Abu HayyanYusuf · 12:20–24

Abu Hayyan · Tafsir · in Arabic

Yusuf 12:20–24

12:20–22Page 237

وَشَرَوۡهُ بِثَمَنِۭ بَخۡسٖ دَرَٰهِمَ مَعۡدُودَةٖ وَكَانُواْ فِيهِ مِنَ ٱلزَّٰهِدِينَ ٢٠

And they sold him for a reduced price - a few dirhams - and they were, concerning him, of those content with little.

وَقَالَ ٱلَّذِي ٱشۡتَرَىٰهُ مِن مِّصۡرَ لِٱمۡرَأَتِهِۦٓ أَكۡرِمِي مَثۡوَىٰهُ عَسَىٰٓ أَن يَنفَعَنَآ أَوۡ نَتَّخِذَهُۥ وَلَدٗاۚ وَكَذَٰلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَلِنُعَلِّمَهُۥ مِن تَأۡوِيلِ ٱلۡأَحَادِيثِۚ وَٱللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰٓ أَمۡرِهِۦ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعۡلَمُونَ ٢١

And the one from Egypt1 who bought him said to his wife, "Make his residence comfortable. Perhaps he will benefit us, or we will adopt him as a son." And thus, We established Joseph in the land that We might teach him the interpretation of events [i.e., dreams]. And Allāh is predominant over His affair, but most of the people do not know.

وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُۥٓ ءَاتَيۡنَٰهُ حُكۡمٗا وَعِلۡمٗاۚ وَكَذَٰلِكَ نَجۡزِي ٱلۡمُحۡسِنِينَ ٢٢

And when he [i.e., Joseph] reached maturity, We gave him judgement and knowledge. And thus We reward the doers of good.

﴿وشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَراهِمَ مَعْدُودَةٍ وكانُوا فِيهِ مِنَ الزّاهِدِينَ﴾ ﴿وقالَ الَّذِي اشْتَراهُ مِن مِصْرَ لِامْرَأتِهِ أكْرِمِي مَثْواهُ عَسى أنْ يَنْفَعَنا أوْ نَتَّخِذَهُ ولَدًا وكَذَلِكَ مَكَّنّا لِيُوسُفَ في الأرْضِ ولِنُعَلِّمَهُ مِن تَأْوِيلِ الأحادِيثِ واللَّهُ غالِبٌ عَلى أمْرِهِ ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ ﴿ولَمّا بَلَغَ أشُدَّهُ آتَيْناهُ حُكْمًا وعِلْمًا وكَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ (p-٢٩١)شَرى بِمَعْنى باعَ، وبِمَعْنى اشْتَرى قالَ يَزِيدُ بْنُ مُفَرَّعٍ الحِمْيَرِيُّ:

؎وشَرَيْتُ بُرْدًا لَيْتَنِي مِن بَعْدِ بُرْدٍ كُنْتُ هامَهْ

أيْ: بِعْتُ بُرْدًا، وبُرْدَ غُلامِهِ. وقالَ الآخَرُ:

؎ولَوْ أنَّ هَذا المَوْتَ يَقْبَلُ فِدْيَةً ∗∗∗ شَرَيْتُ أبا زَيْدٍ بِما مَلَكَتْ يَدِي

أيِ: اشْتَرَيْتُ أبا زَيْدٍ، والظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ في ﴿وشَرَوْهُ﴾ عائِدٌ عَلى ﴿السَّيّارَةِ﴾ [يوسف: ١٠] أيْ: وباعُوا يُوسُفَ، ومَن قالَ: إنَّ الضَّمِيرَ في ﴿وأسَرُّوهُ﴾ [يوسف: ١٩] عائِدٌ عَلى إخْوَةِ يُوسُفَ جَعَلَهُ عائِدًا عَلَيْهِمْ أيْ: باعُوا أخاهم يُوسُفَ بِثَمَنٍ بَخْسٍ، و﴿بَخْسٍ﴾ مَصْدَرٌ وُصِفَ بِهِ بِمَعْنى مَبْخُوسٍ، وقالَ مُقاتِلٌ: زَيْفٌ ناقِصُ العِيارِ، وقالَ عِكْرِمَةُ والشَّعْبِيُّ: قَلِيلٌ، وهو مَعْنى الزَّمَخْشَرِيِّ: ناقِصٌ عَنِ القِيمَةِ نَقْصًا ظاهِرًا، وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: البَخْسُ الخَسِيسُ الَّذِي بَخَسَ بِهِ البائِعُ، وقالَ قَتادَةُ: بَخْسٌ: ظُلْمٌ؛ لِأنَّهم ظَلَمُوهُ في بَيْعِهِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ أيْضًا في آخَرِينَ: بَخْسٌ: حَرامٌ، وقالَ ابْنُ عَطاءٍ: إنَّما جَعَلَهُ بَخْسًا؛ لِأنَّهُ عِوَضُ نَفْسٍ شَرِيفَةٍ لا تُقابَلُ بِعِوَضٍ وإنْ جَلَّ، انْتَهى. وذَلِكَ أنَّ الَّذِينَ باعُوهُ إنْ كانُوا الوارِدَةَ فَإنَّهم لَمْ يُعْطُوا بِهِ ثَمَنًا، فَما أخَذُوا فِيهِ رِبْحٌ كُلُّهُ وإنْ كانُوا إخْوَتَهُ، فالمَقْصُودُ خَلُّو وجْهَ أبِيهِمْ مِنهُ لا ثَمَنَهُ، و﴿دَراهِمَ﴾ بَدَلٌ مِن (ثَمَنٍ)، فَلَمْ يَبِيعُوهُ بِدَنانِيرَ، و(مَعْدُودَةٍ) إشارَةٌ إلى القِلَّةِ، وكانَتْ عادَتُهم أنَّهم لا يَزِنُونَ إلّا ما بَلَغَ أُوقِيَّةً وهي أرْبَعُونَ دِرْهَمًا؛ لِأنَّ الكَثِيرَةَ يَعْسُرُ فِيها العَدُّ، بِخِلافِ القَلِيلَةِ، قالَ عِكْرِمَةُ في رِوايَةٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ إسْحاقَ: أرْبَعُونَ دِرْهَمًا. وقِيلَ: ثَلاثُونَ دِرْهَمًا ونَعْلانِ وحُلَّةٌ، وقالَ السُّدِّيُّ: كانَتِ اثْنَيْنِ وعِشْرِينَ دِرْهَمًا كَذا نَقَلَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ عَنْهُ، ونَقَلَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ عَنْ مُجاهِدٍ: أخَذَها إخْوَتُهُ دِرْهَمَيْنِ دِرْهَمَيْنِ، وصاحِبُ التَّحْرِيرِ عَنْهُ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ وابْنُ عَبّاسٍ في رِوايَةٍ، وعِكْرِمَةُ في رِوايَةٍ، ونَوْفٌ الشّامِيُّ ووَهْبٌ والشَّعْبِيُّ وعَطِيَّةُ والسُّدِّيُّ ومُقاتِلٌ في آخَرِينَ: عِشْرُونَ دِرْهَمًا، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا: عِشْرُونَ وحُلَّةٌ ونَعْلانِ. وقِيلَ: ثَمانِيَةَ عَشَرَ دِرْهَمًا اشْتَرَوْا بِها أخْفافًا ونِعالًا، وقِيلَ: عَشَرَةُ دَراهِمَ، والظّاهِرُ عَوْدُ الضَّمِيرِ في (فِيهِ) إلى يُوسُفَ؛ أيْ: لَمْ يَعْلَمُوا مَكانَهُ مِنَ اللَّهِ تَعالى قالَهُ: الضَّحّاكُ وابْنُ جُرَيْجٍ. وقِيلَ: يَعُودُ عَلى الثَّمَنِ، وزُهْدُهم فِيهِ لِرَداءَةِ الثَّمَنِ، أوْ لِقَصْدِ إبْعادِ يُوسُفَ لا الثَّمَنِ، وهَذا إذا كانَ الضَّمِيرُ في ﴿وشَرَوْهُ﴾ (وكانُوا) عائِدًا عَلى إخْوَةِ يُوسُفَ، فَأمّا إذا كانَ عائِدًا عَلى السَّيّارَةِ فَزُهْدُهم فِيهِ لِكَوْنِهِمُ ارْتابُوا فِيهِ، أوْ لِوَصْفِ إخْوَتِهِ بِالخِيانَةِ والإباقِ، أوْ لِعِلْمِهِمْ أنَّهُ حُرٌّ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مِنَ الزّاهِدِينَ، مِمَّنْ يَرْغَبُ عَمّا في يَدِهِ فَيَبِيعُهُ بِما طَفَّ مِنَ الثَّمَنِ؛ لِأنَّهُمُ التَقَطُوهُ، والمُلْتَقِطُ لِلشَّيْءِ مُتَهاوِنٌ بِهِ لا يُبالِي بِما باعَهُ، ولِأنَّهُ يَخافُ أنْ يَعْرِضَ لَهُ مُسْتَحِقٌّ فَيَنْزِعُهُ مِن يَدِهِ فَيَبِيعُهُ مِن أوَّلِ مُساوِمٍ بِأوْكَسِ الثَّمَنِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْنى ﴿وشَرَوْهُ﴾ اشْتَرَوْهُ، يَعْنِي الرُّفْقَةَ مِن إخْوَتِهِ.

﴿وكانُوا فِيهِ مِنَ الزّاهِدِينَ﴾ لِأنَّهُمُ اعْتَقَدُوا فِيهِ أنَّهُ آبِقٌ، فَخافُوا أنْ يُخاطِرُوا بِما لَهم فِيهِ، ويُرْوى أنَّ إخْوَتَهُ اتَّبَعُوهم يَقُولُونَ: اسْتَوْثِقُوا مِنهُ لا يَأْبَقُ، انْتَهى. وفِيهِ تَقَدَّمَ نَظِيرُهُ في ﴿إنِّي لَكُما لَمِنَ النّاصِحِينَ﴾ [الأعراف: ٢١] وأنَّهُ خَرَجَ تَعَلُّقُ الجارِّ إمّا (باعَنِي) مُضْمَرَةٌ، أوْ بِمَحْذُوفٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ مِنَ الزّاهِدِينَ؛ أيْ: وكانُوا زاهِدِينَ فِيهِ مِنَ الزّاهِدِينَ، أوْ بِالزّاهِدِينَ؛ لِأنَّهُ يَتَسامَحُ في الجارِّ والظَّرْفِ، فَجُوِّزَ فِيهِما ما لا يَجُوزُ في غَيْرِهِما.

﴿وقالَ الَّذِي اشْتَراهُ مِن مِصْرَ﴾ ذَكَرُوا أقْوالًا مُتَعارِضَةً فِيمَنِ اشْتَراهُ، وفي الثَّمَنِ الَّذِي اشْتَراهُ بِهِ، ولا يَتَوَقَّفُ تَفْسِيرُ كِتابِ اللَّهِ عَلى تِلْكَ الأقْوالِ المُتَعارِضَةِ، فَقِيلَ: اشْتَراهُ رَجُلٌ مِنَ العَمالِيقِ وقَدْ آمَنَ بِ يُوسُفَ، وماتَ في حَياةِ يُوسُفَ. قِيلَ: وهو إذْ ذاكَ المَلِكُ بِمِصْرَ، واسْمُهُ الرَّيّانُ بْنُ الوَلِيدِ (p-٢٩٢)بْنِ بَرْوانَ بْنِ أراشَهْ بْنِ فارانَ بْنِ عَمْرِو بْنِ عِمْلاقِ بْنِ لاوَذَ بْنِ سامِ بْنِ نُوحٍ، فَمَلَكَ بَعْدَهُ قابُوسُ بْنُ مُصْعَبِ بْنِ تَمْرِ بْنِ السَّلواسِ بْنِ فارانَ بْنِ عَمْرٍو المَذْكُورِ في نَسَبِ الرَّيّانِ، فَدَعاهُ يُوسُفُ إلى الإيمانِ فَأبى، فاشْتَراهُ العَزِيزُ وهو ابْنُ سَبْعَ عَشْرَةَ سَنَةً، وأقامَ في مَنزِلِهِ ثَلاثَ عَشْرَةَ سَنَةً، واسْتَوْزَرَهُ الرَّيّانُ بْنُ الوَلِيدِ وهو ابْنُ ثَلاثِينَ سَنَةً، وآتاهُ اللَّهُ الحِكْمَةَ والعِلْمَ وهو ابْنُ ثَلاثٍ وثَلاثِينَ سَنَةً، وتُوُفِّيَ وهو ابْنُ مِائَةٍ وعِشْرِينَ سَنَةً، وقِيلَ: كانَ المَلِكُ في أيّامِهِ فِرْعَوْنَ مُوسى، عاشَ أرْبَعَمِائَةِ سَنَةٍ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ جاءَكم يُوسُفُ مِن قَبْلُ بِالبَيِّناتِ﴾ [غافر: ٣٤] وقِيلَ: فِرْعَوْنُ مُوسى مِن أوْلادِ فِرْعَوْنَ يُوسُفَ، وقِيلَ: عُرِضَ في السُّوقِ وكانَ أجْمَلَ النّاسِ، فَوَقَعَتْ فِيهِ مُزايَدَةً حَتّى بَلَغَ ثَمَنًا عَظِيمًا، فَقِيلَ: وزْنُهُ مِن ذَهَبٍ ومِن فِضَّةٍ ومِن حَرِيرٍ، فاشْتَراهُ العَزِيزُ وهو كانَ صاحِبَ المَلِكِ وخازِنَهُ، واسْمُ المَلِكِ الرَّيّانُ بْنُ الوَلِيدِ، وقِيلَ: مُصْعَبُ بْنُ الرَّيّانِ، وهو أحَدُ الفَراعِنَةِ، واسْمُ العَزِيزِ قِطْفِيرُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وقِيلَ: إطْفِيرُ، وقِيلَ: قِنْطُورُ، واسْمُ امْرَأتِهِ راعِيلُ، وقِيلَ: زَلِيخا. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وظاهِرُ أمْرِ العَزِيزِ أنَّهُ كانَ كافِرًا، ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ كَوْنُ الصَّنَمِ في بَيْتِهِ حَسْبَما يُذْكَرُ، وقالَ مُجاهِدٌ: كانَ مُسْلِمًا، واسْمُ امْرَأةِ العَزِيزِ راعِيلُ بِنْتُ رَعايِيلَ، وقالَ السُّدِّيُّ: العَزِيزُ هو المَلِكُ، واسْمُ امْرَأتِهِ زَلِيخا بِنْتُ تَمْلِيخا، ومَثْواهُ مَكانَ إقامَتِهِ وهو كِنايَةٌ عَنِ الإحْسانِ إلَيْهِ في مَأْكَلٍ ومَشْرَبٍ ومَلْبَسٍ، ولامُ ﴿لِامْرَأتِهِ﴾ تَتَعَلَّقُ بِـ (قالَ) فَهي لِلتَّبْلِيغِ، نَحْوَ قُلْتُ لَكَ لا بِـ (اشْتِراهُ) عَسى أنْ يَنْفَعَنا، لَعَلَّهُ إذا تَدَرَّبَ وراضَ الأُمُورَ وعَرَفَ مَجارِيها نَسْتَعِينُ بِهِ عَلى بَعْضِ ما نَحْنُ بِصَدَدِهِ، فَيَنْفَعُنا بِكِفايَتِهِ، أوْ نَتَبَنّاهُ ونُقِيمُهُ مَقامَ الوَلَدِ، وكانَ قِطْفِيرُ عَقِيمًا لا يُولَدُ لَهُ، فَتَفَرَّسَ فِيهِ الرُّشْدَ فَقالَ ذَلِكَ، وكَذَلِكَ أيْ: مِثْلُ ذَلِكَ التَّمْكِينُ مِن قَلْبِ العَزِيزِ حَتّى عَطَفَ عَلَيْهِ، وأمَرَ امْرَأتَهُ بِإكْرامِ مَثْواهُ.

﴿مَكَّنّا لِيُوسُفَ في الأرْضِ﴾ أيْ: أرْضِ مِصْرَ يَتَصَرَّفُ فِيها بِأمْرِهِ ونَهْيِهِ؛ أيْ: حَكَّمْناهُ فِيها، ولامُ ﴿ولِنُعَلِّمَهُ﴾ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ، إمّا قَبْلَهُ لِنُمَلِّكَهُ ولِنُّعَلِّمَهُ، وإمّا بَعْدَهُ؛ أيْ: ولِنُعَلِّمَهُ مِن تَأْوِيلِ الأحادِيثِ، كانَ ذَلِكَ الإنْجاءُ والتَّمْكِينُ، أوِ الواوُ مُقْحَمَةٌ: أيْ: مَكَّنا لِيُوسُفَ في الأرْضِ لِنُعَلِّمَهُ كُلَّ مَقُولٍ، و(الأحادِيثِ) الرُّؤْيا، قالَهُ مُجاهِدٌ، وقِيلَ: أحادِيثُ الأنْبِياءِ والأُمَمِ، والضَّمِيرُ في ﴿عَلى أمْرِهِ﴾ الظّاهِرُ عَوْدُهُ عَلى اللَّهِ قالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ، لا يُمْنَعُ عَمّا يَشاءُ ولا يُنازَعُ فِيما يُرِيدُ، ويَقْضِي، أوْ عَلى يُوسُفَ قالَهُ الطَّبَرِيُّ؛ أيْ: يُدِيرُهُ ولا يَكِلُهُ إلى غَيْرِهِ، قَدْ أرادَ إخْوَتُهُ بِهِ ما أرادُوا، ولَمْ يَكُنْ إلّا ما أرادَ اللَّهُ ودَبَّرَهُ، وأكْثَرُ النّاسِ المَنفِيِّ عَنْهُمُ العِلْمَ هُمُ الكُفّارُ قالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لا يَعْلَمُونَ أنَّ الأمْرَ بِيَدِ اللَّهِ. وقِيلَ: المُرادُ بِالأكْثَرِ الجَمِيعُ؛ أيْ: لا يَطَّلِعُونَ عَلى غَيْبِهِ. وقِيلَ: المُرادُ بِأكْثَرِ النّاسِ أهْلُ مِصْرَ. وقِيلَ: أهْلُ مَكَّةَ.

والأشُدُّ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ جَمْعٌ واحِدُهُ شِدَّةٌ، وأشُدُّ كَنِعْمَةٍ وأنْعُمٍ. وقالَ الكِسائِيُّ: شَدَّ وأشُدٌّ نَحْوُ صَكَّ وأصُكٍّ، وقالَ الشّاعِرُ:

؎عَهْدِي بِهِ شَدَّ النَّهارِ كَأنَّما ∗∗∗ خُضِبَ البَنانُ ورَأْسُهُ بِالعِظْلِمِ

وزَعَمَ أبُو عُبَيْدَةَ أنَّهُ لا واحِدَ لَهُ مِن لَفْظِهِ عِنْدَ العَرَبِ والأشُدُّ بُلُوغُ الحُلُمِ قالَهُ: الشَّعْبِيُّ ورَبِيعَةُ وزَيْدُ بْنُ أسْلَمَ أوْ سَبْعَةَ عَشَرَ عامًا إلى نَحْوِ الأرْبَعِينَ قالَهُ الزَّجّاجُ. أوْ ثَمانِيَةَ عَشَرَ إلى سِتِّينَ أوْ ثَمانِيَةَ عَشَرَ قالَهُ عِكْرِمَةُ. ورَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أوْ عِشْرُونَ قالَهُ الضَّحّاكُ، أوْ إحْدى وعِشْرُونَ سَنَةً أوْ ثَلاثُونَ أوْ ثَلاثَةٌ وثَلاثُونَ قالَهُ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ ورَواهُ ابْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أوْ ثَمانٌ وثَلاثُونَ حَكاهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ، أوْ أرْبَعُونَ قالَهُ الحَسَنُ، وسُئِلَ الفاضِلُ النَّحْوِيُّ مُهَذِّبُ الدِّينِ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - الخَيْمِيُّ عَنِ الأشُدِّ فَقالَ: هو خَمْسٌ وثَلاثُونَ، وتَمامُهُ أرْبَعُونَ، وقِيلَ: أقْصاهُ اثْنانِ وسِتُّونَ، والحُلُمُ: الحُكْمُ، والعِلْمُ: النُّبُوَّةُ. وقِيلَ: الحُكْمُ بَيْنَ النّاسِ، والعِلْمُ: الفِقْهُ في الدِّينِ، وهَذا أشْبَهُ لِمَجِيءِ (p-٢٩٣)قِصَّةِ المُراوَدَةِ بَعْدَ هَذِهِ القِصَّةِ، وكَذَلِكَ أيْ: مِثْلُ ذَلِكَ الجَزاءِ لِمَن صَبَرَ ورَضِيَ بِالمَقادِيرِ نَجْزِي المُحْسِنِينَ، وفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ يُوسُفَ كانَ مُحْسِنًا في عُنْفُوانِ شَبابِهِ فَآتاهُ اللَّهُ الحُكْمَ والعِلْمَ جَزاءً عَلى إحْسانِهِ، وعَنِ الحَسَنِ: مَن أحْسَنَ عِبادَةَ اللَّهِ في شَبِيبَتِهِ آتاهُ اللَّهُ الحِكْمَةَ في اكْتِهالِهِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: المُحْسِنِينَ المُهْتَدِينَ، وقالَ الضَّحّاكُ: الصّابِرِينَ عَلى النَّوائِبِ.

12:23Page 238

وَرَٰوَدَتۡهُ ٱلَّتِي هُوَ فِي بَيۡتِهَا عَن نَّفۡسِهِۦ وَغَلَّقَتِ ٱلۡأَبۡوَٰبَ وَقَالَتۡ هَيۡتَ لَكَۚ قَالَ مَعَاذَ ٱللَّهِۖ إِنَّهُۥ رَبِّيٓ أَحۡسَنَ مَثۡوَايَۖ إِنَّهُۥ لَا يُفۡلِحُ ٱلظَّٰلِمُونَ ٢٣

And she, in whose house he was, sought to seduce him. She closed the doors and said, "Come, you." He said, "[I seek] the refuge of Allāh. Indeed, he1 is my master, who has made good my residence. Indeed, wrongdoers will not succeed."

﴿وراوَدَتْهُ الَّتِي هو في بَيْتِها عَنْ نَفْسِهِ وغَلَّقَتِ الأبْوابَ وقالَتْ هَيْتَ لَكَ قالَ مَعاذَ اللَّهِ إنَّهُ رَبِّي أحْسَنَ مَثْوايَ إنَّهُ لا يُفْلِحُ الظّالِمُونَ﴾ ﴿ولَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وهَمَّ بِها لَوْلا أنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ والفَحْشاءَ إنَّهُ مِن عِبادِنا المُخْلَصِينَ﴾ [يوسف: ٢٤]

المُراوَدَةُ: المُطالَبَةُ بِرِفْقٍ، مِن رادَ يَرُودُ إذا ذَهَبَ وجاءَ، وهي مُفاعَلَةٌ مِن واحِدٍ نَحْوَ: داوَيْتُ المَرِيضَ، وكُنِّيَ بِهِ عَنْ طَلَبِ النِّكاحِ والمُخادَعَةِ لِأجْلِهِ، كانَ المَعْنى وخادَعَتْهُ عَنْ نَفْسِهِ، ولِذَلِكَ عَدّاهُ بِـ (عْنَ)، وقالَ: ﴿الَّتِي هو في بَيْتِها﴾ ولَمْ يُصَرِّحْ بِاسْمِها ولا بِامْرَأةِ العَزِيزِ سِتْرًا عَلى الحُرُمِ، والعَرَبُ تُضِيفُ البُيُوتَ إلى النِّساءِ فَتَقُولُ: رَبَّةُ البَيْتِ، وصاحِبَةُ البَيْتِ، قالَ الشّاعِرُ:

؎يا رَبَّةَ البَيْتِ قُومِي غَيْرَ صاغِرَةٍ

﴿وغَلَّقَتِ الأبْوابَ﴾ هو تَضْعِيفُ تَكْثِيرٍ بِالنِّسْبَةِ إلى وُقُوعِ الفِعْلِ بِكُلِّ بابٍ بابٍ. قِيلَ: وكانَتْ سَبْعَةُ أبْوابٍ، ﴿هَيْتَ﴾ اسْمُ فِعْلٍ بِمَعْنى أسْرِعْ، و(لَكَ) لِلتَّبْيِينِ؛ أيْ: لَكَ أقُولُ، أمَرَتْهُ بِأنْ يُسْرِعَ إلَيْها، وزَعَمَ الكِسائِيُّ والفَرّاءُ أنَّها لُغَةٌ حَوَرانِيَّةٌ وقَعَتْ إلى أهْلِ الحِجازِ فَتَكَلَّمُوا بِها ومَعْناها: تَعالَ، وقالَهُ عِكْرِمَةُ، وقالَ أبُو زَيْدٍ: هي عِبْرانِيَّةٌ. هيتلخ أيْ: تَعالَهُ فَأعْرَبَهُ القُرْآنُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ: بِالسِّرْيانِيَّةِ. وقالَ السُّدِّيُّ: بِالقِبْطِيَّةِ هَلُمَّ لَكَ، وقالَ مُجاهِدٌ وغَيْرُهُ: عَرَبِيَّةٌ تَدْعُوهُ بِها إلى نَفْسِها، وهي كَلِمَةُ حَثٍّ وإقْبالٍ، انْتَهى. ولا يَبْعُدُ اتِّفاقُ اللُّغاتِ في لَفْظٍ، فَقَدْ وُجِدَ ذَلِكَ في كَلامِ العَرَبِ مَعَ لُغاتِ غَيْرِهِمْ، وقالَ الجَوْهَرِيُّ: (p-٢٩٤)هَوْتَ وهَيْتَ بِهِ صاحَ بِهِ فَدَعاهُ، ولا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ مُشْتَقًّا مِنِ اسْمِ الفِعْلِ، كَما اشْتَقُّوا مِنَ الجُمَلِ نَحْوَ سَبَّحَ وحَمَدَكَ، ولَمّا كانَ اسْمَ فِعْلٍ لَمْ يَبْرُزْ فِيهِ الضَّمِيرُ، بَلْ يَدُلُّ عَلى رُتْبَةِ الضَّمِيرِ بِما يَتَّصِلُ بِاللّامِ مِنَ الخِطابِ نَحْوَ: هَيْتَ لَكَ، وهَيْتَ لَكِ، وهَيْتَ لَكُما، وهَيْتَ لَكم، وهَيْتَ لَكُنَّ، وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ ذَكْوانَ والأعْرَجُ وشَيْبَةُ وأبُو جَعْفَرٍ: ﴿هَيْتَ﴾ بِكَسْرِ الهاءِ بَعْدَها ياءٌ ساكِنَةٌ وفَتْحِ التّاءِ، والحُلْوانِيُّ عَنْ هِشامٍ كَذَلِكَ إلّا أنَّهُ هَمَزَ وعَلِيٌّ وأبُو وائِلٍ وأبُو رَجاءٍ ويَحْيَـى وعِكْرِمَةُ ومُجاهِدٌ وقَتادَةُ وطَلْحَةُ والمُقْرِي وابْنُ عَبّاسٍ وأبُو عامِرٍ في رِوايَةٍ عَنْهُما، وأبُو عَمْرٍو في رِوايَةٍ وهِشامٌ في رِوايَةٍ كَذَلِكَ، إلّا أنَّهم ضَمُّوا التّاءَ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وابْنُ أبِي إسْحاقَ كَذَلِكَ، إلّا أنَّهُما سَهَّلا الهَمْزَةَ، وذَكَرَ النَّحّاسُ: أنَّهُ قُرِئَ بِكَسْرِ الهاءِ بَعْدَها ياءٌ ساكِنَةٌ وكَسْرِ التّاءِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأهْلُ مَكَّةَ: بِفَتْحِ الهاءِ وسُكُونِ الياءِ وضَمِّ التّاءِ، وباقِي السَّبْعَةِ أبُو عَمْرٍو والكُوفِيُّونَ وابْنُ مَسْعُودٍ والحَسَنُ، والبَصْرِيُّونَ كَذَلِكَ إلّا أنَّهم فَتَحُوا التّاءَ، وابْنُ عَبّاسٍ وأبُو الأسْوَدِ وابْنُ أبِي إسْحاقَ وابْنُ مُحَيْصِنٍ وعِيسى البَصْرَةِ كَذَلِكَ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: هَيِيَتْ مِثْلُ حَيِيَتْ، فَهَذِهِ تِسْعُ قِراءاتٍ هي فِيها اسْمُ فِعْلٍ إلّا قِراءَةَ ابْنِ عَبّاسٍ الأخِيرَةَ فَإنَّها فِعْلٌ مَبْنِيٌّ لِلْمَفْعُولِ مُسَهَّلُ الهَمْزَةِ مِن هَيَّأْتُ الشَّيْءَ، وإلّا مَن ضَمَّ التّاءَ وكَسَرَ الهاءَ سَواءٌ هَمَزَ أمْ لَمْ يَهْمِزْ، فَإنَّهُ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ اسْمَ فِعْلٍ كَحالِها عِنْدَ فَتْحِ التّاءِ أوْ كَسْرِها، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ فِعْلًا واقِعًا ضَمِيرَ المُتَكَلِّمِ مِن هاءِ الرَّجُلِ يُهَيِّءُ إذا أحْسَنَ هَيْئَتَهُ عَلى مِثالِ: جاءَ يَجِيءُ، أوْ بِمَعْنى تَهَيَّأْتُ. يُقالُ: هَيْتَ وتَهَيَّأْتُ بِمَعْنًى واحِدٍ، فَإذا كانَ فِعْلًا تَعَلَّقَتِ اللّامُ بِهِ، وفي هَذِهِ الكَلِمَةِ لُغاتٌ أُخَرُ، وانْتَصَبَ ﴿مَعاذَ اللَّهِ﴾ عَلى المَصْدَرِ؛ أيْ: عِياذًا بِاللَّهِ مِن فِعْلِ السُّوءِ، والضَّمِيرُ في (إنَّهُ) الأصَحُّ أنَّهُ يَعُودُ عَلى اللَّهِ تَعالى؛ أيْ: إنَّ اللَّهَ رَبِّي أحْسَنَ مَثْوايَ إذْ نَجّانِي مِنَ الجُبِّ، وأقامَنِي في أحْسَنِ مَقامٍ، وإمّا أنْ يَكُونَ ضَمِيرَ الشَّأْنِ وعَنى بِرَبِّهِ سَيِّدَهُ العَزِيزَ فَلا يَصْلُحُ لِي أنْ أخُونَهُ، وقَدْ أكْرَمَ مَثْوايَ وائْتَمَنَنِي قالَهُ مُجاهِدٌ والسُّدِّيُّ وابْنُ إسْحاقَ ويَبْعُدُ جِدًّا؛ إذْ لا يُطْلِقُ نَبِيٌّ كَرِيمٌ عَلى مَخْلُوقٍ أنَّهُ رَبُّهُ، ولا بِمَعْنى السَّيِّدِ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ في الحَقِيقَةِ مَمْلُوكًا لَهُ ﴿إنَّهُ لا يُفْلِحُ الظّالِمُونَ﴾ أيِ: المُجازُونَ الإحْسانَ بِالسُّوءِ. وقِيلَ: الزُّناةُ. وقِيلَ: الخائِنُونَ. وقَرَأ أبُو الطُّفَيْلِ والجَحْدَرِيُّ (مَثْوَيَّ) كَما قَرَأ (يا بُشْرَيَّ)، وما أحْسَنَ هَذا التَّنَصُّلَ مِنَ الوُقُوعِ في السُّوءِ. اسْتَعاذَ أوَّلًا بِاللَّهِ الَّذِي بِيَدِهِ العِصْمَةُ ومَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ، ثُمَّ نَبَّهَ عَلى أنَّ إحْسانَ اللَّهِ أوْ إحْسانَ العَزِيزِ الَّذِي سَبَقَ مِنهُ لا يُناسِبُ أنْ يُجازى بِالإساءَةِ، ثُمَّ نَفى الفَلاحَ عَنِ الظّالِمِينَ وهو الظَّفَرُ والفَوْزُ بِالبُغْيَةِ فَلا يُناسِبُ أنْ أكُونَ ظالِمًا أضَعُ الشَّيْءَ غَيْرَ مَوْضِعِهِ، وأتَعَدّى ما حَدَّهُ اللَّهُ تَعالى لِي.

12:24Page 238

وَلَقَدۡ هَمَّتۡ بِهِۦۖ وَهَمَّ بِهَا لَوۡلَآ أَن رَّءَا بُرۡهَٰنَ رَبِّهِۦۚ كَذَٰلِكَ لِنَصۡرِفَ عَنۡهُ ٱلسُّوٓءَ وَٱلۡفَحۡشَآءَۚ إِنَّهُۥ مِنۡ عِبَادِنَا ٱلۡمُخۡلَصِينَ ٢٤

And she certainly determined [to seduce] him, and he would have inclined to her had he not seen the proof [i.e., sign] of his Lord. And thus [it was] that We should avert from him evil and immorality. Indeed, he was of Our chosen servants.

﴿ولَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وهَمَّ بِها لَوْلا أنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ﴾ طَوَّلَ (p-٢٩٥)المُفَسِّرُونَ في تَفْسِيرِ هَذَيْنِ الهَمَّيْنِ، ونَسَبَ بَعْضُهم لِيُوسُفَ ما لا يَجُوزُ نِسْبَتَهُ لِآحادِ الفُسّاقِ، والَّذِي أخْتارُهُ أنَّ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَمْ يَقَعْ مِنهُ هَمٌّ بِها البَتَّةَ، بَلْ هو مَنفِيٌّ لِوُجُودِ رُؤْيَةِ البُرْهانِ كَما تَقُولُ: لَقَدْ قارَفْتَ لَوْلا أنْ عَصَمَكَ اللَّهُ، ولا تَقُولُ: إنَّ جَوابَ لَوْلا مُتَقَدِّمٌ عَلَيْها وإنْ كانَ لا يَقُومُ دَلِيلٌ عَلى امْتِناعِ ذَلِكَ، بَلْ صَرِيحُ أدَواتِ الشَّرْطِ العامِلَةِ مُخْتَلِفٌ في جَوازِ تَقْدِيمِ أجْوِبَتِها عَلَيْها، وقَدْ ذَهَبَ إلى ذَلِكَ الكُوفِيُّونَ، ومِن أعْلامِ البَصْرِيِّينَ أبُو زَيْدٍ الأنْصارِيُّ وأبُو العَبّاسِ المُبَرِّدُ. بَلْ نَقُولُ: إنَّ جَوابَ لَوْلا مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ ما قَبْلَهُ عَلَيْهِ، كَما تَقُولُ جُمْهُورُ البَصْرِيِّينَ في قَوْلِ العَرَبِ: أنْتَ ظالِمٌ إنْ فَعَلْتَ، فَيُقَدِّرُونَهُ إنْ فَعَلْتَ فَأنْتَ ظالِمٌ، ولا يَدُلُّ قَوْلُهُ: أنْتَ ظالِمٌ عَلى ثُبُوتِ الظُّلْمِ، بَلْ هو مُثْبَتٌ عَلى تَقْدِيرِ وُجُودِ الفِعْلِ، وكَذَلِكَ هُنا التَّقْدِيرُ لَوْلا أنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ لَهم بِها، فَكانَ مُوجِدًا لَهم عَلى تَقْدِيرِ انْتِفاءِ رُؤْيَةِ البُرْهانِ، لَكِنَّهُ وجَدَ رُؤْيَةَ البُرْهانِ فانْتَفى الهَمُّ، ولا التِفاتَ إلى قَوْلِ الزَّجّاجِ، ولَوْ كانَ الكَلامُ ولَهم بِها كانَ بَعِيدًا فَكَيْفَ مَعَ سُقُوطِ اللّامِ ؟ لِأنَّهُ يُوهِمُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وهَمَّ بِها﴾ هو جَوابُ لَوْلا، ونَحْنُ لَمْ نَقُلْ بِذَلِكَ، وإنَّما هو دَلِيلُ الجَوابِ، وعَلى تَقْدِيرِ أنْ يَكُونَ نَفْسَ الجَوابِ، فاللّامُ لَيْسَتْ بِلازِمَةٍ لِجَوازِ أنَّ ما يَأْتِي جَوابَ ”لَوْلا“ إذا كانَ بِصِيغَةِ الماضِي بِاللّامِ، وبِغَيْرِ لامٍ تَقُولُ: لَوْلا زَيْدٌ لَأكْرَمْتُكَ، ولَوْلا زَيْدٌ أكْرَمْتُكَ، فَمَن ذَهَبَ إلى أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وهَمَّ بِها﴾ هو نَفْسُ الجَوابِ لَمْ يَبْعُدْ، ولا التِفاتَ لِقَوْلِ ابْنِ عَطِيَّةَ إنَّ قَوْلَ مَن قالَ: إنَّ الكَلامَ قَدْ تَمَّ في قَوْلِهِ: ولَقَدْ هَمَّتْ بِهِ، وإنَّ جَوابَ ”لَوْلا“ في قَوْلِهِ: ﴿وهَمَّ بِها﴾، وأنَّ المَعْنى لَوْلا أنْ رَأى البُرْهانَ لَهَمَّ بِها فَلَمْ يَهُمَّ يُوسُفُ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، قالَ: وهَذا قَوْلٌ يَرُدُّهُ لِسانُ العَرَبِ وأقْوالُ السَّلَفِ، انْتَهى.

أمّا قَوْلُهُ: يَرُدُّهُ لِسانُ العَرَبِ فَلَيْسَ كَما ذَكَرَ، وقَدِ اسْتَدَلَّ مَن ذَهَبَ إلى جَوازِ ذَلِكَ بِوُجُودِهِ في لِسانِ العَرَبِ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿إنْ كادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلا أنْ رَبَطْنا عَلى قَلْبِها لِتَكُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ [القصص: ١٠] فَقَوْلُهُ: ﴿إنْ كادَتْ لَتُبْدِي بِهِ﴾ [القصص: ١٠] إمّا أنْ يَتَخَرَّجَ عَلى أنَّهُ الجَوابُ عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ ذَلِكَ القائِلُ، وإمّا أنْ يَتَخَرَّجَ عَلى ما ذَهَبْنا إلَيْهِ مِن أنَّهُ دَلِيلُ الجَوابِ، والتَّقْدِيرُ: لَوْلا أنْ رَبَطْنا عَلى قَلْبِها لَكادَتْ تُبْدِي بِهِ، وأمّا أقْوالُ السَّلَفِ فَنَعْتَقِدُ أنَّهُ لا يَصِحُّ عَنْ أحَدٍ مِنهم شَيْءٌ مِن ذَلِكَ، لِأنَّها أقْوالٌ مُتَكاذِبَةٌ يُناقِضُ بَعْضُها بَعْضًا، مَعَ كَوْنِها قادِحَةً في بَعْضِ فُسّاقِ المُسْلِمِينَ، فَضْلًا عَنِ المَقْطُوعِ لَهم بِالعِصْمَةِ، والَّذِي رُوِيَ عَنِ السَّلَفِ لا يُساعِدُ عَلَيْهِ كَلامُ العَرَبِ؛ لِأنَّهم قَدَّرُوا جَوابَ ”لَوْلا“ مَحْذُوفًا، ولا يَدُلُّ عَلَيْهِ دَلِيلٌ؛ لِأنَّهم لَمْ يُقَدِّرُوا لَهم بِها، ولا يَدُلُّ كَلامُ العَرَبِ إلّا عَلى أنْ يَكُونَ المَحْذُوفُ مِن مَعْنى ما قَبْلَ الشَّرْطِ، لِأنَّ ما قَبْلَ الشَّرْطِ دَلِيلٌ عَلَيْهِ، ولا يُحْذَفُ الشَّيْءُ لِغَيْرِ دَلِيلٍ عَلَيْهِ، وقَدْ طَهَّرْنا كِتابَنا هَذا عَنْ نَقْلِ ما في كُتُبِ التَّفْسِيرِ مِمّا لا يَلِيقُ ذِكْرُهُ، واقْتَصَرْنا عَلى ما دَلَّ عَلَيْهِ لِسانُ العَرَبِ ومَساقُ الآياتِ الَّتِي في هَذِهِ السُّورَةِ مِمّا يَدُلُّ عَلى العِصْمَةِ وبَراءَةِ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِن كُلِّ ما يَشِينُ، ومَن أرادَ أنْ يَقِفَ عَلى ما نُقِلَ عَنِ المُفَسِّرِينَ في هَذِهِ الآيَةِ فَلْيُطالِعْ ذَلِكَ في تَفْسِيرِ الزَّمَخْشَرِيِّ وابْنِ عَطِيَّةَ وغَيْرِهِما.

والبُرْهانُ الَّذِي رَآهُ يُوسُفُ هو ما آتاهُ اللَّهُ تَعالى مِنَ العِلْمِ الدّالِّ عَلى تَحْرِيمِ ما حَرَّمَهُ اللَّهُ، واللَّهُ لا يُمَكِّنُ الهَمَّ بِهِ فَضْلًا عَنِ الوُقُوعِ فِيهِ ﴿كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ والفَحْشاءَ﴾ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: الكافُ مَنصُوبُ المَحَلِّ؛ أيْ: مِثْلَ ذَلِكَ التَّثْبِيتِ ثَبَّتْناهُ، أوْ مَرْفُوعَةٌ؛ أيْ: الأمْرُ مِثْلُ ذَلِكَ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والكافُ مِن قَوْلِهِ: (كَذَلِكَ) مُتَعَلِّقَةٌ بِمُضْمَرٍ تَقْدِيرُهُ: جَرَتْ أفْعالُنا وأقْدارُنا كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ، ويَصِحُّ أنْ تَكُونَ الكافُ في مَوْضِعِ رَفْعٍ بِتَقْدِيرِ عِصْمَتِهِ، كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ، وقِيلَ: في الكَلامِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ تَقْدِيرُهُ: هَمَّتْ بِهِ وهَمَّ بِها كَذَلِكَ، ثُمَّ قالَ: لَوْلا أنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ، لِنَصْرِفَ عَنْهُ ما هَمَّ بِهِ، انْتَهى. وقالَ الحَوْفِيُّ: كَذَلِكَ الكافُ لِلتَّشْبِيهِ في مَوْضِعِ نَصْبٍ؛ أيْ: أرَيْناهُ البَراهِينَ كَذَلِكَ، وقِيلَ: في مَوْضِعِ رَفْعٍ؛ أيْ: أمَرُ البَراهِينَ كَذَلِكَ، والنَّصْبُ (p-٢٩٦)أجْوَدُ لِمُطالَبَةِ حُرُوفِ الجَرِّ لِلْأفْعالِ أوْ مَعانِيها، وقالَ أبُو البَقاءِ: (كَذَلِكَ) في مَوْضِعِ رَفْعٍ؛ أيِ: الأمْرُ كَذَلِكَ. وقِيلَ: في مَوْضِعِ نَصْبٍ؛ أيْ: نُراعِيهِ كَذَلِكَ، انْتَهى. وأقُولُ: إنَّ التَّقْدِيرَ مِثْلَ تِلْكَ الرُّؤْيَةِ، أوْ مِثْلَ ذَلِكَ الرَّأْيِ، نُرِي بَراهِينَنا لِنَصْرِفَ عَنْهُ، فَتُجْعَلُ الإشارَةُ إلى الرَّأْيِ أوِ الرُّؤْيَةِ، والنّاصِبُ لِلْكافِ ما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿لَوْلا أنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ﴾ . و﴿لِنَصْرِفَ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِذَلِكَ الفِعْلِ النّاصِبِ لِلْكافِ، ومَصْدَرُ رَأى: رُؤْيَةٌ ورَأْيٌ قالَ:

؎ورَأْيُ عَيْنَيَّ الفَتى أباكا يُعْطِي الجَزِيلَ فَعَلَيْكَ ذاكا

وقَرَأ الأعْمَشُ: (لِيَصْرِفَ) بِياءِ الغَيْبَةِ عائِدًا عَلى رَبِّهِ، وقَرَأ العَرَبِيّانِ وابْنُ كَثِيرٍ: (المُخْلِصِينَ) إذا كانَ فِيهِ إلى حَيْثُ وقَعَ بِكَسْرِ اللّامِ، وباقِي السَّبْعَةِ بِفَتْحِها، وفي صَرْفِ السُّوءِ والفَحْشاءِ عَنْهُ وكَوْنِهِ مِنَ المُخْلَصِينَ دَلِيلٌ عَلى عِصْمَتِهِ.

٢٥: ٢٩

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском