Abu HayyanYusuf · 12:25–30

Abu Hayyan · Tafsir · in Arabic

Yusuf 12:25–30

12:25–29Page 238

وَٱسۡتَبَقَا ٱلۡبَابَ وَقَدَّتۡ قَمِيصَهُۥ مِن دُبُرٖ وَأَلۡفَيَا سَيِّدَهَا لَدَا ٱلۡبَابِۚ قَالَتۡ مَا جَزَآءُ مَنۡ أَرَادَ بِأَهۡلِكَ سُوٓءًا إِلَّآ أَن يُسۡجَنَ أَوۡ عَذَابٌ أَلِيمٞ ٢٥

And they both raced to the door, and she tore his shirt from the back, and they found her husband at the door. She said, "What is the recompense of one who intended evil for your wife but that he be imprisoned or a painful punishment?"

قَالَ هِيَ رَٰوَدَتۡنِي عَن نَّفۡسِيۚ وَشَهِدَ شَاهِدٞ مِّنۡ أَهۡلِهَآ إِن كَانَ قَمِيصُهُۥ قُدَّ مِن قُبُلٖ فَصَدَقَتۡ وَهُوَ مِنَ ٱلۡكَٰذِبِينَ ٢٦

[Joseph] said, "It was she who sought to seduce me." And a witness from her family testified, "If his shirt is torn from the front, then she has told the truth, and he is of the liars.

وَإِن كَانَ قَمِيصُهُۥ قُدَّ مِن دُبُرٖ فَكَذَبَتۡ وَهُوَ مِنَ ٱلصَّٰدِقِينَ ٢٧

But if his shirt is torn from the back, then she has lied, and he is of the truthful."

فَلَمَّا رَءَا قَمِيصَهُۥ قُدَّ مِن دُبُرٖ قَالَ إِنَّهُۥ مِن كَيۡدِكُنَّۖ إِنَّ كَيۡدَكُنَّ عَظِيمٞ ٢٨

So when he [i.e., her husband] saw his shirt torn from the back, he said, "Indeed, it is of your [i.e., women's] plan. Indeed, your plan is great [i.e., vehement].

يُوسُفُ أَعۡرِضۡ عَنۡ هَٰذَاۚ وَٱسۡتَغۡفِرِي لِذَنۢبِكِۖ إِنَّكِ كُنتِ مِنَ ٱلۡخَاطِـِٔينَ ٢٩

Joseph, ignore this.1 And, [my wife], ask forgiveness for your sin. Indeed, you were of the sinful."

﴿واسْتَبَقا البابَ وقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِن دُبُرٍ وألْفَيا سَيِّدَها لَدى البابِ قالَتْ ما جَزاءُ مَن أرادَ بِأهْلِكَ سُوءًا إلّا أنْ يُسْجَنَ أوْ عَذابٌ ألِيمٌ﴾ ﴿قالَ هي راوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي وشَهِدَ شاهِدٌ مِن أهْلِها إنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وهو مِنَ الكاذِبِينَ﴾ ﴿وإنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وهو مِنَ الصّادِقِينَ﴾ ﴿فَلَمّا رَأى قَمِيصَهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ قالَ إنَّهُ مِن كَيْدِكُنَّ إنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ﴾ ﴿يُوسُفُ أعْرِضْ عَنْ هَذا واسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ إنَّكِ كُنْتِ مِنَ الخاطِئِينَ﴾

أيْ: واسْتَبَقَ يُوسُفُ وامْرَأةُ العَزِيزِ إلى البابِ هَذا لِلْخُرُوجِ والهُرُوبِ مِنها، وهَذِهِ لِمَنعِهِ ومُراوَدَتِهِ، وأصْلُ اسْتَبَقَ أنْ يَتَعَدّى بِإلى، فَحُذِفَ اتِّساعًا، وتَقَدَّمَ أنَّ الأبْوابَ سَبْعَةٌ، فَكانَ تَنْفَتِحُ لَهُ الأبْوابُ بابًا بابًا مِن غَيْرِ مِفْتاحٍ، عَلى ما نُقِلَ عَنْ كَعْبٍ أنَّ فِراشَ القُفْلِ كانَ يَتَناثَرُ ويَسْقُطُ، حَتّى خَرَجَ مِنَ الأبْوابِ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ الأبْوابُ المُغْلَقَةُ لَيْسَتْ عَلى التَّرْتِيبِ بابًا فَبابًا، بَلْ تَكُونُ في جِهاتٍ مُخْتَلِفَةٍ كُلُّها مَنافِذُ لِلْمَكانِ الَّذِي كانا فِيهِ، فاسْتَبَقا إلى بابٍ يَخْرُجُ مِنهُ، ولا يَكُونُ السّابِعَ عَلى التَّرْتِيبِ بَلْ أحَدَها، ﴿وقَدَّتْ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى (p-٢٩٧)﴿واسْتَبَقا﴾ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ حالًا؛ أيْ: وقَدْ قَدَّتْ جَذَبَتْهُ مِن خَلْفِهِ بِأعْلى القَمِيصِ مِن طَوْقِهِ، فانْخَرَقَ إلى أسْفَلِهِ، والقَدُّ: القَطْعُ والشَّقُّ، وأكْثَرُ اسْتِعْمالِهِ فِيما كانَ طُولًا قالَ:

؎تَقُدَّ السَّلُوقِيَّ المُضاعَفَ نَسْجُهُ وتُوقِدُ بِالصُّفّاحِ نارَ الحُباحِبِ

والقَطُّ: يُسْتَعْمَلُ فِيما كانَ عَرْضًا، وقالَ المُفَضَّلُ بْنُ حَرْبٍ: رَأيْتُ في مُصْحَفٍ قَطًّا مِن دُبُرٍ؛ أيْ: شَقًّا، قالَ يَعْقُوبُ: الشَّقُّ في الجِلْدِ الصَّحِيحِ والثَّوْبِ الصَّحِيحِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: (قَطَّ) .

﴿وألْفَيا سَيِّدَها﴾ أيْ: وجَدَ أوْ صادَفا زَوْجَها وهو قِطْفِيرُ، والمَرْأةُ تَقُولُ لِبَعْلِها: سَيِّدِي، ولَمْ يُضَفْ إلَيْهِما؛ لِأنَّ قِطْفِيرَ لَيْسَ سَيِّدَ يُوسُفَ عَلى الحَقِيقَةِ، ويُقالُ: ألْفاهُ ووارَطَهُ وصادَفَهُ ووالَطَهُ ولاظَهُ، كُلُّهُ بِمَعْنًى واحِدٍ، قِيلَ: ألْفَياهُ مُقْبِلًا يُرِيدُ أنْ يَدْخُلَ، وقِيلَ: مَعَ ابْنِ عَمِّ المَرْأةِ، وفي الكَلامِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ: فَرابَهُ أمْرُهُما وقالَ: ما لَكُما ؟ فَلَمّا سَألَ وقَدْ خافَتَ لَوْمَهُ أوْ سَبْقَ يُوسُفَ بِالقَوْلِ، بادَرَتْ أنْ جاءَتْ بِحِيلَةٍ جَمَعَتْ فِيها بَيْنَ تَبْرِئَةِ ساحَتِها مِنَ الرِّيبَةِ، وغَضَبِها عَلى يُوسُفَ وتَخْوِيفِهِ طَمَعًا في مُواقَعَتِها خِيفَةً مِن مَكْرِها، كَرْهًا لَمّا آيَسَتْ أنْ يُواقِعَها طَوْعًا، ألا تَرى إلى قَوْلِها: ﴿ولَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ ما آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ﴾ [يوسف: ٣٢] ؟ ولَمْ تُصَرِّحْ باسِمِ يُوسُفَ، بَلْ أتَتْ بِلَفْظٍ عامٍّ وهو قَوْلُها: ﴿ما جَزاءُ مَن أرادَ﴾ وهو أبْلَغُ في التَّخْوِيفِ، و(ما) الظّاهِرُ أنَّها نافِيَةٌ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ اسْتِفْهامِيَّةً؛ أيْ: أيُّ شَيْءٍ جَزاؤُهُ إلّا السِّجْنَ ؟ وبَدَأتْ بِالسِّجْنِ إبْقاءً عَلى مَحْبُوبِها، ثُمَّ تَرَقَّتْ إلى العَذابِ الألِيمِ، قِيلَ: وهو الضَّرْبُ بِالسَّوْطِ، وقَوْلُها: ﴿ما جَزاءُ﴾ أيْ: إنَّ الذَّنْبَ ثابِتٌ مُتَقَرِّرٌ في حَقِّهِ، وأتَتْ بِلَفْظِ (بِسُوءٍ) أيْ: بِما يَسُوءُ، ولَيْسَ نَصًّا في مَعْصِيَةٍ كُبْرى، إذْ يَحْتَمِلُ خِطابُهُ لَها بِما يَسُوؤُها، أوْ ضَرْبَهُ إيّاها. وقَوْلُها: ﴿إلّا أنْ يُسْجَنَ أوْ عَذابٌ﴾، يَدُلُّ عَلى عِظَمِ مَوْقِعِ السِّجْنِ مِن ذَوِي الأقْدارِ حَيْثُ قَرَنَتْهُ بِالعَذابِ الألِيمِ.

وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: (أوْ عَذابًا ألِيمًا) وقَدَّرَهُ الكِسائِيُّ أوْ يُعَذَّبُ عَذابًا ألِيمًا، ولَمّا أغْرَتْ بِيُوسُفَ وأظْهَرَتْ تُهْمَتَهُ احْتاجَ إلى إزالَةِ التُّهْمَةِ عَنْ نَفْسِهِ فَقالَ: ﴿هِيَ راوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي﴾ ولَمْ يَسْبِقْ إلى القَوْلِ أوْلًا سَتْرًا عَلَيْها، فَلَمّا خافَ عَلى نَفْسِهِ وعَلى عِرْضِهِ الطّاهِرِ قالَ: (هي) وأتى بِضَمِيرِ الغَيْبَةِ؛ إذْ كانَ غَلَبَ عَلَيْهِ الحَياءُ أنْ يُشِيرَ إلَيْها ويُعَيِّنَها بِالإشارَةِ فَيَقُولُ: هَذِهِ راوَدَتْنِي، أوْ تِلْكَ راوَدَتْنِي، لِأكُنْ في المُواجَهَةِ بِالقَبِيحِ ما لَيْسَ في الغَيْبَةِ، ولَمّا تَعارَضَ قَوْلاهُما عِنْدَ العَزِيزِ وكانَ رَجُلًا فِيهِ إناءَةً ونَصْفَةً، طَلَبَ الشّاهِدَ مِن كُلٍّ مِنهُما.

﴿فَشَهِدَ شاهِدٌ مِن أهْلِها﴾ فَقالَ أبُو هُرَيْرَةَ وابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ وابْنُ جُبَيْرٍ وهِلالُ بْنُ يَسافٍ والضَّحّاكُ: كانَ ابْنُ خالَتِها طِفْلًا في المَهْدِ أنْطَقَهُ اللَّهُ تَعالى لِيَكُونَ أدَلَّ عَلى الحُجَّةِ، ورُوِيَ في الحَدِيثِ: (إنَّهُ مِنَ الصِّغارِ الَّذِينَ تَكَلَّمُوا في المَهْدِ) وأسْنَدَهُ الطَّبَرِيُّ. وفي صَحِيحِ البُخارِيِّ وصَحِيحِ مُسْلِمٍ: «لَمْ يَتَكَلَّمْ في المَهْدِ إلّا ثَلاثَةٌ؛ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ، وصاحِبُ جُرَيْجٍ؛ وابْنُ السَّوْداءِ» وقِيلَ: كانَ ابْنَ عَمِّها الَّذِي كانَ مَعَ زَوْجِها لَدى البابِ، ولا يُنافِي هَذا قَوْلَ قَتادَةَ، كانَ رَجُلًا حَلِيمًا مِن أهْلِها ذا رَأْيٍ يَأْخُذُ المَلِكُ بِرَأْيِهِ ويَسْتَشِيرُهُ، وقِيلَ: كانَ حَكَمًا حَكَّمَهُ زَوْجُها فَحَكَمَ بَيْنَهُما، وكانَ الشّاهِدُ مِن أهْلِها لِيَكُونَ أوْجَبَ لِلْحُجَّةِ عَلَيْها، وأوْثَقَ لِبَراءَةِ يُوسُفَ، وأنْفى لِلتُّهْمَةِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَعَهُما في الدّارِ بِحَيْثُ لا يُشْعَرُ بِهِ، فَبَصَرَ بِما جَرى بَيْنَهُما، فَأغْضَبَهُ اللَّهُ لِيُوسُفَ، وشَهِدَ بِالحَقِّ، ويَبْعُدُ قَوْلُ مُجاهِدٍ وابْنِ حَبِيبٍ أنَّ الشّاهِدَ هو القَمِيصُ المَقْدُودُ لِقَوْلِهِ: ﴿شاهِدٌ مِن أهْلِها﴾ ولا يُوصَفُ القَمِيصُ بِكَوْنِهِ شاهِدًا مِن أهْلِ المَرْأةِ، وسُمِّيَ الرَّجُلُ شاهِدًا مِن حَيْثُ دَلَّ عَلى الشّاهِدِ، وهو تَخْرِيقُ القَمِيصِ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: سَمّى قَوْلَهُ شَهادَةً؛ لِأنَّهُ أدّى تَأْدِيَتَها في ثَبْتِ قَوْلِ يُوسُفَ وبَطْلِ قَوْلِها، و”﴿إنْ كانَ قَمِيصُهُ﴾“ مَحْكِيٌّ إمّا بِـ (قالَ) مُضْمَرَةٍ عَلى مَذْهَبِ البَصْرِيِّينَ، وإمّا بِـ (شَهِدَ) لِأنَّ الشَّهادَةَ قَوْلٌ مِنَ الأقْوالِ عَلى مَذْهَبِ الكُوفِيِّينَ، و(كانَ) هُنا دَخَلَتْ عَلَيْها أداةُ الشَّرْطِ، وتَقَدَّمَ خِلافُ المُبَرِّدِ والجُمْهُورِ (p-٢٩٨)فِيها، هَلْ هي باقِيَةٌ عَلى مُضِيِّها ولَمْ تَقْلِبْها أداةُ الشَّرْطِ ؟ أوِ المَعْنى: أنْ يَتَبَيَّنَ كَوْنَهُ، فَأداةُ الشَّرْطِ في الحَقِيقَةِ إنَّما دَخَلَتْ عَلى هَذا المُقَدَّرِ، وجَوابُ الشَّرْطِ ﴿فَصَدَقَتْ﴾ و(فَكَذَبَتْ)، وهو عَلى إضْمارِ ”قَدْ“ أيْ: فَقَدْ صَدَقَتْ، وفَقَدَ كَذَبَتْ، ولَوْ كانَ فِعْلًا جامِدًا أوْ دُعاءً لَمْ يَحْتَجْ إلى تَقْدِيرِ قَدْ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: (مِن قُبُلٍ) و(مِن دُبُرٍ) بِضَمِّ الباءِ فِيهِما والتَّنْوِينِ، وقَرَأ الحَسَنُ وأبُو عُمَرَ، وفي رِوايَةٍ: بِتَسْكِينِها وبِالتَّنْوِينِ وهي لُغَةُ الحِجازِ وأسَدٍ، وقَرَأ ابْنُ يَعْمَرَ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ والعُطارِدِيُّ وأبُو الزِّنادِ ونُوحٌ القارِئُ والجارُودُ بْنُ أبِي سَبْرَةَ بِخِلافٍ عَنْهُ: (مِن قُبُلٍ، ومِن دُبُرٍ) بِثَلاثِ صِماتٍ، وقَرَأ ابْنُ يَعْمَرَ وابْنُ أبِي إسْحاقَ والجارُودُ أيْضًا في رِوايَةٍ عَنْهم: بِإسْكانِ الباءِ مَعَ بِنائِهِما عَلى الضَّمِّ، جَعَلُوها غايَةً نَحْوَ: مِن قَبْلُ. ومَعْنى الغايَةِ: أنْ يَصِيرَ المُضافُ غايَةَ نَفْسِهِ بَعْدَما كانَ المُضافُ إلَيْهِ غايَتَهُ، والأصْلُ إعْرابُهُما؛ لِأنَّهُما اسْمانِ مُتَمَكِّنانِ، ولَيْسا بِظَرْفَيْنِ، وقالَ أبُو حاتِمٍ: وهَذا رَدِيءٌ في العَرَبِيَّةِ، وإنَّما يَقَعُ هَذا البِناءُ في الظُّرُوفِ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والمَعْنى مِن قُبُلِ القَمِيصِ ومِن دُبُرِهِ، وأمّا التَّنْكِيرُ فَمَعْناهُ مِن جِهَةٍ يُقالُ لَها: قُبُلٌ، ومِن جِهَةٍ يُقالُ لَها: دُبُرٌ، وعَنِ ابْنِ أبِي إسْحاقَ: أنَّهُ قَرَأ (مِن قُبُلَ ومِن دُبُرَ) بِالفَتْحِ، كَأنْ جَعَلَهُما عَلَمَيْنِ لِلْجِهَتَيْنِ، فَمَنَعَهُما الصَّرْفُ لِلْعَلَمِيَّةِ والتَّأْنِيثِ، وقالَ أيْضًا: (فَإنْ قُلْتَ): إنْ دَلَّ (قُدَّ قَمِيصُهُ مِن دُبُرٍ) عَلى أنَّها كاذِبَةٌ وأنَّها هي الَّتِي تَبِعَتْهُ واجْتَذَبَتْ ثَوْبَهُ إلَيْها فَقَدَّتْهُ، فَمِن أيْنَ دَلَّ قَدُّهُ مِن قُبُلٍ عَلى أنَّها صادِقَةٌ، وأنَّهُ كانَ تابِعُها ؟ (قُلْتُ): مِن وجْهَيْنِ؛ أحَدُهُما: أنَّهُ إذا كانَ تابَعَها وهي دافِعَةٌ عَنْ نَفْسِها فَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِن قُدّامِهِ بِالدَّفْعِ. والثّانِي: أنْ يُسْرِعَ خَلْفَها لِيَلْحَقَها، فَيَتَعَثَّرُ في قُدّامِ قَمِيصِهِ فَيَشُقُّهُ، انْتَهى. وقَوْلُهُ: ﴿وهُوَ مِنَ الكاذِبِينَ﴾، ﴿وهُوَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾، جُمْلَتانِ مُؤَكِّدَتانِ؛ لِأنَّ مِن قَوْلِهِ: ﴿فَصَدَقَتْ﴾ يُعْلَمُ كَذِبُهُ، ومِن قَوْلِهِ: (فَكَذَبَتْ) يُعْلَمُ صِدْقُهُ، وفي بِناءِ ”قُدَّ“ لِلْمَفْعُولِ سَتْرٌ عَلى مَن قَدَّهُ، ولَمّا كانَ الشّاهِدُ مِن أهْلِها راعى جِهَةَ المَرْأةِ فَبَدَأ بِتَعْلِيقِ صِدْقِها عَلى تَبَيُّنِ كَوْنِ القَمِيصِ قُدَّ مِن قُبُلٍ، ولَمّا كانَتْ كُلُّ جُمْلَةٍ مُسْتَقِلَّةً بِنَفْسِها أُبْرِزَ اسْمُ كانَ بِلَفْظِ المَظْهَرِ، ولَمْ يُضْمَرْ لِيَدُلَّ عَلى الِاسْتِقْلالِ، ولِكَوْنِ التَّصْرِيحِ بِهِ أوْضَحَ، وهو نَظِيرُ قَوْلِهِ: (مَن يُطِعِ اللَّهَ ورَسُولَهُ فَقَدْ رَشَدَ ومَن يَعْصِ اللَّهَ ورَسُولَهُ فَقَدْ غَوى) فَلَمّا رَأى العَزِيزُ، وقِيلَ: الشّاهِدُ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ قالَ: (إنَّهُ) أيْ: إنَّ قَوْلَكِ ﴿ما جَزاءُ﴾ إلى آخِرِهِ، قالَهُ الزَّجّاجُ، أوْ أنَّ هَذا الأمْرَ وهو طَمَعُها في يُوسُفَ، ذَكَرَهُ الماوَرَدِيُّ والزَّمَخْشَرِيُّ، أوْ إلى تَمْزِيقِ القَمِيصِ قالَهُ: مُقاتِلٌ، والخِطابُ في ﴿مِن كَيْدِكُنَّ﴾ لَها ولِجَوارِيها، أوْ لَها ولِلنِّساءِ، ووَصَفَ كَيْدَ النِّساءِ بِالعِظَمِ، وإنْ كانَ قَدْ يُوجَدُ في الرِّجالِ؛ لِأنَّهُنَّ ألْطَفُ كَيْدًا بِما جُبِلْنَ عَلَيْهِ وبِما تَفَرَّغْنَ لَهُ، واكْتَسَبَ بَعْضُهُنَّ مِن بَعْضٍ، وهُنَّ أنْفَذُ حِيلَةً. وقالَ تَعالى: ﴿ومِن شَرِّ النَّفّاثاتِ في العُقَدِ﴾ [الفلق: ٤] وأمّا اللَّواتِي في القُصُورِ فَمَعَهُنَّ مِن ذَلِكَ ما لا يُوجَدُ لِغَيْرِهِنَّ، لِكَوْنِهِنَّ أكْثَرَ تَفَرُّغًا مِن غَيْرِهِنَّ، وأكْثَرَ تَأنُّسًا بِأمْثالِهِنَّ.

﴿يُوسُفُ أعْرِضْ عَنْ هَذا﴾ أيْ: عَنْ هَذا الأمْرِ واكْتُمْهُ، ولا تَتَحَدَّثْ بِهِ، وفي نِدائِهِ بِاسْمِهِ تَقْرِيبٌ لَهُ وتَلْطِيفٌ، ثُمَّ أقْبَلَ عَلَيْها وقالَ: واسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ، والظّاهِرُ أنَّ المُتَكَلِّمَ بِهَذا هو العَزِيزُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ناداهُ الشّاهِدُ وهو الرَّجُلُ الَّذِي كانَ مَعَ العَزِيزِ وقالَ: اسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ، أيْ لِزَوْجِكِ وسَيِّدِكِ، انْتَهى. ثُمَّ ذَكَرَ سَبَبَ الِاسْتِغْفارِ وهو قَوْلُهُ: (لِذَنْبِكِ) ثُمَّ أكَّدَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّكِ كُنْتِ مِنَ الخاطِئِينَ﴾ ولَمْ يَقُلْ مِنَ الخاطِئاتِ؛ لِأنَّ الخاطِئِينَ أعَمُّ، لِأنَّهُ يَنْطَلِقُ عَلى الذُّكُورِ والإناثِ بِالتَّغْلِيبِ، يُقالُ: خُطِّئَ إذا أذْنَبَ مُتَعَمِّدًا، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وما كانَ العَزِيزُ إلّا حَلِيمًا، رُوِيَ أنَّهُ كانَ قَلِيلَ الغَيْرَةِ، انْتَهى. وتُرْبَةُ إقْلِيمِ قِطْفِيرَ اقْتَضَتْ هَذا، وأيْنَ هَذا مِمّا جَرى لِبَعْضِ مُلُوكِنا أنَّهُ كانَ مَعَ نُدَمائِهِ المُخْتَصِّينَ بِهِ في مَجْلِسِ أُنْسٍ وجارِيَةٌ تُغَنِّيهِمْ مِن وراءِ سِتْرٍ، فاسْتَعادَ بَعْضُ خُلَصائِهِ بَيْتَيْنِ مِنَ الجارِيَةِ كانَتْ قَدْ غَنَّتْ بِهِما، فَما لَبِثَ أنْ جِيءَ بِرَأْسِ الجارِيَةِ مَقْطُوعًا في طَسْتٍ وقالَ لَهُ المَلِكُ: اسْتَعِدِ البَيْتَيْنِ مِن هَذا الرَّأْسِ، فَسَقَطَ في يَدِ ذَلِكَ (p-٢٩٩)المُسْتَعِيدِ، ومَرِضَ مُدَّةَ حَياةِ ذَلِكَ المَلِكِ.

12:30Page 238

۞ وَقَالَ نِسۡوَةٞ فِي ٱلۡمَدِينَةِ ٱمۡرَأَتُ ٱلۡعَزِيزِ تُرَٰوِدُ فَتَىٰهَا عَن نَّفۡسِهِۦۖ قَدۡ شَغَفَهَا حُبًّاۖ إِنَّا لَنَرَىٰهَا فِي ضَلَٰلٖ مُّبِينٖ ٣٠

And women in the city said, "The wife of al-ʿAzeez is seeking to seduce her slave boy; he has impassioned her with love. Indeed, we see her [to be] in clear error."

﴿وقالَ نِسْوَةٌ في المَدِينَةِ امْرَأةُ العَزِيزِ تُراوِدُ فَتاها عَنْ نَفْسِهِ قَدْ شَغَفَها حُبًّا إنّا لَنَراها في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ ﴿فَلَمّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أرْسَلَتْ إلَيْهِنَّ وأعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً وآتَتْ كُلَّ واحِدَةٍ مِنهُنَّ سِكِّينًا وقالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ فَلَمّا رَأيْنَهُ أكْبَرْنَهُ وقَطَّعْنَ أيْدِيَهُنَّ وقُلْنَ حاشَ لِلَّهِ ما هَذا بَشَرًا إنْ هَذا إلّا مَلَكٌ كَرِيمٌ﴾ [يوسف: ٣١] ﴿قالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ ولَقَدْ راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فاسْتَعْصَمَ ولَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ ما آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ ولَيَكُونًا مِنَ الصّاغِرِينَ﴾ [يوسف: ٣٢] ﴿قالَ رَبِّ السِّجْنُ أحَبُّ إلَيَّ مِمّا يَدْعُونَنِي إلَيْهِ وإلّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أصْبُ إلَيْهِنَّ وأكُنْ مِنَ الجاهِلِينَ﴾ [يوسف: ٣٣] ﴿فاسْتَجابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إنَّهُ هو السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ [يوسف: ٣٤] ﴿ثُمَّ بَدا لَهم مِن بَعْدِ ما رَأوُا الآياتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتّى حِينٍ﴾ [يوسف: ٣٥] ﴿ودَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيانِ قالَ أحَدُهُما إنِّي أرانِي أعْصِرُ خَمْرًا وقالَ الآخَرُ إنِّي أرانِي أحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنهُ نَبِّئْنا بِتَأْوِيلِهِ إنّا نَراكَ مِنَ المُحْسِنِينَ﴾ [يوسف: ٣٦] ﴿قالَ لا يَأْتِيكُما طَعامٌ تُرْزَقانِهِ إلّا نَبَّأْتُكُما بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أنْ يَأْتِيَكُما ذَلِكُما مِمّا عَلَّمَنِي رَبِّي إنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وهم بِالآخِرَةِ هم كافِرُونَ﴾ [يوسف: ٣٧] ﴿واتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبائِي إبْراهِيمَ وإسْحاقَ ويَعْقُوبَ ما كانَ لَنا أنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِن شَيْءٍ ذَلِكَ مِن فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنا وعَلى النّاسِ ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَشْكُرُونَ﴾ [يوسف: ٣٨] ﴿يا صاحِبَيِ السِّجْنِ أأرْبابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أمِ اللَّهُ الواحِدُ القَهّارُ﴾ [يوسف: ٣٩] ﴿ما تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ إلّا أسْماءً سَمَّيْتُمُوها أنْتُمْ وآباؤُكم ما أنْزَلَ اللَّهُ بِها مِن سُلْطانٍ إنِ الحُكْمُ إلّا لِلَّهِ أمَرَ ألّا تَعْبُدُوا إلّا إيّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ القَيِّمُ ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [يوسف: ٤٠] ﴿يا صاحِبَيِ السِّجْنِ أمّا أحَدُكُما فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا وأمّا الآخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِن رَأْسِهِ قُضِيَ الأمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيانِ﴾ [يوسف: ٤١] ﴿وقالَ لِلَّذِي ظَنَّ أنَّهُ ناجٍ مِنهُما اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ فَأنْساهُ الشَّيْطانُ ذِكْرَ رَبِّهِ فَلَبِثَ في السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ﴾ [يوسف: ٤٢] ﴿وقالَ المَلِكُ إنِّي أرى سَبْعَ بَقَراتٍ سِمانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجافٌ وسَبْعَ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ وأُخَرَ يابِساتٍ يا أيُّها المَلَأُ أفْتُونِي في رُؤْيايَ إنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيا تَعْبُرُونَ﴾ [يوسف: ٤٣] ﴿قالُوا أضْغاثُ أحْلامٍ وما نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الأحْلامِ بِعالِمِينَ﴾ [يوسف: ٤٤]

النِّسْوَةُ بِكَسْرِ النُّونِ فِعْلَةٌ، وهو جَمْعُ تَكْسِيرٍ لِلْقِلَّةِ لا واحِدَ لَهُ مَن لَفْظِهِ، وزَعَمَ ابْنُ السَّرّاجِ أنَّهُ اسْمُ جَمْعٍ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: النِّسْوَةُ اسْمٌ مُفْرَدٌ لِجَمْعِ المَرْأةِ، وتَأْنِيثُهُ غَيْرُ حَقِيقِيٍّ، ولِذا لَمْ تَلْحَقْ فِعْلَهُ تاءُ التَّأْنِيثِ، انْتَهى. وعَلى أنَّهُ جَمْعُ تَكْسِيرٍ لا يُلْحِقُ التّاءَ لِأنَّهُ يَجُوزُ: قامَتِ الهُنُودُ، وقامَ الهُنُودُ، وقَدْ تُضَمُّ نُونُهُ فَتَكُونُ إذْ ذاكَ اسْمُ جَمْعٍ، وتَكْسِيرُهُ لِلْكَثْرَةِ عَلى نِسْوانٍ، والنِّساءُ جَمْعُ تَكْسِيرٍ لِلْكَثْرَةِ أيْضًا، ولا واحِدَ لَهُ مِن لَفْظِهِ.

شَغَفَ: خَرَقَ الشَّغافَ، وهو حِجابُ القَلْبِ، وقِيلَ: سُوَيْداؤُهُ، وقِيلَ: داءٌ يَصِلُ إلى القَلْبِ فَيَنْفُذُ إلى القَلْبِ، وكَسْرُ الغَيْنِ لُغَةُ تَمِيمٍ، وقِيلَ: الشَّغافُ جِلْدَةٌ رَقِيقَةٌ يُقالُ لَها لِسانُ القَلْبِ، شَغَفَ وصَلَتِ الحِدَّةُ إلى القَلْبِ فَكانَ يَحْتَرِقُ مِن شَغَفِ البَعِيرِ إذا هَنَّأهُ فَأحْرَقَهُ بِالقَطْرانِ، والمَشْغُوفُ الَّذِي أحْرَقَ الحُبُّ قَلْبَهُ، ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى:

؎يَعْصِي الوُشاةَ وكانَ الحُبُّ آوِنَةً مِمّا يُزَيِّنُ لِلْمَشْغُوفِ ما صَنَعا

وقَدْ تُكْسَرُ غَيْنُهُ، المُتَّكَأُ: الوِسادَةُ والنَّمْرَقَةُ. المَتْكُ: الأُتْرُجُّ، والواحِدُ مُتْكَةٌ قالَ الشّاعِرُ:

؎فَأهْدَتْ مُتْكَةً لَهْيَ أبِيها

وقِيلَ: اسْمٌ يَعُمُّ جَمِيعَ ما يُقْطَعُ بِالسِّكِّينِ الأُتْرُجَّ وغَيْرَهُ مِنَ الفَواكِهِ. قالَ:

؎يَشْرَبُ الإثْمَ بِالصُّواعِ جِهارًا ∗∗∗ ونَرى المُتْكَ بَيْنَنا مُسْتَعارًا

وهُوَ مِن مُتْكٍ بِمَعْنى بَتَكَ الشَّيْءَ أيْ: قَطَعَهُ. وقالَ صاحِبُ اللَوامِحِ: المُتْكُ بِالضَّمِّ عِنْدَ الخَلِيلِ العَسَلُ، وعِنْدَ الأصْمَعِيِّ الأُتْرُجُّ. وقالَ أبُو عُمَرَ: والشَّرابُ الخالِصُ، وقالَ أبُو عُمَرَ: وفِيهِ ثَلاثُ لُغاتٍ، المُتْكُ بِالحَرَكاتِ الثَّلاثِ. وقِيلَ: بِالكَسْرِ الخِلالُ، وقِيلَ: بَلِ المِسْكُ. وقالَ الكِسائِيُّ أيْضًا: فِيهِ اللُّغاتُ الثَّلاثُ، وقَدْ يَكُونُ بِالفَتْحِ المُجَمَّرِ عِنْدَ قُضاعَةَ، وقالَ أيْضًا: قَدْ يَكُونُ في اللُّغاتِ الثَّلاثِ الفالُوذَ المُعَقَّدَ. (p-٣٠٠)وقالَ الفَضْلُ: في اللُّغاتِ الثَّلاثِ هو البَزَماوَرْدُ، وكُلُّ مَلْفُوفٍ بِلَحْمٍ ورُقاقٍ، وقالَ أيْضًا: المُتْكُ بِالضَّمِّ المائِدَةُ، أوِ الخَمْرُ في لُغَةِ كِنْدَةَ، السِّكِّينُ: تُذَكَّرُ وتُؤَنَّثُ، قالَهُ الفَرّاءُ والكِسائِيُّ، ولَمْ يَعْرِفِ الأصْمَعِيُّ فِيهِ إلّا التَّذْكِيرَ، حاشَ: قالَ الفَرّاءُ مِنَ العَرَبِ مَن يُتِمُّها، وفي لُغَةِ الحِجازِ: حاشَ لَكَ، وبَعْضِ العَرَبِ: حَشى زَيْدٌ كَأنَّهُ أرادَ حَشى لِزَيْدٍ، وهي في أهْلِ الحِجازِ، انْتَهى. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: حاشا كَلِمَةٌ تُفِيدُ مَعْنى التَّنْزِيهِ في الِاسْتِثْناءِ، تَقُولُ: أساءَ القَوْمُ حاشا زَيْدٍ، قالَ:

؎حاشا أبِي ثَوْبانَ أنَّ لَنا ∗∗∗ ضَنًّا عَنِ المِلْحاةِ والشَّتْمِ

وهِيَ حَرْفٌ مِن حُرُوفِ الجَرِّ فَوُضِعَتْ مَوْضِعَ التَّنْزِيهِ والبَراءَةِ، فَمَعْنى حاشَ اللَّهِ: بَراءَةُ اللَّهِ، وتَنْزِيهُ اللَّهِ، انْتَهى. وما ذُكِرَ أنَّها تُفِيدُ مَعْنى التَّنْزِيهِ في بابِ الِاسْتِثْناءِ غَيْرُ مَعْرُوفٍ عِنْدَ النَّحْوِيِّينَ، لا فَرْقَ بَيْنَ قَوْلِكَ، قامَ القَوْمُ إلّا زَيْدًا، وقامَ القَوْمُ حاشى زَيْدٍ، ولَمّا مَثَّلَ بِقَوْلِهِ أساءَ القَوْمُ حاشى زَيْدٌ، وفُهِمَ مِن هَذا التَّمْثِيلِ بَراءَةُ زَيْدٍ مِنَ الإساءَةِ، جَعَلَ ذَلِكَ مُسْتَفادًا مِنها في كُلِّ مَوْضِعٍ، وأمّا ما أنْشَدَهُ مِن قَوْلِهِ: حاشى أبِي ثَوْبانَ، فَكَذا يُنْشِدُهُ ابْنُ عَطِيَّةَ وأكْثَرُ النُّحاةِ، وهو بَيْتٌ رَكَّبُوا فِيهِ صَدْرَ بَيْتٍ عَلى عَجْزٍ آخَرَ، وهُما مِن بَيْتَيْنِ، وهُما: حاشى أبِي ثَوْبانَ أنَّ أبا ثَوْبانَ لَيْسَ بِبُكْمَةٍ فَدَمِ

؎عَمْرُو بْنُ عَبْدِ اللَّهِ إنَّ بِهِ ∗∗∗ ضَنًّا عَنِ المِلْحاةِ والشَّتْمِ

عَصْرُ العِنَبِ وغَيْرِهِ أخْرَجَ ما فِيهِ مِنَ المائِعِ بِقُوَّةٍ. الخُبْزُ: مَعْرُوفُ، وجَمْعُهُ أخْبازٌ، ومَعانِيهِ خَبّازٌ. البِضْعُ: ما بَيْنَ الثَّلاثِ إلى التِّسَعِ قالَهُ قَتادَةُ. وقالَ مُجاهِدٌ: مِنَ الثَّلاثَةِ إلى السَّبْعَةِ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: البِضْعُ لا يَبْلُغُ العَقْدَ ولا نِصْفَ العَقْدِ، وإنَّما هو مِنَ الواحِدِ إلى العَشَرَةِ، وقالَ الفَرّاءُ: ولا يُذْكَرُ البِضْعُ إلّا مَعَ العَشَراتِ، ولا يُذْكَرُ مَعَ مِائَةٍ ولا ألْفٍ، السِّمَنُ: مَعْرُوفٌ وهو مَصْدَرُ سَمِنَ يَسْمَنَ، واسْمُ الفاعِلِ سَمِينٌ، والمَصْدَرُ واسْمُ الفاعِلِ عَلى غَيْرِ قِياسٍ، العَجْفاءُ: المَهْذُولَةُ جِدًّا قالَ:

؎ورِجالُ مَكَةَ مُسْتَنُّونَ عِجافٌ

الضِّغْثُ أقَلُّ مِنَ الحُزْمَةِ وأكْثَرُ مِنَ القَبْضَةِ مِنَ النَّباتِ والعُشْبِ مِن جِنْسٍ واحِدٍ أوْ مِن أخْلاطِ النَّباتِ والعُشْبِ، فَمِن جِنْسٍ واحِدٍ ما رُوِيَ في قَوْلِهِ: ﴿وخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فاضْرِبْ بِهِ﴾ [ص: ٤٤] إنَّهُ أخَذَ عُثْكالًا مِنَ النَّخْلِ، ورُوِيَ أنَّ الرَّسُولَ ﷺ فَعَلَ نَحْوَ هَذا في إقامَةِ حَدٍّ عَلى رَجُلٍ، وقالَ ابْنُ مُقْبِلٍ:

؎خَوْدٌ كَأنَّ فِراشَها وُضِعَتْ بِهِ ∗∗∗ أضْغاثُ رَيْحانٍ غَداةَ شِمالِ

ومِنَ الأخْلاطِ قَوْلُ العَرَبِ في أمْثالِها: ضَغَثَ عَلى إمالَةٍ.

﴿وقالَ نِسْوَةٌ في المَدِينَةِ امْرَأةُ العَزِيزِ تُراوِدُ فَتاها عَنْ نَفْسِهِ قَدْ شَغَفَها حُبًّا إنّا لَنَراها في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾

لَمْ تَلْحَقْ تاءُ التَّأْنِيثِ؛ لِأنَّهُ جَمْعُ تَكْسِيرِ (p-٣٠١)المُؤَنَّثِ، ويَجُوزُ فِيهِ الوَجْهانِ، ونِسْوَةٌ كَما ذَكَرْنا جَمْعُ قِلَّةٍ، وكُنَّ عَلى ما نُقِلَ خَمْسًا: امْرَأةً خَبّازَةً، وامْرَأةً ساقِيَةً، وامْرَأةً بَوّابَةً، وامْرَأةً سَجّانَةً، وامْرَأةَ صاحِبِ دَوابِّهِ، ﴿فِي المَدِينَةِ﴾ هي مِصْرُ، ومَعْنى ﴿فِي المَدِينَةِ﴾ أنَّهم أشاعُوا هَذا الأمْرَ مِن حُبِّ امْرَأةِ العَزِيزِ لِيُوسُفَ، وصَرَّحُوا بِإضافَتِها إلى العَزِيزِ مُبالَغَةً في التَّشْنِيعِ؛ لِأنَّ النُّفُوسَ أقْبَلُ لِسَماعِ ذَوِي الأخْطارِ وما يَجْرِي لَهم، وعَبَّرَتْ بِـ ﴿تُراوِدُ﴾ وهو المُضارِعُ الدّالُّ عَلى أنَّهُ صارَ ذَلِكَ سَجِيَّةً لَها، تُخادِعُهُ دائِمًا عَنْ نَفْسِهِ كَما تَقُولُ: زَيْدٌ يُعْطِي ويَمْنَعُ، ولَمْ يَقُلْنَ: راوَدَتْ فَتاها، ثُمَّ نَبَّهْنَ عَلى عِلَّةِ دَيْمُومَةِ المُراوَدَةِ وهي كَوْنُهُ قَدْ شَغَفَها حُبًّا؛ أيْ: بَلَغَ حُبُّهُ شَغافَ قَلْبِها، وانْتَصَبَ (حُبًّا) عَلى التَّمْيِيزِ المَنقُولِ مِنَ الفاعِلِ كَقَوْلِهِ: مَلَأْتُ الإناءَ ماءً، أصْلُهُ مَلَأ الماءُ الإناءَ، وأصْلُ هَذا شَغَفَها حُبُّهُ، والفَتى الغُلامُ وعُرْفُهُ في المَمْلُوكِ، وفي الحَدِيثِ: «لا يَقُلْ أحَدُكم عَبْدِي وأمَتِي ولْيَقُلْ فَتايَ وفَتاتِي» وقَدْ قِيلَ في غَيْرِ المَمْلُوكِ، وأصْلُ الفَتى في اللُّغَةِ الشّابُّ، ولَكِنَّهُ لَمّا كانَ جُلُّ الخِدْمَةِ شُبّانًا اسْتُعِيرَ لَهُمُ اسْمُ الفَتى، وقَرَأ ثابِتٌ البَناتِيُّ: ﴿شَغَفَها﴾ بِكَسْرِ الغَيْنِ المُعْجَمَةِ، والجُمْهُورُ بِالفَتْحِ، وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ وعَلِيُّ بْنُ الحُسَيْنِ وابْنُهُ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ وابْنُهُ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ والشَّعْبِيُّ وعَوْفٌ الأعْرابِيُّ: بِفَتْحِ العَيْنِ المُهْمَلَةِ، وكَذَلِكَ قَتادَةُ وابْنُ هُرْمُزَ ومُجاهِدٌ وحُمَيْدٌ والزُّهْرِيُّ بِخِلافٍ عَنْهم، ورُوِيَ عَنْ ثابِتٍ البُنانِيِّ وابْنِ رَجاءٍ كَسْرِ العَيْنِ المُهْمَلَةِ، قالَ ابْنُ زَيْدٍ: الشَّغَفُ في الحُبِّ، والشَّعَفُ في البُغْضِ، وقالَ الشَّعْبِيُّ: الشَّغَفُ والمَشْغُوفُ بِالغَيْنِ المَنقُوطَةِ في الحُبِّ، والشَّغَفُ الجُنُونُ، والمَشْعُوفُ المَجْنُونُ، وأدْغَمَ النَّحْوِيّانِ وحَمْزَةُ وهِشامٌ وابْنُ مُحَيْصِنٍ دالَّ (قَدْ) في شِينِ ﴿شَغَفَها﴾ ثُمَّ نَقَمْنَ عَلَيْها ذَلِكَ فَقُلْنَ: ﴿إنّا لَنَراها في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ أيْ: في تَحَيُّرٍ واضِحٍ لِلنّاسِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском