Abu Hayyan · Tafsir · in Arabic
Yusuf 12:45–53
12:45–49Page 241
وَقَالَ ٱلَّذِي نَجَا مِنۡهُمَا وَٱدَّكَرَ بَعۡدَ أُمَّةٍ أَنَا۠ أُنَبِّئُكُم بِتَأۡوِيلِهِۦ فَأَرۡسِلُونِ ٤٥
But the one who was freed and remembered after a time said, "I will inform you of its interpretation, so send me forth."
يُوسُفُ أَيُّهَا ٱلصِّدِّيقُ أَفۡتِنَا فِي سَبۡعِ بَقَرَٰتٖ سِمَانٖ يَأۡكُلُهُنَّ سَبۡعٌ عِجَافٞ وَسَبۡعِ سُنۢبُلَٰتٍ خُضۡرٖ وَأُخَرَ يَابِسَٰتٖ لَّعَلِّيٓ أَرۡجِعُ إِلَى ٱلنَّاسِ لَعَلَّهُمۡ يَعۡلَمُونَ ٤٦
[He said], "Joseph, O man of truth, explain to us about seven fat cows eaten by seven [that were] lean, and seven green spikes [of grain] and others [that were] dry - that I may return to the people [i.e., the king and his court]; perhaps they will know [about you]."
قَالَ تَزۡرَعُونَ سَبۡعَ سِنِينَ دَأَبٗا فَمَا حَصَدتُّمۡ فَذَرُوهُ فِي سُنۢبُلِهِۦٓ إِلَّا قَلِيلٗا مِّمَّا تَأۡكُلُونَ ٤٧
[Joseph] said, "You will plant for seven years consecutively; and what you harvest leave in its spikes, except a little from which you will eat.
ثُمَّ يَأۡتِي مِنۢ بَعۡدِ ذَٰلِكَ سَبۡعٞ شِدَادٞ يَأۡكُلۡنَ مَا قَدَّمۡتُمۡ لَهُنَّ إِلَّا قَلِيلٗا مِّمَّا تُحۡصِنُونَ ٤٨
Then will come after that seven difficult [years] which will consume what you advanced [i.e., saved] for them, except a little from which you will store.
ثُمَّ يَأۡتِي مِنۢ بَعۡدِ ذَٰلِكَ عَامٞ فِيهِ يُغَاثُ ٱلنَّاسُ وَفِيهِ يَعۡصِرُونَ ٤٩
Then will come after that a year in which the people will be given rain and in which they will press [olives and grapes]."
﴿وقالَ الَّذِي نَجا مِنهُما وادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أنا أُنَبِّئُكم بِتَأْوِيلِهِ فَأرْسِلُونِ﴾ ﴿يُوسُفُ أيُّها الصِّدِّيقُ أفْتِنا في سَبْعِ بَقَراتٍ سِمانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجافٌ وسَبْعِ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ وأُخَرَ يابِساتٍ لَعَلِّي أرْجِعُ إلى النّاسِ لَعَلَّهم يَعْلَمُونَ﴾ ﴿قالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأبًا فَما حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ في سُنْبُلِهِ إلّا قَلِيلًا مِمّا تَأْكُلُونَ﴾ ﴿ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدادٌ يَأْكُلْنَ ما قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إلّا قَلِيلًا مِمّا تُحْصِنُونَ﴾ ﴿ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَلِكَ عامٌ فِيهِ يُغاثُ النّاسُ وفِيهِ يَعْصِرُونَ﴾ ﴿وقالَ المَلِكُ ائْتُونِي بِهِ فَلَمّا جاءَهُ الرَّسُولُ قالَ ارْجِعْ إلى رَبِّكَ فاسْألْهُ ما بالُ النِّسْوَةِ اللّاتِي قَطَّعْنَ أيْدِيَهُنَّ إنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: ٥٠] ﴿قالَ ما خَطْبُكُنَّ إذْ راوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ قُلْنَ حاشَ لِلَّهِ ما عَلِمْنا عَلَيْهِ مِن سُوءٍ قالَتِ امْرَأةُ العَزِيزِ الآنَ حَصْحَصَ الحَقُّ أنا راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وإنَّهُ لَمِنَ الصّادِقِينَ﴾ [يوسف: ٥١] ﴿ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أنِّي لَمْ أخُنْهُ بِالغَيْبِ وأنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي كَيْدَ الخائِنِينَ﴾ [يوسف: ٥٢] ﴿وما أُبَرِّئُ نَفْسِي إنَّ النَّفْسَ لَأمّارَةٌ بِالسُّوءِ إلّا ما رَحِمَ رَبِّي إنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [يوسف: ٥٣] ﴿وقالَ المَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي فَلَمّا كَلَّمَهُ قالَ إنَّكَ اليَوْمَ لَدَيْنا مَكِينٌ أمِينٌ﴾ [يوسف: ٥٤] ﴿قالَ اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الأرْضِ إنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: ٥٥] ﴿وكَذَلِكَ مَكَّنّا لِيُوسُفَ في الأرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنها حَيْثُ يَشاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنا مَن نَشاءُ ولا نُضِيعُ أجْرَ المُحْسِنِينَ﴾ [يوسف: ٥٦] ﴿ولَأجْرُ الآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا وكانُوا يَتَّقُونَ﴾ [يوسف: ٥٧] ﴿وجاءَ إخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَعَرَفَهم وهم لَهُ مُنْكِرُونَ﴾ [يوسف: ٥٨] ﴿ولَمّا جَهَّزَهم بِجَهازِهِمْ قالَ ائْتُونِي بِأخٍ لَكم مِن أبِيكم ألا تَرَوْنَ أنِّي أُوفِي الكَيْلَ وأنا خَيْرُ المُنْزِلِينَ﴾ [يوسف: ٥٩] ﴿فَإنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلا كَيْلَ لَكم عِنْدِي ولا تَقْرَبُونِ﴾ [يوسف: ٦٠] ﴿قالُوا سَنُراوِدُ عَنْهُ أباهُ وإنّا لَفاعِلُونَ﴾ [يوسف: ٦١] ﴿وقالَ لِفِتْيانِهِ اجْعَلُوا بِضاعَتَهم في رِحالِهِمْ لَعَلَّهم يَعْرِفُونَها إذا انْقَلَبُوا إلى أهْلِهِمْ لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾ [يوسف: ٦٢] ﴿فَلَمّا رَجَعُوا إلى أبِيهِمْ قالُوا يا أبانا مُنِعَ مِنّا الكَيْلُ فَأرْسِلْ مَعَنا أخانا نَكْتَلْ وإنّا لَهُ لَحافِظُونَ﴾ [يوسف: ٦٣] ﴿قالَ هَلْ آمَنُكم عَلَيْهِ إلّا كَما أمِنتُكم عَلى أخِيهِ مِن قَبْلُ فاللَّهُ خَيْرٌ حافِظًا وهو أرْحَمُ الرّاحِمِينَ﴾ [يوسف: ٦٤] ﴿ولَمّا فَتَحُوا مَتاعَهم وجَدُوا بِضاعَتَهم رُدَّتْ إلَيْهِمْ قالُوا يا أبانا ما نَبْغِي هَذِهِ بِضاعَتُنا رُدَّتْ إلَيْنا ونَمِيرُ أهْلَنا ونَحْفَظُ أخانا ونَزْدادُ كَيْلَ بَعِيرٍ ذَلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ﴾ [يوسف: ٦٥]
أمَهَ يَأْمَهُ أمَهًا وأمْهًا نَسِيَ، يُغاثُ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِنَ الغَوْثِ وهو الفَرَجُ، يُقالُ: أغاثَهُمُ اللَّهُ فَرَّجَ عَنْهم، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِنَ الغَيْثِ تَقُولُ: غِيثَتِ البِلادُ إذا أُمْطِرَتْ، ومِنهُ قَوْلُ الأعْرابِيَّةِ: غِثْنا ما شِئْنا، الخَطْبُ: الشَّأْنُ والأمْرُ الَّذِي فِيهِ خَطَرٌ، ويُجْمَعُ عَلى خُطُوبٍ قالَ:
؎وما المَرْءُ ما دامَتْ حُشاشَةُ نَفْسِهِ بِمُدْرِكِ أطْرافِ الخُطُوبِ ولا آلِ
حَصْحَصَ تَبَيَّنَ بَعْدَ الخَفاءِ، قالَهُ الخَلِيلُ، وقِيلَ: مَأْخُوذٌ مِنَ الحِصَّةِ حَصْحَصَ الحَقُّ بانَتْ حِصَّتُهُ مِن (p-٣١٤)حِصَّةِ الباطِلِ، وقِيلَ: ثَبَتَ واسْتَقَرَّ، ويَكُونُ مُتَعَدِّيًا مِن حَصْحَصَ البَعِيرُ ألْقى ثَفِناتِهِ لِلْإناخَةِ، قالَ: حَصْحَصَ في صُمِّ الصَّفا ثَفِناتِهِ، الجِهازُ: ما يَحْتاجُ إلَيْهِ المُسافِرُ مِن زادٍ ومَتاعٍ، وكُلُّ ما يُحْمَلُ، وجِهازُ العَرُوسِ ما يَكُونُ مَعَها مِنَ الأثاثِ والشُّورَةِ، وجِهازُ المَيِّتِ ما يُحْتاجُ إلَيْهِ في دَفْنِهِ، الرَّحْلُ: ما عَلى ظَهْرِ المَرْكُوبِ مِن مَتاعِ الرّاكِبِ أوْ غَيْرِهِ، وجَمْعُهُ رِحالٌ في الكَثْرَةِ، وأرْحُلٌ في القِلَّةِ، مارَ يَمِيرُ، وأمارَ يَمِيرُ، إذا جَلَبَ الخَيْرَ وهي المِيرَةُ قالَ:
؎بَعَثْتُكَ مائِرًا فَمَكَثْتَ حَوْلًا ∗∗∗ مَتى يَأْتِي غِياثُكَ مَن تُغِيثُ
البَعِيرُ في الأشْهَرِ الجَمَلُ مُقابِلُ النّاقَةِ، وقَدْ يُطْلَقُ عَلى النّاقَةِ، كَما يُطْلَقُ عَلى الجَمَلِ فَيَقُولُ: عَلى هَذا نِعْمَ البَعِيرُ الجَمَلُ لِعُمُومِهِ، ويَمْتَنِعُ عَلى الأشْهَرِ لِتَرادُفِهِ، وفي لُغَةٍ تُكْسَرُ باؤُهُ، ويُجْمَعُ في القِلَّةِ عَلى أبْعِرَةٍ، وفي الكَثْرَةِ عَلى بِعِرانٍ.
* *
﴿وقالَ الَّذِي نَجا مِنهُما وادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أنا أُنَبِّئُكم بِتَأْوِيلِهِ فَأرْسِلُونِ﴾ ﴿يُوسُفُ أيُّها الصِّدِّيقُ أفْتِنا في سَبْعِ بَقَراتٍ سِمانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجافٌ وسَبْعِ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ وأُخَرَ يابِساتٍ لَعَلِّي أرْجِعُ إلى النّاسِ لَعَلَّهم يَعْلَمُونَ﴾ ﴿قالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأبًا فَما حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ في سُنْبُلِهِ إلّا قَلِيلًا مِمّا تَأْكُلُونَ﴾ ﴿ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدادٌ يَأْكُلْنَ ما قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إلّا قَلِيلًا مِمّا تُحْصِنُونَ﴾ ﴿ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَلِكَ عامٌ فِيهِ يُغاثُ النّاسُ وفِيهِ يَعْصِرُونَ﴾
لَمّا اسْتَثْنى المَلِكُ في رُؤْياهُ وأعْضَلَ عَلى المَلَأِ تَأْوِيلَها، تَذَكَّرَ النّاجِي مِنَ القَتْلِ وهو ساقِي المَلِكِ يُوسُفَ، وتَأْوِيلَ رُؤْياهُ ورُؤْيا صاحِبِهِ، وطَلَبَهُ إلَيْهِ لِيَذْكُرَهُ عِنْدَ المَلِكِ، (وادَّكَرَ) أيْ: تَذَكَّرَ ما سَبَقَ لَهُ مَعَ يُوسُفَ (بَعْدَ أُمَّةٍ) أيْ: مُدَّةٍ طَوِيلَةٍ، والجُمْلَةُ مِن قَوْلِهِ: (وادَّكَرَ) حالِيَّةٌ، وأصْلُهُ: واذْتَكَرَ أُبْدِلَتِ التّاءُ دالًا وأُدْغِمَتِ الذّالُ فِيها فَصارَ ادَّكَرَ، وهي قِراءَةُ الجُمْهُورِ، وقَرَأ الحَسَنُ: واذَّكَرَ بِإبْدالِ التّاءِ ذالًا، وإدْغامُ الذّالِ فِيها، وقَرَأ الأشْهَبُ العُقَيْلِيُّ: (بَعْدَ إمَّةٍ) بِكَسْرِ الهَمْزَةِ أيْ: بَعْدَ نِعْمَةٍ أُنْعِمَ عَلَيْهِ بِالنَّجاةِ مِنَ القَتْلِ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: بَعْدَ نِعْمَةٍ أنْعَمَ اللَّهُ بِها عَلى يُوسُفَ في تَقْرِيبِ إطْلاقِهِ، والأُمَّةُ النِّعْمَةُ قالَ:
؎ألا لا أرى ذا إمَّةٍ أصْبَحَتْ بِهِ فَتَتْرُكُهُ الأيّامُ وهي كَما هِيا
قالَ الأعْلَمُ: الأُمَّةُ النِّعْمَةُ والحالُ الحَسَنَةُ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ والضَّحّاكُ وقَتادَةُ وأبُو رَجاءٍ وشُبَيْلُ بْنُ عَزْرَةَ الضُّبَعِيُّ ورَبِيعَةُ بْنُ عَمْرٍو: (بَعْدَ أمَهِ) بِفَتْحِ الهَمْزَةِ والمِيمُ مُخَفَّفَةٌ وهاءٌ، وكَذَلِكَ قَرَأ ابْنُ عُمَرَ ومُجاهِدٌ وعِكْرِمَةُ، واخْتَلَفَ عَنْهم، وقَرَأ عِكْرِمَةُ وأيْضًا مُجاهِدٌ وشُبَيْلُ بْنُ عَزْرَةَ: (بَعْدَ أُمْهِ) بِسُكُونِ المِيمِ، مَصْدَرُ أمَهَ عَلى غَيْرِ قِياسٍ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ومَن قَرَأ بِسُكُونِ المِيمِ فَقَدْ أخْطَأ، انْتَهى. وهَذا عَلى عادَتِهِ في نِسْبَتِهِ الخَطَأ إلى الفَرّاءِ، ﴿أنا أُنَبِّئُكم بِتَأْوِيلِهِ﴾ أيْ: أُخْبِرُكم بِهِ عَمَّنْ عِنْدَهُ عِلْمُهُ لا مِن جِهَتِي، وقَرَأ الحَسَنُ: (أنا أتِيكُمُ) مُضارِعُ أتى مِنَ الإتْيانِ، وكَذا في الإمامِ، وفي مُصْحَفِ أُبَيٍّ: (فَأرْسِلُونِ) أيِ: ابْعَثُونِي إلَيْهِ لِأسْألَهُ، ومُرُونِي بِاسْتِعْبارِهِ، اسْتَأْذَنَ في المُضِيِّ إلى يُوسُفَ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كانَ في السِّجْنِ في غَيْرِ (p-٣١٥)مَدِينَةِ المَلِكِ، وقِيلَ: كانَ فِيها، ويَرْسُمُ النّاسُ اليَوْمَ سِجْنَ يُوسُفَ في مَوْضِعٍ عَلى النِّيلِ بَيْنَهُ وبَيْنَ الفُسْطاطِ ثَمانِيَةَ أمْيالٍ، وفي الكَلامِ حَذْفٌ، التَّقْدِيرُ: فَأرْسِلُوهُ إلى يُوسُفَ فَأتاهُ فَقالَ: و(الصَّدِّيقُ) بِناءُ مُبالِغَةٍ كالشَّرِّيبِ والسِّكِّيرِ، وكانَ قَدْ صَحِبَهُ زَمانًا وجَرَّبَ صِدْقَهُ في غَيْرِ ما شَيْءٍ كَتَأْوِيلِ رُؤْياهُ ورُؤْيا صاحِبِهِ، وقَوْلُهُ: ﴿لَعَلِّي أرْجِعُ إلى النّاسِ﴾ أيْ: بِتَفْسِيرِ هَذِهِ الرُّؤْيا، واحْتَرَزَ بِلَفْظَةِ (لَعَلِّي) لِأنَّهُ لَيْسَ عَلى يَقِينٍ مِنَ الرُّجُوعِ إلَيْهِمْ؛ إذْ مِنَ الجائِزِ أنْ يَخْتَرِمَ دُونَ بُلُوغِهِ إلَيْهِمْ، وقَوْلُهُ: ﴿لَعَلَّهم يَعْلَمُونَ﴾ كالتَّعْلِيلِ لِرُجُوعِهِ إلَيْهِمْ بِتَأْوِيلِ الرُّؤْيا، وقِيلَ: لَعَلَّهم يَعْلَمُونَ فَضْلَكَ ومَكانَكَ مِنَ العِلْمِ، فَيَطْلُبُونَكَ ويُخَلِّصُونَكَ مِن مِحْنَتِكَ، فَتَكُونُ لَعَلَّ كالتَّعْلِيلِ لِقَوْلِهِ: (أفْتِنا) . قالَ: (تَزْرَعُونَ) إلى آخِرِهِ، تَضَمَّنَ هَذا الكَلامُ مِن يُوسُفَ ثَلاثَةَ أنْواعٍ مِنَ القَوْلِ؛ أحَدُها: تَعْبِيرٌ بِالمَعْنى لا بِاللَّفْظِ. والثّانِي: عَرْضُ رَأْيٍ وأمَرَ بِهِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿فَذَرُوهُ في سُنْبُلِهِ﴾ . والثّالِثُ: الإعْلامُ بِالغَيْبِ في أمْرِ العامِ الثّامِنِ، قالَهُ قَتادَةُ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويَحْتَمِلُ هَذا أنْ لا يَكُونَ غَيْبًا، بَلْ عِلْمُ العِبارَةِ أعْطى انْقِطاعَ الخَوْفِ بَعْدَ سَبْعٍ، ومَعْلُومٌ أنَّهُ الأخْصَبُ، انْتَهى. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأبًا﴾ خَبَرًا، أخْبَرَ أنَّهم تَتَوالى لَهم هَذِهِ السُّنُونَ لا يَنْقَطِعُ فِيها زَرْعُهم لِلرَّيِّ الَّذِي يُوجَدُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (تَزْرَعُونَ) خَبَرٌ في مَعْنى الأمْرِ كَقَوْلِهِ: ﴿تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ورَسُولِهِ وتُجاهِدُونَ﴾ [الصف: ١١] وإنَّما يَخْرُجُ الأمْرُ في صُورَةِ الخَبَرِ لِلْمُبالَغَةِ في إيجابِ إنْجازِ المَأْمُورِ بِهِ، فَيُجْعَلُ كَأنَّهُ وُجِدَ فَهو يُخْبِرُ عَنْهُ، والدَّلِيلُ عَلى كَوْنِهِ في مَعْنى الأمْنِ، قَوْلُهُ: ﴿فَذَرُوهُ في سُنْبُلِهِ﴾ انْتَهى، ولا يَدُلُّ الأمْرُ بِتَرْكِهِ في سُنْبُلِهِ عَلى أنَّ (تَزْرَعُونَ) في مَعْنى ازْرَعُوا، بَلْ (تَزْرَعُونَ) إخْبارُ غَيْبٍ بِما يَكُونُ مِنهم مَن تَوالِي الزَّرْعِ سَبْعَ سِنِينَ، وأمّا قَوْلُهُ: (فَذَرُوهُ) فَهو أمْرُ إشارَةٍ بِما يَنْبَغِي أنْ يَفْعَلُوهُ، ومَعْنى (دَأبًا): مُلازَمَةً، كَعادَتِكم في المُزارَعَةِ، وقَرَأ حَفْصٌ: (دَأبًا) بِفَتْحِ الهَمْزَةِ، والجُمْهُورُ بِإسْكانِها، وهُما مَصْدَرانِ لِدَأبَ، وانْتِصابُهُ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ مِن لَفْظِهِ أيْ: تَدابُونَ دَأبًا، فَهو مَنصُوبٌ عَلى المَصْدَرِ، وعِنْدَ المُبَرِّدِ بِـ (تَزْرَعُونَ) بِمَعْنى تَدْأبُونَ، وهي عِنْدَهُ مِثْلُ قَعَدَ القُرْفُصاءَ، وقِيلَ: مَصْدَرٌ في مَوْضِعِ الحالِ؛ أيْ: دائِبِينَ، أوْ ذَوِي دَأْبٍ حالًا مِن ضَمِيرِ تَزْرَعُونَ. و”ما“ في قَوْلِهِ: ﴿فَما حَصَدْتُمْ﴾ شَرْطِيَّةٌ أوْ مَوْصُولَةٌ بِـ ﴿ذَرُوهُ في سُنْبُلِهِ﴾ إشارَةً بِرَأْيِ نافِعٍ بِحَسَبِ طَعامِ مِصْرَ وحِنْطَتِها الَّتِي لا تَبْقى عامَيْنِ بِوَجْهٍ إلّا بِحِيلَةِ إبْقائِها في السُّنْبُلِ، فَإذا بَقِيَتْ فِيها انْحَفَظَتْ، والمَعْنى: اتْرُكُوا الزَّرْعَ في السُّنْبُلِ إلّا ما لا غِنى عَنْهُ لِلْأكْلِ، فَيَجْتَمِعُ الطَّعامُ ويَتَرَكَّبُ ويُؤْكَلُ الأقْدَمُ فالأقْدَمُ، فَإذا جاءَتِ السُّنُونَ الجَدْبَةُ تُقُوِّتَ الأقْدَمُ فالأقْدَمُ مِن ذَلِكَ المُدَّخَرِ، وقَرَأ السُّلَمِيُّ: (مِمّا يَأْكُلُونَ) بِالياءِ عَلى الغَيْبَةِ أيْ: يَأْكُلُ النّاسُ، وحَذَفَ المُمَيَّزَ في قَوْلِهِ: ﴿سَبْعٌ شِدادٌ﴾ أيْ: سَبْعُ سِنِينَ شِدادٌ، لِدَلالَةِ قَوْلِهِ: (سَبْعُ سِنِينَ) عَلَيْهِ، وأسْنَدَ الأكْلَ الَّذِي في قَوْلِهِ: (يَأْكُلْنَ) عَلى سَبِيلِ المَجازِ مِن حَيْثُ أنَّهُ يُؤْكَلُ فِيهِما كَما قالَ: (والنَّهارَ مُبْصِرًا) ومَعْنى (تُحْصِنُونَ) تُحْرِزُونَ وتُخْبِئُونَ، مَأْخُوذٌ مِنَ الحِصْنِ وهو الحِرْزُ والمَلْجَأُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ والجُمْهُورُ، يُغاثُ مِنَ الغَيْثِ، وقِيلَ: مِنَ الغَوْثِ، وهو الفَرَجُ، فَفي الأوَّلِ بُنِيَ مِن ثُلاثِيٍّ، وفي الثّانِي مِن رُباعِيٍّ، تَقُولُ: غاثَنا اللَّهُ مِنَ الغَيْثِ، وأغاثَنا مِنَ الغَوْثِ، وقَرَأ الأخَوانِ: (تَعْصِرُونَ) بِالتّاءِ عَلى الخِطابِ، وباقِي السَّبْعَةِ بِالياءِ عَلى الغَيْبَةِ، والجُمْهُورُ عَلى أنَّهُ مِن عَصْرِ النَّباتِ كالعِنَبِ والقَصَبِ والزَّيْتُونِ والسِّمْسِمِ والفِجْلِ وجَمِيعِ ما يُعْصَرُ، ومِصْرُ بَلَدُ عَصِيرٍ لِأشْياءَ كَثِيرَةٍ والحَلْبُ مِنهُ؛ لِأنَّهُ عَصْرٌ لِلضُّرُوعِ، ورُوِيَ أنَّهم لَمْ يَعْصِرُوا شَيْئًا مُدَّةَ الجَدْبِ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ وغَيْرُهُ، مَأْخُوذٌ مِنَ العُصْرَةِ، والعَصْرُ وهو المُنَجِّي، ومِنهُ قَوْلُ أبِي زُبَيْدٍ في عُثْمانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ:
؎صادِيًا يَسْتَغِيثُ غَيْرَ مُغاثٍ ∗∗∗ ولَقَدْ كانَ عُصْرَةَ المَنجُودِ
(p-٣١٦)فالمَعْنى: يَنْجُونَ بِالعُصْرَةِ، وقَرَأ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ والأعْرَجُ وعِيسى البَصْرَةِ (يُعْصَرُونَ) بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ الصّادِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، وعَنْ عِيسى أيْضًا: (تُعْصَرُونَ) بِالتّاءِ عَلى الخِطابِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، ومَعْناهُ: يَنْجُونَ مِن عَصْرِهِ إذا أنْجاهُ، وهو مُناسِبٌ لِقَوْلِهِ: يُغاثُ النّاسُ، وقالَ ابْنُ المُسْتَنِيرِ: مَعْناهُ يُمْطَرُونَ، مِن أعْصَرَتِ السَّحابَةُ ماءَها عَلَيْهِمْ، فَجُعِلُوا مُعْصِرِينَ مَجازًا بِإسْنادِ ذَلِكَ إلَيْهِمْ، وهو لِلْماءِ الَّذِي يُمْطَرُونَ بِهِ، وحَكى النَّقّاشُ أنَّهُ قُرِئَ (يُعَصِّرُونَ) بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ الصّادِ وشَدِّها مِن عَصَّرَ مُشَدَّدًا لِلتَّكْثِيرِ، وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: (وفِيهِ تِعِصِّرُونَ) بِكَسْرِ التّاءِ والعَيْنِ والصّادِ وشَدِّها، وأصْلُهُ تَعْتَصِرُونَ، فَأدْغَمَ التّاءَ في الصّادِ ونَقَلَ حَرَكَتَها إلى العَيْنِ، وأتْبَعَ حَرَكَةَ التّاءِ لِحَرَكَةِ العَيْنِ، واحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ مِنِ اعْتَصَرَ العِنَبَ ونَحْوِهِ، ومِنِ اعْتَصَرَ بِمَعْنى نَجا، قالَ الشّاعِرُ:
؎لَوْ بِغَيْرِ الماءِ حَلْقِي شَرِقٌ ∗∗∗ كُنْتُ كالغَصّانِ بِالماءِ اعْتِصارِي
أيْ: نَجاتِي، تَأوَّلَ يُوسُفُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - البَقَراتِ السِّمانَ والسُّنْبُلاتِ الخُضْرَ بِسِنِينَ مُخْصِبَةٍ، والعِجافَ واليابِساتِ بِسِنِينَ مُجْدِبَةٍ، ثُمَّ بَشَّرَهم بَعْدَ الفَراغِ مِن تَأْوِيلِ الرُّؤْيا بِمَجِيءِ العامِ الثّامِنِ مُبارَكًا خَصِيبًا كَثِيرَ الخَيْرِ غَزِيرَ النِّعَمِ، وذَلِكَ مِن جِهَةِ الوَحْيِ، وعَنْ قَتادَةَ: زادَهُ اللَّهُ عِلْمَ سَنَةٍ، والَّذِي مِن جِهَةِ الوَحْيِ هو التَّفْضِيلُ بِحالِ العامِ بِأنَّهُ فِيهِ يُغاثُ النّاسُ، (وفِيهِ يَعْصِرُونَ)، وإلّا فَمَعْلُومٌ بِانْتِهاءِ السَّبْعِ الشِّدادِ مَجِيءُ الخِصْبِ.
12:50–51Page 241
وَقَالَ ٱلۡمَلِكُ ٱئۡتُونِي بِهِۦۖ فَلَمَّا جَآءَهُ ٱلرَّسُولُ قَالَ ٱرۡجِعۡ إِلَىٰ رَبِّكَ فَسۡـَٔلۡهُ مَا بَالُ ٱلنِّسۡوَةِ ٱلَّٰتِي قَطَّعۡنَ أَيۡدِيَهُنَّۚ إِنَّ رَبِّي بِكَيۡدِهِنَّ عَلِيمٞ ٥٠
And the king said, "Bring him to me." But when the messenger came to him, [Joseph] said, "Return to your master and ask him what is the case of the women who cut their hands. Indeed, my Lord is Knowing of their plan."
قَالَ مَا خَطۡبُكُنَّ إِذۡ رَٰوَدتُّنَّ يُوسُفَ عَن نَّفۡسِهِۦۚ قُلۡنَ حَٰشَ لِلَّهِ مَا عَلِمۡنَا عَلَيۡهِ مِن سُوٓءٖۚ قَالَتِ ٱمۡرَأَتُ ٱلۡعَزِيزِ ٱلۡـَٰٔنَ حَصۡحَصَ ٱلۡحَقُّ أَنَا۠ رَٰوَدتُّهُۥ عَن نَّفۡسِهِۦ وَإِنَّهُۥ لَمِنَ ٱلصَّٰدِقِينَ ٥١
Said [the king to the women], "What was your condition when you sought to seduce Joseph?" They said, "Perfect is Allāh!1 We know about him no evil." The wife of al-ʿAzeez said, "Now the truth has become evident. It was I who sought to seduce him, and indeed, he is of the truthful.
﴿وقالَ المَلِكُ ائْتُونِي بِهِ فَلَمّا جاءَهُ الرَّسُولُ قالَ ارْجِعْ إلى رَبِّكَ فاسْألْهُ ما بالُ النِّسْوَةِ اللّاتِي قَطَّعْنَ أيْدِيَهُنَّ إنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ﴾ ﴿قالَ ما خَطْبُكُنَّ إذْ راوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ قُلْنَ حاشَ لِلَّهِ ما عَلِمْنا عَلَيْهِ مِن سُوءٍ قالَتِ امْرَأةُ العَزِيزِ الآنَ حَصْحَصَ الحَقُّ أنا راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وإنَّهُ لَمِنَ الصّادِقِينَ﴾
فِي الكَلامِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ: فَحَفِظَ الرَّسُولُ ما أوَّلَ بِهِ يُوسُفُ الرُّؤْيا، وجاءَ إلى المَلِكِ ومَن أرْسَلَهُ وأخْبَرَهم بِذَلِكَ، وقالَ المَلِكُ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: في تَضاعِيفِ هَذِهِ الآياتِ مَحْذُوفاتٌ يُعْطِيها ظاهِرُ الكَلامِ ويَدُلُّ عَلَيْها، والمَعْنى: فَرَجَعَ الرَّسُولُ إلى المَلِكِ ومَن مَعَ المَلِكِ فَنَصَّ عَلَيْهِمْ مَقالَةَ يُوسُفَ، فَرَأى المَلِكُ وحاضِرُوهُ نُبْلَ التَّعْبِيرِ، وحُسْنَ الرَّأْيِ، وتَضَمُّنَ الغَيْبِ في أمْرِ العامِ الثّامِنِ مَعَ ما وصَفَهُ بِهِ الرَّسُولُ مِنَ الصِّدْقِ في المَنامِ المُتَقَدِّمِ، فَعَظُمَ يُوسُفُ في نَفْسِ المَلِكِ وقالَ: (ائْتُونِي بِهِ) فَلَمّا وصَلَ الرَّسُولُ في إخْراجِهِ إلَيْهِ وقالَ: إنَّ المَلِكَ قَدْ أمَرَ بِأنْ تَخْرُجَ إلَيْهِ، قالَ لَهُ: ارْجِعْ إلى رَبِّكَ أيْ: إلى المَلِكِ وقُلْ لَهُ: ﴿ما بالُ النِّسْوَةِ﴾ ؟ ومَقْصِدُ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - إنَّما كانَ وقُلْ لَهُ يَسْتَقْصِي عَنْ ذَنْبِي، ويَنْظُرُ في أمْرِي، هَلْ سُجِنْتُ بِحَقٍّ أوْ بِظُلْمٍ ؟ وكانَ هَذا الفِعْلُ مِن يُوسُفَ إناءَةً وصَبْرًا وطَلَبًا لِبَراءَةِ السّاحَةِ، وذَلِكَ أنَّهُ فِيما رُوِيَ خَشِيَ أنْ يَخْرُجَ ويَنالَ مِنَ المَلِكِ مَرْتَبَةً، ويَسْكُتَ عَنْ أمْرِ دِينِهِ صَفْحًا، فَيَراهُ النّاسُ بِتِلْكَ العَيْنِ أبَدًا ويَقُولُونَ: هَذا الَّذِي راوَدَ امْرَأةَ مَوْلاهُ، فَأرادَ يُوسُفُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أنْ يُبَيِّنَ بَراءَتَهُ ويَتَحَقَّقَ مَنزِلَتَهُ مِنَ العِفَّةِ والخَيْرِ، وحِينَئِذٍ يَخْرُجُ لِلْإحْظاءِ والمَنزِلَةِ.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: إنَّما تَأنّى وتَثَبَّتَ في إجابَةِ المَلِكِ، وقَدَّمَ سُؤالَ النِّسْوَةِ لِتَظْهَرَ بَراءَةُ ساحَتِهِ عَمّا فُرِقَ بِهِ وسُجِنَ فِيهِ، لِئَلّا يَتَسَلَّقَ بِهِ الحاسِدُونَ إلى تَقْبِيحِ أمْرِهِ عِنْدَهُ، ويَجْعَلُوهُ سُلَّمًا إلى حَطِّ مَنزِلَتِهِ لَدَيْهِ، ولِئَلّا يَقُولُوا: ما خَلَدَ بِهِ في السِّجْنِ سَبْعَ سِنِينَ إلّا أمْرٌ عَظِيمٌ وجُرْمٌ كَبِيرٌ حَقَّ بِهِ أنْ يُسْجَنَ ويُعَذَّبَ، ويُكْشَفَ سِرُّهُ، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الِاجْتِهادَ في نَفْيِ التُّهَمِ واجِبَةٌ وُجُوبَ إبْقاءِ الوُقُوفِ في مَواقِفِها، قالَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: ”مَن كانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ فَلا يَقِفَنَّ مَواقِفَ التُّهَمِ“ . انْتَهى؛ ولِأجْلِ هَذا كانَ الزَّمَخْشَرِيُّ، وكانَ مَقْطُوعَ الرِّجْلِ قَدْ أثْبَتَ عَلى القُضاةِ أنَّ رِجْلَهُ لَمْ تُقْطَعْ في خِيانَةٍ ولا فَسادٍ، وكانَ يُظْهِرُ ذَلِكَ المَكْتُوبَ في كُلِّ بَلَدٍ دَخَلَهُ خَوْفًا مِن تُهْمَةِ السُّوءِ، وإنَّما قالَ: سَلِ المَلِكَ عَنْ (p-٣١٧)شَأْنِ النِّسْوَةِ، ولَمْ يَقُلْ سَلْهُ أنْ يُفَتِّشَ عَنْهُنَّ، لِأنَّ السُّؤالَ مِمّا يُهَيِّجُ الإنْسانَ ويُحَرِّكُهُ لِلْبَعْثِ عَنْ ما سُئِلَ عَنْهُ، فَأرادَ أنْ يُورِدَ عَلَيْهِ السُّؤالَ لِيُجْرِيَ التَّفْتِيشَ عَنْ حَقِيقَةِ القِصَّةِ، وقَصَّ الحَدِيثَ حَتّى يَتَبَيَّنَ لَهُ بَراءَتُهُ بَيانًا مَكْشُوفًا يَتَمَيَّزُ فِيهِ الحَقُّ مِنَ الباطِلِ، ومِن كَرَمِ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ زَوْجَ العَزِيزِ مَعَ ما صَنَعَتْ بِهِ وتَسَبَّبَتْ فِيهِ مِنَ السِّجْنِ والعَذابِ، واقْتَصَرَ عَلى ذِكْرِ المُقَطِّعاتِ الأيْدِي، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ في رِوايَةٍ (النُّسْوَةِ) بِضَمِّ النُّونِ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: (الّايِ) بِالياءِ، وكِلاهُما جَمْعُ الَّتِي، (إنَّ رَبِّي) أيْ: إنَّ اللَّهَ ﴿بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ﴾ أرادَ أنَّ كَيْدَهُنَّ عَظِيمٌ لا يَعْلَمُهُ إلّا اللَّهُ لِبُعْدِ عَوْدِهِ، واسْتَشْهَدَ بِعِلْمِ اللَّهِ عَلى أنَّهُنَّ كِدْنَهُ، وأنَّهُ بَرِيءٌ مِمّا قُذِفَ بِهِ، أوْ أرادَ الوَعِيدَ لَهُنَّ، أوْ هو عَلِيمٌ بِكَيْدِهِنَّ فَيُجازِيهِنَّ عَلَيْهِ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِالرَّبِّ العَزِيزَ مَوْلاهُ، فَفي ذَلِكَ اسْتِشْهادٌ بِهِ وتَقْرِيعٌ، وما ذَكَرَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ مِن هَذا الِاحْتِمالِ لا يَسُوغُ، والضَّمِيرُ في (بِكَيْدِهِنَّ) عائِدٌ عَلى (النِّسْوَةِ) المَذْكُوراتِ لا لِلْجِنْسِ؛ لِأنَّها حالَةُ تَوْقِيفٍ عَلى ذَنْبٍ، قالَ: (ما خَطْبُكُنَّ) في الكَلامِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ: فَرَجَعَ الرَّسُولُ فَأخْبَرَهُ بِما قالَ يُوسُفُ، فَجَمَعَ المَلِكُ النِّسْوَةَ وامْرَأةَ العَزِيزِ وقالَ لَهُنَّ: ما خَطْبُكُنَّ ؟ وهَذا اسْتِدْعاءٌ مِنهُ أنْ يُعْلِمْنَهُ بِالقِصَّةِ، ونَزَّهَ جانِبَ يُوسُفَ بِقَوْلِهِ: (إذْ راوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ) ومُراوَدَتُهُنَّ لَهُ قَوْلُهُنَّ لِيُوسُفَ: أطِعْ مَوْلاتَكَ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: هَلْ وجَدْتُنَّ مِنهُ مَيْلًا لَكُنَّ ؟ قُلْنَ: حاشَ لِلَّهِ ! تَعَجُّبًا مِن عِفَّتِهِ، وذَهابِهِ بِنَفْسِهِ عَنْ شَيْءٍ مِنَ الرِّيبَةِ، ومِن نَزاهَتِهِ عَنْها، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: أجابَ النِّساءُ بِجَوابٍ جَيِّدٍ تَظْهَرُ مِنهُ بَراءَةُ أنْفُسِهِنَّ جُمْلَةً، وأعْطَيْنَ يُوسُفَ بَعْضَ بَراءَةٍ، وذَلِكَ أنَّ المَلِكَ لَمّا قَرَّرَهُنَّ أنَّهُنَّ راوَدْنَهُ (قُلْنَ) جَوابًا عَنْ ذَلِكَ (حاشَ لِلَّهِ) ! ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُنَّ: حاشَ لِلَّهِ في جِهَةِ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وقَوْلُهُنَّ: ﴿ما عَلِمْنا عَلَيْهِ مِن سُوءٍ﴾ لَيْسَ بِإبْراءٍ تامٍّ، وإنَّما كانَ الإبْراءُ التّامُّ وصْفُ القِصَّةِ عَلى وجْهِها حَتّى يَتَقَرَّرَ الخَطَأُ في جِهَتِهِنَّ، فَلَمّا سَمِعَتِ امْرَأةُ العَزِيزِ مَقالَتَهُنَّ وحَيْدَتَهُنَّ عَنِ الوُقُوعِ في الخِزْيِ قالَتْ: ﴿الآنَ حَصْحَصَ الحَقُّ﴾ وقُرِئَ (حُصْحِصَ) عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ، أقَرَّتْ عَلى نَفْسِها بِالمُراوَدَةِ، والتَزَمَتِ الذَّنْبَ، وأبْرَأتْ يُوسُفَ البَراءَةَ التّامَّةَ.
12:52–53Page 241
ذَٰلِكَ لِيَعۡلَمَ أَنِّي لَمۡ أَخُنۡهُ بِٱلۡغَيۡبِ وَأَنَّ ٱللَّهَ لَا يَهۡدِي كَيۡدَ ٱلۡخَآئِنِينَ ٥٢
That is so he [i.e., al-ʿAzeez] will know that I did not betray him in [his] absence and that Allāh does not guide the plan of betrayers.
۞ وَمَآ أُبَرِّئُ نَفۡسِيٓۚ إِنَّ ٱلنَّفۡسَ لَأَمَّارَةُۢ بِٱلسُّوٓءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّيٓۚ إِنَّ رَبِّي غَفُورٞ رَّحِيمٞ ٥٣
And I do not acquit myself. Indeed, the soul is a persistent enjoiner of evil, except those upon which my Lord has mercy. Indeed, my Lord is Forgiving and Merciful."1
﴿ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أنِّي لَمْ أخُنْهُ بِالغَيْبِ وأنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي كَيْدَ الخائِنِينَ﴾ ﴿وما أُبَرِّئُ نَفْسِي إنَّ النَّفْسَ لَأمّارَةٌ بِالسُّوءِ إلّا ما رَحِمَ رَبِّي إنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾
الظّاهِرُ أنَّ هَذا مِن كَلامِ امْرَأةِ العَزِيزِ وهو داخِلٌ تَحْتَ قَوْلِهِ: (قالَتْ) والمَعْنى: ذَلِكَ الإقْرارُ والِاعْتِرافُ بِالحَقِّ، لِيَعْلَمَ يُوسُفُ أنِّي لَمْ أخُنْهُ في غَيْبَتِهِ والذَّبِّ عَنْهُ، وأرْمِيهِ بِذَنْبٍ هو مِنهُ بَرِيءٌ، ثُمَّ اعْتَذَرَتْ عَمّا وقَعَتْ فِيهِ مِمّا يَقَعُ فِيهِ البَشَرُ مِنَ الشَّهَواتِ بِقَوْلِها: ﴿وما أُبَرِّئُ نَفْسِي﴾ والنُّفُوسُ مائِلَةٌ إلى الشَّهَواتِ أمّارَةٌ بِالسُّوءِ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿وما أُبَرِّئُ نَفْسِي﴾ مَعَ ذَلِكَ مِنَ الخِيانَةِ فَإنِّي قَدْ خُنْتُهُ حِينَ قَذَفْتُهُ وقُلْتُ: ﴿ما جَزاءُ مَن أرادَ بِأهْلِكَ سُوءًا إلّا أنْ يُسْجَنَ﴾ [يوسف: ٢٥] وأوْدَعْتُهُ السِّجْنَ، تُرِيدُ الِاعْتِذارَ لِما كانَ مِنها أنَّ كُلَّ نَفْسٍ لَأمّارَةٌ بِالسُّوءِ إلّا نَفْسًا رَحِمَها اللَّهُ بِالعِصْمَةِ.
﴿إنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ اسْتَغْفَرَتْ رَبَّها واسْتَرْحَمَتْهُ مِمّا ارْتَكَبَتْ، ومَن ذَهَبَ إلى أنَّ قَوْلَهُ: (ذَلِكَ لِيَعْلَمَ) إلى آخِرِهِ مِن كَلامِ يُوسُفَ يَحْتاجُ إلى تَكَلُّفِ رَبْطٍ بَيْنَهُ وبَيْنَ ما قَبْلَهُ، ولا دَلِيلَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ مِن كَلامِ يُوسُفَ، فَقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: في الكَلامِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ، وهَذا الكَلامُ مُتَّصِلٌ بِقَوْلِ يُوسُفَ: ﴿إنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: ٥٠] وعَلى هَذا فالإشارَةٌ بِقَوْلِهِ: (ذَلِكَ) إلى إلْقائِهِ في السِّجْنِ والتِماسِهِ البَراءَةَ؛ أيْ: هَذا العِلْمُ سَيِّدِي أنِّي لَمْ أخُنْهُ، وقالَ بَعْضُهم: إنَّما قالَ يُوسُفُ هَذِهِ المَقالَةَ حِينَ قالَتِ امْرَأةُ العَزِيزِ كَلامَها إلى قَوْلِها: ﴿وإنَّهُ لَمِنَ الصّادِقِينَ﴾ [يوسف: ٥١] فالإشارَةُ عَلى هَذا إلى قَوْلِها وصُنْعِ اللَّهَ فِيهِ، وهَذا يَضْعُفُ؛ لِأنَّهُ يَقْتَضِي حُضُورَهُ مَعَ النِّسْوَةِ عِنْدَ المَلِكِ، فَكَيْفَ يَقُولُ المَلِكُ بَعْدَ ذَلِكَ: (ائْتُونِي بِهِ) ؟ وفَسَّرَ الزَّمَخْشَرِيُّ الآيَةَ أوَّلًا عَلى أنَّها مِن كَلامِ يُوسُفَ فَقالَ: أيْ ذَلِكَ التَّثَبُّتُ والتَّشَمُّرُ لِظُهُورِ البَراءَةِ، لِيَعْلَمَ العَزِيزُ أنِّي لَمْ أخُنْهُ بِظَهْرِ الغَيْبِ في حُرْمَتِهِ ﴿وأنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي كَيْدَ الخائِنِينَ﴾ لا يُنْفِذُهُ (p-٣١٨)ولا يُسَدِّدُهُ، وكَأنَّهُ تَعْرِيضٌ بِامْرَأتِهِ في خِيانَتِها في أمانَةِ زَوْجِها، وبِهِ في خِيانَتِهِ أمانَةَ اللَّهِ حِينَ ساعَدَها بَعْدَ ظُهُورِ الآياتِ عَلى حَبْسِهِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ تَوْكِيدًا لِأمانَتِهِ، وأنَّهُ لَوْ كانَ خائِنًا لَما هَدى اللَّهُ كَيْدَهُ ولا سَدَّدَهُ، ثُمَّ أرادَ أنْ يَتَواضَعَ لِلَّهِ ويَهْضِمَ نَفْسَهُ لِئَلّا يَكُونَ لَها مُزَكِّيًا، ولِحالِها في الأمانَةِ مُعْجَبًا كَما قالَ الرَّسُولُ ﷺ: ”أنا سَيِّدُ ولَدِ آدَمَ ولا فَخْرَ ٣٢“ ولِيُبَيِّنَ أنَّ ما فِيهِ مِنَ الأمانَةِ لَيْسَ بِهِ وحْدَهُ، وإنَّما هو بِتَوْفِيقِ اللَّهِ ولُطْفِهِ وعِصْمَتِهِ، فَقالَ: وما أُبَرِّئُ نَفْسِي مِنَ الزَّلَلِ، وما أشْهَدُ لَها بِالبَراءَةِ الكُلِّيَّةِ، ولا أُزَكِّيها ﴿إنَّ النَّفْسَ لَأمّارَةٌ بِالسُّوءِ﴾ أرادَ الجِنْسَ؛ أيْ: هَذا الجِنْسُ يَأْمُرُ بِالسُّوءِ، ويَحْمِلُ عَلى ما فِيهِ مِنَ الشَّهَواتِ، انْتَهى. وفِيهِ تَكْثِيرٌ وتَحْمِيلٌ لِلَفْظِ ما لَيْسَ فِيهِ، ويَزِيدُ عَلى عادَتِهِ في خِطابَتِهِ، ولَمّا أحَسَّ الزَّمَخْشَرِيُّ بِإشْكالِ قَوْلِ مَن قالَ: إنَّهُ مِن كَلامِ يُوسُفَ قالَ: (فَإنْ قُلْتَ): كَيْفَ صَحَّ أنْ يُجْعَلَ مِن كَلامِ يُوسُفَ ولا دَلِيلَ عَلى ذَلِكَ ؟ (قُلْتُ): كَفى بِالمَعْنى دَلِيلًا قائِدًا إلى أنْ يُجْعَلَ مِن كَلامِهِ، ونَحْوُهُ قَوْلُهُ: ﴿قالَ المَلَأُ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ إنَّ هَذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ﴾ [الأعراف: ١٠٩] ﴿يُرِيدُ أنْ يُخْرِجَكم مِن أرْضِكم فَماذا تَأْمُرُونَ﴾ [الأعراف: ١١٠] ﴿قالُوا﴾ [الأعراف: ١١١] وهو مِن كَلامِ فِرْعَوْنَ يُخاطِبُهم ويَسْتَشِيرُهم، انْتَهى. وهَذا لَيْسَ كَما ذَكَرَ، إذْ لا يَتَعَيَّنُ في هَذا التَّرْكِيبِ أنْ يَكُونَ مِن كَلامِ فِرْعَوْنَ، بَلْ هو مِن كَلامِ المَلَأِ تَقَدَّمَهم فِرْعَوْنُ إلى هَذِهِ المَقالَةِ، فَقالُوا ذَلِكَ بَعْضٌ لِبَعْضٍ، فَيَكُونُ في قَوْلِ فِرْعَوْنَ: يُرِيدُ أنْ يُخْرِجَكم خِطابًا لِلْمَلَأِ مِن فِرْعَوْنَ، ويَكُونُ في هَذا التَّرْكِيبِ خِطابًا مِن بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ، ولا يَتَنافى اجْتِماعُ المَقالَتَيْنِ. و(بِالغَيْبِ) يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الفاعِلِ؛ أيْ: غائِبًا عَنْهُ، أوْ مِنَ المَفْعُولِ؛ أيْ: غائِبًا عَنِّي، أوْ ظَرْفًا: أيْ بِمَكانِ الغَيْبِ، والظّاهِرُ أنَّ ﴿إلّا ما رَحِمَ رَبِّي﴾ اسْتِثْناءٌ مُتَّصِلٌ مِن قَوْلِهِ: ﴿لَأمّارَةٌ بِالسُّوءِ﴾ لِأنَّهُ أرادَ الجِنْسَ بِقَوْلِهِ: (إنَّ النَّفْسَ) فَكَأنَّهُ قالَ: إلّا النَّفْسَ الَّتِي رَحِمَها رَبِّي فَلا تَأْمُرُ بِالسُّوءِ، فَيَكُونُ اسْتِثْناءً مِنَ الضَّمِيرِ المُسْتَكِنُّ في (أمّارَةٌ)، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُسْتَثْنى مِن مَفْعُولِ (أمّارَةٌ) المَحْذُوفِ؛ إذِ التَّقْدِيرُ: لَأمّارَةٌ بِالسُّوءِ صاحِبَها، إلّا الَّذِي رَحِمَهُ رَبِّي فَلا تَأْمُرُهُ بِالسُّوءِ، وجَوَّزُوا أنْ يَكُونَ مُسْتَثْنى مِن ظَرْفِ الزَّمانِ المَفْهُومِ عُمُومُهُ مِن (ما) قَبْلَ الِاسْتِثْناءِ، و(ما) ظَرْفِيَّةٌ؛ إذِ التَّقْدِيرُ: لَأمّارَةٌ بِالسُّوءِ مُدَّةَ بَقائِها إلّا وقْتَ رَحْمَةِ اللَّهِ العَبْدَ وذَهابِهِ بِها عَنِ اشْتِهاءِ المَعاصِي، وجَوَّزُوا أنْ يَكُونَ اسْتِثْناءً مُنْقَطِعًا، و”ما“ مَصْدَرِيَّةٌ، وذَكَرَ ابْنُ عَطِيَّةَ أنَّهُ قَوْلُ الجُمْهُورِ؛ أيْ: ولَكِنْ رَحْمَةَ رَبِّي هي الَّتِي تَصْرِفُ الإساءَةَ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences