Abu HayyanYusuf · 12:7–14

Abu Hayyan · Tafsir · in Arabic

Yusuf 12:7–14

12:7–10Page 236

۞ لَّقَدۡ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخۡوَتِهِۦٓ ءَايَٰتٞ لِّلسَّآئِلِينَ ٧

Certainly were there in Joseph and his brothers signs for those who ask, [such as]

إِذۡ قَالُواْ لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَىٰٓ أَبِينَا مِنَّا وَنَحۡنُ عُصۡبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَٰلٖ مُّبِينٍ ٨

When they said, "Joseph and his brother1 are more beloved to our father than we, while we are a clan. Indeed, our father is in clear error.

ٱقۡتُلُواْ يُوسُفَ أَوِ ٱطۡرَحُوهُ أَرۡضٗا يَخۡلُ لَكُمۡ وَجۡهُ أَبِيكُمۡ وَتَكُونُواْ مِنۢ بَعۡدِهِۦ قَوۡمٗا صَٰلِحِينَ ٩

Kill Joseph or cast him out to [another] land; the countenance [i.e., attention] of your father will [then] be only for you, and you will be after that a righteous people."1

قَالَ قَآئِلٞ مِّنۡهُمۡ لَا تَقۡتُلُواْ يُوسُفَ وَأَلۡقُوهُ فِي غَيَٰبَتِ ٱلۡجُبِّ يَلۡتَقِطۡهُ بَعۡضُ ٱلسَّيَّارَةِ إِن كُنتُمۡ فَٰعِلِينَ ١٠

Said a speaker among them, "Do not kill Joseph but throw him into the bottom of the well; some travelers will pick him up - if you would do [something]."

(p-٢٨٢)﴿لَقَدْ كانَ في يُوسُفَ وإخْوَتِهِ آياتٌ لِلسّائِلِينَ﴾ ﴿إذْ قالُوا لَيُوسُفُ وأخُوهُ أحَبُّ إلى أبِينا مِنّا ونَحْنُ عُصْبَةٌ إنَّ أبانا لَفي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ ﴿اقْتُلُوا يُوسُفَ أوِ اطْرَحُوهُ أرْضًا يَخْلُ لَكم وجْهُ أبِيكم وتَكُونُوا مِن بَعْدِهِ قَوْمًا صالِحِينَ﴾

(آياتٌ) أيْ: عَلاماتٌ ودَلائِلُ عَلى قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى وحِكْمَتُهُ في كُلِّ شَيْءٍ، لِلسّائِلِينَ لِمَن سَألَ عَنْهم وعَرَفَ قِصَّتَهم، وقِيلَ: آياتٌ عَلى نُبُوَّةِ النَّبِيِّ ﷺ لِلَّذِينَ سَألُوهُ مِنَ اليَهُودِ عَنْها فَأخْبَرَهم بِالصِّحَّةِ مِن غَيْرِ سَماعٍ مِن أحَدٍ ولا قِراءَةِ كِتابٍ، والَّذِي يَظْهَرُ أنَّ الآياتِ الدَّلالاتُ عَلى صِدْقِ الرَّسُولِ وعَلى ما أظْهَرَ اللَّهُ في قِصَّةِ يُوسُفَ مِن عَواقِبِ البَغْيِ عَلَيْهِ، وصِدْقِ رُؤْياهُ، وصِحَّةِ تَأْوِيلِهِ، وضَبَطِ نَفْسِهِ وقَهْرِها حَتّى قامَ بِحَقِّ الأمانَةِ، وحُدُوثِ السُّرُورِ بَعْدَ اليَأْسِ، وقِيلَ: المَعْنى لِمَن سَألَ ولِمَن لَمْ يَسْألْ لِقَوْلِهِ: ﴿سَواءً لِلسّائِلِينَ﴾ [فصلت: ١٠] أيْ: سَواءً لِمَن سَألَ ولِمَن لَمْ يَسْألْ، وحَسُنَ الحَذْفُ لِدَلالَةِ قُوَّةِ الكَلامِ عَلَيْهِ كَقَوْلِهِ: ﴿سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الحَرَّ﴾ [النحل: ٨١] أيْ: والبَرْدَ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وقَوْلُهُ: (لِلسّائِلِينَ) يَقْتَضِي تَحْضِيضًا لِلنّاسِ عَلى تَعَلُّمِ هَذِهِ الأنْباءِ؛ لِأنَّهُ إنَّما المُرادُ آياتٌ لِلنّاسِ، فَوَصَفَهم بِالسُّؤالِ، إذْ كُلُّ أحَدٍ يَنْبَغِي أنْ يَسْألَ عَنْ مِثْلِ هَذِهِ القِصَصِ، إذْ هي مَقَرُّ العِبَرِ والِاتِّعاظِ، وتَقَدَّمَ لَنا ذِكْرُ أسْماءِ إخْوَةِ يُوسُفَ مَنقُولَةً مِن خَطِّ الحُسَيْنِ بْنِ أحْمَدَ بْنِ القاضِي الفاضِلِ عَبْدِ الرَّحِيمِ البِيسانِيِّ، ونَقَلَها مِن خَطِّ الشَّرِيفِ النَّقِيبِ النَّسّابَةِ أبِي البَرَكاتِ مُحَمَّدِ بْنِ أسْعَدَ الحُسَيْنِيِّ الجَوّانِيِّ مُحَرَّرَةٌ بِالنُّقَطِ، وتُوجَدُ في كُتُبِ التَّفْسِيرِ مُحَرَّفَةً مُخْتَلِفَةً، وكانَ رُوبِيلُ أكْبَرَهم، وهو ويَهُوذا، وشَمْعُونُ، ولاوِي، وزَبُولُونُ، ويُساخا، شَقائِقُ أُمِّهِمْ لَيّا بِنْتِ لِيانَ بْنِ ناهِرَ بْنِ آزَرَ وهي: بِنْتُ خالِ يَعْقُوبَ، وذانُ ونَفْتالِي، وكاذُ وياشِيرُ، أرْبَعَةٌ مِن سُرِّيَّتَيْنِ كانَتا لَلَيّا وأُخْتِها راحِيلَ، فَوَهَبَتاهُما لِيَعْقُوبَ، فَجَمَعَ بَيْنَهُما ولَمْ يَحِلَّ الجَمْعُ بَيْنَ الأُخْتَيْنِ لِأحَدٍ بَعْدَهُ، وأسْماءُ السُّرِّيَّتَيْنِ فِيما قِيلَ: لَيّا، وتَلْتا، وتُوُفِّيَتْ أُمُّ السَّبْعَةِ فَتَزَوَّجَ بَعْدَها يَعْقُوبُ أُخْتَها راحِيلَ، فَوَلَدَتْ لَهُ يُوسُفَ وبِنْيامِينَ، وماتَتْ مِن نِفاسِهِ.

وقَرَأ مُجاهِدٌ وشِبْلٌ وأهْلُ مَكَّةَ وابْنُ كَثِيرٍ: (آيَةٌ) عَلى الإفْرادِ، والجُمْهُورُ: (آياتٌ) وفي مُصْحَفِ أُبَيٍّ (عِبْرَةٌ لِلسّائِلِينَ) مَكانَ (آيَةٍ)، والضَّمِيرُ في (قالُوا) عائِدٌ عَلى إخْوَةِ يُوسُفَ (وأخُوهُ) هو بِنْيامِينُ؛ ولَمّا كانا شَقِيقَيْنِ أضافُوهُ إلى يُوسُفَ، واللّامُ في (لَيُوسُفُ) لامُ الِابْتِداءِ، وفِيها تَأْكِيدٌ وتَحْقِيقٌ لِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ؛ أيْ: كَثْرَةُ حُبِّهِ لَهُما ثابِتٌ لا شُبْهَةَ فِيهِ، و(أحَبُّ) أفْعَلُ تَفْضِيلٍ، وهي مَبْنِيٌّ مِنَ المَفْعُولِ شُذُوذًا، ولِذَلِكَ عُدِّيَ بِـ (إلى) لِأنَّهُ إذا كانَ ما تَعَلَّقَ بِهِ فاعِلًا مِن حَيْثُ المَعْنى عُدِّيَ إلَيْهِ بِـ ”إلى“، وإذا كانَ مَفْعُولًا عُدِّيَ إلَيْهِ بِـ ”في“، تَقُولُ: زَيْدٌ أحَبُّ إلى عَمْرٍو مِن خالِدٍ، فالضَّمِيرُ في ”أحَبُّ“ مَفْعُولٌ مِن حَيْثُ المَعْنى، وعَمْرٌو هو المُحِبُّ، وإذا قُلْتَ: زَيْدٌ أحَبُّ إلى عَمْرٍو مِن خالِدٍ، كانَ الضَّمِيرُ فاعِلًا وعَمْرٌو هو المَحْبُوبُ، و”مِن خالِدٍ“ في المِثالِ الأوَّلِ مَحْبُوبٌ، وفي الثّانِي فاعِلٌ.

ولَمْ يَبْنِ (أحَبُّ) لِتَعَدِّيهِ بِـ ”مِن“ . وكانَ بِنْيامِينُ أصْغَرَ مِن يُوسُفَ، فَكانَ يَعْقُوبُ يُحِبُّهُما بِسَبَبِ صِغَرِهِما ومَوْتِ أُمِّهِما، وحُبُّ الصَّغِيرِ والشَّفَقَةُ عَلَيْهِ مَرْكُوزٌ في فِطْرَةِ البَشَرِ، وقِيلَ لِابْنَةِ الحَسَنِ: أيُّ بَنِيكِ أحَبُّ (p-٢٨٣)إلَيْكِ ؟ قالَتْ: الصَّغِيرُ حَتّى يَكْبُرَ، والغائِبُ حَتّى يَقْدَمَ، والمَرِيضُ حَتّى يُفِيقَ، وقَدْ نَظَّمَ الشُّعَراءُ في مَحَبَّةِ الوَلَدِ الصَّغِيرِ قَدِيمًا وحَدِيثًا، ومِن ذَلِكَ ما قالَهُ الوَزِيرُ أبُو مَرْوانَ عَبْدُ المَلِكِ بْنُ إدْرِيسَ الجُزَيْرِيُّ في قَصِيدَتِهِ الَّتِي بَعَثَ بِها إلى أوْلادِهِ وهو في السِّجْنِ.

؎وصَغِيرُكم عَبْدُ العَزِيزِ فَإنَّنِي أطْوِي لِفُرْقَتِهِ جَوًى لَمْ يَصْغُرِ

؎ذاكَ المُقَدَّمُ في الفُؤادِ وإنْ غَدا ∗∗∗ كُفُؤًا لَكم في المُنْتَمى والعُنْصُرِ

؎إنَّ البَناتَ الخَمْسَ أكْفاءٌ مَعًا ∗∗∗ والحَلْيُ دُونَ جَمِيعِها لِلْخِنْصِرِ

؎وإذا الفَتى بَعْدَ الشَّبابِ سَما لَهُ ∗∗∗ حُبُّ البَنِينَ ولا كَحُبِّ الأصْغَرِ

﴿ونَحْنُ عُصْبَةٌ﴾ جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ أيْ: تُفَضِّلُهُما عَلَيْنا في المَحَبَّةِ، وهُما ابْنانِ صَغِيرانِ لا كِفايَةَ فِيهِما ولا مَنفَعَةَ، ونَحْنُ جَماعَةٌ عَشَرَةُ رِجالٍ كُفاةٌ نَقُومُ بِمُرافَقَةٍ، فَنَحْنُ أحَقُّ بِزِيادَةِ المَحَبَّةِ مِنهُما، ورَوى النَّزّالُ بْنُ سَبْرَةَ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: (ونَحْنُ عُصْبَةً) وقِيلَ: مَعْناهُ ونَحْنُ نَجْتَمِعُ عُصْبَةً، فَيَكُونُ الخَبَرُ مَحْذُوفًا وهو عامِلٌ في (عُصْبَةً) وانْتَصَبَ (عُصْبَةً) عَلى الحالِ، وهَذا كَقَوْلِ العَرَبِ: حُكْمُكَ مُسَمَّطًا، حُذِفَ الخَبَرُ، قالَ المُبَرِّدُ: قالَ الفَرَزْدَقُ:

؎يا لَهْذَمُ حُكْمُكَ مُسَمَّطا

أرادَ لَكَ حُكْمُكَ مُسَمَّطًا، واسْتُعْمِلَ هَذا فَكَثُرَ حَتّى حُذِفَ اسْتِخْفافًا، لِعِلْمِ السّامِعِ ما يُرِيدُ القائِلُ كَقَوْلِكَ: الهِلالُ واللَّهِ؛ أيْ: هَذا الهِلالُ. والمُسَمَّطُ: المُرْسَلُ غَيْرُ المَرْدُودِ. وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: هَذا كَما تَقُولُ العَرَبُ: إنَّما العامِرِيُّ عِمَّتَهُ؛ أيْ: يَتَعَمَّمُ عِمَّتَهُ، انْتَهى. ولَيْسَ مِثْلَهُ، لِأنَّ (عُصْبَةً) لَيْسَ مَصْدَرًا ولا هَيْئَةً، فالأجْوَدُ أنْ يَكُونَ مِن بابِ حُكْمُكَ مُسَمَّطًا. وقَدَّرَهُ بَعْضُهم: حُكْمُكَ ثَبَتَ مُسَمَّطًا.

وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: العُصْبَةُ ما زادَ عَلى العَشَرَةِ، وعَنْهُ: ما بَيْنَ العَشَرَةِ إلى الأرْبَعِينَ، وعَنْ قَتادَةَ: ما فَوْقَ العَشَرَةِ إلى الأرْبَعِينَ، وعَنْ مُجاهِدٍ: مِن عَشَرَةٍ إلى خَمْسَةَ عَشَرَ، وعَنْ مُقاتِلٍ: عَشَرَةٌ، وعَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ: سِتَّةٌ أوْ سَبْعَةٌ، وقِيلَ: ما بَيْنَ الواحِدِ إلى العَشَرَةِ، وقِيلَ: إلى خَمْسَةَ عَشَرَ، وعَنِ الفَرّاءِ: عَشَرَةٌ فَما زادَ، وعَنِ ابْنِ زَيْدٍ والزَّجّاجِ وابْنِ قُتَيْبَةَ: العُصْبَةُ ثَلاثَةُ نَفَرٍ، فَإذا زادُوا فَهم رَهْطٌ إلى التِّسْعَةِ، فَإذا زادُوا فَهم عُصْبَةٌ، ولا يُقالُ لِأقَلَّ مِن عَشَرَةٍ عُصْبَةٌ.

والضَّلالُ هُنا هو الهَوى قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، أوِ الخَطَأُ مِنَ الرَّأْيِ قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ، أوِ الجَوْرُ في الفِعْلِ قالَهُ ابْنُ كامِلٍ، أوِ الغَلَطُ في أمْرِ الدُّنْيا، رُوِيَ أنَّهُ بَعْدَ إخْبارِهِ لِأبِيهِ بِالرُّؤْيا كانَ يَضُمُّهُ كُلَّ ساعَةٍ إلى صَدْرِهِ، وكَأنَّ قَلْبَهُ أيْقَنَ بِالفِراقِ فَلا يَكادُ يَصْبِرُ عَنْهُ، والظّاهِرُ (أنِ اقْتُلُوا يُوسُفَ) مِن جُمْلَةِ قَوْلِهِمْ، وقِيلَ: هو مِن قَوْلِ قَوْمٍ اسْتَشارَهم إخْوَةُ يُوسُفَ فِيما يُفْعَلُ بِهِ فَقالُوا ذَلِكَ، والظّاهِرُ أنِ (اطْرَحُوهُ) هو مِن قَوْلِهِمْ أنْ يَفْعَلُوا بِهِ أحَدَ الأمْرَيْنِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ (أوْ) لِلتَّنْوِيعِ أيْ: قالَ بَعْضٌ: اقْتُلُوا يُوسُفَ، وبَعْضٌ: اطْرَحُوهُ، وانْتَصَبَ (أرْضًا) عَلى إسْقاطِ حَرْفِ الجَرِّ، قالَهُ الحَوْفِيُّ وابْنُ عَطِيَّةَ؛ أيْ: في أرْضٍ بَعِيدَةٍ مِنَ الأرْضِ الَّتِي هو فِيها قَرِيبٌ مِن أرْضِ يَعْقُوبَ، وقِيلَ: مَفْعُولٌ ثانٍ عَلى تَضْمِينِ اطْرَحُوهُ مَعْنى أنْزِلُوهُ، كَما تَقُولُ: أنْزَلْتُ زَيْدًا الدّارَ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: ظَرْفٌ، واخْتارَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، وتَبِعَهُ أبُو البَقاءِ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (أرْضًا) مَنكُورَةٌ مَجْهُولَةٌ بَعِيدَةٌ مِنَ العُمْرانِ، وهو مَعْنى تَنْكِيرِها وإخْلائِها مِنَ النّاسِ، ولِإبْهامِها مِن هَذا الوَجْهِ نُصِبَتْ نَصْبَ الظُّرُوفِ المُبْهَمَةِ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وذَلِكَ خَطَأٌ بِمَعْنى كَوْنِها مَنصُوبَةً عَلى الظَّرْفِ. قالَ: لِأنَّ الظَّرْفَ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ مُبْهَمًا وهَذِهِ لَيْسَتْ كَذَلِكَ، بَلْ هي أرْضٌ مُقَيَّدَةٌ بِأنَّها بَعِيدَةٌ أوْ قاصِيَةٌ ونَحْوُ ذَلِكَ، فَزالَ بِذَلِكَ إبْهامُها، ومَعْلُومٌ أنَّ يُوسُفَ لَمْ يَخْلُ مِنَ الكَوْنِ في أرْضٍ فَتَبَيَّنَ أنَّهم أرادُوا أرْضًا بَعِيدَةً غَيْرَ الَّتِي هو فِيها قَرِيبٌ مِن أبِيهِ، انْتَهى، وهَذا الرَّدُّ صَحِيحٌ، لَوْ قُلْتَ: جَلَسْتُ دارًا بَعِيدَةً، أوْ قَعَدْتُ (p-٢٨٤)مَكانًا بَعِيدًا لَمْ يَصِحَّ إلّا بِوَساطَةِ ”في“، ولا يَجُوزُ حَذْفُها إلّا في ضَرُورَةِ شِعْرٍ، أوْ مَعَ دَخَلْتُ عَلى الخِلافِ في دَخَلْتُ أهِيَ لازِمَةٌ أوْ مُتَعَدِّيَةٌ. والوَجْهُ هُنا قِيلَ: الذّاتُ؛ أيْ: يَخْلُ لَكم أبُوكم، وقِيلَ: هو اسْتِعارَةٌ عَنْ شَغْلِهِ بِهِمْ، وصَرْفِ مَوَدَّتِهِ إلَيْهِمْ؛ لِأنَّ مَن أقْبَلَ عَلَيْكَ صَرَفَ وجْهَهُ إلَيْكَ، وهَذا كَقَوْلِ نَعامَةَ حِينَ أحَبَّتْهُ أُمُّهُ لَمّا قَتَلَ إخْوَتَهُ وكانَتْ قَبْلُ لا تُحِبُّهُ، قالَ: الثَّكْلُ أرامَها؛ أيْ: عَطَفَها، والضَّمِيرُ في (بَعْدِهِ) عائِدٌ عَلى يُوسُفَ، أوْ قَتْلِهِ، أوْ طَرْحِهِ، وصَلاحُهم إمّا صَلاحُ حالِهِمْ عِنْدَ أبِيهِمْ وهو قَوْلُ مُقاتِلٍ، أوْ صَلاحُهم بِالتَّوْبَةِ والتَّنَصُّلِ مِن هَذا الفِعْلِ وهَذا أظْهَرُ، وهو قَوْلُ الجُمْهُورِ مِنهُمُ الكَلْبِيُّ، واحْتَمَلَ (تَكُونُوا) أنْ يَكُونَ مَجْزُومًا عَطْفًا عَلى مَجْزُومٍ، أوْ مَنصُوبًا عَلى إضْمارِ (أنْ) . والقائِلُ: ﴿لا تَقْتُلُوا يُوسُفَ﴾ رُوبِيلُ قالَهُ قَتادَةُ وابْنُ إسْحاقَ، أوْ شَمْعُونُ قالَهُ مُجاهِدٌ، أوْ يَهُوذا وكانَ أحَلَمَهم وأحْسَنَهم فِيهِ رَأْيًا وهو الَّذِي قالَ: ﴿فَلَنْ أبْرَحَ الأرْضَ﴾ [يوسف: ٨٠] قالَ لَهم: القَتْلُ عَظِيمٌ قالَهُ السُّدِّيُّ - أوْذانُ أرْبَعَةِ أقْوالٍ - وهَذا عَطْفٌ مِنهم عَلى أخِيهِمْ، لَمّا أرادَ اللَّهُ مِن إنْفاذِ قَضائِهِ وإبْقاءٍ عَلى نَفْسِهِ، وسَبَبٍ لِنَجاتِهِمْ مِنَ الوُقُوعِ في هَذِهِ الكَبِيرَةِ وهو إتْلافُ النَّفْسِ بِالقَتْلِ، قالَ الهَرَوِيُّ: الغَيابَةُ في الجُبِّ شَبَهُ لِحْفٍ، أوْ طاقٍ في البِئْرِ فُوَيْقَ الماءِ يَغِيبُ ما فِيهِ عَنِ العُيُونِ. وقالَ الكَلْبِيُّ: الغَيابَةُ كُمُونٌ في قَعْرِ الجُبِّ؛ لِأنَّ أسْفَلَهُ واسِعٌ ورَأْسُهُ ضَيِّقٌ، فَلا يَكادُ النّاظِرُ يَرى ما في جَوانِبِهِ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: غَوْرُهُ وهو ما غابَ مِنهُ عَنْ عَيْنِ النّاظِرِ، وأظْلَمُ مِن أسْفَلِهِ، انْتَهى. مِنهُ قِيلَ لِلْقَبْرِ: غَيابَةٌ، قالَ المُنْخَلُّ السَّعْدِيُّ:

؎فَإنْ أنا يَوْمًا غَيَّبَتْنِي غَيابَتِي ∗∗∗ فَسِيرُوا بِسَيْرِي في العَشِيرَةِ والأهْلِ

. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (غَيابَةِ) عَلى الإفْرادِ، ونافِعٌ: (غَياباتِ) عَلى الجَمْعِ، جَعَلَ كُلَّ جُزْءٍ مِمّا يَغِيبُ فِيهِ غَيابَةً، وقَرَأ ابْنُ هُرْمُزَ: (غَيّاباتٍ) بِالتَّشْدِيدِ والجَمْعِ، والَّذِي يَظْهَرُ أنَّهُ سُمِّيَ بِاسْمِ الفاعِلِ الَّذِي لِلْمُبالَغَةِ، فَهو وصْفٌ في الأصْلِ، وألْحَقَهُ أبُو عَلِيٍّ بِالِاسْمِ الحائِيِّ عَلى فِعالٍ نَحْوَ ما ذَكَرَ سِيبَوَيْهِ مِنَ الغَيادِ، قالَ أبُو الفَتْحِ: ووَجَدْتُ مِن ذَلِكَ المَبارَ المُبَرَّحَ والفَخارَ الخَزَفَ، وقالَ صاحِبُ الَّلَوامِحِ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَلى فَعّالاتٍ كَحَمّاماتٍ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَلى فَيْعالاتٍ كَشَيْطاناتٍ في جَمْعِ شَيْطانَةٍ، وكُلٌّ لِلْمُبالَغَةِ، وقَرَأ الحَسَنُ: (في غَيْبَةٍ) فاحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ في الأصْلِ مَصْدَرًا كالغَلَبَةِ، واحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ جَمْعَ غائِبٍ كَصانِعٍ وصَنْعَةٍ، وفي حِرَفِ أُبَيٍّ في (غَيْبَةٍ) بِسُكُونِ الياءِ، وهي ظُلْمَةُ الرَّكِيَّةِ، وقالَ قَتادَةُ في جَماعَةٍ: الجُبُّ بِئْرُ بَيْتِ المَقْدِسِ، وقالَ وهْبٌ: بِأرْضِ الأُرْدُنِّ، وقالَ مُقاتِلٌ: عَلى ثَلاثِ فَراسِخَ مِن مَنزِلِ يَعْقُوبَ، وقِيلَ: بَيْنَ مَدَيْنَ ومِصْرَ، وقَرَأ الحَسَنُ ومُجاهِدٌ وقَتادَةُ وأبُو رَجاءٍ: (تَلْتَقِطْهُ) بِتاءِ التَّأْنِيثِ، أُنِّثَ عَلى المَعْنى كَما قالَ:

؎إذا بَعْضُ السِّنِينَ تَعَرَّفَتْنا ∗∗∗ كَفى الأيْتامَ فَقْدَ أبِي اليَتِيمِ

والسَّيّارَةُ جَمْعُ سَيّارٍ، وهو الكَثِيرُ السَّيْرِ في الأرْضِ، والظّاهِرُ أنَّ الجُبَّ كانَ فِيهِ ماءٌ، ولِذَلِكَ قالُوا: ﴿يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيّارَةِ﴾ وقِيلَ: كانَ فِيهِ ماءٌ كَثِيرٌ يُغْرِقُ يُوسُفَ، فَنَشَزَ حَجَرٌ مِن أسْفَلِ الجُبِّ حَتّى ثَبَتَ يُوسُفُ عَلَيْهِ، وقِيلَ: لَمْ يَكُنْ ماءٌ فَأخْرَجَهُ اللَّهُ فِيهِ حَتّى قَصَدَهُ النّاسُ. ورُوِيَ: أنَّهم رَمَوْهُ بِحَبْلٍ في الجُبِّ، فَتَماسَكَ بِيَدَيْهِ حَتّى رَبَطُوا يَدَيْهِ ونَزَعُوا قَمِيصَهُ ورَمَوْهُ، حِينَئِذٍ وهَمُّوا بَعْدُ بِرَضْخِهِ بِالحِجارَةِ فَمَنَعَهم أخُوهُمُ المُشِيرُ بِطَرْحِهِ مِن ذَلِكَ. ومَفْعُولُ فاعِلِينَ مَحْذُوفٌ؛ أيْ: فاعِلِينَ ما يَحْصُلُ بِهِ غَرَضُكم مِنَ التَّفْرِيقِ بَيْنَهُ وبَيْنَ أبِيهِ.

12:11–14Page 236

قَالُواْ يَٰٓأَبَانَا مَا لَكَ لَا تَأۡمَ۬نَّا عَلَىٰ يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُۥ لَنَٰصِحُونَ ١١

They said, "O our father, why do you not entrust us with Joseph while indeed, we are to him sincere counselors?

أَرۡسِلۡهُ مَعَنَا غَدٗا يَرۡتَعۡ وَيَلۡعَبۡ وَإِنَّا لَهُۥ لَحَٰفِظُونَ ١٢

Send him with us tomorrow that he may eat well and play. And indeed, we will be his guardians."

قَالَ إِنِّي لَيَحۡزُنُنِيٓ أَن تَذۡهَبُواْ بِهِۦ وَأَخَافُ أَن يَأۡكُلَهُ ٱلذِّئۡبُ وَأَنتُمۡ عَنۡهُ غَٰفِلُونَ ١٣

[Jacob] said, "Indeed, it saddens me that you should take him, and I fear that a wolf would eat him while you are of him unaware."

قَالُواْ لَئِنۡ أَكَلَهُ ٱلذِّئۡبُ وَنَحۡنُ عُصۡبَةٌ إِنَّآ إِذٗا لَّخَٰسِرُونَ ١٤

They said, "If a wolf should eat him while we are a [strong] clan, indeed, we would then be losers."

﴿قالُوا يا أبانا ما لَكَ لا تَأْمَنّا عَلى يُوسُفَ وإنّا لَهُ لَناصِحُونَ﴾ ﴿أرْسِلْهُ مَعَنا غَدًا يَرْتَعْ ويَلْعَبْ وإنّا لَهُ لَحافِظُونَ﴾ ﴿قالَ إنِّي لَيَحْزُنُنِي أنْ تَذْهَبُوا بِهِ وأخافُ أنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وأنْتُمْ عَنْهُ غافِلُونَ﴾ ﴿قالُوا لَئِنْ أكَلَهُ الذِّئْبُ ونَحْنُ عُصْبَةٌ إنّا إذًا لَخاسِرُونَ﴾

لَمّا تَقَرَّرَ في أذْهانِهِمُ التَّفْرِيقُ بَيْنَ يُوسُفَ (p-٢٨٥)وأبِيهِ، أعْمَلُوا الحِيلَةَ عَلى يَعْقُوبَ وتَلَطَّفُوا في إخْراجِهِ مَعَهم، وذَكَرُوا نُصْحَهم لَهُ وما في إرْسالِهِ مَعَهم مِنِ انْشِراحِ صَدْرِهِ بِالِارْتِعاءِ واللَّعِبِ، إذْ هو مِمّا يُشْرِحُ الصِّبْيانَ، وذَكَرُوا حِفْظَهم لَهُ مِمّا يَسُوءُهُ، وفي قَوْلِهِمْ: ﴿ما لَكَ لا تَأْمَنّا﴾ دَلِيلٌ عَلى أنَّهم تَقَدَّمَ مِنهم سُؤالٌ في أنْ يَخْرُجَ مَعَهم، وذَكَرُوا سَبَبَ الأمْنِ وهو النُّصْحُ؛ أيْ: لِمَ لا تَأْمَنّا عَلَيْهِ وحالَتُنا هَذِهِ ؟ والنُّصْحُ دَلِيلٌ عَلى الأمانَةِ، ولِهَذا قُرِنا في قَوْلِهِ: ﴿ناصِحٌ أمِينٌ﴾ [الأعراف: ٦٨]، وكانَ قَدْ أحَسَّ مِنهم قَبْلُ ما أوْجَبَ أنْ لا يَأْمَنَهم عَلَيْهِ، و﴿لا تَأْمَنّا﴾ جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ، وهَذا الِاسْتِفْهامُ صَحِبَهُ التَّعَجُّبُ.

وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وأبُو جَعْفَرٍ والزُّهْرِيُّ وعَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ: بِإدْغامِ نُونِ (تَأْمَنَ) في نُونِ الضَّمِيرِ مِن غَيْرِ إشْمامٍ ومَجِيئِهِ بَعْدَ مالِكٍ، والمَعْنى: يُرْشِدُ إلى أنَّهُ نَفْيٌ لا نَهْيٌ، ولَيْسَ كَقَوْلِهِمْ: ما أحْسَنَنا في التَّعَجُّبِ؛ لِأنَّهُ لَوْ أُدْغِمَ لالتَبَسَ بِالنَّفْيِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: بِالإدْغامِ والإشْمامِ لِلضَّمِّ، وعَنْهم إخْفاءُ الحَرَكَةِ، فَلا يَكُونُ إدْغامًا مَحْضًا، وقَرَأ ابْنُ هُرْمُزَ: بِضَمِّ المِيمِ، فَتَكُونُ الضَّمَّةُ مَنقُولَةً إلى المِيمِ مِنَ النُّونِ الأُولى بَعْدَ سَلْبِ المِيمِ حَرَكَتَها، وإدْغامِ النُّونِ في النُّونِ، وقَرَأ أُبَيٌّ والحَسَنُ وطَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ والأعْمَشُ: (لا تَأْمُنُنا) بِالإظْهارِ وضَمِّ النُّونِ عَلى الأصْلِ - وخَطُّ المُصْحَفِ بِنُونٍ واحِدَةٍ - وقَرَأ ابْنُ وثّابٍ وأبُو رَزِينٍ: (لا يَتْمَنّا) عَلى لُغَةِ تَمِيمٍ، وسَهَّلَ الهَمْزَةَ بَعْدَ الكَسْرَةِ ابْنُ وثّابٍ، وفي لَفْظَةِ: (أرْسِلْهُ) دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ كانَ يُمْسِكُهُ ويَصْحَبُهُ دائِمًا، وانْتَصَبَ (غَدًا) عَلى الظَّرْفِ، وهو ظَرْفٌ مُسْتَقْبَلٌ يُطْلَقُ عَلى اليَوْمِ الَّذِي يَلِي يَوْمَكَ، وعَلى الزَّمَنِ المُسْتَقْبَلِ مِن غَيْرِ تَقْيِيدٍ بِاليَوْمِ الَّذِي يَلِي يَوْمَكَ، وأصْلُهُ: غُدُوٌّ، فَحُذِفَتْ لامُهُ وقَدْ جاءَ تامًّا، وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿يَرْتَعْ ويَلْعَبْ﴾ بِالياءِ والجَزْمِ، والِابْنانِ وأبُو عُمَرَ، وبِالنُّونِ والجَزْمِ وكَسْرِ العَيْنِ الحَرَمِيّانِ، واخْتَلَفَ عَنْ قُنْبُلٍ في إثْباتِ الياءِ وحَذْفِها، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ: (ويَلْعَبْ) بِالياءِ، وهي قِراءَةُ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، وقَرَأ العَلاءُ بْنُ سَيابَةَ: (يَرْتَعِ) بِالياءِ وكَسْرِ العَيْنِ مَجْزُومًا مَحْذُوفَ اللّامِ، (ويَلْعَبُ) بِالياءِ وضَمِّ الباءِ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ؛ أيْ: وهو يَلْعَبُ، وقَرَأ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ وابْنُ مُحَيْصِنٍ: بِنُونٍ مَضْمُومَةٍ مِنِ ارْتَعْنا (ونَلْعَبْ) بِالنُّونِ، وكَذَلِكَ أبُو رَجاءٍ، إلّا أنَّهُ بِالياءِ فِيهِما ﴿يَرْتَعْ ويَلْعَبْ﴾، والقِراءَتانِ عَلى حَذْفِ المَفْعُولِ؛ أيْ: يَرْتَعِ المَواشِي أوْ غَيْرِها. وقَرَأ النَّخَعِيُّ: (نَرْتَعْ) بِنُونٍ، (ويَلْعَبْ) بِياءٍ، بِإسْنادِ اللَّعِبِ إلى يُوسُفَ وحْدَهُ لِصِباهُ، وجاءَ كَذَلِكَ عَنْ أبِي إسْحاقَ ويَعْقُوبَ، وكُلُّ هَذِهِ القِراآتِ الفِعْلانِ فِيها مَبْنِيّانِ لِلْفاعِلِ، وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: (يُرْتَعْ ويُلْعَبْ) بِضَمِّ الياءَيْنِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، ويُخْرِجُها عَلى أنَّهُ أُضْمِرَ المَفْعُولُ الَّذِي لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ وهو ضَمِيرُ غَدٍ، وكانَ أصْلُهُ يَرْتَعْ فِيهِ ويَلْعَبْ فِيهِ، ثُمَّ حُذِفَ واتَّسَعَ، فَعُدِّيَ الفِعْلُ لِلضَّمِيرِ، فَكانَ التَّقْدِيرُ: يَرْتَعْهُ ويَلْعَبْهُ، ثُمَّ بَناهُ لِلْمَفْعُولِ فاسْتَكَنَ الضَّمِيرُ الَّذِي كانَ مَنصُوبًا لِكَوْنِهِ نابَ عَنِ الفاعِلِ، واللَّعِبُ هُنا هو الِاسْتِباقُ والِانْتِضالُ، فَيُدَرَّبُونَ بِذَلِكَ لِقِتالِ العَدُوِّ، سَمَّوْهُ لَعِبًا لِأنَّهُ بِصُورَةِ اللَّعِبِ، ولَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لِلَّهْوِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِمْ: (إنَّنا ذَهَبْنا نَسْتَبِقُ) ولَوْ كانَ لَعِبَ لَهْوٍ ما أقَرَّهم عَلَيْهِ يَعْقُوبُ. ومَن كَسَرَ العَيْنَ مِن (يَرْتَعِ) فَهو يَفْتَعِلُ، قالَ مُجاهِدٌ: هي مِنَ المُراعاةِ أيْ: يُراعِي بَعْضُنا بَعْضًا ويَحْرُسُهُ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: مِن رَعْيِ الإبِلِ أيْ: يَتَدَرَّبْ في الرَّعْيِ، وحِفْظِ المالِ، أوْ مِن رَعْيِ النَّباتِ والكَلَأِ، أيْ: يَرْتَعِ؛ عَلى حَذْفِ مُضافٍ أيْ: مَواشِينا، ومَن أثْبَتَ الياءَ. فَقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هي قِراءَةٌ ضَعِيفَةٌ لا تَجُوزُ إلّا في الشِّعْرِ كَقَوْلِ الشّاعِرِ:

؎ألَمْ يَأْتِيكَ والأنْباءُ تَنْمِي بِما لاقَتْ لَبُونُ بَنِي زِيادٍ

انْتَهى. وقِيلَ: تَقْدِيرُ حَذْفِ الحَرَكَةِ في الياءِ لُغَةٌ، فَعَلى هَذا لا يَكُونُ ضَرُورَةً، ومَن قَرَأ بِسُكُونِ العَيْنِ فالمَعْنى: نَقُمْ في خِصْبٍ وسَعَةٍ، ويَعْنُونَ مِنَ الأكْلِ والشُّرْبِ، ﴿وإنّا لَهُ لَحافِظُونَ﴾ جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ، والعامِلُ فِيهِ الأمْرُ أوِ الجَوابُ، ولا يَكُونُ ذَلِكَ مِن بابِ الإعْمالِ؛ لِأنَّ الحالَ لا تُضْمَرُ، وبِأنَّ الإعْمالَ لا بُدَّ فِيهِ مِنَ الإضْمارِ إذا أُعْمِلَ الأوَّلُ، ثُمَّ اعْتَذَرَ لَهم يَعْقُوبُ بِشَيْئَيْنِ: أحَدُهُما: عاجِلٌ في الحالِ، وهو ما يَلْحَقُهُ مِنَ الحُزْنِ (p-٢٨٦)لِمُفارَقَتِهِ وكانَ لا يَصْبِرُ عَنْهُ، والثّانِي: خَوْفُهُ عَلَيْهِ مِنَ الذِّئْبِ إنْ غَفَلُوا عَنْهُ بِرِعْيِهِمْ ولَعِبِهِمْ، أوْ بِقِلَّةِ اهْتِمامِهِمْ بِحِفْظِهِ وعِنايَتِهِمْ، فَيَأْكُلُهُ ويَحْزَنُ عَلَيْهِ الحُزْنَ المُؤَبَّدَ، وخَصَّ الذِّئْبَ؛ لِأنَّهُ كانَ السَّبُعَ الغالِبَ عَلى قُطْرِهِ، أوْ لِصِغَرِ يُوسُفَ فَخافَ عَلَيْهِ هَذا السَّبُعَ الحَقِيرَ، وكانَ تَنْبِيهًا عَلى خَوْفِهِ عَلَيْهِ ما هو أعْظَمُ افْتِرِاسًا، ولِحَقارَةِ الذِّئْبِ خَصَّهُ الرَّبِيعُ بْنُ ضَبُعٍ الفَزارِيُّ في كَوْنِهِ يَخْشاهُ لَمّا بَلَغَ مِنَ السِّنِّ في قَوْلِهِ:

؎والذِّئْبُ أخْشاهُ إنْ مَرَرْتُ بِهِ ∗∗∗ وحْدِي وأخْشى الرِّياحَ والمَطَرا

وكانَ يَعْقُوبُ بِقَوْلِهِ: ﴿وأخافُ أنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ﴾ لَقَّنَهم ما يَقُولُونَ مِنَ العُذْرِ إذا جاءُوا ولَيْسَ مَعَهم يُوسُفُ، فَلُقِّنُوا ذَلِكَ وجَعَلُوهُ عُدَّةً لِلْجَوابِ، وتَقَدَّمَ خِلافُ القُرّاءِ في ”يَحْزَنُ“ . وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وابْنُ هُرْمُزَ وابْنُ مُحَيْصِنٍ: (لَيَحْزُنِّي) بِتَشْدِيدِ النُّونِ، والجُمْهُورُ بِالفَكِّ، و﴿لَيَحْزُنُنِي﴾ مُضارِعٌ مُسْتَقْبَلٌ لا حالٌ؛ لِأنَّ المُضارِعَ إذا أُسْنِدَ إلى مُتَوَقَّعٍ تَخَلَّصَ لِلِاسْتِقْبالِ، لِأنَّ ذَلِكَ المُتَوَقَّعَ مُسْتَقْبَلٌ وهو المُسَبِّبُ لِأثَرِهِ، فَمُحالُ أنْ يَتَقَدَّمَ الأثَرُ عَلَيْهِ، فالذَّهابُ لَمْ يَقَعْ، فالحُزْنُ لَمْ يَقَعْ، كَما قالَ:

؎يُهُولُكَ أنْ تَمُوتَ وأنْتَ مُلْغٍ ∗∗∗ لِما فِيهِ النَّجاةُ مِنَ العَذابِ

وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: ﴿تَذْهَبُوا بِهِ﴾ مِن أذْهَبَ رُباعِيًّا، ويَخْرُجُ عَلى زِيادَةِ الباءِ في بِهِ، كَما خَرَّجَ بَعْضُهم ﴿تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ﴾ [المؤمنون: ٢٠] في قِراءَةِ مَن ضَمَّ التّاءَ وكَسَرَ الباءَ أيْ: (تُنْبِتُ الدُّهْنَ، وتُذْهِبُوهُ) وقَرَأ الجُمْهُورُ: (الذِّئْبُ) بِالهَمْزِ؛ وهي لُغَةُ الحِجازِ، وقَرَأ الكِسائِيُّ ووَرْشٌ وحَمْزَةُ: إذا وقَفَ بِغَيْرِ هَمْزٍ، وقالَ نَصْرٌ: سَمِعْتُ أبا عُمَرَ ولا يَهْمِزُ، وعَدَلَ إخْوَةُ يُوسُفَ عَنْ أحَدِ الشَّيْئَيْنِ وهو حُزْنُهُ عَلى ذَهابِهِمْ بِهِ لِقِصَرِ مُدَّةِ الحُزْنِ، وإيهامِهِمْ أنَّهم يَرْجِعُونَ بِهِ إلَيْهِ عَنْ قَرِيبٍ، وعَدَلُوا إلى قَضِيَّةِ الذِّئْبِ وهو السَّبَبُ الأقْوى في مَنعِهِ أنْ تَذْهَبُوا بِهِ، فَحَلَفُوا لَهُ لَئِنْ كانَ ما خافَهُ مِن خَطْفَةِ الذِّئْبِ أخاهم مِن بَيْنِهِمْ، وحالُهم أنَّهم عَشَرَةُ رِجالٍ بِمِثْلِهِمْ تُعْصَبُ الأُمُورُ وتُكْفى الخُطُوبُ (إنَّهم إذًا لَقَوْمٌ خاسِرُونَ) أيْ: هالِكُونَ ضَعْفًا وخَوَرًا وعَجْزًا، أوْ مُسْتَحِقُّونَ أنْ يَهْلِكُوا؛ لِأنَّهم لا غِنى عِنْدَهِمْ ولا جَدْوى في حَياتِهِمْ، أوْ مُسْتَحِقُّونَ بِأنْ يُدْعى عَلَيْهِمْ بِالخَسارِ والدَّمارِ، وأنْ يُقالَ: خَسَّرَهُمُ اللَّهُ ودَمَّرَهم حِينَ أكَلَ الذِّئْبُ بَعْضَهم وهم حاضِرُونَ، وقِيلَ: إنْ لَمْ نَقْدِرْ عَلى حِفْظِ بَعْضِنا فَقَدْ هَلَكَتْ مَواشِينا إذًا وخَسِرْنا، ورُوِيَ أنَّ يَعْقُوبَ رَأى في مَنامِهِ كَأنَّهُ عَلى ذُرْوَةِ جَبَلٍ، وكانَ يُوسُفُ في بَطْنِ الوادِي، فَإذا عَشَرَةٌ مِنَ الذِّئابِ قَدِ احْتَوَشَتْهُ يُرِدْنَ أكْلَهُ، فَدَرَأ عَنْهُ واحِدٌ، ثُمَّ انْشَقَّتِ الأرْضُ فَتَوارى يُوسُفُ فِيها ثَلاثَةَ أيّامٍ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском