَصَصَ الَّذِي أعْجَزَ حَمَلَتَهُ ورُواتَهُ لَمْ تَقَعْ شُبْهَةٌ في أنَّهُ لَيْسَ مِنهُ، وإنَّما هو مِن جِهَةِ القُرُونِ الخالِيَةِ، ونَحْوُهُ ﴿وما كُنْتَ بِجانِبِ الغَرْبِيِّ إذْ قَضَيْنا إلى مُوسى الأمْرَ﴾ [القصص: ٤٤] فَقَوْلُهُ: ﴿وما كُنْتَ﴾ هُنا تَهَكُّمٌ بِهِمْ؛ لِأنَّهُ قَدْ عَلِمَ كُلُّ أحَدٍ أنَّ مُحَمَّدًا ﷺ ما كانَ مَعَهم. (وأجْمَعُوا أمْرَهم) أيْ: عَزَمُوا عَلى إلْقاءِ يُوسُفَ في الجُبِّ (p-٣٥١)﴿وهم يَمْكُرُونَ﴾ جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ. والمَكْرُ: أنْ يُدَبِّرَ عَلى الإنْسانِ تَدْبِيرًا يَضُرُّهُ ويُؤْذِيهِ، و(النّاسِ) الظّاهِرُ العُمُومُ لِقَوْلِهِ: ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [هود: ١٧] وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّهم أهْلُ مَكَّةَ ﴿ولَوْ حَرَصْتَ﴾ ولَوْ بالَغْتَ في طَلَبِ إيمانِهِمْ لا يُؤْمِنُونَ لِفَرْطِ عِنادِهِمْ وتَصْمِيمِهِمْ عَلى الكُفْرِ، وجَوابُ (لَوْ) مَحْذُوفٌ أيْ: ولَوْ حَرَصْتَ لَمْ يُؤْمِنُوا، إنَّما يُؤْمِنُ مَن يَشاءُ اللَّهُ إيمانَهُ، والضَّمِيرُ في (عَلَيْهِ) عائِدٌ عَلى دِينِ اللَّهِ أيْ: ما تَبْتَغِي عَلَيْهِ أجْرًا عَلى دِينِ اللَّهِ، وقِيلَ: عَلى القُرْآنِ، وقِيلَ: عَلى التَّبْلِيغِ، وقِيلَ: عَلى الأنْباءِ بِمَعْنى القَوْلِ، وفِيهِ تَوْبِيخٌ لِلْكَفَرَةِ، وإقامَةُ الحُجَّةِ عَلَيْهِمْ، أوْ وما تَسْألُهم عَلى ما تُحَدِّثُهم بِهِ وتُذَكِّرُهم أنْ يُنِيلُوكَ مَنفَعَةً وجَدْوى - كَما يُعْطِي جُمْلَةَ الأحادِيثِ والأخْبارِ - إنْ هو إلّا مَوْعِظَةٌ وذِكْرٌ مِنَ اللَّهِ لِلْعالَمِينَ عامَّةً، وحَثٌّ عَلى طَلَبِ النَّجاةِ عَلى لِسانِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .

وقَرَأ بِشْرُ بْنُ عُبَيْدٍ: (وما نَسْألُهم) بِالنُّونِ، ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى أنَّهم لِفَرْطِ كُفْرِهِمْ يَمُرُّونَ عَلى الآياتِ الَّتِي تَكُونُ سَبَبًا لِلْإيمانِ ولا تُؤَثِّرُ فِيهِمْ، وأنَّ تِلْكَ الآياتِ هي في العالَمِ العُلْوِيِّ وفي العالَمِ السُّفْلِيِّ، وتَقَدَّمَ قِراءَةُ ابْنِ كَثِيرٍ (وكائِنٌ) قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ وهو اسْمُ فاعِلٍ مِن كانَ فَهو كائِنٌ، ومَعْناها مَعْنى كَمْ في التَّكْثِيرِ، انْتَهى. وهَذا شَيْءٌ يُرْوى عَنْ يُونُسَ، وهو قَوْلٌ مَرْجُوحٌ في النَّحْوِ، والمَشْهُورُ عِنْدَهم أنَّهُ مُرَكَّبٌ مِن كافِ التَّشْبِيهِ ومِن أيْ، وتَلاعَبَتِ العَرَبُ بِهِ فَجاءَتْ بِهِ لُغاتٌ، وذَكَرَ صاحِبُ اللَوامِحِ أنَّ الحَسَنَ قَرَأ (وكَيِ) بِياءٍ مَكْسُورَةٍ مِن غَيْرِ ”هم“ ولا ألِفٍ ولا تَشْدِيدٍ، وجاءَ كَذَلِكَ عَنِ ابْنِ مُحَيْصِنٍ، فَهي لُغَةٌ، انْتَهى.

﴿مِن آيَةٍ﴾ عَلامَةٌ عَلى تَوْحِيدِ اللَّهِ وصِفاتِهِ، وصِدْقِ ما جِيءَ بِهِ عَنْهُ. وقَرَأ عِكْرِمَةُ وعَمْرُو بْنُ فائِدٍ: (والأرْضُ) بِالرَّفْعِ عَلى الِابْتِداءِ، وما بَعْدَهُ خَبَرٌ. ومَعْنى ﴿يَمُرُّونَ عَلَيْها﴾ فَيُشاهِدُونَ ما فِيها مِنَ الآياتِ. وقَرَأ السُّدِّيُّ: (والأرْضَ) بِالنَّصْبِ، وهو مِن بابِ الِاشْتِغالِ أيْ: ويَطْوُونَ الأرْضَ يَمُرُّونَ عَلَيْها عَلى آياتِها، وما أوْدَعَ فِيها مِنَ الدَّلالاتِ، والضَّمِيرُ في (عَلَيْها، وعَنْها) في هاتَيْنِ القِراءَتَيْنِ يَعُودُ عَلى الأرْضِ، وفي قِراءَةِ الجُمْهُورِ وهي بِجَرِّ الأرْضِ، يَعُودُ الضَّمِيرُ عَلى (آيَةٍ) أيْ: يَمُرُّونَ عَلى تِلْكَ الآياتِ ويُشاهِدُونَ تِلْكَ الدَّلالاتِ، ومَعَ ذَلِكَ لا يَعْتَبِرُونَ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ: (والأرْضُ) بِرَفْعِ الضّادِ، ومَكانُ يَمُرُّونَ يَمْشُونَ، والمُرادُ: ما يَرَوْنَ مِن آثارِ الأُمَمِ الهالِكَةِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ العِبَرِ.

﴿وهم مُشْرِكُونَ﴾ جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ؛ أيْ: إيمانُهم مُلْتَبِسٌ بِالشِّرْكِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هم أهْلُ الكِتابِ، أشْرَكُوا بِاللَّهِ مِن حَيْثُ كَفَرُوا بِنَبِيِّهِ، أوْ مِن حَيْثُ ما قالُوا في عُزَيْرٍ والمَسِيحِ. وقالَ عِكْرِمَةُ ومُجاهِدٌ وقَتادَةُ وابْنُ زَيْدٍ: هم كُفّارُ العَرَبِ أقَرُّوا بِالخالِقِ الرّازِقِ المُحْيِـي المُمِيتِ، وكَفَرُوا بِعِبادَةِ الأوْثانِ والأصْنامِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هُمُ الَّذِينَ يُشَبِّهُونَ اللَّهَ بِخَلْقِهِ. وقِيلَ: هم أهْلُ مَكَّةَ قالُوا: اللَّهُ رَبُّنا لا شَرِيكَ لَهُ، والمَلائِكَةُ بَناتُهُ، فَأشْرَكُوا ولَمْ يُوَحِّدُوا. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ وعِكْرِمَةَ والشَّعْبِيِّ وقَتادَةَ أيْضًا ذَلِكَ في تَلْبِيَتِهِمْ يَقُولُونَ: لَبَّيْكَ لا شَرِيكَ لَكَ، إلّا شَرِيكٌ هو لَكَ تَمْلِكُهُ وما مَلَكَ. وفي الحَدِيثِ كانَ ﷺ «إذا سَمِعَ أحَدَهم يَقُولُ: لَبَّيْكَ لا شَرِيكَ لَكَ يَقُولُ لَهُ: ”قَطُّ قَطُّ“» أيْ: قِفْ هُنا ولا تَزِدْ إلّا شَرِيكٌ هو لَكَ، وقِيلَ: هُمُ الثَّنَوِيَّةُ قالُوا بِالنُّورِ والظُّلْمَةِ. وقالَ عَطاءٌ: هَذا في الدُّعاءِ يَنْسى الكُفّارُ رَبَّهم في الرَّخاءِ، فَإذا أصابَهُمُ البَلاءُ أخْلَصُوا في الدُّعاءِ. وقِيلَ: هُمُ المُنافِقُونَ، جَهَرُوا بِالإيمانِ وأخْفَوُا الكُفْرَ. وقِيلَ: عَلى بَعْضِ اليَهُودِ عَبَدُوا عُزَيْرًا، والنَّصارى عَبَدُوا الكَواكِبَ. وقِيلَ: قُرَيْشٌ لَمّا غَشِيَهَمُ الدُّخانُ في سِنِي القَحْطِ قالُوا: إنّا مُؤْمِنُونَ، ثُمَّ عادُوا إلى الشِّرْكِ بَعْدَ كَشْفِهِ. وقِيلَ: جَمِيعُ الخَلْقِ مُؤْمِنِهِمْ بِالرَّسُولِ وكافِرِهِمْ، فالكُفّارُ تَقَدَّمَ شِرْكُهم، والمُؤْمِنُونَ فِيهِمُ الشِّرْكُ الخَفِيُّ، وأقْرَبَهم إلى الكُفْرِ المُشَبِّهَةُ. ولِذَلِكَ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: آمَنُوا مُجْمَلًا، وكَفَرُوا مُفَصَّلًا. وثانِيها: مَن يُطِيعُ الخَلْقَ بِمَعْصِيَةِ الخالِقِ. وثالِثُها: مَن يَقُولُ: نَفَعَنِي فُلانٌ وضَرَّنِي فُلانٌ.

(أفَأمِنُوا) ؟ ! اسْتِفْهامُ إنْكارٍ فِيهِ تَوْبِيخٌ وتَهْدِيدٌ، غاشِيَةٌ: نِقْمَةٌ تَغْشاهم؛ أيْ: تُغَطِّيهِمْ كَقَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ يَغْشاهُمُ العَذابُ مِن فَوْقِهِمْ ومِن تَحْتِ أرْجُلِهِمْ﴾ [العنكبوت: ٥٥] وقالَ الضَّحّاكُ: يَعْنِي الصَّواعِقَ والقَوارِعَ، انْتَهى. وإتْيانُ الغاشِيَةِ يَعْنِي (p-٣٥٢)فِي الدُّنْيا، وذَلِكَ لِمُقابَلَتِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿أوْ تَأْتِيَهُمُ السّاعَةُ﴾ أيْ: يَوْمُ القِيامَةِ (بَغْتَةً) أيْ: فَجْأةً في الزَّمانِ مِن حَيْثُ لا يُتَوَقَّعُ ﴿وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ تَأْكِيدٌ لِقَوْلِهِ: (بَغْتَةً) . قالَ الكِرِمْانِيُّ: لا يَشْعُرُونَ بِإتْيانِها؛ أيْ: وهم غَيْرُ مُسْتَعِدِّينَ لَها. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: تَأْخُذُهُمُ الصَّيْحَةُ عَلى أسْواقِهِمْ ومَواضِعِهِمْ. وقَرَأ أبُو حَفْصٍ، وبِشْرُ بْنُ عُبَيْدٍ: (أوْ يَأْتِيَهُمُ السّاعَةُ) .

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском